الجمعة، 26 أبريل، 2013

كل إنسان عالم قائم بذاته

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
          "الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ..."[الأعراف 43] 
          "...أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى"[طه 50]، 
          "...قَدَّرَ فَهَدَى"[الأعلى 3] 
          "..خَلَقَ فَسَوَّى"[الأعلى 2] 
          "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا"[الشمس 7،8] 
          "...مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا"[الكهف 17].
كل هذه الآيات تعلمنا قانون الحياة، قانون الخلق، قانون الإنسان.

فكل إنسانٍ بما أوجده الله عليه، وأوجد فيه الأمرين: 
"فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا" 
"وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ"[البلد 10]
فيصبح الإنسان بذلك عالَماً قائماً بذاته له قدرةٌ ذاتية، يتفاعل مع الأحداث حوله، طبقاً لما هو له أهل، ولا سلطان لأحدٍ عليه. فسلطة الله عليه هي ما أوجده فيه، وما سَبَّب الأسباب من حوله. وكل إنسانٍ، يُقَدِّر ما فيه.
كل إنسانٍ يعجبه عقله، ويعجبه قراره، حتى لو كان هذا القرار، في أن يَتَّبع دون فهمٍ ودون وعي. فالتعبير القرآني "...مَن يُضْلِلْ..." يعني حال الإنسان الذي استخدم ما أعطاه الله، فكانت نتيجة استخدامه له، استخداماً يؤدي إلى ضلال. فإذا كان الإنسان كذلك، فلا هادي له.
لذلك فإننا في الواقع نعيش في عالمٍ، أساسه الإنسان، في حركته، في تفاعله مع ما حوله ومع من حوله، في معتقده، في إعماله لعقله. فلا يوجد إنسانٌ، يؤثر تأثيراً مطلقاً في إنسان، وإنما الإنسان، يتأثر بما هو له أهل، وبما يستطيع أن يستوعبه من الآخر. لذلك كانت الآية: 
"ذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى، سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى، وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى"[الأعلى 11:9].
فالإنسان مسئولٌ: 
"...كلكم راعٍ ، وكلكم مسئولٌ عن رعيته..."(1) 
   "مَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ"[الزلزلة 7،8]

وأي تصورٍ آخر، بأن إنساناً يستطيع أن يهدي إنساناً، أو أن يضل إنساناً، فهو تصورٌ باطل. فكل إنسانٍ مسئول، وكل إنسانٍ مكلف، وكل إنسانٍ هو عالَمٌ قائمٌ بذاته.

والتفاعل بين الإنسان والإنسان، يكون بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر، يكون في التذكير، يكون في أن يُظِهر كل إنسانٍ ما يعتقده. بهذا التلاقي، وبهذا التواصي، وبهذا التواصل، يحدث التغيير في الإنسان بالإنسان.
لذلك نجد هذه الفروق بين الناس، في تَذوُّقهم، وفي تدبرهم، وفي استيعابهم للمعرفة. ربما يتعرض الكثيرون لنفس المُعَلِّم، ولنفس المُحَدِّث، في أي علمٍ ماديٍّ كان أو معنويّ، ولكن منهم من يستوعب، ومنهم من لا يستوعب، وبين هذا وذاك، درجات.
فالذي استوعب وتَعَلَّم، تَعَلَّم لأنه قادرٌ على ذلك، لأنه عنده الإمكانية لاستيعاب العلم والمعرفة، فهو الذي عَلَّم وتعَلَّم. وما كان المُعَلِّم بالنسبة له، إلا وسيلة أيقظت وأظهرت شيئاً، فاستوعبه. فكان الإنسان بذلك، هو مُعَلِّم نفسه.
فالناس لم يُقَدِّروا ما أودع الله فيهم حق قدره، ولم يعرفوا ويُقَدِّروا المسئولية الملقاة على عاتقهم، وظنوا أنهم يمكنهم أن يلقوا بجهلهم وبسوء عملهم على الآخرين.
فالقرآن، يوضح لنا ذلك: 
"إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ..."[البقرة 166] 
ويوم يقول للذين اتبعوا الشيطان: 
"...مَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم..."[إبراهيم 22]
فالذي استجاب، هم بظلام نفوسهم، وليس لأحدٍ سلطانٌ على أحد، لا يملك أحدٌ لأحدٍ شيئا. ويوم يدرك الإنسان ذلك، يكون قد عرف الحقيقة.
والآية التي تقول: "يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا..."[الإنفطار 19]
تعبيرٌ عن حال الإنسان، الذي قامت قيامته، وأدرك حقيقته، فعرف وجوده، عرف قيامه، عرف مسئوليته. لذلك، فالتوجيه الإلهيّ للإنسان دائماً، أن يكون مسئولاً، وأن يُقَدِّر ما أعطاه الله، من نعم ومن قدرات.
ويوم يعلم أنه فيه، ما يُمَكِّنه من التغيير إلى الأفضل: 
"...إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ..."[الرعد 11]  
فتغيير الإنسان لما في نفسه، هو في واقع الأمر عين تغيير الله له: 
"...يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ"[لقمان 13] 
"...إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ..."[لقمان 16] 
[يا بني إذا سألت فاسأل الله، وإذا توكلت فتوكل على الله](2).
وسؤالك لله، وتوكلك على الله، هو في إدراكك، لما أعطاك الله من نعمٍ وقدرات. فاسأل الله فيك، فيما أعطاك وفيما وهبك، من معرفةٍ، ومن عقلٍ، ومن قلبٍ، أقرب إليك من حبل الوريد، ومعك أينما كنت. فاسأله، تجده معك. إسأله، تجده حقاً، أقرب إليك من حبل الوريد، ومعك أينما كنت.
          عباد الله: افتحوا عقولكم وقلوبكم للمعرفة، وزيدوا من قدراتكم، حتى يمكنكم أن تستوعبوا أكثر، لتكونوا أفضل، لتعرجوا في معراج الله، ولتسلكوا طريق الله، ولتكسبوا كرتكم، وتكسبوا حياتكم.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
_____________________
 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو أن الإنسان يملك الكثير، ويستطيع أن يُغيِّر الكثير، يوم يكون قادراً على ذلك. وقدرته، يمكن أن تتسع، بالتعلم، والتدبر، والتفكر.
كل إنسانٍ، يمكنه أن يُوَسِّع مداركه، وأن يُوَسِّع معارفه. قد لا يصل الكل إلى نفس المستوى، ولكن كل إنسانٍ، له قدراته وإمكاناته، التي تُمَكِّنه من أن يتحرك إلى أعلى. وهذا، هو الأساس، الذي يُمَكِّنه من أن يكون أفضل، ومن أن يكسب حياته، ويكسب كرته.
بل أن قدرته على الاستيعاب من الآخرين، تتناسب مع استعداده وأهليته. فكلما اتسعت أهليته وصلاحيته، كلما أصبح قادراً أن يتعلم أكثر.
والإنسان، في نهاية الأمر، هو مسئولٌ، لا يستطيع أن يُغَيِّره أحد، وإنما يستطيع هو أن يُغَيِّر نفسه. الآخرون، يستطيعون أن يُذكِّروه، ولكنه هو الذي يستمع، وهو الذي يستوعب. فإذا لم يستمع ولم يستوعب، فكيف يستفيد ممن يُذكِّرونه؟
والرسالات السماوية، خاطبت الناس جميعاً، ولكن قدرة الناس، على استيعاب ما فيها من مفاهيم، ترجع إلى أهليتهم، وإلى عمقهم، وإلى قدراتهم. فمنهم من يستوعب القليل الظاهر، ولا يستطيع أن يتحرك خطوةً أعمق في المفهوم، وفي المقصد. ومنهم من يستطيع أن يغوص في بحار كلمات الله، ويستخرج منها، من المعاني، التي ترقى به رقياً كبيرا. وكلٌّ حسب قدرته.
ليس مطلوبٌ من الناس جميعاً، أن يكونوا على نفس الشاكلة، أو على نفس المستوى، ولكن المطلوب، هو أن يحاول كل إنسانٍ، أن يخطو خطوةً إلى الأمام، وأن يتعلم أكثر ويتفقه أكثر، بقدرته وبإمكاناته. هذا، يساعده على أن يكسب حياته، ويكسب  كرته.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
اللهم فاجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين.
"رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ"[آل عمران 8].





_________________________

خطبة الجمعة 16 جمادى الآخر 1434هـ الموافق 26 أبريل 2013م
للسيد علي رافع

(1)       جاء بسنن الترمذي: ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم أنه‏ ‏قال ‏" ‏ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه ، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"‏.

(2)     "يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ, احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ". [أخرجه الترمذي]. 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق