الجمعة، 29 نوفمبر، 2013

الدين يعلم الناس كيف يتعايشون وهم مختلفون


        حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشكر دائماً لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: تدبروا آيات الله، واقرأوا رسائل الله لكم، لعلكم تُفلحون، ولعلكم تَصلحون.
جعلكم شعوباً وقبائل لتعارفوا(1). وألهم كل نفسٍ فجورها وتقواها(2). وأوجد في كل إنسانٍ وفي قلب كل إنسانٍ ما أشغله(3). وجعل لكل إنسانٍ عقلاً يفكر به، ويصل إلى ما يعتقد أنه الحق(4). وجعل لكل إنسانٍ عينين ولساناً وشفتين(5). آذانٌ يسمع بها، وعيونٌ يبصر بها(6). فيقرأ كل إنسانٍ واقعه بصورةٍ مختلفة، ويفكر كل إنسانٍ في هذا الواقع بصورةٍ مختلفة.
فأصبح كل إنسانٍ عَالَماً في حد ذاته، وأصبح كل إنسانٍ له عقيدته، وله رؤيته، وله قدراته وإمكاناته، فتَميَّز كل إنسانٍ بما لديه، فكما أن لكل إنسانٍ بصمةً تُفرِّقه وتُميِّزه عن غيره، أصبح كذلك لكل إنسانٍ فكرٌ وعقيدةٌ تُميِّزه عن غيره.

كيف يتعايش كل الناس معاً، وكل إنسانٍ مختلف؟ هذا ما جاء به الدين، ليبين للناس كيف يتعايشون وهم مختلفون، فأمرهم أن يحترم كل إنسانٍ أخاه، "...لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ..."[الحجرات 11].
إن كنت مختلفاً مع الآخر، فلا يحق لك أن تسخر منه، ولا يحق له أن يسخر منك، وإنما الأساس أن يحترم كل إنسانٍ أخاه، وأن يُقدر كل إنسانٍ أخاه، وأن يكون الذي يجمعهم، هو أنهم يريدون أن يعيشوا معاً في مجتمعٍ أفضل، وفي حالٍ أفضل، يكون شاغلهم أن يتواصوا بالحق، وأن يتواصوا بالصبر. أن يكونوا أمةً تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله(7).
تؤمن أن الله أكبر، أن الله أكبر أن يكون في جانبٍ من الجوانب، ومع  فردٍ من الأفراد، وليس مع الآخرين. الله من وراء الكل بإحاطته، فنُكبِر الله دائماً، عن أن نضعه في جانبٍ أو ضد جانبٍ. الله أكبر عما يصفون(8).
لا مانع أن يتحاور الناس طلباً للحقيقة، وإن اختلفوا، فإنهم يُرجِعون الأمر لله. وكيف يُرجِعون الأمر لله؟ بأن يدركوا أن الله أكبر، وأن الله يحكم بيننا وبينكم فيما نحن فيه مختلفون(9). فلا يصر إنسانٌ على أنه الحق المطلق، ولا يصر الآخر على ذلك أيضاً، إنما يُرجِعون الأمر لله، وينظرون إلى واقعهم الذي هم فيه.
فإذا كان اختلافهم في قضيةٍ دنيوية، فإن معايير حسم هذه القضية، هو ما فيه صلاح الناس وخير الناس. إذا كان اختلافهم في قضيةٍ فكريةٍ غيبية، فإنهم يُرجِعون الأمر لله. لا يستطيع أيٌّ منهم أن يحسم القضية لصالحه، وإنما كلٌّ يعتقد ما يراه.
إننا نريد أن نتعلم ذلك، وأن يتعلم مجتمعنا ذلك. أن نتعلم أن نصل إلى حلولٍ مشتركة، نبحث فيها عن مصلحة الناس، وعن خير الناس. إذا لم نفعل ذلك، فسنظل دائماً متناحرين، متصارعين، متحاربين، متقاتلين، يهدم بعضنا بعضا، ويقتل بعضنا بعضا، ويُسَفِّه بعضنا بعضا، ويُحَقِّر بعضنا بعضا، فلا تقوم لنا قائمة، ويصبح المجتمع في خلافٍ وصراعٍ دائم.
وهذا، هو المجتمع الذي كان عليه العرب قبل الإسلام، صراعٌ يستمر بعشرات السنين بين قبيلةٍ وقبيلة، فيظلون يتحاربون ويتقاتلون، وهكذا كانت الحياة.
وجاء الإسلام، ليعلم الناس كيف يتعايشون، "وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ"[آل عمران 103].
عباد الله: ها نحن نرى اليوم، هذا الدرس في مجتمعنا، نرى كيف أن هذا الصراع المستمر الذي لا ينتهي، يؤدي إلى حالٍ لا نرضاه جميعاً، وكلما مرت الأيام دون رجوعٍ إلى الحق والحقيقة، فسيزداد هذا الاختلاف وهذا التوتر.
فالتوتر يأتي بتوتر، والصراع يأتي بصراع. حلقاتٌ ودوراتٌ لا تنتهي إلا برحمة الله، وإلا بتوفيق الله، أن تبدأ حركةٌ حقية، تجعل الناس يرجعون إلى الحق(10)، فالرجوع إلى الحق فضيلة. يتواصلون ويتحاورون، ولا يستبد أحدٌ برأيه، إنما يرجع إلى الحق، ويرجع إلى ما يُهدِّئ النفوس، ويزيل الاحتقان.
عباد الله: فلنقرأ هذه الرسالة، نتعلم كيف أننا على هذه الأرض، سوف نظل دائماً في وجهات نظرٍ مختلفة(11)، ولكن مع ذلك، يمكننا أن نتعايش، وأن نكسب حياتنا، بل أن نرى في هذا الاختلاف، ما يصحح لنا طريقنا.
فكل إنسانٍ، في حاجةٍ إلى وجهة نظرٍ مضادة، حتى يستطيع أن يُحَسِّن من وجهة نظره، كما أن الإنسان في حاجةٍ دائمة، إلى أن يراجع نفسه بنفسه، وأن يكون عنده في داخله، ما يُمَكَّنه من أن يستوعب الآخر، ويستوعب وجهات النظر الأخرى، لتكون دافعاً له لتحسين رؤيته، ولتغييرها إن لزم الأمر، حتى يصبح دائماً في حالٍ أفضل، وفي حالٍ أقوم.
عباد الله: نسأل الله: أن يحقق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك، وأن يجعلنا بلداً آمناً، سالماً، مطمئنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، نسألك الخير كل الخير، والحق كل الحق، لنا، ولبلدنا، ولأرضنا.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
__________________________
الحمد لله، والشكر لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن علينا، أن نقرأ رسالة الله لنا، فيما نحن عليه اليوم، وأن نتعلم كيف نقرأ ديننا، حتى نتعايش معاً، ونعلم أن اختلافنا لا يجب أن يكون سبباً في صراعٍ واقتتالٍ، وإنما أن يكون سبباً في أن نراجع أنفسنا دائماً، وأن نُحَسِّن من أدائنا دائماً، ومن مفاهيمنا دائماً، لنكون مجتمعاً صالحاً وأمةً صالحةً.
هذا، ما يوجهنا ديننا إليه، وما يعلمنا إياه، في آياته التي أرسل لنا، وفي رسالة الإسلام والسلام، التي جاءت فحولت مجتمعاً، من مجتمع صراعات، وحروب، واقتتال، وتطاحن، وكراهية ـ إلى مجتمعٍ يشد أزر بعضه بعضا، ويتآلف ويتوحد في اتجاهٍ واحد، يريد الخير كل الخير، حتى وإن تباينت وجهات النظر، واختلفت الآراء.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم اجعلنا في طريقك سالكين، ولوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
"رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ"[آل عمران 193].

(1) "...وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا..."[الحجرات 13].

(2) "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا"[الشمس 8،7].

(3) حديث شريف:"سبحانَ من أَودعَ في كل قلبٍ ما أشغلهُ" المحدث: العجلوني، المصدر: كشف الخفاء - خلاصة حكم المحدث: لم أقف عليه على أنه حديث

(4) عن على رضى الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سنته فقال " المعرفة رأس مالى والعقل أصل دينى والحب أساسى والشوق مركبي وذكر الله أنيسى والثقة كنزى والحزن رفيقي والعلم سلاحي والصبر ردائي والرضاء غنيمتي والعجز فخري والزهد حرفتي واليقين قوتي والصدق شفيعي والطاعة حسبى والجهاد خلقي وقرة عينى في الصلاة" حديث موضوع وهو من الأحاديث التي ذكرها الغزالي في الإحياء والقاضي عياض في كتاب الشفا.

(5) "أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ"[البلد 9،8].

(6) "...أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا..."[الأعراف 195].

(7) "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ...َ"[آل عمران 110].

(8) "...سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ"[الأنعام 100].

(9) - "...فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ"[البقرة 113].

-  "...اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ..."[الزمر 3].

(10) ، (11) "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ..."[هود 118،119].

خطبة الجمعة 25 محرم 1434هـ الموافق 29 نوفمبر 2013م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق