الثلاثاء، 18 مايو، 1999

الحج دون فهم للمعانى الحقيقية التى تحملها المناسك عودة للجاهلية

إنّا نتذكر في هذه الأيام ونتذاكر بمعنى الحج الذي يمثل ركنا من أركان الإسلام والذي يعبر عن مفهوم حقي يجب أن يدركه الإنسان حتى يكون في معنى الإسلام ، فكما نقول دائما أن كل المناسك التي أُمرنا بها هي تعبير عن مفاهيم أساسية في قضية الإنسان وفي علاقته بالغيب والشهادة. وإن الرسالة لكي تصل إلى الإنسان كانت المناسك والشعائر هي وسيلة حركية عملية لتوصيل هذه المفاهيم. والحج وشعائره فيه رسالات كثيرة، فيه الطواف، وفيه التلبية، وفيه النحر، وفيه الرجم، وفيه الإحرام. كل يمثل مفهوما في علاقة الإنسان بربه.‏ فالطواف حول البيت .. في البداية شد الرحال إلى هذا البيت:‏
‏(إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين) آل عمران(3): 96.‏
إنه رمز لتجلي الله على هذه الأرض، إنه رمز إلى الاتجاه الذي يجب أن يتجه الإنسان إليه في صلاته، إنه رمز إلى الحقيقة القائمة على هذه الأرض التي يجب أن يقترب الإنسان منها، إنه رمز إلى المعنى _ معنى الحياة الذي يجب أن يدور الإنسان حوله ويكون محور حياته ومحور وجوده، إنه رمز لوجود دائم مستمر لكلمة الله على الأرض، ولرسول الله على الأرض، ولبيت الله على الأرض، ولروح الله على الأرض ولنور الله على الأرض.فهل أدركناها كذلك وقمنا في ذلك!‏
إن علينا أن ننظر إلى كل شعيرة من الشعائر كرسالة موجهة إلينا نقرأها ونفهمها ونقومها، ونتذاكرها ونتذكرها.‏
عباد الله:‏
إننا إن لم نقرأ ما وراء المنسك - حتى لو قمنا فيه بأجسادنا- لا نكون قد استفدنا منه شيئا. فالفائدة الكبرى في ممارسة المنسك وقراءته قراءة حقية. إن العلاقة بالبيت يجب أن تتحول إلى سلوك مستمر في كل أمور حياتنا وفي كل معاملاتنا، وهذا هو الهدف الذي إذا حققناه على أرضنا تحولنا إلى عباد لله، فسوف نكون ذاكرين الله في كل عمل من أعمالنا لأننا سوف نرى في كل عمل علاقتنا بالبيت .. علاقتنا ببيت الله، فنحن لا نعمل عملا للعمل في حد ذاته إنما نعمل لأن في هذا كسبا لنا في الله، فعلاقتنا بالله وببيت الله تكون هي المحور الذي نتذكره دائما ونتعامل معه دائما. إننا لو فعلنا ذلك لتغير حالنا إلى ما هو أعلى وإلى ما هو افضل وإلى ما هو أقوم، وهذا هو القانون.‏
‏(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد(13): 11.‏
عباد الله:‏
تأملوا بكل ما أمركم به الله تأملا عميقا حتى لا تكونوا عبدة أصنام وأوثان و إنما تكونوا عبادا لله تشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله شهادة صادقة عادلة تحرك قلوبكم وعقولكم و أجسادكم في طريق الحق والحياة.‏
نسأل الله أن يحقق لنا ذلك وأن يجعلنا أهلا لرحمته ولنعمته ولعلمه وحكمته.‏
عباد الله:‏
إن ركن الحج به رسائل كثيرة تعبر عن الحقائق التي نعيشها.‏
‏(إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين) آل عمران(3): 96.‏
هو تعبير عن تجلى الله على هذه الأرض، إنه بيت الله وسر الله ونور الله وكلمة الله ورسول الله، إنه كل ما هو منسوب إلى الله، إنه تعبير عن قرب الله.‏
‏(ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) ق(50): 16.‏
‏(وهو معكم أين ما كنت) الحديد(57): 11.‏
قريب على هذه الأرض، وقريب في وجودكم، تعبير عن المعنى الذي تقصدونه، والذي تطلبونه، والذي تستقبلونه.‏
‏(قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها) البقرة(2): 144.‏
إنه المعنى الذي تتجهون إليه وتقصدونه في صلاتكم، و تشدون إليه الرحال في حجكم. إنه المعنى الذي نريد أن نقترب منه، معنى الحق ومعنى الحياة .إن هذا التعبير يمكن أن يمارسه الإنسان وأن يدركه الإنسان وهو قائم في مكانه، يفهمه ويقومه، فإذا ما رسخ بجسده بتأدية المنسك، وتأمل فيه بعمق في أثناء ممارسته فهو يدركه أكثر ويقومه أكثر. لكن كثيرا من الناس يؤدونه بأجسادهم دون أن يتأملوه بعقولهم، ويتعلموه بقلوبهم. فما حجوا وما عرفوا وما أدركوا وما للرسالة تلقوا ولا استمعوا ولا قرءوا. والطواف حول البيت هو تعبير عن أن تكون علاقتك بالبيت علاقة دائمة وعلى بعد ثابت في كل أعمالك وأحوالك، في كل عمل من أعمالك علاقتك بالبيت: في صلاتك كما هو في عملك الدنيوي كما هو في معاملاتك مع أهلك ومع مجتمعك، وكما قال القوم: " لو غاب عنى رسول الله طرفة عين ما أعددت نفسي من المسلمين"‏
لو اصبح أمرك كذلك لارتقيت رقيا كبيرا ولغير الله ما بك تغييرا كبيرا.‏
‏(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد(13): 11.‏
فإذا غيرت ما بنفسك من أثرة ومن دنيا ومن أهداف عاجلة إلى هدف هو بيت الله، هو نور الله، هو كسب الله، هو رسول الله، هو روح الله هو نور الله، لغير الله ما بك، ولجعلك خلقا آخر، ووجودا آخر.‏
فلتبدأ بنفسك، ولتتحرك بوجودك خطوة إلي الأمام بأن تقرأ كل ما أمرك الله قراءة عميقة متأنية فيها فكر وفيها عقل. لا تكن كالذين يسطحون الأمور، و يهيفون المناسك، و يهيفون الدين، و يسطحونه فيجعلونه أشكالا وصورا يؤدونها بأجسادهم دون أن تلمس قلوبهم وعقولهم، بذلك يكونوا قد رجعوا إلى جاهلية وإلى وثنية وإن كانوا في مظهرهم يصلون ويحجّون ويصومون.