الخميس، 12 مايو، 2011

مرجعية الدين فى قيام الدولة وقوانينها

  • خطبة الجمعة 13 ربيع الثاني 1432 هـ الموافق 18 مارس 2011م
  • أعد للنشر بواسطة: عائشة رافع
 إن الدين يخاطب الإنسان، في المقام الأول، وصلاح الإنسان، هو صلاحٌ للمجتمع، والمجتمع، عليه أن يختار من خلال اختيار أفراده، لا بفهمٍ فوقيّ من أي إنسانٍ كان، وإنما بما يختارون، وبما يجتمعون عليه. من حق المجتمع أن يخطئ، ومن حقه أيضاً أن يُصوِّب خطأه، والأساس، هو أن يكون هناك نظام، يُمكِّن المجتمع من تصحيح مساره، من خلال آليات يضعها، ويجتمع عليها، ويتفق عليها.
حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشكر دائماً لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: يدور حديثٌ هذه الأيام، في علاقة الدين بالدنيا، ومرجعية الدين في قيام الدولة وقوانينها. وكما نرى، فإن هناك لبساً في هذه العلاقة، ومدى ارتباطها، وكيفية ارتباطها، ومقولة أن الإسلام دينٌ شاملٌ، هي مقولةٌ حقة، ولكن حين تنفذ، فهناك خلطٌ لأوراقٍ كثيرة، في كيفية تنفيذها.
إنا حين ننظر إلى ما جاءت به الرسالات السماوية، فهي في المقام الأول، تخاطب الإنسان، الذي هو مُكوَّن المجتمع. فالمجتمع يتكون من أفراد، وصلاح المجتمع من صلاح أفراده، الذين يستطيعون أن يقيموا نظاماً بينهم، يحكم أمرهم، ويحكم علاقاتهم.
صلاح الإنسان، هو المقصد الأول لكل الرسالات السماوية، فقد يصلح الإنسان وهو في مجتمعٍ فاسد، ولكنه يكون إنساناً صالحاً، قد يؤثر المجتمع عليه سلباً، ولكنه كإنسانٍ، يدرك، ويتفهم، ويقدر على قراءة رسائل الحق له ـ يستطيع أن يتغلب على هذا الجانب السلبي للمجتمع، وأن ينجو بوجوده، وأن يكسب حياته. ولذلك، فإن الإنسان، هو المخاطب في كل الرسالات السماوية:
"...كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته..." (1)
حتى ولو كانت رعيته، هي نفسه:
"وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ..." [فاطر 18]
"فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ" [الزلزلة 8،7]
وفي نفس الوقت، فإن التوجيه للمجتمع، هو توجيهٌ لأفرادٍ فيه. إذا كانت هناك أمة، أو كان هناك أفراد، يريدون أن يقيموا مجتمعاً، فالتوجيه موجهٌ لهم، أن يتواصوا بالحق، وأن يتواصوا بالصبر، وأن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر. فهنا، التكليف للأفراد، أن يجتمعوا ليوجدوا بينهم نظاماً، يؤدي إلى صلاحٍ أكثر، إلى تكافلٍ بين أفراده، وإلى نظامٍ يسمح بتفجير طاقات كل أفراد المجتمع، ليُصلِح ويعمر في الأرض، وليكون أداة خيرٍ لمجتمعه.
وهذا أمرٌ، موجودٌ في الفطرة الإنسانية، نجده في مجتمعاتٍ كثيرة، وصلت إليه بتجاربها، بل وفي بعض الأحيان، بترك الدين جانباً، لأن تطبيق الدين في مجتمعاتهم، أو في هذه المجتمعات، كان تطبيقاً فاسداً، أدى إلى تَحكُّم رجال الدين، أو الذين يسمون أنفسهم كذلك، أدى هذا، إلى تخريب المجتمعات، وإلى نشر التراهات والخرافات، وتَحكُّم الأغنياء في الفقراء، وأشياء كثيرةٍ أخرى. فكان رفض الدين، هو الدين الحق. كان رفض هذا الدين الفاسد، هو الدين الحق، وكان المجتمع برجوعه إلى فطرته، وإلى تشاوره، وإلى القيم التي يراها حقاً ـ هو دينٌ، حتى ولم يعرف القائمون به، أنه دين، بمعنى الدين الذي جاء من السماء، لأنهم لم يروا في الدين، الذي قال لهم رجاله أنه دينٌ، أنه يفعل ذلك، ويأمر بذلك. فالمسميات هنا، قد تختلط.
قد تقوم جماعةٌ من الناس، بتكوين مجتمعٍ، وأن تضع له نظماً، من بنات أفكارها، ومما يجتمعون عليه، ويرون فيه أنه الأفضل، غير مرتبطين تماماً بأي دينٍ، أو بأي اسمٍ لرسالةٍ، أو لثقافةٍ، أو لأي شيءٍ تُعورِف عليه في سابق، وهذا الذي يقيمونه، هو يتفق تماماً، مع مبادئ الأديان التي جاءت، وبُلِّغت من خلال رسل الله. فالمحك الرئيسي، هو الاجتماع والنية، على فعل الخير والحق.
إن أمةً لو فعلت ذلك، فسيكون نتاجها ـ بطبيعة الحال ـ مطابقٌ لما جاءت به الرسالات السماوية، التي مقصدها في المقام الأول، هو صلاح المجتمع، وكفالة أغنيائه لفقرائه، وأقويائه لضعفائه، وكباره لصغاره. مجتمعٌ، يجد الجميع فيه مسكنهم، وملبسهم، وعملهم الذي يخدمون به غيرهم. مجتمعٌ، أفراده أسوياء، يعرفون أن لهم رسالةً على هذه الأرض، وأن عليهم أن يضعوا نصب أعينهم دائماً، أنهم يعيشون على هذه الأرض، وقتاً محدوداً، وأن ما سوف يأخذوه معهم بعد رحيلهم، هو ما قدموه لمجتمعهم، ولإخوانهم، وكل عملٍ، راقبوا تعاملهم مع الله فيه.
وتعاملهم مع الله، ليس كلاماً، وإنما هو استقامةٌ في التعامل، لا يأخذون أكثر مما يستحقون، ويعطون بقدر ما يستطيعون:
"وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ" [المطففين 3:1]
لا يكونوا من المطففين، يكونوا من العادلين، الذين يقيسون كل شيءٍ بميزان، ويخشون الله، لأنهم قد يخطئوا في الميزان، فيستغفروا الله، كل يوم وكل لحظةٍ، عما فعلوا ويفعلون، ويسألوا الله أن يغفر لهم، فيما فعلوا وفيما سوف يفعلون، يتقون الله حق تقاته، علماء في هذا.
"... إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ..." [فاطر 28]
خشيةٌ، تدفعهم دائماً، إلى محاولة أن يكونوا أفضل وأحسن. خشيةٌ، لا تجعلهم يتكاسلون، وإنما تجعلهم يعملون، ويغيرون، ويصلحون، لأنهم يدركون، أن عليهم أن يعملوا دائماً، وإن كان ذلك، قد يؤدي إلى خطإٍ، إلا أن عندهم آلية الاستغفار، التي منحها الله لهم، لأنها أساسية، حتى يتعلموا من أخطائهم، وحتى يرجعوا دائماً إلى ربهم، وحتى يغيروا دائماً، إلى الأفضل والأحسن والأقوم، فهم يدركون أن الخطأ واردٌ، فلا يجعلهم ذلك، يقفون ساكنين، لأنهم يخشون أن يخطئوا، فالخطأ ليس شيئاً فيه عيبٌ، وإنما الاستمرار في الخطأ هو العيب. بل أن الخطأ، قد يكون أفضل من الصواب، في بعض الأحيان، حين يتعلم الإنسان منه شيئاً جديداً. فهم لذلك، يقدمون، ويتحركون، ويغيرون، وعلى استعدادٍ دائمٍ، أن يتقبلوا الرأي الآخر، ليُصححوا مسارهم، ويُصححوا طريقهم.
إن ما جاء به الدين، هو لإصلاح الإنسان، حتى إذا أقام أمةً، أقامها هو على صلاح. إنما لا يمكن أن يقيم أناسٌ غير صالحين، أمةً، بأن يقولوا أننا سوف نطبق مرجعيةً إسلامية، فهم غير صالحين. وعدم الصلاح هنا، لا يعني أنهم لا يصلون ولا يصومون، وإنما الصلاح هو في العقول، وفي التفكير، وفي الإرادة، وفي الفهم.
فكثيرٌ من الذين قتلوا الأولياء والصالحين، كانوا يقومون الليل، ويصومون الدهر، ولا يؤدي بهم ذلك، إلى إنارة عقول، أو إلى استقامة قلوبٍ وضمائر، وإنما يقوي فيهم مفهوماُ خاطئاً، يذهبون به، فيقتلون ويروعون، بظن أنهم يفرضون دين الله، وحكم الله. فكيف يأمن الإنسان في نفسه، وهو يرى كل هذه الأمور، حدثت في قديم، وحدثت في حاضر.
إن الذي يقول أنه يؤمن بدين الله، ديناً شاملاً، لا يعني ذلك، أنه يعرف كيف يطبق هذا الدين. إن الذي يعتقد، أن تطبيق الدين أمراً واضحاً، هو لا يدرك معنى تطبيق الدين، لأنه لو أدرك، لعرف أن القضية ليست بهذا اليسر. لذلك، فإن الأساس هو الأفراد، الذين تكون عندهم رغبةً في الإصلاح والصلاح، والذي يفرزهم المجتمع، ليكونوا قادرين على أن يتخذوا القرار الصائب، وأن يكون المجتمع مجتمعاً عنده مرونة كافية، تُمكِّنه من أن يراجع نفسه بنفسه، وأن يُقوِّم نفسه بنفسه. فالذي اتخذ طريقاً خاطئاً، يسقط، ويجيء آخر، ليُصحح ما أخطأ فيه من أخطأ.
يكون المجتمع كالإنسان الصالح، الذي يتوب إلى الله، والذي يغير أفعاله، إذا وجد أنها أفعالاً خاطئة. إن هذا في حد ذاته، هو تطبيق الدين، بدون أي شعارات، وبدون أي مرجعيات، لأن الدين في الإنسان، في فطرة الإنسان الصالحة. إن من حق المجتمع، ألا تكون عليه وصاية، كما أن الفرد، لا يكون عليه وصاية،
"...فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ..." [الكهف 29]
المجتمع كله، هو إنسانٌ من حقه أن يخطئ، إذا اجتمع على أنه أراد هذا الطريق. لو ظننت أنه الخطأ، فربما ظنك ليس في محله. وإنما لو اجتمعت مجموعة، أو اجتمع الناس في أمةٍ، أو في بلدٍ، على أنهم يريدون شيئاً، فليفعلوه. لا يحق لأحدٍ، أن يقول لهم لا تفعلوا ذلك، حتى لو كان في رأيه، أنه يخالف ما هو معروفٌ عنده من الدين، لا يستطيع أن يفرض عليهم ذلك. وإنما هم سوف يدركون ذلك بتجربتهم، وسوف يرجعون إلى الله، إذا كان فعلهم يؤدي إلى فسادٍ وإفسادٍ للمجتمع، وكانوا يظنون أنه صلاحٌ، وجَمَعَ نفرٌ كثيرٌ منهم على ذلك
من حق المجتمع أن يجرب، ومن حق المجتمع أن يفشل، ومن حق المجتمع أن يُخطئ، حتى يتعلم، وحتى يرجع مرةً أخرى إلى الصواب. المهم في كل ذلك، أن يكون هناك نظامٌ يسمح بالتغيير، ويسمح بتداول السلطات، حتى يكون هناك تصحيحٌ دائم للمجتمع.
عباد الله: إن بعض الأحكام التي جاءت، نعلم جميعاً أن بعضها، لا يستطيع إنسانٌ أن يطبقه تطبيقاً كاملاً، إلا ببينةٍ واضحةٍ جليةٍ، قد يستحيل أن تُنفَّذ. فأنت لا تستطيع أن تقطع يد سارقٍ، وهناك ظنٌ أنه سارقٌ حقاً. وهذا ما أدركه المسلمون الأوائل، يوم عرفوا أن إقامة حد السرقة، ليس في قطع اليد، وإنما في تحديد من هو السارق. فإذا كانت هناك مجاعةٌ، لا يستطيع إنسانٌ أن يطبق هذا الحد، وإذا كان هناك مجتمعٌ فيه فقرٌ شديدٌ ـ كما في مجتمعاتنا ـ وجاء أي إنسانٍ بفعلٍ كهذا، قد لا تستطيع أن تطبق هذا الحد وأنت مستريحٌ، بل أنك قد لا تستطيع أن تطبق الحد، لأنك لا تأمن أن هناك شهوداً حقيقيين، فقد يكون المجتمع فاسداً، بشكلٍ لا يمكنك أن تطمئن إلى من يشهد بأمرٍ ما.
وكذلك في حد الزنا، الذي قد يستحيل بأي صورةٍ من الصور، أن يُطبَّق بحد الرجم، حين يقول إنسان ذلك، فربما يتساءل البعض، ولماذا جاءت هذه الأحكام، التي لا يمكن أن تُنفَّذ في واقع الأمر؟ لأنها توضح مدى جلال هذا الخطأ، الذي يرتكبه الإنسان، إنها تعليمٌ للإنسان، إنها رسالةٌ للإنسان بينه وبين نفسه، أن عليه أن يفكر مراتٍ كثيرة، إذا حاول أن يُقدِم على فعلٍ كهذا، حتى وإن لم يصل إليه المجتمع، ويطبق عليه الحد. إنه يعلم مدى تأثير هذا الفعل السيئ، على قيامه الروحيّ الحقيّ.
إن تعظيم الحدود، ليس فقط في تطبيقها شكلاً، وإنما هي رسالةٌ للناس. وقد يختلف المتأسلمون على ذلك، ويقولون لا، بل أنها تُطبَّق، ويجب أن تُطبَّق. إذا أردت أن تطبقها، فعليك أن تضع الشروط، التي يمكن أن تُطبَّق بها، وأنت هنا، سوف تجد صعوبةً شديدةً في ذلك، بل أن هذا تطبيقها، إذا أردت ذلك. تطبيقها، أن تراعي كل الظروف، مما سيؤدي عملياً، إلى أن هذه الحدود بأشكالها، لن تُطبَّق عملياً في واقع الحياة، وإنما لا مانع من أن تذكرها، لتوصيل الرسالة. إنما توضح أيضاً الشروط الحقيقية، لتكمُل الصورة. لا تستطيع أن تقول بها فقط، دون وعيٍ، ودون فهم، ودون توضيحٍ، ودون بيان. إن التطبيق الحقيقي، قد يكون في عدم تطبيقها في أي حالة من الحالات، لسببٌ بسيط، لأن هناك شبه استحالة، في أن توجد الدلائل القاطعة على تطبيقها، ويجب أن يكون هذا واضحاً، ويجب أن يكون واضحاً، أن الرسالة منها، هي توجيهٌ للإنسان، ليُصلح نفسه من الداخل، ليعرف مدى الجرم الذي يرتكبه، يوم يتعدى هذه الحدود، وتأثيره على المجتمع وعلى نفسه.
إذا أدركنا ذلك، فليس هناك شيءٌ، يتعارض مع المبادئ الإنسانية، التي يجدها الإنسان في فطرته. فكل مبادئ الشريعة الإسلامية، هي مبادئٌ إنسانية، راسخةٌ في أعماق النفس البشرية: مبدأ العدل، مبدأ المساواة، مبدأ التكافل، مبدأ التراحم، مبدأ الإصلاح، مبدأ الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، مبدأ قبول كل إنسانٍ، أياً كان لونه، وأياً كان دينه، وأياً كان شكله، وأياً كانت ثقافته، وأياً كان تَوَجُّهه ـ هذه مبادئٌ إنسانية.
لذلك، فإن علينا ونحن نخطو خطواتٍ، في بداية طريقٍ، لوضع أسسٍ لمجتمعنا، أن نتفهم هذه المعاني، وأن نتعلم أن من الناس من لا يستطيعون أن يدركونها. فواجبٌ، أن نُوعِّي الناس أكثر، وأن نشرح لهم أكثر، وأن نبدأ بمبدأ أن الإنسان هو الأساس، وأن اختياره هو الأساس، فلا نفرض أي أمرٍ فوقيٍّ عليه، لأن الكثيرين، لن يستطيعوا أن يفهموا فلسفة هذه الأمور التي نقولها، فلتكن بدايتنا، أن يختار كل إنسانٍ ما يراه أنه الحق، ولنرى هذا الضمير الجمعيّ، والاختيار المجتمعيّ، ماذا سيؤدي إليه، وماذا سيقود إليه؟
عباد الله: نسأل الله: أن يوفقنا، ويوفق مجتمعنا، أن يكون أكثر صلاحاً، وأكثر فلاحاً، وأن يجعلنا عباداً له خالصين، ورجالاً على ذكره مجتمعين.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن الدين يخاطب ـ في المقام الأول ـ الإنسان، وأن صلاح الإنسان، هو صلاحٌ للمجتمع، وأن المجتمع، عليه أن يختار باختيار أفراده، لا بفهمٍ فوقيّ من أي إنسانٍ كان، وإنما بما يختارون، وبما يجتمعون عليه، وأن من حق المجتمع أن يخطئ، ومن حقه أيضاً أن يُصوِّب خطأه، وأن الأساس، هو أن يكون هناك نظام، يُمكِّن المجتمع من تصحيح مساره، من خلال آليات يضعها، ويجتمع عليها، ويتفق عليها.
عباد الله: إن مجتمعاتٍ كثيرة، تركت الدين جانباً، وأقامت مجتمعاتها، باختيار أفرادها، وأصبحت هذه المجتمعات، هي تمثيلٌ أكثر، لمقصد الدين، كما قال أحد الأئمة، [وجدت في الغرب إسلاماً بلا مسلمين](2)، وبمعنى آخر، [وجدت كذلك في الشرق مسلمين بلا إسلام](3). لأن يوم يجتمع أفرادٌ من الشعب، مختارين بإرادة الشعب كله، ويفكرون في صلاح مجتمعٍ ما، سوف يخرجون بقوانين، فيها صلاحٌ للمجتمع. لا مانع من أن يسترشدوا بتجاربٍ سابقة، وبمبادئ ثابتة، أثبتت فاعليتها في سابق، مع مراعاة التغير في المجتمعات. لا مانع من الرجوع إلى التراث الإنساني، بكل أبعاده، بما فيه من أديان، وبما فيه فلسفات، وبما فيه من تجارب سابقة، وتجارب حاضرة، ليتعلم الناس من تجارب آخرين، وهذا أمرٌ مطلوب.
وهذا معنى من المعاني، التي نتأملها في قوله تعالى:
" وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ..." [آل عمران 104]
والمعروف هنا، هو كل ما أثبت صلاحيته. لأنك حين تدخل مجتمعاً، فتجد عرفاً يسري بين أفراده، تجد أنهم توافقوا عليه، وأصبح حاكماً لهم، واستقروا من خلال تنفيذه، مما يعني أن الجميع قد قبله. هذا القبول المجتمعيّ، لأمرٍ ما، هو فيه نوعٌ من أنه أمرٌ جيد، وهذا معنى من معاني المعروف.
