الجمعة، 2 ديسمبر، 2016

إدراك الإنسان لمعنى العبوديّة لله هو في إدراكه لاستحضار الله معه في كلّ حالٍ

حديث الجمعة
 13 شعبان 1437هـ الموافق 20 مايو 2016م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من الشيطان الرجيم، نعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، نسأله أن نكون من الذين هداهم الله، "اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ"[الفاتحة 7،6]، هكذا ندعو الله في كل صلاة وفي كل قراءةٍ للفاتحة، فــ"...لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ"[الأنعام 77].
عباد الله: يا من ترجون لقاء الله ويا من تجتمعون على ذكر الله، حديث الحق موجَّهٌ إليكم، يذكِّركم ويرشدكم إلى طريق الحياة الذي جاءت به كل الرسالات، والذي جاء به كل الرسل والأنبياء والأولياء وعباد الله الصالحون، جاءوا ليذكِّروا الإنسان بما عاهد الله عليه، وعهد الله موجودٌ في كل إنسانٍ بفطرته وبأمانة الحياة التي حملها وبسر الله الذي أَوْجَد فيه.
فكلّ إنسانٍ هو مؤهلٌ للحياة، مؤهلٌ ليكون عبداً لله، ومؤهلٌ أيضاً أن يكون أهلاً للفناء وأن يخرج من معنى العبوديّة لله. وهذا ما جاءت به آيات الله، تعلّمنا حالنا ومآلنا، "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا"[الشمس 10:7].
نحن نتكلّم عن من أفلح وزكاها. نتكلّم عن "...مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى""[الليل 7:5]. نتكلّم عن الذي استجاب لأمر الله، فاستعان بالصبر والصلاة. نتكلّم عن "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..."[آل عمران 191]. نتكلّم عن الذين يعاملون الناس بما يحبون أن يُعامَلوا به. نتكلّم عن الذين يقيمون الميزان، "وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ"[الرحمن 9]. نتكلّم عن الذين يستجيبون لما كشف الله لهم من قانونه وأمره، "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى..."[النحل 90]. نتكلّم عن الذين يسيرون في الأرض فينظرون كيف خلق الله الخلق. نتكلّم عن الذين يعملون الصالحات. نتكلّم عن "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"[البقرة 3]. نتكلّم عن "...مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ"[المائدة 69].
حين نقرأ كلّ هذه الآيات، ونسمع كلّ هذه الآيات، ونتدبّر في كلّ هذه الآيات، نتعلّم طريق الحياة، طريق الحياة الذي أساسه العبوديّة لله، إدراك العبوديّة لله، وهذا هو الفارق بين إنسانٍ وإنسان، "إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا"[مريم 93]، هذا قانون، ولكن هل يدرك كل النّاس أنّهم آتوا الرحمن عبدا؟.
إن إدراكك لأنّك "...آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا"، هو قيامك في العبوديّة لله بإرادتك وفهمك وعملك، وهذا هو الإدراك الذي يفرق بين الإنسان وكلّ الكائنات الأخرى، فكلّ الكائنات الأخرى لا تملك ما يملكه الإنسان من الفكر والإرادة، من الفهم والعمل.
لذلك، فإن الإنسان قد تَميّز "..كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ..."[الإسراء 70]، و[ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره في الإنسان](1)، "...إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..."[البقرة 30]، "وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا..."[البقرة 31]، وما آدم إلّا هو رمزٌ للإنسان.
هذه القدرة على الإدراك لمعنى العبوديّة لله هي ما يميّز الإنسان. والعبوديّة لله لها شقان، شقٌّ ظاهرٌ وشقٌّ باطنٌ، شقٌّ ماديّ وآخر معنويّ، شقٌّ مشهود وشقٌ غيبيّ.
الشقّ المشهود الماديّ الأرضيّ هو قيام الإنسان على هذه الأرض، هو عمل الإنسان على هذه الأرض، هو معاملات الإنسان على هذه الأرض. لذلك، كان عمل الإنسان هو جزءٌ من عبادة الله، "إن الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"(2)، لأن إتقان العمل عبادة، والعبادة تعريفها هو أنك تقوم بشيء وأنت ترى الله، "أعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"(3).
وإذا قلنا أن هذا هو مقام الإحسان، فإن هذا المقام ضروريّ حتى تستطيع أن تعرج في معارج الله، وأن تسلك طريق الله، إنّه ليس أمراً زائداً عمّا تستطيع، إنّه ليس ترفاً ولا زيادةً، إنّه أمرٌ أساسيّ.
لا تقل أنّ هذا المقام لم أصل إليه بعد، وإنّما تقول إنّي أريد أن أقوم فيه الآن، فإن لم تكن قائماً فيه، فاطلب من الله أن يساعدك أن تقوم فيه، واعلم أن أيّ خطوةٍ تخطوها لا تستقيم إلّا بقيامك في هذا الحال، وأوّل القيام هو أن تفهم هذا المقام، وأن تفهم معنى العبادة.
إنّ النّاس حين يعبّرون عن العبادة، يقصرونها على أمورٍ يعتقدون أنّهم إنْ أُمِروا بها فلا يجب أن يفهموها، فيقولون أن قيامك في الصلاة عبادة لأنك تقوم فيها ولا تعرف معناها ولا مغزاها، فأنت تقوم فيها لأنّك أُمِرت بها وفقط.
ولكن إذا نظرنا إلى العبادة من مفهومٍ آخر، سوف نجد أنّها أمرٌ وأنت تقوم به تطلب أن تكون في صلةٍ مع الله، أن تكون في حضرة الله، أن تفعله وأنت لا تنتظر شيئاً من إنسان، إنه شيءٌ تفعله لأنك تريد أن تكون في علاقةٍ مع الله، وتشعر بمعيّة الله، "...مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ..."[الحديد 4]، و"...أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ"[ق 16]. فأيّ فعلٍ تفعله وأنت لا ترى إلّا الله فهو عبادة.
إنّك تتقن عملك لأنّك ترى الله، لا رقيب عليك إلا الله، والله يتجلّى في رقابته عليك فيما أوجد فيك من ضميرٍ ومن محاسبةٍ للنفس. فأيّ عملٍ تعمله وأنت تستحضر هذا المعنى هو عبادة، سواء كان هذا أمراً ماديّاً أو أمراً غيبياً، فأنت تتعامل مع النّاس بما ترى أنه الحقّ، لأنك تؤمن بأن الله يسمع ويرى، "...أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ..."[الكهف 26]، لأنّك تتعامل مع الله.
لذلك، فإن كلّ عملٍ أرضيّ هو عملٌ تعبُّديّ، إذا كنت تراقب الله فيه، وأيّ أمرٍ غيبيّ له ظاهرٌ أنك تذكر وتتعبّد، هو أمرٌ ماديّ لا قيمة له، إن كنت لا ترى الله فيه، فإذا صليت رياءً للنّاس، ليقولوا أنك مصلٍّ، فهو أمرٌ ماديّ، لم تأخذ منه إلا القيام والقعود، [فكم من مصلٍّ لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدا](4).
فإدراك الإنسان لمعنى العبوديّة لله هو في إدراكه لاستحضار الله معه في كلّ عملٍ، وفي كلّ عبادةٍ، وكلّ حالٍ، ونحن نقول عملٌ وعبادة لمجرد اللغة، وإنّما العمل الصالح هو عبادة، والعبادة الصالحة هي عملٌ. ولكنّ اللغة تلزمنا لنفرّق بين ما هو ماديّ، وما هو معنويّ. فقد اصطُلِح أنّ العمل هو العمل الأرضيّ، وأن العبادة هي العمل الروحيّ.
ولكنّك إذا أدركت ـ كما قلنا ـ فإنّ كلّ شيءٍ هو عبادة بمعنى أنك تستحضر الله فيه، وكلّ عبادةٍ هي عملٌ بمعنى أنه له تأثيرٌ عليك أوّلاً وعلى الآخرين على هذه الأرض. فدعاؤك عبادة لأنّك تستحضر علاقتك بالله، ودعاؤك عملٌ لأنّ باستجابة الله له يغيّر ما هو قائمٌ على هذه الأرض. علينا أن نتفهَّم هذه القضيّة جيداً لأنّها هي التي تجعلنا نتحرك في طريق الله.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ..."[الزمر 18]، وأن نتفهَّم ما نسمع، وأن نعي ما يُقال، حتى نكون أهلاً لرحمة الله ولتوفيق الله ولمغفرة الله.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم هو: أنّنا مخلوقون لنكون عباداً لله، وإدراكنا لمعنى عبوديّتنا لله هو الذي يفرّق بيننا وبين كلّ الكائنات الأخرى، بل أن ما يفرّق بين إنسانٍ وإنسان هو مدى إدراكه لمعنى عبوديّته لله، والعبوديّة لله لها شقٌ أرضيّ، وشقٌ عُلويّ.
