الأربعاء، 2 يونيو، 2004

إله واحد .. وقانون واحد .. ودين واحد .. ورسول واحد

  • (من خطبة الجمعة 6 نوفمبر 1998 م الموافق 17 رجب 1419 هـ)
 إن التعصب السائد بين البشر بظن الإخلاص لدين من الأديان إنما ينتج عن نقص في الإدراك بالأصل الواحد للرسالات جميعا، وللوحدة التي تجمع رسل الله وأنبياءه، وهم الرحمة المهداة للبشر تعلمهم عن قانون الحياة، وكيف يكسبون حياتهم الحقيقية من خلال التوافق مه هذا القانون. هذا ما يحدثنا عنه السيد عليّ رافع في الحديث التالي
عباد الله! يا من ترجون لقاء الله.. ويا من تقصدون وجه الله.. ويا من تجتمعون على ذكر الله.. حديث الحق لكم.. يخاطبكم.. ويقول لكم في أنفسكم قولا بليغا.. يعلِّمكم.. كيف تَحيون.. وكيف تتواصلون.. وكيف تعرجون. يعلِّمكم أن قضيتكم هي أن تكونوا عبادا لله، فتكون الأرض وسيلةً لكم لتحققوا هذا الهدف. معيشتكم على أرضكم، هي لإصلاحكم.. لإصلاح وجودكم. وما جاءت جميع الأديان إلا لتعلِّمكم ذلك. جاءت تعلمكم كيف تكسبون هذه الحياة.. وهذه الكرَّة التي تعيشونها اليوم.
سر هذه الحياة.. هو القانون الذي وضع الله.. والذي أحكم الله.. وجعلكم تَنظرون في حياتكم الأرضية.. فتجدوا القانون ساريا.. في كل شيء يحيط بكم.. في أصغر ذرَّة على أرضكم.. إلى أكبر جِرمٍ تشهدونه.. بوسائلكم وبعيونكم.. أرضكم تدور في مدارها..
وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  (و يس 36: 40)
وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ(الرعد 13: 8)
 كل شيء عنده بـ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (فصلت 41: 12)
 كل شيء عنده بحكمةٍ.. وبعلم:
 وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (الذاريات 51: 21)
 وفي عالمكم أفلا تشهدون! لقد تجلَّى الله بقانونه عليكم، وجعل من قانونه الرحمة، فتجلى عليكم برحمته،  في تجليه برسله، الذين كانوا يمثلون الرحمة لكم..
إنما أنا رحمة مهداة[1]
 وقد مثَّلَ كل رسول لقومه، وكل نبي لقومه، معنى الرحمة لهم.
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ( البقرة 2: 285)
لأن جميع رسله هم تجليات الرحمة على هذه البشرية. معنى الرحمة في أنهم علَّموا الإنسان كيف يحيا.. علموا الإنسان كيف يعيش.. علموا الإنسان كيف يسلك طريق الحق.. وهذه من رحمة الله.. رحمة الله.. أن تجعلَك في الطريق القويم، وأن تسير في الطريق المستقيم، وأن تكون إنسانا صالحا. فكان الرسل جميعا يمثلون رحمة الله للناس، لأنهم يعلمونهم ويعظونهم ويقولون لهم في أنفسهم قولا بليغا، ويصبرون معهم، ويسرون فيهم بنورهم.
وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ (الأنعام 6: 122)
بما وهبهم الله من طاقة روحية وطاقة نورانية تجعلهم يسرون في الناس، فيهدون الناس، ويؤثرون فيهم بنور الله بين أيديهم، في نظرتهم، وفي دعائهم وفي استغفارهم.
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا(النساء 4: 64)
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (الكهف 18: 28)
فالرسل جميعا هم رسول واحد.. هم معنى واحد.. هم معنى الرحمة المهداة.
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ( البقرة 2: 285)
(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ (البقرة 2: 285)
 رسول واحد.. وكتاب واحد.. وإله واحد.. وقانون واحد.. يسري على جميع مَن في الأرض..
إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (سورة الأعلى 87: 18، 19)
هذا القانون موجود مع وجود الأرض، وسيظل موجودا مع وجودها. فهو قانون حقي. لذلك فإن دين الفطرة يعلّمنا أن ننظر إلى جميع الأديان على أنها دين واحد. ورسول الله صـلوات الله وسلامه عليه - في إشارات كثيرة وفي مواقع كثيرة - أشار إلى ذلك، فقد أخذ من شريعة موسى وطبَّقها، وقال: نحن أولى بها[2]. وكرَّم عيسى وقال: أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة[3]
إن ما نعيشه اليوم، من ديانات متعددة، واختلافات قد أوجدها الناس بسوء فهمهم، وبسوء عقيدتهم، وبسوء إدراكهم. ليس ما نقومه اليوم هو الدين الواحد الذي جاء به إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد.. عليهم الصلوات والسلام.
إن ما نعيشه اليوم في جميع المجتمعات - إلا من رحم الله - هو صورة زائفة لكلمة الدين أوجدها المحترفون، بظن إيمان وعقيدة، وبظن اعتزاز بدينهم، وحب  لرسولهم.
