الاثنين، 28 مايو، 2001

شهر رمضان المبارك: رسالة حقية عن معنى الحياة

  • من خطبة الجمعة: 3 ديسمبر 1999 م الموافق شعبان 1420 للهجرة
عباد الله: إناّ مقبلون على شهر كريم.. فيه إظهار لما يرشدنا إليه الحق لنسلك طريق الحياة.. فيه نجاهد الجهاد الأكبر الذي هو مجاهدة النفس.. فيه يتجلى هذا المعنى بصورة واضحة، لنعلم حقا أن هذا هو الطريق الذي يجعلنا عبادا لله، يجعلنا عارجين في معراج الله، وسالكين في طريق الله. وكما نتذاكر دائما في معنى هذه الشهور الكريمة بالنسبة للإنسان، وكيف أن في كل شهر منها إشارة وإشهارا لمعنى يجب أن نكون عليه ونقوم عليه، ففي البداية يكون الاتجاه إلى الله غيبا، يسأل الإنسان ربه أن يوجهه وأن يرشده إلى الطريق القويم، وإلى القبلة التي يستقبلها، وإلى الوجهة التي يقصدها، وإلى الهدف الذي يصبو إليه، وإلى الاتجاه الذي يسير فيه. فالإنسان يدرك بفطرته أن هناك طرقا كثيرة، واتجاهات كثيرة فإلى أين يتجه وكيف يسير؟! وهذه هي بداية كل إنسان صادق، لأنها دورة يجب أن يمر فيها الإنسان، كما يمر الإنسان على هذه الأرض بمراحل حياته المختلفة، من مرحلة إلى مرحلة، ومن حال إلى حال. كل إنسان يولد على هذه الأرض يمر في تجربته ويسلك طريقه، قد يستفيد الإنسان من تجربة سابقيه، ولكن لا يعني هذا أن التجربة تُرفع عنه، فالتجربة يمر بها كل إنسان، والدين سلوك، ومعاملة، وتجارب في هذه الحياة. وعلى كل إنسان أن يخوض هذه التجربة.. تجربة الحياة. والتجربة تبدأ كما أشرنا الآن بأن يفكر الإنسان، وأن يبحث الإنسان عن معنى حياته كما فعل إبراهيم عليه السلام يوم نظر إلى النجوم وقال هذا ربي فلما أفل قال إني لا أحب الآفلين، وحين نظر إلى الشمس والقمر ليعلمنا هذه التجربة التي هي تأمل في كل ما يحيط بالإنسان، حتى يصل إلى الحقيقة. والحقيقة أننا نجهل الكثير، وأن هناك غيبا لا ندركه ولا نستطيع أن نحيط به. آمن إبراهيم بذلك وأدرك أن هذا هو معنى الربوبية له. فقال "لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين"(الأنعام 6: 77) فيستجيب ربه له كما يستجيب لكل داع..
فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان (البقرة 2: 186)
من تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن جاءني مشيا جئته هرولة (حديث قدسي)1
وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها (حديث قدسي)2
كنت كل جوارحه، كنت كل وجوده. يستجيب الله للإنسان فيرشده إلى الطريق القويم، وإلى الصراط المستقيم، وإلى القبلة التي يستقبلها، وإلى البيت الذي يتجه إليه، ويشد الرحال إليه ويطوف حوله.
قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها (البقرة 2: 144)
فإذا ارتضى قبلة بدأ في الاتجاه إليها، يأخذ قوة منها، ويأخذ مددا منها، ويطلب عونا منها، حتى يكون أهلا لرحمة الله ولاصطفاء الله فيتعلم من علم الله..
لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم(التوبة 9: 128)
واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه (الكهف 18: 28)
واخفض لهما جناح الذل من الرحمة(الإسراء 17: 24)
هكذا تكون استجابة الله للإنسان .. أن يرسل رسولا يتلو آياته على مكث ليعلّم الناس، وليقول للناس، وليكشف للناس عن سر الحياة، وقانون الحياة، فيعلمهم كيف يسلكون، وكيف الباب يطرقون، كيف إلى الله يتقربون، وكيف به يستعينون، وكيف وجودهم لنفحاته يعرضون، وكيف لرحماته يستقبلون، وكيف لاصطفائه وجودهم يهيئون. فيعلمهم كيف يتصلون ويصلّون ويوصلون، وكيف أنفسهم يزكون، وكيف أرواحهم يطهرون، وكيف قلوبهم يحيون، وكيف عقولهم ينيرون. يعلمهم كيف بأرواحهم يعيشون، ولذواتهم لا يعبدون، وبالطواغيت يكفرون، وبالله يؤمنون، وبرحمة الله يستعينون، وبها يتوسلون، ولرسول الله يتجهون، وبجاهه عند ربه يتوسلون، بإقتدائهم به، وباصطفائهم لأثره، ولآثاره، وعترته، وسنته. يتجسد كل هذا في الشهر الكريم.. شهر رمضان.. شهر الناس.. شهر الجهاد.. شهر المجاهدة.. شهر الذكر.. شهر المعنى.. شهر الروح.. شهر النور.. شهر إن أعدّ الإنسان نفسه فيه لرُحم.. لأنه يتلقى فيه نفحات الله ورحمات الله.. شهرُُ إذا أدركه الإنسان وقام فيه فعلا وصدقا.. لكان أهلا لليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.. يكون أهلا أن تتنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر..
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون(فصلت 41: 30)
إن الشهر هنا ليس فترة زمنية فقط، إنما هو معنى في سلوك الإنسان. من أدرك معنى هذا الشهر، وحاول أن يقوم فيه حقا، لتغير حاله، ولتبدلت أحواله، ولأصبح خلقا آخر، ووجودا آخر.. وجودا كسب الحياة، وأصبح عبدا لله..
عباد الله.. تأملوا في هذا الشهر الكريم، وفيما يحيي به الصوم لكل منا مِن تخلق بأخلاق الله، ومِن ترفع عن دنايا الحياة، وأن نعيش بأرواحنا، ومن أن نتجه بقلوبنا، وبأن نعرض وجودنا لنفحات الله ورحماته، وأن نجاهد أنفسنا وظلامها، وأن نكون عبادا لله خالصين. نتأمل في كل ذلك، ونرجو أن نكون كذلك، لعلنا نكسب معنى الحياة، ولعلنا نكسب طريق الله، ونكسب حياتنا في الله..
إنا نتذاكر دائما في معنى كل رسالة أرسلها ويرسلها الله لنا، من خلال ما شَرع لنا، ومن خلال أحاديث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، لندرك أن قيمة الزمن ليست في يوم بعينه، وليست في شهر بعينه، وإنما في أن ندرك ما في هذا الشهر من رسالة موجهة إلينا، باستقبالنا لهذه الرسالة يكون هذا الشهر بالنسبة لنا شهرا حقيا، له قيمة، وله أثر في وجودنا، وبدون إدراكنا لذلك ومحاولاتنا أن نعمل فيما ندرك، لا قيمة لهذا الشهر، أو لغيره..
رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش..(حديث شريف)3
دين الفطرة يعلمنا ذلك.. يعلمنا أن نستفيد ونقرأ في كل ما أمرنا به.. وأول توجيه في نزول الوحي.. هو اقرأ..
اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم (العلق 96: 1-5)
فكرامة المكان والزمان هي بما يمكن أن يحصل عليه الإنسان في هذا المكان أو في هذا الزمان.. وليس في مجرد أيام تمر علينا مر الكرام، ولا في أماكن نزورها ونمر عليها مر الكرام، إنما هو فيما نحصل عليه من قيامنا في المكان، ومن قيامنا في الزمان..
عباد الله.. إن البداية تبدأ من الإنسان، إذا اتخذ طريقا سليما عرج في معراج الله، وإذا اتخذ طريقا غير سليم، ارتد إلى أسفل سافلين..
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم 0ثم رددناه أسفل سافلين 0إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات(التين 95: 4-6)
  1. أخرجه البخاري ومسلم وأحمد
  2. أخرجه البخاري
  3. أخرجه ابن ماجة وأحمد