حين نجد أساليب إدارة، قد أثبتت فعاليتها في إدارة مجتمع، أو في إدارة مصنع، أو في إدارة أي مؤسسة، يصبح هذا معروفاً، نحاول أن نجربه في مجتمعنا، ونضعه تحت المنظار، حتى نتبين إن كان صالحاً لنا، أو غير صالحٍ. إنما هو بدايةٌ، يمكن أن نبدأ منها، إنه كالمثل الذي يقول: لا يجب أن تخترع العجلة مرة أخرى، فإذا كان هناك إنسانٌ قد اخترعها، فلتستخدمها. إنه أمرٌ معروف، في أي علمٍ مادي دنيوي، إذا كان هناك نتيجةً صحيحةً، قد أثبتت فاعليتها، فلتستخدمها، وتبني عليها، لا تبدأ من جديد، هذا هو معنى المعروف.
وحين يثبت أمراً، أنه ليس صالحh، ولا يؤدي إلا إلى فساد، يوم تعرف أن السلطة المطلقة، مَفسَدةٌ مطلقة، عليك ألا تحاول ذلك، فهذا هو المنكر:
"...تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ..." [آل عمران 110]
تنهى عن ما ثبت أنه فاشل، وأنه لا يمكن أن يصحح أمرا، أو أن يُصلح حالاً، إن هذا ليس أمراً فوقياً، وإنما هو أمرٌ واقعيّ، قانونٌ نراه فاعلاً على أرضنا، "وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ" [الذاريات 6].
أما الذين يتكلمون عن الدين، بأشياءٍ من مفهومهم، ومن معتقداتهم، ويعتقدون أن لها مفهومأً واحدا، وأن لها تطبيقاً واحدا، فإن عليهم أن يراجعوا أنفسهم في ذلك، وأن ينظروا إلى أممٍ أخرى، قد رأت هذا المنظور بنظرةٍ ضيقة، كما ينظرون إليها، فماذا فعلت؟ هل أصلحت حقاً؟ أم أنها أصبحت في أغلبها، تحوي منافقين، لا يستطيعون أن يجهروا بآرائهم؟ إنما هم في قلوبهم، لا يؤمنون بأي شيءٍ من مقومات هذه الدولة، ومما تفعله، ومما تسنه.
إن الأمور الفوقية، في التدخل في حرية الإنسان، حتى ولو كانت هذه الحرية، تؤدي إلى ظاهر فساد، إلا أنها لا يمكن أن تُقوَّم بالقوة، وإنما تُقوَّم بالعلم، وبالمعرفة، وبالتوجيه، وبالذكر، وبالتجربة التي تجعل الإنسان، يرجع إلى طريق الحق والصلاح والفلاح. لا نريد دولة منافقين، ولا أفراداً منافقين، يُظهرون غير ما يُبطنون، وإنما نريد دولة أحرار، يُظهرون ما يُبطنون، ويغيروا أنفسهم إلى الآخر، وإلى المعنى الآخر، وإلى الفهم الآخر، إذا أدركوا أن ما كانوا فيه، خطأً يجب تغييره.
عباد الله: نسأل الله: أن يحقق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا. اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم ولي أمورنا خيارنا، ولا تولي أمورنا شرارنا.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا.
اللهم فلا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها، ولا طاغياً إلا كسرته، ولا ظلاماً إلا نهيته. اللهم فاجعلنا عباداً لك خالصين، وإخواناً على ذكرك مجتمعين.
اللهم اجعل بلدنا بلداً آمناً، وبلداً صالحاً.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
"رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ" [آل عمران 193]. 
  1. جاء بسنن الترمذي: ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم أنه‏ ‏قال ‏" ‏ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه ، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"‏.
  2. مقولة للإمام محمد عبده
  3. مقولة للإمام محمد عبده