الأحد، 18 أبريل، 1999

هناك قانون إلهى واحد يكشف للإنسان كيف يكسب الحياة

عباد الله: يا من ترجون لقاء الله، ويا من تجتمعون على ذكر الله، ويا من تقصدون وجه الله، حديث الحق لكم يعلمكم ويرشدكم ويوجهكم ليقول لكم في أنفسكم قولا بليغا. يقول لكم أنكم للبقاء، للحياة، أن حياتكم ممتدة، وأنكم على هذه الأرض إنما تعيشون مرحلة من مراحل وجودكم. كنتم قبل هذه الأرض، وجئتم إلى هذه الأرض، وستخرجون من هذه الأرض. إنكم لستم أجسادا فقط، إنما أنتم أرواح لكم وجود لطيف، كما أن لكم وجودا كثيفا. هذا الوجود الكثيف هو أجسادكم التي سوف تتركون، ولعالم آخر إليه تنتقلون، عالم له قوانينه، هذه القوانين أشارت إليها الآيات وأوضحت العلاقة بين وجودكم على هذه الأرض والوجود الذي سوف تكونون عليه بعد هذه الأرض: "من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" (الزلزلة: 8،9). كل عمل تقومون به على هذه الأرض يتحول إلى طاقة تصحبكم بعد هذه الأرض، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وإن نورا فنور، وإن ظلاما فظلام. حياتكم لا تتجزأ. فحياتكم كلها لكسبكم على هذه الأرض، وأمانة الحياة التي منحكم الله إياها هي لتكسبوا حياتكم على هذه الأرض، وهذا ما نتحدث به دائما ونتذاكر به دائما
إن المدخل الذي يجب أن ندخل به إلى ديننا يبدأ من أنفسنا، يبدأ من إدراكنا لمعنى وجودنا ولمعنى حياتنا وكيف نكسب وجودنا. هذه المفاهيم تجلت تجليا واضحا ثابتا شاملا جامعا في التشريع الإسلامي الذي جاء به رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. جاء مكملا وموضحا وكاشفا ومتمما للوسائل والقوانين التي لو اتبعها الإنسان وبصدق وبفهم لكسب حياته وكسب وجوده. إن ربط بحركة الإنسان على هذه الأرض وبحركة هذه الأرض، ومع هذه الأرض قد ظهر واضحا جليا في التشريع الإسلامي، فالصلاة مرتبطة بمواقيت لها علاقة بحركة الأرض حول نفسها، والصوم له علاقة بحركة القمر حول الأرض، والتواريخ والمواقيت مرتبطة بها دورة القمر حول الأرض، والزكاة مرتبطة بدورة الأرض حول الشمس إذا مر عام، أو بدورة القمر حول الأرض اثنا عشرة دورة، ومرتبطة أيضا بأعياد لها رموز وفيها معان. كل هذه العبادات غنية بالرموز والمعاني، كلما نهلنا مهنا وجدن فيها أكثر لأنها رسالة للإنسان، رسالة مليئة بالمعاني، على الإنسان أن يقرأها دائما وقراءته لها في أن يقوم فيها ويمارسها، فيقرأ منها وينهل منها بدون توقف وبدون انتهاء
إن القضية ليست كلمات نتذاكر بها بيننا وإنما هي قضية معان محملة على هذه الكلمات نريد أن تصل إلى الإنسان الذي يستمع إلى القول ويتأمل فيما يستمع إليه. لو أن القضية قضية كلمات لقُضي الأمر، ولانتهى بانتهاء قراءة كتاب الله ولحديث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، إنما القضية أكبر من ذلك، والقضية هي قضية اتصال بين الإنسان وأعلاه، بين مصدر يتلقى منه، وينهل منه، والإنسان في حاجة دائمة لأن يتذكّر، ولأن يُذكّر، ولأن ينهل من معاني الحياة. وما حديثنا وما اجتماعنا إلا لقيام هذه الصلة بيننا وبين الأعلى بقيامنا معا، وبتواجدنا معا. نتلقى معان من الأعلى، ومن الحق بسر جمعنا وبسر ارتباطنا فيتكلم أحدنا ليكون سامعا أول من يسمع، حتى نسمع جميعا كلمة الحق فينا، وكلنا نتكلم بسر الحق فينا، وكلنا نستمع بسر الحق فينا وهذا هو سر الجماعة التي أمرنا الله أن نتمسك بها: أن نجتمع على ذكر الله ونعتصم بحبل الله. "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها"واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (آل عمران: 103). لنتذكر جميعا ذلك ولنعتصم بحبل الله جميعا. وحبل الله هو محبة القلوب ومحبة الاجتماع على ذكر الله وعلى طلب الله وعلى مقصود وجه الله وعلى الاستماع إلى حديث الله وعلى الإيمان بقانون الحياة وإلى الاستقامة في سلوك الإنسان على هذه الأرض. هكذا يكون ديننا قائم فينا، وهكذا نكون نحن قائمين في ديننا. فلنتذكر إن كنا غافلين، ولنتدبر إذا كنا متكاسلين، ولنعمل إذا كنا متقاعسين لنغير ما فينا حتى يغير الله ما بنا لنكون في أحسن حال وأحسن تقويم

عباد الله: إن حياتنا على هذه الأرض هي حياة كسب وتحصيل. كل عمل من أعمالنا، وكل حركة من حركاتنا يمكن أن نكسب بها في الله ويمكن أن تضيف إلى رصيدنا الحقي إضافة جديدة تجعلنا وجودا أفضل وتساعدنا في معراجنا في الله، في حياتنا الأخروية. ودين الحق -وهو دين واحد متصل- تجلت به جميع الأديان، وكمل في صورته الباقية الخالدة التي جمعت كل أسباب الكسب في الله، وأشارت إلى كل القوانين التي تحكم وجود الإنسان على هذه الأرض بالرسالة المحمدية التي جمعت هذه المعاني ووضعتها في صورة باقية، فيها كل الرموز والإشارات والمفاهيم التي يجب على الإنسان أن يفهمها، وأن يقومها، وأن يعيشها، فكانت بذلك هي تعبير كامل عن دين الفطرة وعن قانون الحياة. إذا أسقطنا الأسماء والمسميات فليس هناك إلا دين واحد هو دين الفطرة ودين الحياة، لا بمعنى الظاهر من شكل وعبادة بصورة معينة، ولكن بما تحمله العبادات من معان حقية لم تتوافر للبشرية باكتمال كما توافرت في هذه الرسالة المحمدية. آيات الحق تعلمنا ذلك: أن القضية هي قضية واحدة، وأن الدين هو دين واحد، وأن الرسل جميعا حملوا رسالة واحدة لا فرق بين رسول ورسول. " آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير(البقرة: 285)
نسأل الله أن يفيق العالم إلى هذه الحقيقة وألا يتمسك بعصبية زائلة وبجاهلية قائمة، وإنما يتعلم أن الهدف والمقصود هو الله، والهدف والمقصود هو كسب الله، وأن الهدف والمقصود هو وجه الله، وأن على الإنسان أن يتخاطب مع الإنسان بعقل متفتح لهدف الإنسان، أيا كان شكله، وأيا كانت حضارته، وأيا كان أصله، وأيا كانت بيئته، ولا نقول أيا كان دينه لأن الدين هو دين واحد والقانون هو قانون واحد، وما يحكم الإنسان هنا هو ما يحكم الإنسان هناك
ندعو لأن نتواصى بالحق ونتواصى بالصبر. "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا" قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا" (64آل عمران) "لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن"(العنكبوت: 46). والأحسن هو دين الفطرة، ودين الحق، ودين الحياة، والدين الذي لا يشاده أحد إلا جذبه، لأنه دين العقل، ودين الحق، ودين الأحسن، ودين الأفضل. هذا الدين أصبح غريبا بيننا وإن حملنا أسمه، وإنما هو فى حقيقته أكبر من الصورة التى صرنا إليها وأصبحنا عليها. إنه دين الحياة التى ما قدرنا وما عرفنا وما صدقنا.