الشقّ الأرضيّ هو عمل الإنسان على هذه الأرض، كلّ أفعال الإنسان على هذه الأرض التي لها أثرٌ واضحٌ على هذه الأرض، لها أثرٌ مشهودٌ على هذه الأرض. فأنت حين تبني ترى بناءك، وحين تزرع ترى زرعك، وحين تدفع بالتي هي أحسن ترى تأثير ذلك على الآخر، وحين تبحث وتصل إلى المعرفة وتستخدم هذه المعرفة التي حصلت عليها ترى تأثير ذلك. كلّ هذا هي عبادةٌ مشهودةٌ لها أثرٌ ملموسٌ على هذه الأرض.
والشقّ العُلويّ هو في إقامة علاقةٍ لك مع الله من خلال دعاءٍ. والدعاء يتجلّى في صورٍ مختلفة، يتجلّى في الصلاة، ويتجلّى في الصوم، ويتجلّى في الحجّ، ويتجلّى في الزّكاة، ويتجلّى في كلّ عملٍ تشهد فيه وجه الله.
وهذا العمل الغيبيّ قد لا ترى له أثراً مباشراً في التَوِّ واللحظة، وقد يُشعِرك الله بأثره رحمةً منه عليك، ليشجّعك وليفتح لك الطريق. وإنّما قد يُحجَب عنك، وهذا من صفات هذا العمل الغيبيّ. وأنت تتدرّب على ذلك في أمورٍ كثيرة، يريدك أن تمارس هذا الإحساس بالعلاقة بالغيب دون أن ترى الأثر المباشر.
وأكبر تعبيرٍعن هذا الحال الذي تُدرّب عليه هو الصبر. لذلك كان الأمر "وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ..."[البقرة 45]، فجمع الصبر والصلاة في آيةٍ واحدة؛ لأنّ كلاهما يقوم على أساس علاقةٍ بالغيب. فأنت تؤمن بأن الله يسمع ويرى، ويسمع نداءك، ويسمع دعاءك، ويسمع صوتك وأنت تتألّم، ويشعر بحالك وأنت تتعذّب، وأنت مدركٌ لذلك، وتسأل الله أن يرفع عنك.
ولا زلت تعاني وتعاني، ومع ذلك فلو صبرت صبراً جميلاً لكان جزاؤك كبيراً في مدى إدراكك أن هذه المعاناة التي تعانيها هي كسبٌ لك في الله، وأنك مع كلّ ذلك لا مانع من أن تسأل الله رحمته، وأن تسأل الله مغفرته، وأن تسأل الله توفيقه، وأن تسأل الله أن يرفع عنك، ومع ذلك تظلّ مرابطاً مدركاً أنّ بعد العسر يسراً، وأن ما اشتد ضيقٌ إلا وفُرِّج بعد ذلك، طامعاً في أن تكون من الذين صبروا صبراً جميلاً.
والصلاة كذلك، فأنت تدعو وتدعو، فأنت مع الصبر تصلّي، مع الصبر تدعو، ودعاؤك وإن كنت لا ترى من وجهة نظرك إجابةً، إلّا أنك تدعو وتدعو، وتعلم أن الله مجيب الداعي، "...ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..."[غافر 60]، وأنّك عليك أن تدعو، "...فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ"[الأنعام 42]، فأن تجأر إلى الله عبادة، وأن تستعين بالله عبادة، وأن تدعو الله في كلّ وقتٍ وحين عبادة، وأن تقول له اغفر لي عبادة، وأن تقول له ارحمني عبادة، وأن تقول له ارفع عني هذا الضيق عبادة.
إدعوه دائماً، واسأله دائماً، ولا تملّ من سؤاله، ولا تملّ من دعائه، ولا تملّ من طلبه، ولا تيأس من رحمته، ولا تيأس من مغفرته، إنّما ادعوه دائماً، واتّجه إليه دائماً، واستعن به دائماً، وصلِّ وسلّم على رسوله دائماً، طامعاً في رحمته وفي شفاعته، وفي أن يشفع لك، وفي أن يغمرك بنوره وبحنانه.
اللهم وهذا حالنا، وهذا قيامنا، نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.

________________________

(1)  مقولة صوفية.

(2)   حديث شريف أخرجه أبو يعلي والطبراني (كتاب المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة للإمام السخاوي).

(3)  حديث شريف، المحدث: ابن كثير.

(4)  أخرجه الطبراني الجامع الصغير للسيوطي بنص:"من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً ".




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق