الثلاثاء، 26 سبتمبر، 2000

هل كان لقائى بمعلمى مجرد صدفة أم تدبير إلهى ؟

  • المؤلف: هدى عز العرب
انضممت إلى الطريق في سبتمبر عام 1997 ولست أدري هل ساقتني الصدفة أم التدبير الإلهي إلى ذلك؟!.. فقد كنت قبل ذلك بنحو عام أواظب على الحضور في ندوات دينية في الشرح والتفسير وكان رد فعلي وتفاعلي تجاه هذه الدروس عنيفا للغاية.. فقد فرضت على نفسي آنذاك كيانا جديدا بُني على التجمد والتزمت الشديدين.. كنت أحاول أن أفرض هذه الروح على من بالمنزل.. كنت أشعر بضيق شديد عندما كان يستمع زوجي إلى أغنية أو يشاهد هو والأطفال بعض التمثيليات واعتبر أن ذلك إهدارا للوقت..
بدأت أشعر بتغير كبير في قلبي بعد عام تقريبا من المواظبة على حضور تلك الدروس، فقد أصبحت نظرتي إلى من يختلف فكره عني فيها قسوة شديدة ونقد وسخرية وكان هذا مختلفا تماما مع طبيعتي الأولى حيث كنت أجد دائما مبررا لأخطاء الناس وأدافع عنهم بشدة إذا أصدر أحد حكما يعتمد على سوء النية.. تحولت إلى إنسانة مختلفة تماما.. أنفر من أخي وزوجي لاختلاف معتقداتهما عني.. وساءت حالتي حينما بدأت أشعر بالاختناق لمجرد وجودي في مجالس الدروس الدينية.. لم أجد لهذا الشعور أي تفسير فقد كنت أتطلع دائما للتعلم في أمور ديني فكيف أضيق بهذه الدروس الآن؟

وبدأت أبحث عن دروس أخرى وأعلل لنفسي بأنني في حاجة إلى كم أكبر.. لم أكن أفطن إلى أن ما أبحث عنه هو كيف مختلف.. وفي هذه الفترة سألتني إحدى معارفي أن كنت أرغب في حضور بعض الدروس الصوفية وأحسست بنشوة شديدة ورحبت بفكرتها ترحيبا شديدا.
حضرت لأول مرة ندوة في الجمعية المصرية للبحوث الروحية والثقافية، وفوجئت بأن رائدة هذا الجمع من السيدات هي السيدة الدكتورة علياء رافع وقد كنت قد حضرت لها ندوة قبل ذلك بنحو عام بالصالون الصغير بالأوبرا وبحضور الأستاذ الفنان حامد سعيد لمناقشة كتابها: الشخصية المصرية بين الفن والحياة وقد كان تأثير الندوة عليّ جليلا فأخذت أبحث عن الكتاب في جميع المكتبات دون جدوى. وعندما يأست من ذلك ساقني التدبير الإلهي إلى الجمعية الروحية وفوجئت بل ذهلت عندما رأيت الدكتورة علياء وعلمت أنها تدير وتعلم وترشد في هذه الجمعية.

فكيف كانت خطواتي الأولى في الطريق؟

في بداية الطريق وبعد القبضة تساءلت عن الورد وقيمته ومعناه.. تساءلت بيني وبين نفسي واعترضت أيضا بيني وبين نفسي على صيغة الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.. اعترضت فقط للطول الزمني لهذه الأوراد وتوصلت إلى ضرورة اختصار الصيغة فاكتفيت لمدة يومين أو أكثر بترديد العبارة التالية: "اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم".. لا أذكر الزمن الذي قضيته في ترديد هذه العبارة ولكن ما أذكره هو هذه الرؤية:
رأيت في منامي سبورة سوداء مكتوب عليها بالخط الأبيض الكبير:

هدى....اصمدي

لم أكن من قبل قد حلمت بشيء ممكن تفسيره أو حتى الاهتمام به.. فهمت من هذا الحلم أنه أمر لي بضرورة اتباع صيغة الورد كما هي وأنه ليس عليّ التدخل في ذلك ولا التعديل.
جاء حلمي الثاني بعد تعرضي لأزمة عنيفة وطلبت من الله سبحانه وتعالى الإرشاد فرأيت هذا الحلم والذي أعتبره حلما مصيريا فقد كنت في شدة أزمتي لا حيلة لي تماما وصعب عليّ التفكير في مخرج وكان ما رأيته الآتي:
"كنت في الأراضي المقدسة ووجدت نفسي تقول لنفسي: انتهيت من العمرة.. نعم.. فقد طفت بالبيت.. هذا يكفي.. ليس بالضرورة أن أسعى.. هذا يكفي.. اتجهت إلى السوق ورأيت ولدي يعترضني هناك فقال لي مندهشا: "أمي لماذا أنت هنا وأبي يسعى بين الصفا والمروة.. لماذا تركته؟" قلت: "انتهيت أنا من المناسك فقد طفت بالبيت.. ففزع ولدي وقال : "لا لم تنته من المناسك بعد." حرت من أمري أصحيح ما يقوله ولدي؟ ما العمل الآن؟ هل سأذهب مرة أخرى إلى الحرم وألحق بوالده وأسعى؟ هل سينفع ذلك أم عليّ أن أبدأ الكرة مرة أخرى بالإحرام من جديد؟"

سعي جديد

كان هذا الحلم مرشدا لي حيث فهمت أن سّعى في حياتي كان في اتجاه خطأ وحدثني جزء في نفسي أنه على أن اجتهد واجتهد وأن يكون اجتهادي بشكل آخر.
لا أستطيع أن أحصر وأذكر كل ما تعرضت له منذ بدايتي في الطريق ولكن أهم ما أراه في نفسي أنني تحررت من قيود كثيرة كانت تعوقني في اتصالي مع الآخرين.. أصبحت أقبل على دمج حياتي بأناس لم أكن من قبل أتعامل معهم مطلقا لأسباب واهية..
تحررت من تأليهي اللاشعوري لنفسي فقد كنت من قبل على يقين أنني لا أخطأ وعلى اعتقاد أن كل آرائي سليمة وأراء غيرى من الناس ليست كذلك..وتعلمت عن الشرك والتصنيم ما كنت أجهله تماما..
تعلمت أن الكم ليس الهدف ولكن الكيفية هي الهدف.. تعلمت عن المعنى وأن لا أكتف باللفظ وحده حتى أصل إلى المعنى.
ما زلت في أول الطريق أحبو وأتعرض لأزمات قوية مع نفسي وتكسير عنيف "لبعضي" ومواجهة مصاعب لم تكن موجودة من قبل ولكنني أحمد الله الذي رتب لي هذا الطريق ووضعني فيه وأدعو الله لمعلمي في هذا الطريق ولكل المعلمين الروحانيين باستمرار تدفق التيار الروحي المصلح.

المحبة هي ديني

شعرت بتوتر شديد صباح أمس عندما قابلت صديقتي التي تتحدث في أمور دينية بشكل ونغمة مختلفة عما أفهمه أنا وأتحمله.. وبالرغم من أننا نبحث عن شيء واحد مشترك وهو الحق وتحقيق صلة بالله إلا أن طريقينا مختلفان.. شعرت باعتراض شديد داخلي على ما تعتقده هي ووجدت نفسي ثائرة ومنحازة داخليا لما أتعلمه أنا الآن.
وقد أصابني موقفي هذا بالنقد والاعتراض لأفكار الآخرين المختلفة عني بشيء غير قليل من اللوم لنفسي وبدأت أسال نفسي لماذا هذا الانحياز العصبي؟ وما تفسيره؟ ولماذا ضاق صدري بما يخالفني؟
اتهمت نفسي بأنها ظالمة سوداء.. متكبرة مدعية كاذبة.. فإن كان قد تحقق لي أي مقدار من صفاء النفس لم أكن لأنتقد ما يؤمن به غيري حتى وإن كنت أتمنى له نفس الطريق.
وبعد معاناة شديدة أتاني الله بما طمأن قلبي وشفى نفسي فلقد أعطتني صديقتي في الطريق قبل ذلك بأيام بعض الأبيات الشعرية التي لم أكن قد قرأتها بعد وفوجئت بتك الأبيات وبأنها إجابة لي ودهشت لأنها كانت تجول في نفسي المعنى الذي حيرني..
تلك الأبيات من شعر محيى الدين بن عربي تقول:
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
إذا لم يكن ديني إلى دينه دان
وقد صار قلبي قابلا كل صورة
فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف
وألواح توراة ومصحف قران
أدين بدين الحب أنى توجهت
ركائنه فالحب ديني وإيماني
لقد ساعدتني هذه الأبيات في كشف بعض نواحي الظلام في نفسي وأتاحت لي قدرا من الإدراك لم يكن موجودا بداخلي من قبل، فالمحبة هي ديني، وبالمحبة يصفي القلب فيقبل كل إنسان مهما اختلفت آرائه ومعتقداته.

اللجوء إلى الله فى السراء والضراء

حرت في أمر نفسي فأنا على وفاق جميل مع خالقي حين السراء.. اشعر حينذاك بالأمان والراحة وأقبل إلى الدعاء والحمد والشكر.. ولكن حالي ينقلب تماما إلى النقيض وقت الضراء فأؤدي فروضي أداءً سريعا ولا أقوى على الدعاء أو حتى التفت إليه..
لم يلفت نظري غرابة حالي إلا عندما سمعت نفس التعليق من صديقتي وكانت هي الأخرى تتعجب من حالها هذا.. فهذا أمر غير مقبول وغريب ولا بد أن يتغير الحال.. لماذا؟ لأن من الطبيعي أن يلجأ الإنسان إلى الله داعيا وهو في أضعف الحالات وهو محتاج إلى عون الله فما هو تفسير حالي هذا؟
تأملت هذه الآية من القرآن الكريم من سورة هود ووجدت أنها تفسر حالي:
"ولتئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه أنه ليئوس كفور." (سورة هود : 8)
إذن فالامتناع عن الدعاء في الضراء يعتبر يأسا ونوعا من الكفر وهو بذلك وضع مخالف للفطرة الطبيعية وقد يكون ذلك انعكاسا لكبر النفس وخداعها ووجدت أن الآية التي تليها تذكر ذلك أيضا:
"ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور"(سورة هود: 9)
فما هو إذن الأمر الطبيعي في وقت الضراء؟
وجدت ذلك في الآية العاشرة من نفس السورة:
" إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير "
فالصبر والقبول والإقبال على العمل الصالح هو التصرف الفطري والطبيعي في وقت الضراء وليس النفور والاعتراض.
كانت تمر علي هذه الآيات قبل دخولي الطريق دون إحساس تثيره في داخلي لأنني لم أكن أعرف عما تحويه نفسي شيئا وعرفت الآن إن الكفر حالة من الممكن أن يتعرض لها الإنسان دون أن يعلم بأمر نفسه شيئا وأن اللجوء إلى الله يكون في السراء والضراء