الأربعاء، 5 أبريل، 2006

الدين منهج نتغير به للأفضل

  • خطبة الجمعة  24 صفر 1427هـ الموافق 24 مارس 2006 للسيد علي رافع  
 حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله الذي جمعنا على ذكره وعلى طلبه وعلى مقصود وجهه.
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
عباد الله: تدبروا آيات الله، واقرءوا كتاب الله، وتعمقوا في كل كلمةٍ وفي كل آيةٍ حتى تصلوا إلى معانٍ تفيدكم في حياتكم وفي وجودكم، إلى معانٍ تساعدكم في سعيكم على أرضكم، تساعدكم في تأدية رسالتكم وفي كسب كرتكم وفي الارتقاء إلى ما هو أفضل لكم.. إن آيات الله تكشف لكم معنى حياتكم ومعنى وجودكم على أرضكم
" وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ " [الذاريات 56]
" يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ " [الرحمن 33]
" يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ " [الانفطار 6-8]
آياتٌ وآيات تتحدث عن الإنسان، وعن الأمانة التي حملها، وعن النعم التي أنعم الله بها عليه، وعن تخليف الله له في الأرض
" .. إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً.. " [البقرة 30]
 وعن تكريمه وعن تَمَيُّزه
"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ .." [الإسراء 70]
" ما ظهر الله في شيءٍ مثل ظهوره في الإنسان ".
بعد كل هذا التكريم وبعد كل هذه النعم وبعد كل هذا العطاء، يجيء الإنسان في عصرنا وفي عصور سبقتنا وفي عصور ستلحق بنا ويقول: أني لا أستطيع أن أفكر، أو أن فكري سوف يؤدي بي إلى الهلاك، أو أن عملي لا قيمة له، أو أن حياتي لا قيمة لها.. يفرط في أمره، يفرط في عطاء الله له، يفرط في نعم الله به، ويفعل ذلك تحت مظلة الدين وتحت مظلة الإيمان. كيف يستقيم هذا مع كل هذه الآيات التي أكبرت من شأن الإنسان وقدَّرت الإنسان وكرَّمت الإنسان؟
إن إيمانك بالله هو في إيمانك بوجودك، برسالتك، بمعنى خلق الله لك، بتقدير هذا الخلق، بتقدير هذا الوجود، إنك لا تستطيع أن تقدر الله المطلق، وإنما تقديرك لله هو في تقديرك لمخلوقات الله، لآلاء الله .. وقد أخبرنا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه:
 " لا تفكروا في ذات الله ولكن فكروا في آلاء الله "
فآلاء الله هي قانونه الظاهر لنا في هذا الكون، هي وجودك الظاهر لك على هذه الأرض، عليك أن تقدر هذا القانون وأن تقدر هذا الوجود وألا تهمله أو تضعه جانباً.
عباد الله
: إن الدين الحق هو في اتباع منهجٍ يقوم على إعمال ما أعطاك الله من قدرات، يقوم على إعمالك لعقلك وإعمالك لقلبك وإعمالك لجوارحك، قد يقول قائلٌ بأن قدرة الإنسان محدودة وأن عقله لا يمكنه أن يستوعب كل شيء، وهذا حق، ولكن هذا المحدود أيضاً - هذا العقل المحدود- يستطيع أن يفعل الكثير بالنسبة للإنسان على هذه الأرض.. كما قالوا في سابق أن علمنا محدودٌ جداً على هذه الأرض ،فما قيمة  هذا العلم القليل الذي حصلنا عليه؟ إنه قليل، قليل جداً، إن ما نجهله هو أضعافٌ مضاعفة مما علمناه، يقولون ذلك بشأن التقليل من قدر العلم الذي نتعلمه أو الذي نعرفه على أرضنا، وهذه مغالطةٌ أيضاً، لأن وإن كان هذا صحيح، إلا أن هذا القليل الذي نتعلمه على أرضنا يعني لنا الكثير، هذا القليل الذي نتعلمه على أرضنا، غيَّر كثيراً من أحوالنا، ومن عالمنا، ومن معاملاتنا، ومن وسائل عيشنا وانتقالنا، ومن وسائل اتصالنا، غيَّر الكثير الكثير بالنسبة لنا.
 فإذا أردنا أن نقدر الشيء، فعلينا أن ننظر إليه بمقياس وجودنا على أرضنا، ننظر إليه بالنسبة إلينا، لا بالنسبة إلى المطلق الذي تتضاءل بجانبه كل الأشياء، علينا أن نتعلم كيف نقدر هذا المحدود الذي هو وجودنا، وكيف نستخدمه لخيرنا ولخير من حولنا، ونحترم هذا المحدود، لأن به نستطيع أن نغير ما في أنفسنا
" إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِم " [الرعد 11]
فإن لم نقدر عقولنا، وإن لم نقدر قلوبنا، وإن لم نقدر ما يمكن أن نعمله على هذه الأرض بجوارحنا، فلن نستطيع أن نغير ما بأنفسنا. لذلك فإن مقولة أن التفكير قد يؤدي إلى أن تكفر هي مقولةٌ خاطئة، تؤدي إلى إهمال الفكر، وإلى عدم إعمال العقل.
عليك أن تفكر، وأن تفكر باستقامة، وأن تتعلم كيف تستقيم في فكرك.. فبدلاً من أن أقول لك لا تفكر لأن فكرك ربما يكون تفكيراً سيئاً وغير مستقيم، أُعَلمك كيف تستقيم في فكرك، والفكر يُقِّوم الفكر، والصدق يُعلم التفكير المستقيم، الصدق في الرؤيا، الصدق في المشاهدة، الصدق في التحليل، الصدق فيما نصل إليه من نتائج، الصدق في نقل هذه النتائج، الصدق في مناقشة هذه النتائج، معرفة حدود العقل بحيث يدرك الإنسان أن له حدودا، وأنه ليس مطلقا، وهذا من الصدق، فأنت لا تستطيع أن تفكر فيما لا تحيط به، ولا أن تعقل ما لا يمكن أن تعقله، وما لا يدخل تحت نطاق عقلك المحدود .. وهذا هو العلم، العلم الحقيقي القائم على منهجٍ مستقيم، أساسه الصدق، وأساسه الاستقامة، وأساسه الإدراك، وأساسه معرفة المسببات فيما يحيط به الإنسان من أمورٍ، يشاهدها ويبحثها ويحللها ويرى نتائجها رؤيةً واضحةً صادقةً.
 تطبيق كل هذا يكون أيضاً على ما أُمرنا به في ديننا فيما هو ظاهر لنا من حياتنا، وكل ما أُمرنا به له مقصد، مقصدٌ ظاهرٌ لنا أُمرنا به صراحةً، ومقصدٌ غائبٌ عنا أُخبِرنا به كنتيجةٍ، كل علاقتنا بها هو إيمانٌ بالقياس على ظاهرنا، وبالقدرة التي نملكها على الإيمان بأمورٍ نعتقد أنها الأصوب والأحسن والأقوم. أُمرنا بالصلاة، وتعلمنا مقصد الصلاة
" من لم تنهه صلاته فلا صلاة له "
" فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُون الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ " [الماعون 4-7]
وهذا مقصدٌ فيه إشارةٌ إلى أن المصلين لا يجب أن يكونوا مرائين، ولا يجب أن يمنعوا الماعون، ولا يجب أن يدعّوا اليتيم، إذن فالصلاة هي أسلوبٌ للتقويم وللتحسين، حتى يكون الإنسان أكثر صلاحيةً وأكثر عطاءً، فإذا لم تؤدي الصلاة هذا، فلا معنى لها
"من لم تنهه صلاته فلا صلاة له "
و" كم من مصل لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدا "
ولكننا نفقد المقصد ونركز على الشكل، ويتحول تفكيرنا إلى أشكالٍ وأشكال، دون أن نحاول أن نستقيم في صلاتنا.
وهكذا في أمور حياتنا، في كل أمرٍ أُمرنا به على أرضنا، لا نفكر بصورةٍ مستقيمة، ونظن أن هذا هو الدين، فننفذ الأوامر دون وعيٍ ودون فهم، ونقول أن هذا هو تنزيل العزيز الحكيم، كما لو أن هذا التنزيل لا يمكن أن يُفهم، مع أن هناك أشياءً كثيرة هي في خصوصية وجودنا على هذه الأرض ومرتبطةٍ بما هو أحسن وأفضل وبما هو أقوم. لذلك بدأنا حديثنا بأن علينا أن نقرأ آيات الله بعمق، وأن نتعلم المقاصد، وأن العلماء عليهم أن يساعدوا الناس في مفهوم مقاصد دينهم، حتى يقوموا في آلياته وفي عباداته وفي تدريباته وفي كل شعائره، لينسجموا ويتناغموا مع مقاصد ما أُمروا به، وهذا هو المهم والأهم.
عباد الله: علينا أن نقدر عقولنا، وأن نقدر قلوبنا، وأن نقدر عملنا، وأن نقدر وجودنا، وأن نفهم ديننا من خلال تقديرنا لهذا الوجود، لهذا القيام، لا نضع عقولنا جانباً ولا قلوبنا جانباً، ولا ضمائرنا جانباً، ولا قدرتنا جانباً، وإنما نُعمِل كل هذه الأمور والمعطيات والنعم، لنكون أكثر إسلاماً وأكثر إيماناً وأكثر إحساناً.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو أن كل أمرٍ أُمرنا به في ديننا، هو خاصٌ بوجودنا على أرضنا، له مقصدٌ في حياتنا ليساعدنا لنكون أهلاً لرحمة الله، فنكون بذلك من عباد الله، ويؤثر ذلك على حياتنا ما بعد هذه الأرض.. وكل أمرٍ أُمرنا به على أرضنا علينا أن نفكر في مقصده، وعلينا - ونحن نقوم به ونؤديه - أن يكون هدفنا أن نحقق هذا المقصد، وأن الفعل في حد ذاته لا قيمة له بدون مقصد، لذلك نجد من أركان أي شعيرةٍ: النية.. والنية هي المقصد، ما هي نيتك؟ ما هي نيتك وأنت تصلي؟ أتؤدي فقط حركاتٍ لا تعرفها ولا تعلمها، بظن انك بذلك ترضي إلهاً؟ أم أنك تؤديها بنية أنك تريد أن تكون في وصلٍة مع الحق؟ وأن تتدبر في كل كلمةٍ تقولها في صلاتك، وفي كل حركةٍ تؤديها في هذه الصلاة، فتعيش لحظاتٍ خالصاً لله تريد من خلالها أن تتعرض لنفحات الله، بتجردك من انشغالك بظاهر حياتك وبمادي قيامك، الذي هو- إن أدركت -  هو جزءٌ من كسبك في الله، ولكن كسبك في الله يلزمه أحوالٌ متعددة، ومن هذه الأحوال أن تعيش لحظاتٍ متجرداً عن هذه الأمور الدنيوية.
وهكذا تتعلم أن القضية هي قبل كل شيء مقصد تريد أن تحققه، وأن تنظر إلى كل ما أُمرت به في ظل هذا المعنى، وأن يكون الفقهاء والعلماء أكثر إدراكاً لهذه المعاني، فيفقهوا الناس حقاً في مقاصد دينهم، حتى لا يكون الدين مجرد شكل ومجرد شعار لا يحمل تحته شيئا، ولا ينم عن شيء، إلا عصبية وإلا شكل أمة أو شكل جماعة تحتها لا شيء، تحت هذا الشعار وتحت هذا الشكل لا شيء، لا عمل، لا علم، لا استقامة. اكتفت هذه الأمة بشكلٍ تتجمد فيه، وتعتقد أنها بهذا ترضي إلهاً يريدها أن تكون في هذا الشكل لمجرد الشكل، والله تعالى عن أي ظنٍ وعن أي وصفٍ.
 الله يأمركم ويقول لكم ويعلمكم في أنفسكم وفي أحوالكم حتى تكونوا أكثر رقياً وأكثر حياةً، وما معنى العبودية لله إلا أن تكونوا أكثر ارتقاءً وأكثر معراجاً، وأن تكونوا أحياءً بعد هذه الحياة الدنيا، لا تكونوا أمواتاً، وقد وصف الشهداء بذلك
" وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ " [آل عمران 169]
فإذا لم ينعكس الأمر عليكم، وإذا لم تتطوروا إلى ما هو أفضل وأحسن وأقوم، وإذا لم يكن مجتمعكم نتيجة علمكم وعملكم أفضل وأحسن وأقوم، فلا شعار ينفعكم ولا شكل ينفعكم، ما قمتم في الإسلام ولا قمتم في الإيمان ولا قمتم في الإحسان، إنما أنتم أشكالٌ وخشبٌ مسندة ليس فيكم معنى الإنسان، وليس فيكم معنى الحياة التي هي من صفات هذا الكيان، الذي ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره فيه، لقد فقدتم أمانة الحياة فيكم وفقدتم القلب فيكم "إن القلوب لتصدأ – وقد صدأت – كما يصدأ الحديد وإن جلاؤها لذكر الله ". الإنسان ليس بشكله وليس بصورته وليس بجسده، ولكن بقلبه الحي، بأمانة الحياة فيه. إن فرط في أمانة الحياة فيه، وصدأ قلبه ومات قلبه، فهو فقد معنى إنسانيته، فأين هو الإنسان؟.
نسأل الله أن يرفع هذه الغمة، وأن يجعل منا أداة خيرٍ وسلامٍ ورحمة، وأن نكون حقاً عباداً له خالصين، وأن نكون حقاً على ذكره مجتمعين، وأن نكون حقاً في طريقه سالكين، ولوجهه قاصدين.
اللهم وهذا حالنا وهذا قيامنا، نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، و لا حاجةً فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
" رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ " [آل عمران 8]