فالمسلم الحق هو من آمن بالرسل جميعا: " لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِه". ليس هذا باللفظ فقط، وإنما بالإدراك السليم بأن في كل دين من الحقائق ما هو متوافق مع قانون الحياة، وأنهَّ إذا كان هناك ما يختلف عن قانون الحياة، فهذا من سوء فهم مَن قاموا على هذا الدين.
والمسيحي الحق هو من يدرك قانون الحياة، ولا يرفض أن يخاطبه الله في كل رسالة، فيقبل ما جاء به الإسلام كمعنىً مكمِّل إلى بين يديه، وإن ظل من ناحية الاسم والتصنيف على هذه الأرض في دينه:
لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ( سورة المائدة 5: 48)
 فليست القضية تغيير الأسماء، ولكن أن يفهم قانون الحياة، وأن يأخذ من كتب الله، ومن رسل الله ما يكمل به ما عنده، ويصحح به ما عنده.. يصحح به فهمه في عيسى، ويصحح به فهمه في وجوده وحياته وسلوكه. وهنا تبقى الأسماء لأننا في عالم الأسماء، إنما في الحقيقة أن من قام في ذلك وآمن  بذلك، ونهل من كل علم، ومن كل معرفة، ومن كل رسالة، وسأل الله، وعبد الله، وآمن برسل الله، "من آمن بالله واليوم الآخر"، يكون من الناجين.
إن هذه المعاني مع بساطتها، ومع أنها موجودة في كل دين، إلا أن الناس غافلة عنها، وفي حاجةٍ إلى مَن يُذكِّر بذلك حتى يفهم الناس حياتهم، ويقدِّروا وجودهم، ويتقاربوا بينهم، ويكون الحَكَم بينهم وبين بعضهم هي كلمة الله: ما هو أحسن وما هو أفضل وما هو أقوم.. لا ما ترى أهواؤهم.. وإنما ما ترى عقولهم ما هو أحسن لأرضهم ولوجودهم:
 قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا (آل عمران 3: 64)
عبادة الله هي الأحسن والأقوم والأفضل، هي أن تقوم في كل ما هو أحسن وأفضل وأقوم، لا تعبُد حاكما.. ولا مادةً.. ولا شهوةً.. إنما تعبد الله. "تعبد الله" ليس كلمة فقط يلوكها اللسان، وإنما هي قانون حياة وسلوك حياة.. وأسلوب حياة. من عَبَدَ الله حقا كان أسلوبه مختلفا تماما عمَّن لا يعبد الله..شهادة لا إله إلا الله
عباد الله..
إنّا نذكّر بما نعتقد أنه الحق. قد تنفع الذكرى.. وقد لا تنفع.. نقتدي بما أُمِرَ به رسول الله.
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ( سورة الأعلي 87: 9-12)
وفي نفس الوقت نستغفر الله، ونرجع إلى الله، ونسأل الله أن يغفر لنا إن نسينا أو أخطأنا، فالرجوع إلى الحق دائما فضيلة.
عباد الله فلتقرؤوا جيدا كتاب الله بينكم وبين أيديكم. ولترجعوا إلى سنَّة رسول الله صلاة الله وسلامه عليه" بقلوبٍ طاهرة، وعقولٍ متفتحة، تَنهلون منهما، تتعلمون أصول دينكم.. دين واحد وقانون واحد وكتاب واحد. تَعلَّموا أن الأرض جميعا قبضته، وأن قانونه متجلُ عليكم، وأن رسالاته جاءت لتكشف لكم هذا القانون حتى تَحيوا، وتصبحوا عبادا لله أحياءً لا أموات:
وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (آل عمران 3: 169)
قانون الحياة: إن هدف وجودكم على هذه الأرض هو أن تكسبوا معنى العبودية لله.. أن تكسبوا معنى الحياة.. أن تكونوا أحياءً. ولا يكون ذلك إلا بإتباعكم لما أَرشد إليه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.. وبيَّنه لكم.. وهو قانون الحياة.. وأن تَدعو لله وبالتي هي أحسن:
وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ( سورة العنكبوت 29: 46)
وما هو أحسن هو أن نشهد {أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله} شهادة حق.. وشهادة صدق.. وشهادة قانون. أن نُدرك ما في ديننا من إشارات.. ومن معانٍ.. ومن مفاهيم في كل ما أُمرنا به، و في  كل ما نُهينا عنه، حتى نكون حقا مسلمين، وحتى نكون حقا مؤمنين، وحتى نكون حقا إلى الله داعين..
  1. أخرجه ابن سعد والحكيم عن ابى صالح مرسلاً وأخرجه الحاكم عن ابى هريرة ـ الجامع الصغير للسيوطى جـ1 ص103
  2. لما قدم رسول الله صلى اللهم عليه وسلم المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء فسألهم فقالوا هذا اليوم الذي ظهر فيه موسى على فرعون فقال النبي صلى اللهم عليه وسلم نحن أولى بموسى منهم فصوموه (صحيح البخاري)
  3. صحيح البخاري