الثلاثاء، 6 ديسمبر، 2016

الإنسان هو الذي يحدّد معتقده ولا يستطيع أحدٌ أن يحدّد معتقد إنسانٍ آخر

حديث الجمعة 
25 صفر 1438هـ الموافق 25 نوفمبر 2016م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.                     
الحمد لله الذي جعل لنا بيننا حديثاً متّصلاً نتواصى فيه بالحقّ والصّبر بيننا، نتدبّر أمور ديننا وأمور حياتنا، نتعلّم من كلّ شيءٍ يحدث حولنا ومن كلّ شيءٍ حدث قبلنا، مدركين أنّ الله قد أوجد فينا نعمة العقل التي بها نستطيع أن نحوّل كلّ ما نراه، وكلّ ما نسمعه، وكلّ ما نشعر به ـ إلى عملٍ نعمله، وإلى قولٍ نقوله، وإلى رؤيةٍ لحياتنا نراها.
ولنعمل بذلك، ولنُفعِّل عقولنا، فإنّا نوجد قواعد تحكمنا، نضعها نحن بعقولنا أيضاً، حتّى نستطيع أن نربط بين ما نعتقد أنّه حقائق الحياة. وكلّ إنسانٍ طبقاً لهذه القواعد التي يضعها، وطبقاً للرؤية التي يراها، وطبقاً لتفسير الكلمات التي يسمعها، وطبقاً للمشاعر التي يشعر بها ـ فإنّه يحوّل كلّ ذلك إلى ما يقوم به من أعمال، وما يقول به من أقوال، وما يسير إليه وما يعتنقه من أفكار.
لذلك، لا يمكن أن نناقش ما وصل كلّ فردٍ فينا إليه من نتائج؛ لأنّ ما وصل كلّ فردٍ منّا إليه، سار في عمليّةٍ معقدّةٍ ومركبّة، لا نستطيع أن نتجادل فيما وصلنا إليه نتيجة هذه العمليّة المركبّة، وإنّما نستطيع أن نتواصى بمفردات هذه العمليّة، نتواصى لنفهم ما نعتقده أنّه حقائق الحياة، وهذا معنى أن نتواصى بالحقّ.
وحين نتحدّث عن الحقّ في إطار عالمنا المقيّد، فإنّنا نتواصى بما نعتقد أنّه الحقّ، فكلّ كلمة حقٍّ ظهرت في أيّ آية أو في أيّ حديثٍ، طالما أنّها ظهرت في إطار هذا العالم المقيّد، فإنّها اعتقادٌ بحقٍّ، وليست حقّاً مطلقاً.
وكلمة الحقّ هنا تشير إلى الأساسيّات، وإلى المفردات التي نستطيع أن نبدأ منها. وهذا ما نطلق عليه معنى الإيمان، ماذا نؤمن به؟ "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ"[البقرة  285].
فمفردات الإيمان أوّلها الإيمان بالله، والإيمان بالله هو إيمانٌ بالغيب ـ كما نقول دائماً ـ؛ لأنّ الله أكبر من أيّ شكلٍ وأكبر من أيّ صورةٍ، فإذا قلت أنّه الخالق، فهذا اسمٌ من أسمائه أو صفةٌ من صفاته. كيف ترى هذا الاسم، أو كيف ترى هذه الصفة؟ فهو قد خلق هذا الكون ولكنّك لا تعرف كيف خلقه، ولا تعرف لماذا خلقه، ولا تعرف متى خلقه، ولا تعرف أين خلقه ـ فمعرفتك هي أيضاً قاصرةٌ، ولا يمكنك إلّا أن تؤمن بالخالق كغيب.
وكما ترى أسباب الحياة على هذه الأرض، فتستطيع أن تؤمن بأنّ هناك من الأسباب ما لا تراه، هذه مفردةٌ إيمانيّةٌ أخرى، والتي يشير إليها إيمانك بالملائكة، فالملائكة ـ كما نفهم ونتدبّر ونتأمّل ـ هي الأسباب الغيبيّة، هي المفردات الغيبيّة. "وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ..."[الزخرف 84]، فما معنى الإله؟ الإله هو الذي تعالى وخلق أسباباً، فلا إله إلّا الله، لا إله إلّا هذا الغيب.
تعالى الله، "...أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى"[طه 50]، وهدايته هي في قانونه، وقانونه هو كتابه، المؤمنون آمنوا بكتابه، وكتابه قد تعدّد في كلّ مظهرٍ من مظاهره، في كلّ رسالةٍ من رسائله، في كلّ تجلٍّ من تجلّياته، في كلّ فرعٍ من فروع الحياة، في كلّ مجالٍ من مجالات الحياة. وهذا أمرٌ تستطيع أن تراه فيما هو قائمٌ على هذه الأرض في قوانينها وفي أسبابها.
وهو قد أظهر لك من الأرض من يعلّمك هذه الكتب، فكان هؤلاء هم رسله، ورسله لهم تواجدٌ دائمٌ على هذه الأرض، [يبعث الله على رأس كل قرن من يجدّد لأمّتي أمور دينها](1)، وكلّ قرنٍ هو كلّ يوم ـ في واقع الأمر ـ ، فلا تخلو هذه الأرض من علماء يبلّغون ويعلّمون كتاب الله وكتب الله، [علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل](2).
هذه المعاني نؤمن بها، والإيمان بها لا يعني أنّنا نحدّد شكلها وصورتها، فلا نستطيع أن نقول أنّ هذا هو العالِم الذي يبلِّغ كتاب الله بصدق، ولا نستطيع أن نجسّد مفهوماً ونقول أنّ هذا هو ما جاء به كتاب الله بصدق. نحن نعيش على هذه الأرض في حجابٍ من ظلام، نعيش في عالمٍ لا نستطيع فيه أن نحدّد بدقّة أيّ شيء.
وهذا هو حال الطّبيعة، حين يبحث العلماء، وبحث العلماء في مكوّنات الجزيئات والذّرات الماديّة لم يستطيعوا أن يروا هذه المفردات الصّغيرة جدّاً بعيونهم ولا بأدواتهم، وإنّما رأوا تأثيراتها في أبحاثهم، فأدركوا وجودها احتماليّاً، حتّى أنّهم في علومهم الحديثة ـ والتي أيضاً لا نستطيع أن نقول أنها جازمة ـ يتعاملون مع هذه المفردات بنظريّة احتماليّة.
فهذه الموجودات موجودة احتماليّاً، أو هذه المفردات، أو هذه الكائنات الصغيرة جدّاً، أيّاً ما تسمّيها، هي موجودةٌ وجوداً احتماليّاً، ولكنّها موجودة، إنّما لا نستطيع أن نحدّد مكانها، ولا نستطيع أن نحدّد سرعتها، ولا نستطيع أن نحدّد طاقتها ـ نستطيع أن يكون عندنا احتمال في أنّها كذا، أو موجودةٌ هنا أو هناك، أو تسير بهذه السرعة، أو أنّها تحمل هذه الطّاقة.
هذا ليس فقط في هذا المجال الصّغير جدّاً من الحياة الماديّة، وإنّما هو موجودٌ في حياتنا نحن، فنحن في هذا العالم المحجوب لا نستطيع أن نقول شيئاً مطلقاً. ولذلك، فإنّ كل إنسانٍ له معتقده، له معتقده في مفهوم الله، في مفهوم ملائكة الله، في مفهوم كتب الله، في مفهوم رسل الله، إنّها مفرداتٌ إيمانيّة، والإيمان هو إيمانٌ مجرّد، والإنسان يحاول أن يحوّل هذا الإيمان المجرّد إلى شيءٍ مفهومٍ بالنّسبة له.
ما نريد أن نقوله: أنّ هذه الأمور قد تكون صعبة في الفهم، إلّا أّن الرّسالة التي نريد أن نوصلها: أنّ بقدرة الإنسان على هذه المفردات التي يؤمن بها، كيف يراها، وكيف يؤمن بها ـ سوف يتحدّد ما سوف يفعله على هذه الأرض، وسوف تتباين أفعال النّاس وتختلف، "...وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا..."[الحجرات 13]، "...وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً..."[المائدة 48]، إنّما أراد الله أن نكون مختلفين.
إنّنا جميعاً سوف نستخدم عقولنا بقدر ما أعطانا الله من قدرة العقل، ولكنّنا لا نرى الأشياء جميعا بنفس الشكل، وبنفس الصورة، وبنفس الفهم، وبنفس العمق، وليست لنا قدرة عقليّة بنفس القدر، فإذا كنّا في الظّاهر لنا عقول، وإذا كنّا في الظّاهر نرى، وإذا كنّا في الظّاهر نسمع، وإذا كنّا في الظّاهر نفعل ـ فعندنا جميع الأدوات، ولكن بقدراتٍ متفاوتة.
ولكنّ المنهج واحد، هو أنّنا نأخذ ممّا نراه، وما نسمعه، وما نشعره ـ لنصل إلى فعلٍ نفعله، وإلى قولٍ نقوله. هل سوف نصل إلى نفس القول الذي نقوله، أو إلى نفس الفعل الذي نفعله؟ لا يحدث هذا. هل يمكن أن نكون جميعاً لنا نفس المفهوم، ولنا نفس القول، ولنا نفس الفعل؟ هذا ليس واقعاً.
ولذلك، نجد مفاهيم كثيرة في الأديان، ومفاهيم كثيرة حتّى في نظريّات الحياة الماديّة التي تحت أيدينا، والتي نستطيع أن نشهد مفرداتها بعيوننا، إلّا أنّ كلّ إنسانٍ يفسّرها بطريقةٍ مختلفة. في قديمٍ كانوا يفسّرون العلم بطريقةٍ ما، ثم تطوّر هذا الفهم، وهذا التفسير إلى صورةٍ أخرى، وفي نفس الوقت وفي نفس العصر، سوف تجد علماءَ كثيرين يختلفون في تفسير أمورٍ في هذه الحياة.
بل أنّ في حياتنا الأرضيّة حين تذهب إلى طبيبٍ وإلى طبيبٍ آخر، فربّما يختلفان في تشخيص حالتك، وربّما إذا اتفقا يختلفان في علاجك. فنحن دائماً سوف نتباين فيما نصل إليه، حتّى لو كانت نفس المدخلات عندنا جميعاً، فما بال بمدخلاتٍ هي في حدّ ذاتها ليست محدّدة.
ما نريد أن نقوله: أنّ الإنسان هو الذي سوف يحدّد معتقده، وأنّ لا يستطيع أحدٌ أن يحدّد معتقد إنسانٍ آخر، وأنّ الدّين ما جاء إلّا ليعلّمنا كيف نتأمّل، وكيف نتفكّر، وكيف نتدبّر.
نسأل الله: أن نكون من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ..."[الزمر 18]، ومن الذين يعرفون معنى الحياة وكيف يعيشونها، وكيف ينجون بوجودهم لتكون كرّتهم كرّةً صالحة.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
ما أردنا أن نقوله اليوم: أنّ علينا أن نصل في تأمّلنا وتفكّرنا وتدبّرنا إلى حقائق الحياة بالنّسبة لنا، حتّى نستطيع من هذه الحقائق أن نبني فهماً لحياتنا، وأن نعرف طريقاً نسلكه في كلّ أمور تعاملاتنا، في كلّ ما نقوله وما نفعله على أرضنا.
التّواصي بيننا هو تواصٍ على هذه المفردات، نحاول أن نتقارب في نظرتنا إليها، فإذا تقاربنا، كانت هذه خطوة لنفهم أفضل معنى حياتنا، فلنتقارب إلى أن يكون لنا مفهومٌ متقارب أيضاً، وقد لا يحدث ذلك، وهذا ليس المهمّ.
المهمّ هو أن ندرّب أنفسنا كيف نقرأ ما نراه، وكيف نتعامل معه، كيف نُجلِي بصائرنا حتّى تكون رؤيتنا أكثر دقّة، وأن نُجلِي سمعنا حتّى يكون سمعنا أكثر دقّة، وأن نُجلِي قلوبنا حتّى يكون إحساسنا أكثر صدقاً، وهذا هو معنى الذّكر الذي هو أساس الحياة.
لذلك، نجد الآية التي نردّدها دائماً: "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ..."[آل عمران 191]، نريد بهذا الذّكر أن نكون أكثر صدقاً في رؤيتنا، وفيما نسمعه، فيما نشعره ـ حتّى تصل الرسائل الحقيّة إلى داخلنا، دون تشويشٍ، ودون أيّ ظلامٍ فيها. فإذا كان الأمر كذلك، تأمّلنا وتفكّرنا فيما وصل إلينا وفيما يصل إلينا باستمرار، حتّى نصل إلى نتيجةٍ نقولها ونقوم فيها.
وهذه الآية التي ذكرناها الآن تمثّل كلّ هذه المراحل، "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"[آل عمران 191]، هناك الذّكر، ثم التفكّر فيما نراه، وبعد الذّكر نراه بصورةٍ دقيقة، ويصل إلينا بصورةٍ صادقة، فنصل إلى النّتيجة، وهي "...رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ".
 عباد الله: نسأل الله: أن نكون كذلك، أن نكون من عباد الله الذّاكرين، من عباد الله المتأمّلين المتفكّرين المتدبّرين، أن نكون من عباد الله الذين أدركوا معنى الحياة، وأدركوا أنّ "...رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ".
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.       
____________________

(1)  حديث شريف أخرجه أبو داود والحاكم بنص :" إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها".  

(2)  حديث شريف أخرجه ابن النجار ، وقال بعض العلماء أنه لا أصل لهذا الحديث ، وقال آخرون إنه حديث مرفوع ، وأخرج أبو نعيم حديثاً رفعه بلفظ "أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد" . وقد يدل على معناه الحديث الذي أخرجه كل من الترمذي وأبي داود "العلماء ورثة الأنبياء" .

 



 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق