الأربعاء، 4 مايو، 2011

الدين يكشف لنا عن هدف وجودنا

  • خطبة الجمعة 12 جمادى الأولى 1432 هـ الموافق 15 أبريل 2011م
  • أعد للنشر بواسطة: عائشة رافع
 الدين يعطينا الأدوات التي تجعلنا نرى الحق والخير والاستقامة في أنفسنا وفي أفكارنا وفي عملنا، وحين نكون باحثين عن الحق وعن الخير حقا، نستطيع أن نستقبل رسالة الله لنا في النصوص المقدسة. وسيظل ما نقرأه منها يتطور بتطور معارفنا، وبتطهر قلوبنا، وبتجاربنا في الحياة. وسيظل النص الإلهي أكبر وأكثر تنزيها عن كل فهم
حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
"...الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ ..." [الأعراف 43].
عباد الله: إن ديننا، دين الحياة، يكشف لنا عن هدف وجودنا
"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" [الذاريات 56]
فالهدف، أن تكون عابداً لله، عبداً لله، تعبد الله. وما عبادة الله، إلا في محاولتك، أن تسلك الطريق، الذي هيأ لك، وأن تتبع الأسباب، التي خلق لك.
الهدف، هو أن تتعرف، على كل هذه الأمور، التي تساعدك، أن تكون محققاُ لهذا الهدف في حياتك، والوسيلة لذلك، هي البحث، هي المحاولة، هي الجهاد والاجتهاد. والجهاد والاجتهاد، والبحث عن المعرفة وعن الحقيقة، هو أمرٌ دائمٌ متصل. لذلك، فإن الهدف، هو هدفٌ لا نهائيّ. والمحاولة، والجهاد والاجتهاد، هما محاولاتٌ مستمرة. فلا يمكن لإنسانٍ أن يَدَّعي، أنه حقق هدف وجوده تحقيقاً كلياً، ولا يمكن لإنسانٍ أن يَدَّعي ، أنه يعرف ما أراد الله معرفةً كليةً. لذلك، كان الهدف، هو هدفٌ لا نهائيّ. وكانت الاستقامة في السلوك، وما يرى الإنسان أنه الأفضل، هو الواقع الذي يجب أن يقوم فيه الإنسان. أصبحت الوسيلة، هي كل ما نملك على هذه الأرض، أصبح العمل الصالح، هو كل ما نستطيع على هذه الأرض. وأصبح الإيمان قبل ذلك، هو الإيمان بأن الصواب، يؤدي إلى الصواب، وأن ما نرى أنه الحق، يؤدي إلى الحق. فأصبح الهدف مطلقاً، وأصبحت الوسيلة مقيدةً، وأصبح الإيمان، هو الإيمان بهدفٍ لا نهائيّ، لأن يَصلُح الإنسان، ويصبح حقاً في معنى العبودية لله. وأصبحت الوسيلة، هي العمل الصالح، وهي الاجتهاد والجهاد، فيما يملك الإنسان، وفيما يرى الإنسان، أنه الأفضل والأحسن والأقوم.
لذلك، فإن من يؤمن بالله حقا مطلقاً، هو إنسانٌ حر، يبحث عن الحقيقة في وجوده، وفي عالمه، ويحاول أن يحققها. أما الذي يعتقد، أنه قد جَسَّد الهدف في شكلٍ محددٍ، وأن لا حرية له، وأعتقد أن هذا، هو معنى العبودية لله، فإنه ما عبد إلا ظناً، وإلا وثناً أقامه من فكره.
لقد ضرب الله لنا مثلاً، فيمن قالوا من اليهود: أنهم أحق بجنة الله، ومن قال من النصارى: من أنهم أحق بجنة الله، ومن المسلمين من أيضاً ادَّعوا، بأنهم أحق بجنة الله، فتجيء الآية:
"لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ..."[النساء 123]
لتُعرَّفنا، أن القضية، هي من يعمل عملاً صالحاً، هو من له حياةً صالحة. القضية، أكبر من أن تختزل في ترديد كلمات، أو في ظنٍ من فهمٍ في قضية. إنما القضية الحقيقية، هي كيف يكون الإنسان مستوعباً لكلمات الله، مدركاً لمقاصدها، محاولاً قدر جهده، أن يتفاعل معها، مدركاً أن فهمه، هو فهمٌ من مفاهيم، وأن إدراكه، هو أدراكٌ من مدارك كثيرة، وأن المفاهيم تختلف، وأن القدرات تختلف، وأن المدارك تختلف، فلا يكون أمامنا، إلا أن نجتمع على كلمة سواء، وإلا أن نبحث في مجتمعنا وفي عالمنا، كيف نكون أفضل، وكيف نكون أحسن، من خلال رؤيتنا القائمة، على ما أودع الله فينا من فطرةٍ، تميز بين الخبيث والطيب، وبين الحق والباطل، وبين العدل والظلم.
إن آيات الله، تُقوِّمنا في داخلنا، لنكون أكثر قدرةً على رؤية الحق، ولنكون أكثر قدرةً على رؤية العدل، ولنكون أكثر قدرةً على رؤية الصلاح والفلاح. إن كلمات الله، هي لتُطهِّر وتُحيي قلوبنا، ولتُحيي وتُطهِّر عقولنا وتنيرها، وتطهر أرواحنا، وتزكي نفوسنا، وتُجلِي بصائرنا، وتجعلنا من السامعين ومن المبصرين، ومن الناطقين بكلمة الحق.
إن كلمات الله لكل إنسانٍ، ليقومها، ثم يجتمع مع إخوانه، ليأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، ويؤمنوا بالله، ليكونوا أمةً وسطاً، يدركون معنى الوسطية، فليست الوسطية حالةٌ لها كَمّ، فالوسطية تتفاوت من حالٍ إلى حال. لا تستطيع أن تقف عند نقطةٍ، وتقول: أن هذا هو الوسط. لأن الحدين الأقصى والأدنى يتمددان، فلا تستطيع أن تقيس الوسط بكَمٍّ محددٍ، لا تستطيع أن تحدد إنفاقك أنه وسطٌ، بأن تحدده بكمٍ تنفقه.
الوسطية حالٌ في الإنسان، يتناسب مع كل إنسان، في رؤيته، وفي مقدرته، حين ينظر إلى أمرٍ ما، ويقيسه على مقياس قلبه، هل هو أمرٌ صالحٌ، يُصلِح غيره، ويُصلِح نفسه، أم أنه أمرٌ ليس كذلك. حالٌ، الرقيب فيه، هو قلب الإنسان، هو حال الإنسان، هو إيمان الإنسان، أنه يرى الله فيما أودع فيه من فطرةٍ سليمة، وهذا هو المكان الوحيد، والاتجاه الوحيد، الذي يمكن للإنسان، أن يرى الله فيه.
إنك لا تستطيع، أن ترى الله في فهمٍ يقوله الناس لك، أو في قراءةٍ حرفيةٍ لنصٍ ما، وإنما الرؤية الحقيقية لله، يوم تعكس البصر إلى داخلك، وتتجه إلى قلبك وفطرتك، متجرداً من ذاتيتك ومن رغباتك وشهواتك، حينئذٍ ترى الله و تشهد الله. ولإكبارك لله، عن كل حالٍ وكل أمر، تقول: الله أكبر، وتقول: هذا ما رأيته، وقد لا أكون قد رأيت أمراً آخر. فلا تجعلك هذه الرؤية تتكبر، وإنما تجعلك تردد: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
وهذا، هو ما عناه الحديث الشريف، بمقام الإحسان، "أعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"(1).
فكأنك تراه، هو يوم تعكس البصر إلى داخلك، إلى فطرتك، فهذا، هو كأنك تراه. ثم ترجع إلى الله أكبر، وتقول: هو المحيط وأنا المحاط، الله أكبر، وتعالى الله عما أصف، وعما أدرك. تستغفر الله، وترجع إلى الله، ولكن هذا هو الطريق، الذي يجعلك تفرق بين الحق والباطل، بالنسبة لك.
[أستفتي قلبك وإن أفتوك، وإن أفتوك، وإن أفتوك](2)
هكذا، يعلمنا رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أن ننمي قلوبنا، لتكون قادرةً أن تفتينا في أمورنا، وهذه الفُتيا، هي خاصةٌ بالإنسان، وليست خاصةٌ بالناس الآخرين، ليست خاصةً بالناس جميعاُ، إنما هي خاصةٌ به.
لذلك، كان العلماء قديماً، يتحرجون من الفُتيا للناس. لذلك، كان القوم أيضاُ، يتحرجون من الكلام في قضايا كثيرة، ويعتبرونها من الأمور الخاصة للإنسان، ولذلك، قال من قال: [يارُبَّ جوهر علمٍ لو أبوح به، لقلت إنك ممن تعبد الوثنا](3).
فهناك خصوصياتٌ للإنسان، عليه أن يحترمها، وأن يحترمها الآخرون، وألا يتجرأ إنسانٌ، أن يقول: أنني أعلم الحق المطلق، وأن هذا ما يجب، وهذا ما لا يجب. إنما يقول دائماً: هذا ما علمت اليوم، ربما يكون خطأ، وربما يكون صواب، وهو خطأٌ في كل حال، لعلمٍ أكبر يمكن أن أعلمه، وهو صوابٌ بالنسبة لعلمٍ أقل، آخرٌ ممكن أن يكون فيه.
ومن ثم فأي رأيٍ، هو خطأٌ وهو صوابٌ في نفس الوقت. وإنما لنتحرك إلى الأمام، علينا أن نُرجِّح ما نراه في لحظتنا هذه، ونتخذ ما يمكننا أن نتخذه، لنُغيِّر إلى الأفضل والأحسن والأقوم، قابلين أن نرجع إلى الحق، إذا اكتشفنا خطأً في حركتنا، فالرجوع إلى الحق فضيلةٌ دائماً.
عباد الله: كل إنسانٍ، مسئولٌ عن نفسه وعن رعيته، والمجتمع كله، مسئولٌ عما يخصه، فلا يكون أمر الأمة إلا باجتماعها، وإلا بتواصيها بالحق والصبر، حتى تصبح أمةً صالحةً، أمةً وسطاً، أمةً تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله.
نسأل الله: أن يجعل أمتنا أمةً صالحة، وأن يجعلها أمةً سالمة، وأن يجعلنا أداة خيرٍ وسلامٍ و رحمة، لنا ولمن حولنا.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن علينا، أن نُكبِر الله عن الوصف، وعن التحديد، وعن التجسيد، وأن نتعلم، كيف نقرأ آيات الله، قراءةً متعمقة، مدركين مقاصدها، فإرادة الله، أكبر من أن نحيط بها.
إنما نعلم، أن الله قد أوجد فينا فطرةً، إذا اجتمع الناس، سوف يصلون إليها، وهذا معنى: [لا تجمع أمتي على ضلال](4)، وأن يعلم الإنسان، أن كل ما هو ماديّ أرضيّ، يرجع قياسه إلى الإنسان.
والآيات، حين تحدثنا وتوضح لنا، تُحاجِّينا بهذه الفطرة
"...كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" [آل عمران 103]
فحُجَّة الله ـ حين توضح أمراً ـ تخاطب فطرة الإنسان النقية، في أنه لا يقبل هذا الأمر، ثم توضح له، أنه يجب عليه، أن يعالج هذا الأمر، باتخاذ التدابير المناسبة، ويصبح أي أمرٍ في هذا المجال، هو رسالةٌ، ليفكر المجتمع، في كيفية تطبيقها. لذلك، فإننا نجد الذين فهموا هذه الآيات بمقاصدها، وضعوا معايير كثيرة لتطبيق الحدود، التي لا يمكن التراجع فيها بعد ذلك، كقطع اليد، وقتل النفس. فإنك قد تخطئ، وتطبق حداً لا يمكنك إصلاحه. أدركوا، أن الله يريد بالناس اليسر، ولا يريد بهم العسر، وأدركوا، أن عليهم أن يتحققوا تحققاً شديداً، في أمرٍ لا يمكن إصلاحه، أدركوا ذلك، وهو غير مكتوبٍ بصراحةٍ في آياتٍ، لأنهم أدركوا، أن هذا هو مقصد الآيات. وهكذا، فعل رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وفعل صحابته ذلك أيضاً، فأصبحت الأمور مستقرةً.
ولكن هناك من الناس، من يعبدون الله على حرف، ويكفرون بعضهم البعض على حرف، ولا يدركون، أن [القرآن حمَّال أوجه](5)، وأن علينا، أن نجتمع جميعاً، إذا كان هناك أمرٌ يخص مجتمعنا، لنصل إلى تطبيقٍ، نجتمع عليه.
أما فيما يخص الإنسان في حاله، فإن عليه أن يتجه إلى داخله، وأن يُدرِّب قلبه، أن يميز بين الخبيث والطيب، وأن يستفتي قلبه، قبل أن يقدم على أي أمر، ليرى ما يرى، وهذا أمرٌ خاصٌ به. أما ما يخص المجتمع ـ فكما قلنا* ـ هو اجتماعها، وهو تشاورها، وأن تصل إلى اجتماعٍ على أمر، ترى فيه خيرها، وترى فيه صلاحها.
عباد الله: نسأل الله: أن يحقق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا. اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، و نسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم ألف بين قلوبنا اللهم احيي قلوبنا.
اللهم طهر أرواحنا اللهم زكي نفوسنا.
اللهم ولي أمورنا خيارنا، ولا تولي أمورنا شرارنا.
اللهم لا تجعل في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها، ولا ظلماً إلا رفعته، ولا طاغيةً إلا كسرته.
اللهم اجعل بلدنا بلداً آمناً، وبلداً سالماً.
اللهم اجعل بلادنا كلها بلاداً سالمه، وبلاداً آمنه.
اللهم اجعلنا أمةً صالحة، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله حقاً. اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.
  1. حديث شريف، المحدث: ابن كثير.
  2. حديث شريف جاء نصه :"استفت قلبك واستفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك" قالها الرسول ثلاث مرات. أخرجه أحمد و الدرامي.
  3. من أبيات للإمام علي زين العابدين رضي الله عنه: إني لأكتم من علمي جواهـره كي لا يرى العلم ذو جهل فيفتـتـن ايا رب جوهر علم لو أبوح به لقـيل لي أنت مـمن يعـبد الوثـنــا ولأستحل رجال دينون دمــي يرون أقـبح ما يأتـونــه حسـنــــــا
  4. حديث شريف جاء بنص:" إن الله تعالى لا يجمع أمتي على ضلالة ، و يد الله على الجماعة". الراوي: عبد الله بن عمر، المحدث: الألباني.
  5. لما بعث سيدنا علي رضي الله عنه، عبد الله بن عباس، للاحتجاج على الخوارج، قال له " لا تخاصمهم بالقرآن فإن القرآن حمال أوجه ، ذو وجوه ، تقول ويقولون ، ولكن حاججهم بالسنة ، فإنهم لن يجدوا عنها محيصا ".
  • عن الأمة.