الاثنين، 13 مارس، 2006

ماذا تعلمنا هجرة الرسول ؟

  • خطبة الجمعة 4 محرم 1427هـ الموافق 3 فبراير 2006
حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله والحمد دائماً لله، والشكر دائماً لله، والصلاة والسلام دائماً على رسول الله.
عباد الله: إنّا في هذه الأيام ونحن نتذكر دروس الهجرة، ونتأمل ونتدبر في تاريخ البعثة المحمدية، ونتدبر قانون الله على هذه الأرض، وقد جعل انتشار دين الحق وانتشار كل رسالات السماء، من خلال جهاد، ومن خلال فكرٍ وعملٍ وصراعٍ، يدور بين معسكر الحق ومعسكر الباطل، بين الذين يُرشدون إلى طريق الحياة وبين الذين يوجهون إلى طريق الموت. وهذا هو حال الدنيا منذ القدم
"وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَر.." [المائدة 27]
هذا هو قانون الأرض، دائماً كان هناك من يدعو إلى اتجاهٍ، ومن كان يدعو إلى اتجاه مضاد، واليوم كذلك، وغداً سيظل الأمر كذلك، إنها الأرض بقانونها وبحكمة الله في خلقها.
"..إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة.." [البقرة 30]
فكان الإنسان بوجوده، هو في معنى خلافة الله على هذه الأرض، وكان الإنسان بوجوده، إما في طريق الحق، وإما في طريق الباطل
" وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا " [الشمس 7-10]
 فليس الهدف أن يكون الناس جميعاً في اتجاه واحد، وإنما الهدف أن يظل هذا الاختلاف، وأن يظل هذا الحوار بجميع صوره وأشكاله، قائماً على هذه الأرض. وكل الرسل حين ظهروا على هذه الأرض، حوربوا واضطهدوا، وكان انتشار دعوتهم من خلال الحوار، ومن خلال الجهاد، ومن خلال الاختلاف، وما يستتبعه من صراعات بصور مختلفة.. إرادة الله في هذا الاختلاف، إرادة الله في هذا التنوع، إرادة الله أن يكون هناك الشيطان، وأن يكون هناك الإنسان الذي هو خليفة الله على هذه الأرض:
 "..اهْبِطَا مِنْهَا.." [طه 123]

هكذا خاطب الله آدم وإبليس، فكانت حكمته أن يتواجد آدم وإبليس على هذه الأرض.
الذي يسلك طريق الحق، يتخذ الأسباب وقوانين هذه الأرض حتى يستطيع أن ينشر دعوته، لا يعتمد على خرق للعادة، ولا يعتمد على أن هناك غيباً سوف ينصره بدون جهدٍ، وبدون جهادٍ، وبدون دعوةٍ وحوارٍ وفكرٍ، وقد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى صراع وحرب على هذه الأرض بقوانينها وبأساليبها. كانت الهجرة إذاً هي في ظل هذا القانون الأرضي. حين اشتد أذى الكفار في مكة، وحين أصبح رسول الله والذين معه في خطرٍ من وجودهم في هذه البقعة، والله حافظٌ لهم، وقد يقول قائل ألم يكن يستطيع الله أن يحفظهم في مكة، وأن يقويهم في مكة، وأن يجعلهم ينتصروا وهم في مكة؟
كما قلنا ليست القضية هنا أن نقول أن الله قادرٌ أو غير قادر –حاشا لله- وإنما هو قانون الله، قدرة الله في قانونه، وفي آلياته، وفي أساليبه، وفي أسبابه، وفي أن يكون هناك درس للناس جميعاً، أن يتخذوا الأسباب، وأن يتبعوا الطريق القويم، وأن يعلموا دائماً أن هناك فكراً مضاداً، واتجاهاً مضاداً لهم ولأفكارهم .. فكانت الهجرة هي تعبيرٌ عن اتخاذ هذه الأسباب، واللجوء إلى مكان حصين آمن، حتى يعد المسلمون أنفسهم، ويُجَمِّعوا قوتهم، ويستطيعوا أن يقفوا أمام هذا الظلام..
حين ننظر في أحداث الهجرة، نجد أن هناك أحداثاً خرجت عن المألوف من ظواهر هذه الأرض، وقد يقول قائل أليس في هذا تناقض لما نقوله من أن القانون سارٍ على الجميع؟ نقول أن ما حدث هو في إطار القانون، وأن الإنسان يوم يبذل كل جهده وكل قدراته وكل إمكاناته، فإنه يكون بذلك أهلاً لقوةٍ أكبر من هذه الأرض تساعده في حركته، لا يكون ذلك وهو يهمل أمراً، وهو يفرط في سببٍ، وإنما تكون هذه الرعاية الغيبية يوم يكون قد بذل الجهد واتخذ السبب واجتهد في أمره، في هذه اللحظة تكون هناك رعاية غيبية للإنسان .. لقد هاجر الرسول ولم يصر على بقائه في هذا المكان، واتخذ جميع التدابير بقدر استطاعته وإمكاناته، هنا تتدخل إرادة الله الغيبية، فتحدث بعض الظواهر التي تساعده  في حركته وفي هجرته، فيخرج أمام المرابطين أمام بيته دون أن يروه، ويدخل في غارٍ وينسج العنكبوت نسيجه أمامه فلا يدخله من يتابعوه.
 هكذا نجد بعض الظواهر الغيبية التي ساعدت، ولكن في إطارٍ – كما قلنا – من المساعدة لمن اجتهد، ولمن اتخذ السبب، واتجه في الطريق القويم. هكذا نجد في أحداثٍ كثيرة، نجد في بدر وكان المسلمون قلة
"..كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ.." [البقرة 249]
نجد التدخل الغيبي والمساعدة الروحية، وفي أُحد يوم تخلّى المسلمون عما أمروا به، لم يتدخل الغيب ليحميهم أو ليساعدهم، لأنهم لم يساعدوا أنفسهم ولم يلتزموا بما أمروا به .. هذا هو القانون، على الإنسان أن يبذل كل طاقاته وكل إمكاناته، لا بالكلام الأجوف، وإنما بالعمل الصالح، وبأن يكون قدوةً صالحة، وأن يكون فكراً منيراً.
يغضب المسلمون اليوم لما يجدوه في الغرب من إهانات لنبيهم الكريم – في نظرهم – والإهانات هي لهم هم، وقد كانوا أسوأ مثلاً، لم يفهموا ولم يدركوا ما جاءهم به رسولهم ورسول الله لهم، وظنوا أنهم بحرفيتهم الشديدة يؤمنون، ولم يدركوا أنهم بهذه الحرفية إنما هم فرطوا في أمر دينهم الذي أمرهم أن يُعملوا عقولهم، وأن يتدبروا أمور حياتهم، وأن يتبعوا ما هو أحسن و أفضل وأقوم، وأن يتعلموا أن الهدف هو الأحسن والأقوم والأفضل، وأن الكلمات هي تعبيرٌ عما هو أحسن، في لحظة ما، في وقت ما، في ظرف ما، وأن العبرة بالمقصد، وأن على المسلم الحق أن يتأمل في آيات الله وفي أحاديث رسول الله، بتعمقٍ وتفكرٍ وتدبر، وأن يتبع المعنى الأساسي الذي يتفق مع أمورٍ أخرى.
 فالآيات تفسر بعضها بعضا، والأحاديث تفسر بعضها بعضا، ولا يجب أن نختزل قرارنا وعقيدتنا،  بحديثٍ من كلماتٍ محدودة، قيل في إطارٍ وفي مضمونٍ معين، وهناك حديث آخر يفسره ويوضحه. لا نأخذ مجرد كلمات مبتورة، ونقول أنها حديث، يُبنى عليه فكر، ويُبنى عليه مسلك ومنهج، إنما علينا أن ننظر إلى كل الأحاديث وإلى كل الآيات، كبنيان واحد متكامل يوضح بعضه بعضا، هناك العام وهناك الخاص، هناك المطلق وهناك المقيد، والهدف في النهاية أن تكون أمة صالحة نافعة، تستطيع أن تقدم شيئاً للبشرية، وأن تكون مثلاً صالحاً للإنسانية، في فكرها وعلمها، في عملها وإتقانها، في إخلاصها وصدقها، في تقدمها وازدهارها، في احترامها للإنسان ولكل كائن من كان على هذه الأرض، في عقولٍ متفتحة متقبلة متنورة، وليس في عقولٍ منغلقة متجمدة، في أمةٍ تعرف هدفها وتعرف مقصودها، تعرف أن عليها أن تعبد الله حقاً، بإخلاصها في علمها وفي عملها وفي إخلاصها، ليست مجرد كلمات يلوكها اللسان، وليست مجرد حركات تقوم فيها الأجساد، وإنما في ممارسات ومعاملات ترفع من قيمة الإنسان، وتجعله أكثر علماً، وأكثر عملا،ً وأكثر نفعاً، وأكثر صلاحاً وإصلاحاً، فأين هو الإسلام في مجتمعاتنا وفي أفكارنا وفي معتقداتنا؟. الكل يظن أن هناك من يتربص بالمسلمين، والمسلمون لا يستحقون أن يتربص بهم أحد، إنهم يضرون أنفسهم أكثر من أي إنسان آخر، بجهلهم، وبقلة فكرهم، وبتجمدهم، إلا من رحم الله.
عباد الله: نسأل الله أن يرفع هذه الغمة، وأن يجعل منا أداة خيرٍ وسلامٍ ورحمة، لنا ولمجتمعنا ولأمتنا.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله ..
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ..
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن الإنسان عليه أن يتخذ أسباب وقوانين هذه الأرض، ليعبر عن فكره وعن معتقده، وأن كل إنسانٍ عليه أن يدفع فيما يرى أنه الخير وفيما يرى أنه الحق، وأن ليس الهدف أن يصير الناس جميعاً في فكر واحد، أو أن يكون الجميع في إيمان بشكل واحد، وبصورة واحدة، والاختلاف سيظل قائماً
" وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً.." [هود 118]
إنما
" ..وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُم.. " [الحجرات 13]
فالاختلاف سيظل قائماً على هذه الأرض، وسيستمر الصراع بين جميع الأفكار والمعتقدات، وكل إنسانٍ يريد أن يؤدي رسالته، عليه أن يتخذ الأسباب التي تمكنه من أن يقول ما يعتقده، وما يعتقده ليس حقاً مطلقاً، إنما هو حقٌ نسبي يراه، ودوره أن يحاول أن يوضحه، بغض النظر عن أنه أفضل أو أقل، أصوب أو أكثر خطأً.
 فإن على الإنسان أن يحاول فيما يعتقد، وهذا هو الذي يجعله في معنى الحياة، وهذا هو الذي يجعله يعمل ويبحث، ويقدم ما يراه بصور يعتقد أنها أفضل، لذلك كان الحديث:
"من اجتهد فأخطأ فله أجر، ومن اجتهد فأصاب فله أجران "
لأن هنا العبرة في هذا الحديث بمحاولة الإنسان أن يجتهد، هذا هو المهم، المهم أن يحاول أن يسلك طريق الحق، من خلال أن يتعلم قانون هذه الأرض. الإنسان الذي يبذل جهداً، ويحاول بكل الطرق سلوك ما هو حق، يساعده الغيب إذا احتاج إلى ذلك لاستمرار طريقه ودعوته، على الإنسان ألاَّ يفكر في ذلك مسبقاً، إنما الدعم الإلهي الغيبي سوف يجيء في وقته .. على الإنسان أن يعمل بقانون هذه الأرض، وأن يجتهد بقدر ما يستطيع. هذا ما نتعلمه من أحداث تاريخنا، وأحداث حاضرنا أيضاً، وما سيكون عليه الحال في مستقبلنا، فقوانين هذه الأرض سارية عليها منذ القدم، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها سيظل قانونه سارياً عليها.
اللهم وهذا حالنا، وهذا فهمنا، وهذا قيامنا، نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم ونحن نسألك الخير كل الخير، والنور كل النور، والحق كل الحق.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم ألف بين قلوبنا           اللهم احيي قلوبنا
اللهم ألف بين أرواحنا         اللهم طهر أرواحنا
اللهم زكي نفوسنا             اللهم اثلج صدورنا
اللهم كن لنا في الصغير والكبير من شأننا.
اللهم كن لنا فيما نعلم، وفيما لا نعلم، وفيما أنت به أعلم.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجة لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
" رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ " [آل عمران 8]