الأحد، 6 مارس، 2016

الإنسان سيدٌ على وجوده، والأمة سيدةٌ على مجتمعها، والدين مُلهِمٌ للإنسان

حديث الجمعة
 21 ربيع أول 1437هـةالموافق 1 يناير 2016م
السيد/ علي رافع

      حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.

      الحمد لله، والحمد دائماً لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

      عباد الله: جاءت الأديان جميعها لتكشف للإنسان عما هو قائمٌ بين جوانحه وعما هو قائمٌ على أرضه، وهذا ما نطلق عليه قانون الحياة وأسباب هذا الوجود، فحين تُعلِّمنا آيات الحق وتخبرنا عن معنى الغيب في حياتنا، فهي تخبرنا بواقعٍ نقوم فيه جميعاً، "ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ..."[البقرة 3،2]. والإيمان بالغيب، هو واقعٌ يستطيع كل إنسانٍ أن يدركه.

      فالإنسان يدرك أن هناك الكثير الذي لا يعرفه، ويمكننا جميعاً ـ كبشر ـ أن نجتمع على ذلك، ولا يستطيع أي إنسانٍ على هذه الأرض أن يَدَّعي أنه محيطٌ بكل شيئ، حتى في أمور الدنيا وقوانينها وعلومها المشهودة، فما بالنا بما وراء هذا الكون من قوانين وحياة.

      فحين يحدثنا الحق وتحدثنا الآيات عن هذا، فهي تقر أمراً واقعاً. ويدخل في الغيب أمورٌ كثيرة، فالقوى وراء هذا الكون وخلقه ووجوده غيبٌ علينا، وما يحدث للإنسان بعد هذه الأرض هو غيبٌ علينا أيضاً.

      لذلك، كان هناك غيبٌ وشهادة، ونجد أياتٍ كثيرة تربط بين الغيب والشهادة، "ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ..."، هذا هو الجزء الغيبي. "...وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"[البقرة 3]، "أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"[البقرة 5]، فالشهادة في الذين "...يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ".

      والصلاة هنا، تعكس إيمانهم بالغيب، فتكون صلاتهم هي فعلٌ يريدون به أن يُوصَلوا بهذا الغيب، أن يخاطبوا هذا الغيب، أن يتلقوا قوةً من هذا الغيب. "...وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"، هي كل عملٍ صالحٍ على هذه الأرض. فالرزق هنا، كل ما يتلقاه الإنسان على هذه الأرض، من مالٍ، أو من علمٍ، أو من قوةٍ، أو من جاهٍ، أو سلطانٍ، أو تمكينٍ، أياً كان. والإنفاق، هو العمل الصالح بما حصل عليه الإنسان.

      وهذا المعنى يتكرر كثيراً في آياتٍ أخرى، "...مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً..."[البقرة 62]. "...بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ..." غيب. "...وَعَمِلَ صَالِحاً..."، هي شهادة. والشهادة أمران، شهادةٌ فيها تبليغٌ علوي كاشفٌ للإنسان عما يجب أن يقوم به في علاقته بهذا الغيب، وتبليغٌ فيه توجيهٌ لما يجب أن يكون عليه الإنسان في علاقته بهذه الأرض ومن عليها.

      الشق الخاص بالعلاقة بالغيب، وما نطلق عليه في كثيرٍ من الأحيان العبادة أو العبادات، وهذه العبادات لها مضمونٌ ولها شكلٌ، والمضمون هو واحدٌ، والشكل متعددٌ، "...لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا..."[المائدة 48]، "...كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ..."[البقرة  183]. صورٌ مختلفةٌ للصوم، صورٌ مختلفةٌ للصلاة.

      وهذه الأمور التَعبُّدية جاءت بها الأديان جميعاً بمفهومها الحقيّ. أما شكلها الظاهريّ، ففي بعض الأديان قام به الرسل وبيَّنوه للناس، وفي بعض الأديان الأخرى اجتهد المتابعون في صورٍ تصوروها أو سَنُّوها.

      فهناك الكثير من الطقوس في المسيحية مثلاً، قامت بها الكنيسة بعد أن رُفِع المسيح ـ عليه السلام ـ وفي عقيدتهم أن هؤلاء الذين أسسوا هذه الكنائس المختلفة، تلقوا من الغيب أو بعلاقتهم بالمسيح ـ عليه السلام ـ ما ألهمهم بأن يقوموا بما قاموا به.

      وفي الرسالة المحمدية، فإنا نجد هذه العبادات موثقة بفعل الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلا أن هناك بعض الاجتهادات الفقهية التي ـ أيضاً ـ ليست لها سندٌ قدسيّ، ولذلك نجد في بعض الأحيان اختلافاتٌ في الشكل في التأدية، مما لا يُفقِد جوهر الشعيرة في حقيقتها.

      ونجد ـ أيضاً ـ بعض الطقوس التي نؤديها، وهي ليست من مصدرٍ مقدس، مثل متابعة بعض ما جاء به الصوفية من أورادٍ أو من أذكارٍ بصورةٍ معينة، وهي تَزَوُّدٌ في التَعبُّد، قد يساعد الإنسان ولكنه لا يحمل جديداً ولا يعبر عن جوهرٍ في علاقة الإنسان بربه، وكل ذكرٍ هو صلة، فهو يتبع المبدأ الرئيسي والقانون الأساسي الذي جاء به الدين، وهو الصلاة.

      فالصلاة هنا، هي المبدأ والقانون الرئيسيّ، والصلاة بمقصودها ـ ما نقصده. ويوم يقوم الإنسان بالشكل المتواتر عن رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فهو يقيم صلةً ـ أيضاً ـ برسول الله، وهذا ما يجعل الصلاة المعروفة عن رسول الله لها قيمتها، الذي يجب أن نقرؤه دائماً ونتعلمه دائماً.

      وأما الأمور الدنيوية التي هي الشق الآخر من الشهادة في المعاملات، فقد جاءت الأديان بمقاصد كلية في هذه التعاملات، وأكبرت قِيَماً ومقاصد يجدها الإنسان في داخله، من الصدق، ومن الأمانة، ومن عدم الاعتداء على الآخرين، ومن عدم التجاوز في حقوقهم، ومن احترام الإنسان، ومن احترام كل الكائنات بكل صورها، ومن التعاطف والتكامل. وهذا هو الأساس في كل التعاملات المادية. وما جاءت به من بعض الأحكام للمخالف لهذه الأمور الإنسانية، جاءت لتُوصِّل رسالةً عن أهمية هذه التعاملات وعن قيمتها وعن تقديرها.

      لذلك، فإن الإنسان على مستواه الفرديّ، مطالبٌ بأن يبحث في الشق التَعبُّديّ الذي يؤهله لأن يكون في علاقةٍ مع ربه. والمجتمع في الشق الدنيويّ مطالبٌ بأن يوجد من القوانين والممارسات ما يجعل هذا التعامل تعاملاً فيه المقاصد الكلية.

      والمشكلة التي يقع فيها البعض ـ في ظنهم ـ أنهم يريدون أن يطبقوا ما أمر به الله، هو ظنهم أنهم يعرفون ما أراد الله، أو أن معرفتهم المحدودة هي إرادة الله، وهي مقولةٌ فيها تجاوزٌ لحدودهم، فلا يستطيع أحدٌ ـ أياً كان ـ أن يتكلم باسم الله، أو أن يحكم باسم الله، أو أن يقول أن هذا ما أراد الله.

      وذلك يقودنا إلى أن الإنسان هو المُخَلَّف على هذه الأرض، "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..."[البقرة 30]،  فيصبح الإنسان بما يعتقد، هو ما يجب أن يقوم فيه. فالإنسان سيدٌ على وجوده، والأمة سيدةٌ على مجتمعها، والدين مُلهِمٌ للإنسان، وكل شيئٍ في التعامل الأرضيّ هو نسبيّ بما يدركه الإنسان ويعقله، ولا يستطيع إلا أن يكون كذلك.

      فأنت حين تريد أن تحقق أمراً فإنك تدرسه بإمكانياتك وقدراتك، ولا تستطيع غير ذلك، وقد تُوفَّق، وقد لا تُوفَّق، إنما لا تستطيع أن تنهج نهجاً آخر، وعلاقتك بالغيب قائمةٌ على أنك لا تعرف، وهذا هو الإيمان بالغيب.

      لذلك، ففي الأمور التَعبُّدية أنت تقوم بها رغبةً في أن تكون في صلةٍ بالغيب، بدون شكلٍ وبدون صورة، وهذا أمرٌ أساسه إيمانك بأن هناك ما لا تدرك، وتُذكِّر نفسك بذلك دائماً لتكون أهلاً لتوفيق الله، وهذا هو الصدق مع النفس، ومع العقل، ومع القلب، وليست هناك صورةٌ يمكنك أن تجسدها في كل تعاملٍ أو في كل حكمٍ أو في كل أمرٍ، فتتبعه دون فهمٍ ودون وعيٍ، ليست هناك هذه الأنماط التي يتصورها البعض.

      عباد الله: نسأل الله: أن نكون حقاً من الذين يؤمنون بالغيب، ويقيمون الشهادة في صلاحٍ وإصلاح، وأن نكون بذلك مطبقين لشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

      نسأل الله: أن يوفقنا لذلك، وأن يجعلنا أهلاً لذلك.

      فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

      ما أردنا أن نقوله اليوم: أن الإنسان على هذه الأرض هناك جانبٌ غيبيٌّ في حياته، وهناك جانبٌ مشهودٌ على أرضه. الجانب الغيبيّ أساسه أننا جميعاً ندرك أننا لا يمكن أن نحيط بكل شيئ. والجانب المشهود هو أننا إذا تعاملنا فيجب أن يكون عملنا قائماً على الصدق والأمانة والإخلاص والعدل في كل معاملاتنا، بما نستطيع أن نطبقه من هذه القيم الكلية.

      وأن أساس علاقة الإنسان بالغيب، هي علاقةٌ، الإنسان هو أساسها، بما يستطيع أن يدركه وبما يستطيع أن يقوم فيه، وأن يكون صادقاً مع ما يعتقده. فإذا كان يعتقد حقاً أن الله غيبٌ، حاول أن تكون علاقته بهذا الغيب من خلال قيامه في أمرٍ تَعبُّديّ، أو في حالٍ تَعبُّديّ، يتجه فيه إلى هذا الغيب بكل حواسه، بعقله، وقلبه، ودعائه، ونيته، مدركاً أن خالقه يسمعه، "...أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ..."[الكهف 26]، "...ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..."[غافر 60]، وهذا أمرٌ يخصه، لا يستطيع أحد أن يفرض عليه شيئاً، فما في داخل الإنسان هو ملك الإنسان، لا يستطيع غير الإنسان أن يدخل إلى ما في الإنسان من أسرارٍ وأفكارٍ ونياتٍ، لا يستطيع أحد ذلك.

      وفيما يخص الإنسان على أرضه في معاملاته، فالمجتمع هو الحاكم لذلك، بما يسنُّه من قوانين وبما يضعه من قواعد للتعامل بين أفراده، وما يضع من أحكامٍ لمن يخرج عن هذا القانون. فهذه قضية المجتمع، والدين وضح ذلك، "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ..."[آل عمران 104].  

      وبالنسبة للإنسان، فقد أمر الله كل إنسانٍ أن يكون مسئولاً، "...لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى..."[الأنعام 164]، "وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى"[النجم 39]،"فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ"[الزلزلة 8،7].

      فالأساس هنا هو الإنسان، لا يستطيع فردٌ أو جماعةٌ أن تتحدث باسم الله، فالله أكبر عن أي صورةٍ وعن أي شكل، وإرادة الله أكبر عن أي صورةٍ وعن أي شكل، وقد أعطى الله الحرية للإنسان يوم قال: "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً...".

      وخلافة الإنسان على الأرض، تعني أنه يطبق ما يفهم أنه الحق وأنه الخير وأنه الصلاح. والخلافة هنا، له على نفسه، وللمجموع على المجتمع؛ لأن الجميع خلفاء. فإذا كان الإنسان سيد نفسه، فلا يمكن أن يكون إنسانٌ سيدٌ للآخرين، وإنما السيادة في المجتمع للمجتمع بأفراده، ولهم أن يضعوا المعايير والطرق التي تُمَكَّنهم من أن ينفذوا ذلك على أرض الواقع.

      وهذا، ما تطورت فيه البشرية بالفطرة إلى نظمٍ مختلفة، لاختيار مندوبين يجتمعون ويتشاورون، ويرجعون إلى الأمة إذا لم يتفقوا، في صيغٍ مختلفة.

      عباد الله: نسأل الله: أن نكون من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ..."[الزمر 18]،  وأن نكون صادقين مع أنفسنا ومع ضمائرنا ومع عقولنا ومع قلوبنا، وأن نتجه إلى الله دوماً أن يساعدنا وأن يعيننا وأن يُقَوِّينا على ظلام نفوسنا وشرور أعمالنا.

اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.

      اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.

      اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.

      اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.

      اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.

      اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.

      يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.       




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق