الأحد، 2 يونيو، 2013

(6) قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيه

نحن في حاجةٍ، أن نتعلم ديننا حقاً. دينٌ قائِمٌ، مستمِرٌ، متواصِلٌ، متجدِّدٌ، متفاعِلٌ. دينٌ فيه بذور الحياة، التي تُنتِج وتُخرِج، المعاني، والمعارف، والقيم، والسلوك، والتعامل، والفهم، والإدراك. دينٌ حيّ، كلما استقبله الإنسان في قلبه، تفاعل معه، وأخرج أفضل ما في الإنسان، وأفضل ما يمكن أن يفعله الإنسان لمجتمعه. ( السيد علي رافع)


استكمالا للقضية الرئيسية التي نتفكر فيها معا، ألا وهي أننا نفهم من القرآن أن هناك دينا واحدا، أرشد إليه الذكر الحكيم، واصفا له أنه الصراط المستقيم، والنور المبين، وأنه الحق، فإننا نتناول في هذه المدونة كيف اتخذ الناس هذا الدين هزوا، ولم يسيروا على المنهج الذي أرشد إليه الحكماء والأنبياء. ولقد وضحنا سابقا أن طريق المغالبة والبغي والتفاضل يجعل الناس يحيدون عن "الطريق المستقيم"، الذي هو أولا وأخيرا طريق النية الخالصة والاتجاه الصادق إلى الحق. وفي هذه المدونة نناقش الفرق بين الاختلاف الحميد الذي لا بد أن ينتج من تفاعل الإنسان مع الإرشاد، وبين الاختلاف البغيض الذي يسبب الفتنة فيختلط الحق بالباطل والحابل بالنابل، ويتوه البشر في دوامات من الظلمات.
ندرك أن الأنبياء والرسل والحكماء يجيئون بالمنهج القادر أن يغربل ويفرز ويميز بين الغث والثمين، وبين الصالح والطالح، فتتضح الرؤية. هكذا تفاعلنا مع الآيات التالية:
" كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ
الإشكالية المطروحة هنا:
إذا كان الناس أمة واحدة قبل أن يُبعث النبيون، أما كان من الأفضل أن يظلوا أمة واحدة؟ لماذا جاء اختلاف الناس وتنازعهم بعد بعث النبيين؟ وهل يمكن أن يجتمع الناس جميعا على رأي واحد ورؤية واحدة؟ أليس الاختلاف سنة من سنن الوجود؟

نقرأ في هذه الآيات أنه قبل وجود "هدي" يتساوى الناس في طريق الغفلة فهم بهذا المعنى "أمة واحدة".
إذا تدبرنا هذا المعنى على مدار التاريخ، نجد أنه قديما وقبل الحضارات الكبرى، شغل الإنسان نفسه بمواجهة التحديات البيئية في محاولة لإستمرارية البقاء، وفي خضم انشغاله كان يتساءل عن أسباب الوجود، ويدرس الظواهر الطبيعية بطريقته الخاصة، ولكنه سرعان ما ينشغل بحياته وبقائه، وقامت الحضارات عندما انتظمت حياة الإنسان، وبدأ يفكر تفكيرا منظما، وتزامن هذا مع نشأة الحكمة الفطرية. ولكن سرعان ما ينسى الإنسان رسالة الحكمة، ويبدأ في صراع مع أخيه الإنسان. وما زلنا على الرغم من كل هذا التقدم في الحياة الإنسانية منشغلين بتدمير بعضنا البعض وبتدمير أنفسنا، وبتدمير كوكبنا، والحياة كلها.
بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين لينقذوا البشر من تدمير أنفسهم وتدمير كل شيء..
إن النبيين يبشرون الإنسان بأن رسالته عظمية، وينذرونه أن نهايته حزينة إذا لم يحقق الهدف من خلقه. ولهذا نزل مع النبيين "الكتاب"، والكتاب إشارة إلى العلم والرسالة التي تجيء مع الأنبياء جميعا، وهي الرسالة التي تبين الصراط المستقيم والمنهج القويم.
في هذه الآية نقرأ "وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُم" وهذا يعلمنا أننا أمام مراحل من التبليغ، ومراحل من الاختلاف:
• الناس أنهم في غفلة عن رسالتهم.
• يجيء النبيون والمرسلون لينبهوا الناس إلى طريقهم وهدفهم
• يستمع الناس إلى الرسالة والكتاب، وبعضهم يستوعب ما جاء به النبيون والآخر يزعم أنه قد استوعب، ولكنه ما يلبث أن يعود سيرته الأولى.
• يحدث الخلاف على هذا العلم، ويتنافس الناس ويتغالبون بإسم الدين
• تجيء رسالة تجدد وتذكر بهذا العلم الذي جاء من قبل.
• الذين "أمنوا" يصلون إلى "كلمة سواء"، والذين ينكرون الحق يظلوا مختلفين.
مما سبق ندرك أن بعث النبيين سنة من سنن الله مع البشر "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا". هذا الفهم يترسخ لدينا من قوله "وما اختلف فيه إلا الذين أتوه". إذن هناك علم موجود قبل هذا الرسول أو ذاك، ولكن الناس ينحرفون في فهمهم لهذا العلم. يصبح من الضروري أن يعود الرسل ليحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه.
وإذا ربطنا بين هذه الآية وبين قوله تعالى" إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ"، لآدركنا أن هذا الحديث لا ينطبق فقط على مجيء رسالة الإسلام مع سيدنا محمد (صلعم)، ولكنه ينطبق على رسالة الإسلام مع كل من جاء من الرسل قبل سيدنا محمد (صلعم). وينطبق اليوم على المسلمين أيضا، فهم أهل كتاب، ولكنهم تفرقواشيعا يحارب بعضهم بعضا، وكل يزعم أنه على حق وأن غيره على باطل، وبعضهم يشري بآيات الله ثمنا قليلا، فيستخدم شعارات الدين ليحكم ويطغي.
إذن تلك الآيات لا تتحدث إلينا من المنظور التاريخي، ولكن تتحدث إلينا لتبين أمرا يتكرر حدوثه بين البشر.
نجد أن هذا القانون العام لا يشير إلى رسالة بعينها، ولكنه يشير إلى "الرسالة" التي جاءت مع الإنسان منذ بداية وجوده . "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَ‌ٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" (الروم:30)

ولتأكيد ما يحدث دائما من اختلاف وغيبوبة وخلاف، نقرأ في سورة يسين آيات بينات تتحدث عن الأمر بشكل عام.
"وَاضْرِبْ َهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ﴿١٣﴾ ِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ﴿١٤﴾ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَٰنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ" ﴿١٥﴾ سورة يس
ندرك أنه عندما يجيء العلم (الرسالة) ، يستقبلها الناس ويختلفون عليها، تكرر هذا مع سيدنا موسى وسيدنا عيسى (عليهما السلام) كما تصف الآيات الآتية:
"وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ" (سورة هود:110)
"وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* إنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ* فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ" (الزخرف: 63 – 65)
ويبرز هنا سؤال:
ما الفرق إذن بين الاختلاف الحميد والطبيعي وبين الاختلاف المذموم؟
أحب أن أجيب على هذا السؤال من داخل القرآن نفسه، أو ما استقبله من فيوضاته. لنقرأ معا هذه الآيات مرة أخرى، ونحن نحاول أن نجيب على هذا السؤال:
فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"
"وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ"
الاختلاف أمر وارد، ولكن عندما ينشد الجميع الصراط المستقيم، يجيء لهم الهدي "ليبين"، فيكون الاختلاف هنا سببا في الإلتقاء على رؤية أوسع، ولأنهم ينشدون الحق تتفتح قلوبهم وعقولهم لاستقبال رسالة الله.
سؤال آخر:
هل يجب على الناس أن يكونوا رأي ورؤية واحدة؟
هذه نتيجة أخرى كثيرا ما نتصور أنها المقصودة عند الدعوة إلى الهداية وإلى الحق. ولذا فأود أن أشير إلى أن الأرض المشتركة التي ينبغي أن نقف عليها جميعا هو "إنسانيتنا". أن تكون إنسانا ينبغي عليك أن تبحث عن معنى إنسانيتك، وتصل إلى وصل نفسك بأصلك، وبالناس وبكل الوجود. وهذه الوصلة تجيء من فهم رسالتك الإنسانية. الاختلاف إذن ليس في الرأي، ولكن الاختلاف فكرة تقوم في القلب والعقل تجعل إنسان أو جماعة أو قوم يتصورون أنهم "مختلفون" بمعنى أنهم أفضل وأحسن، وأنهم عليهم أن يسودوا ويقهروا ويبغوا. ويقوموا بكل هذا تحت زعم أن ما يحملونه من فكر أفضل من فكر غيرهم، وما يتمسكون به من عقيدة هي التي يجب أن تسود. لهذا قال القرآن على لسان المسيح: " إنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ". نفهم من هذه الآيات، أن إنسانية الإنسان تتحقق عندما يدرك عبوديته لله. وإذا كان هذا التعبير له دلالات ثقافية وفكرية في الفكر الإسلامي، فإننا يجب أن نعيد صياغة فكرة "العبودية"، لنقول أن إنسانية الإنسان تتحقق عندما يدرك الرباط الذي يربطه بأخيه الإنسان في كل مكان، وبالطبيعة وبالكون، فلا تصبح ذاته مركزية يدور حولها، ولكنه يتحرر من ضيق الذات الصغري إلى اتساع المحبة. وسنتناول قضية العبودية لله بتفصيل أكثر في مدونات قادمة.
سؤال: ما موقفنا من الذين يشوهون الإسلام وجميع الأديان، نحن مختلفون معهم بلا شك، ونحن نريدهم أن ينظروا إلى الإسلام من الزاوية التي نراها. يبدو هنا الأمر أننا نتجه إلى نفس النهج الذي نرفضه. ما هو الحل؟
إذا عدنا إلى المنهج الذي التزمنا به منذ البداية وهي أننا لا نفرض رؤيتنا على أحد، ولا نحكم على بشر، سيكون الأمر في غاية البساطة. نحن من حقنا أن نحمل رؤية مختلفة عن أسامة بن لادن، وعن السلفيين، وعن الإخوان المسلمين، وعن الشيعة، أو أي فريق آخر. ولكن ليس من حقنا أن نفرض فكرنا عليهم.
من حقنا أن نتواصى بالحق ونتواصى بالصبر، ولكن ليس من حقنا أن نكون أوصياء، ونحمل شعور عداء وبغضاء نحوهم. من حقنا أن نقول لهم دعونا نبين نقاط الاختلاف بيننا، ونلتف حول كلمة سواء، ولكن ليس من حقنا أن نرغمهم على أي رؤية. من حقنا أن نتمنى وندعو لأنفسنا ولهم بالهداية، ولكن ليس من حقنا أن يدخل قلوبنا الكبر والشعور بالأفضلية.
وعلينا أن نتعلم ونستفيد دائما ممن نختلف معهم. على سبيل المثال، نجد أن ابن تيمية الذي يتمسك بمذهبة كثير من السلفيين كان على حق عندما دعا إلى الإلتزام بتعاليم الشريعة، في وقت كانت هناك بعض الفرق الصوفية قد اتجهت نحو رفع كل التكاليف الشرعية، ودعت إلى التخلي عن كل أشكال وطقوس العبادات.
على الرغم من أننا نعلي الدين أن يكون شكلا، ولكننا ندرك أن الالتزام بالعبادات أمر أساسي إذا كنا نتبع الرسول عليه الصلاة والسلام، نلزم أنفسنا بها، ولكن ليس من حقنا أن نلزم غيرنا من غير المسلمين بها.
عندما ننسب لحق لأنفنسا نبتعد عنه.
أحد معاني العبودية أن تدرك حدودك، وإدعاء الألوهية أو المعرفة الكاملة بغي وعدوان.
تذكر أن مجيء الرسالات والحكمة نقلة نوعية في تاريخ الإنسانية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق