الأحد، 16 مارس، 2014

التثاقل إلى الأرض، هو عقبة الإنسان الكبرى، كيف نتدرب ونُحصِّل الطاقة لاقتحام هذه العقبة؟




حديث الجمعة
 13 جمادى الأول 1435هـ الموافق 14 مارس 2014م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشكر دائماً لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: إن الله في آياته التي أرسل، والتي أنزل، يعلمنا هدف خَلْقِنا، وهدف وجودنا على أرضنا، "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"[الذاريات 56]، كما يعلمنا معنى يعبدون، "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..."[العنكبوت 20].
وينبهنا إلى ما خلق لنا من جوارح، لنستخدمها في تعاملنا وتفاعلنا، مع ما هو موجودٌ على أرضنا، "أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ "[البلد 9،8]، خلقنا له السمع والبصر والفؤاد.
ويعلمنا قيمة ما أوجد وخلق لنا، وأن علينا أن نُفَعِّل كل هذه الجوارح والطاقات والإمكانات، وينبهنا إلى عدم استخدامها، وأننا بذلك نكون فيمن قيل فيهم، "...لَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا..."[الأعراف 179]، "...صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ"[البقرة 171].
وأوضح لنا أن الرؤية، ليست مجرد النظر بالعينين، "...فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ"[الحج 46]. فالرؤية، هي رؤيةٌ بالقلوب قبل أن تكون رؤيةً بالعينين.
فهل قرأنا آيات الحق لنا، لنتعلم أن ديننا، هو أن نتفاعل بما أوجد الله فينا، من هذه الطاقات والإمكانات والقدرات، مع مجتمعنا، ومع بيئتنا، ومع عالمنا، ومع أنفسنا قبل كل ذلك، "وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ"[الذاريات 21]، فقد أمرنا بأن نرجع البصر إلى داخلنا.
"فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ"[الطارق 5]، فلينظر الإنسان إلى ما أودعنا فيه من طاقاتٍ وإمكانات، فيما حَمَّلناه من أمانة، "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ..."[الأحزاب 72]، [إن في الجسد مضغة، لو صلحت لصلح البدن كله، ألا وهي القلب](1).
كل هذا، لنتمكن من أن نكسب كَرَّتنا على هذه الأرض، "...رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً..."[آل عمران 191]. ليس وجودنا على هذه الأرض، وجوداً عابراً، ينتهي بمفارقتنا لها، إنما هي حياةٌ ممتدة. "...مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ..."[المائدة 69].
وكل هذا، محله الإنسان، فكل إنسانٍ له ما يعتقده. فإذا كان الإنسان يؤمن بالحياة، فسوف يسير في طريق الحياة. وإذا كان لا يؤمن بالحياة الأبدية، فإنه سيكون فيما يؤمن به، "قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا، أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ..."[الإسراء 51،50].
وهكذا، كان الإنسان هو محور هذه الحياة، وكان الإنسان بما يعتقده، هو الذي يحدد طريقه، "قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا، أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ...".
كما نتعلم من آيات الله، أن طريق الحياة مرتبطٌ بعدم تثاقلنا إلى هذه الأرض، مع سعينا فيها، وسلوكنا عليها، "...مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ..."[التوبة 38]. فكان التثاقل إلى الأرض أمرٌ نُنَبَّه إليه دائماً، مع الحرص على التنبيه أن عدم التثاقل لا يعني ألا نسعى وألا نتعامل على هذه الأرض. "...وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا..."[القصص 77]، والذي نفهمه من هذه الآية، ألا تنسى أن تكسب في الله، من خلال سعيك على هذه الدنيا وفي هذه الدنيا.
بل أننا بخَلْقنا، وبمعنى عبوديتنا لله، مطالبين بأن نتفاعل، وأن نعمل، وأن نغير على هذه الأرض. وهنا، الإشكالية التي قد يجدها البعض، كيف أكون متعاملاً، متفاعلاً، مغيراً، عاملاً بقوانين هذه الأرض وبأسبابها، وفي نفس الوقت غير متثاقلٍ إليها؟
هذا هو جهادٌ، جهاد النفس، الذي يعلمنا الحق كيف يكون. بل أن هذه هي العقبة، التي يعلمنا الله بآياته أن نقتحمها، "أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ، فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ"[البلد 16:8].
يعلمنا أننا بعملنا على هذه الأرض من خلال جوارحنا، ومن خلال تفاعلنا ــ كما أشرنا ــ إنما نأخذ طاقةً لنقتحم هذه العقبة التي هي التثاقل إلى الأرض، وهذا واضحٌ في تفسير العقبة، بأن تكون "فَكُّ رَقَبَةٍ"، فأنت بحبك للملكية، ولما تملك، متثاقلٌ إلى هذه الأرض.
وما كانت الزكاة كعبادةٍ، إلا للتعبير عن ذلك، "لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ..."[آل عمران 92]. فتسليمك لله، وإحساسك بأنك مُخَلَّفٌ فيما أنت فيه، ولست مالكاً له، إنما هو تدريبٌ لك لتكون غير متثاقلٍ إلى هذه الأرض.
تطوعك بما تُخرِج من صدقةٍ، ومن زكاة، ومن بذلٍ لجهدٍ في سبيل الله، وتكافلٍ مع إخوةٍ لك في الحياة، في أحلك وأشد الظروف، يكون ذلك تدريباً لك بعدم التثاقل إلى هذه الأرض، يكون تدريباً لك لاقتحام هذه العقبة الكبرى. وهكذا، نجد في آيات الله، إرشاداً وتوجيهاً لمن يريد أن يفهم ويتعلم ويتفِهَّم.
هذه قراءةٌ لنا، وعلى كل إنسانٍ أن يقرأ، وأن يأخذ ما يستريح له قلبه، وما يستريح له عقله، حتى يقتحم هذه العقبة. وإن وصل إلى هذا الفهم، فسوف يؤدي ذلك إلى أن يسلك مسلكاً معيناً. وإذا وصل إلى فهمٍ آخر، سوف يؤدي به ذلك أن يسلك مسلكاً آخر. وكلٌّ سوف يصل لما هو له أهل، [كن كيف شئت، فإني كيفما تكون أكون](2)، [أنا عند ظن عبدي بي، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر](3).
عباد الله: نسأل الله: أن نكون من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ..."[الزمر 18]، وأن نُحسِن في قراءتنا لآيات الله لنا، وأن نقرأها بقلوبٍ طاهرة وعقولٍ متفتحة، آملين أن تكون قراءتنا لما يؤدي بنا إلى الحياة، ولما يؤدي بنا إلى النجاة، ولما يؤدي بنا أن نكون أفضل، وأن نكون أحسن، وأن نكون أقوم.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
________________________

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن آيات الله، توضح لنا طريقاً نسير فيه، يبدأ من تقديرنا لما أوجد الله فينا من طاقاتٍ وإمكانات، وإلى أن نتفاعل مع حياتنا، وأن ذلك سوف يؤدي بنا إلى قراءةٍ أعمق لآيات الله لنا، نقرؤها بقلوبنا وعقولنا، مدركين أنها تتوافق مع فطرتنا، ومع واقع الحياة التي نعيشها.
يدرك الإنسان بفطرته، أنه مرتبطٌ بأخيه الإنسان، وأن التكافل بين الناس جميعاً، هو أساس المجتمع الصالح. وهذا واقعٌ يدركه، حين ينظر إلى اختياراته، يوم يرى أنه قادرٌ على أن يساعد إنساناً يحتاج إليه. ما هي خياراته؟ هل يساعده وهو قادرٌ، أم يتركه بأي سببٍ، أو بأي فهمٍ في الحياة؟
إنه سؤالٌ، واجبٌ على كل إنسانٍ أن يسأله لنفسه، وبإجابته على هذا السؤال، سوف يحدد طريقه، وسوف يحدد مآله، دون أن نقول: ما هو هذا المآل الذي سيؤول إليه؟ لأننا في فهمنا، وفي إدراكنا، أن بغض النظر عن تجسيد ما سنؤول إليه، فإن ما سنؤول إليه هو متناسبٌ مع حالنا، ومع أعمالنا، "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ"[الزلزلة 8،7].
ليس هذا فقط آية، وإنما هو قانونٌ نراه في الوجود، في ظاهر وجودنا، وما هو ظاهرٌ لنا، هو أيضاً فيما هو باطنٌ وغيبٌ علينا، لأنا نتعلم أن [الظاهر مرآة الباطن](4)، من تجاربنا في أمورٍ كثيرة على هذه الأرض، حين ننظر إلى تماثل القوانين في كل مناحي الحياة.
فالقوانين التي تحكم سريان الكهرباء، هي القوانين التي تحكم سريان الماء، هي القوانين التي تحكم سريان الحرارة. هناك تماثلٌ كبير في هذا الكون، لنتعلم مما هو ظاهرٌ لنا، عما هو باطنٌ علينا، دون أن نحدد شكلاً لما هو باطن، ولكن نعلم أنه يتبع نفس القانون. إن آمنا بذلك، آمنا، وإن لم نؤمن به، فليكن.
ففي النهاية، كلٌ سوف يجد طريقه، وسوف يجد مآله، "...فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ..."[النساء 141]. وقد تعلمنا ذلك في آيات الله لنا، وهي تُفقِّهنا في آداب الحوار، "...تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ"[آل عمران 64].
عباد الله: فلنقرأ ديننا قراءةً عميقةً، وليحاول كلٌّ منا أن يتفهم هذه الآيات، وتوافقها مع ما يرى هو أنه الخير، وأنه الحق، وأنه الأفضل والأحسن، بفطرته، وليصل إلى ما هو له أهل. فلن يستطيع أحدٌ أن يصل إلى ما ليس له هو أهل، "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ..."[البقرة 286].
اللهم وهذا حالنا، وهذا قيامنا، نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.




____________________

(1) "...ألا وإن في الجسد مضغة : إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب " . من حديث لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، صحيح البخاري.

(2) هذه العبارة تتوافق مع الحديث القدسي في الملحوظة التالية .

(3) يقول الحديث القدسي : "أنا عند ظن عبدي بي ، إن ظن خيراً فله ، وإن ظن شراً فله " . أخرجه أحمد بن حنبل الجامع الصغير للسيوطي .  

(4) من خطبة للإمام علي ــ كرم الله وجهه ــ :"...اعلم أنّ لكلّ ظاهر باطناً على مثاله ، فما طاب ظاهره طاب باطنه ، و ما خبث ظاهره خبث باطنه...".

 

 

 





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق