الاثنين، 21 يوليو، 2014

ماذا يكون دور الإنسان فيمن يرفض دعوته؟



حديث الجمعة
 20 رمضان 1435هـ الموافق 18 يوليو 2014م
السيد/ علي رافع

      حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
      نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من الشيطان الرجيم، نعوذ به من شرور أنفسنا، سائلينه هدايةً وتوفيقاً ورحمةً ومغفرةً وعطاءاً بلا حدود ـ لنكون عباداً له خالصين، نسلك طريق الحق، ونكون على الصراط المستقيم.
      "فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ، إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ، فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ"[الغاشية 24:21]، توجيهٌ لرسول الله ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ في مواضع كثيرة، "فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى، سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى، وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى"[الأعلى 11:9]. هذا التوجيه الإلهيّ، هو توجيهٌ لكل إنسانٍ يقتدي برسول الله ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ.
      هذا التَوجُّه الذي نتعلمه، هو أننا لا نستطيع ولا يستطيع أي إنسانٍ، أن يفرض رأياً أو صورةً على أي إنسانٍ آخر. وإنما أساس التواصل على هذه الأرض، هو التواصي بالحق والتواصي بالصبر.
      وإذا كان الأمر كذلك لرسول الله ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ وهو يملك الحجة البالغة، والمعرفة العميقة، والقدرة على البلاغ والبيان، ومع ذلك فإن هناك، أو كان دائماً هناك من لا يستجيب له، يتجنب دعوته ولا يقبل حديثه. أيعتقد أي إنسانٍ على هذه الأرض، أنه قادرٌ على إقناع الناس جميعاً، أو أن يسيطر على الناس جميعاً؟
      هناك دائماً، من سيرفض دعوة الحق. ودعوة الحق ــ كما نقول دائماً ــ هي دعوة نسبية وليست مطلقة. كل إنسانٍ قد يعتقد أنه على حق بما يراه وبما يدركه، ولكن ما يراه، لا يراه الآخرون، وسيظل دائماً هناك من يرفض وهناك من يقبل. فماذا يكون دور الإنسان فيمن يرفض دعوته؟ هل يحكم عليه هو، هل يعاقبه، هل يقتله، هل ينفيه، هل يسجنه؟ أم يترك أمره لله؟
      لذلك، نجد الإشارة "إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ، فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ"، الحكم لله. قد تعلمنا ذلك في آيات الله، يوم يوجهنا ونحن نجادل وندعو، أن نصل في نهاية حديثنا ودعوتنا أن الله يحكم بيننا، لا نقول لإنسانٍ أنك برفضك لهذه الدعوة سوف تُعذَّب. ليس لنا أن نحكم عليه.
      بل أننا وإن كنا نعتقد أمراً، فإننا لا نستطيع أن نقول: أننا سوف نُثاب وأننا على الحق المبين ـ تأدباً مع الله "...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء..."[فاطر 28]، ورسول الله ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ يؤدبنا بقوله [أنا أقربكم من الله وأخوفكم منه](1)، [ها أنا رسول الله بينكم ولا أدري ما يُفعَل بي غدا](2).
      لذلك، فنحن نقول لكل إنسانٍ يفرض رأيه بالقوة وبالعنف وبالقتل، معتقداً أن رأيه هو الحق المطلق: أننا لا نناقشك في رأيك الذي تراه، وإنما نقول لك: أنه ليس من حقك أن تفرض هذا الرأي بالقوة والقتل والترويع.
      سوف يظل الناس مختلفين، إختلافهم هو طبيعة هذه الأرض، وطبيعة البشر، "...وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً..."[المائدة 48]. ولكن شاء الله أن يجعلكم "...شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا..."[الحجرات 13]، وأن يعطي كل إنسانٍ قدرةً على التأمل والتفكر والتدبر، فيصل إلى ما يصل إليه بفكره وعقله، ولن يصل الجميع إلى شكلٍ واحد، أو إلى صورةٍ واحدة.
      لذلك، كانت الدعوة فيما يخص الأمور المشتركة في المجتمع، التواصي بالحق والتواصي بالصبر، الدعوة إلى الخير، والأمر بما هو معروف أنه أفضل بمعايير هذه الأرض، والنهي عن المنكر الذي لا ينفع الناس بمعايير هذه الأرض.
      إن الدعوة إلى الخير، هي في أن تفعل كل شيءٍ تراه خيراً للمجتمع بمعايير هذا المجتمع. وهذا، هو حكم الله، قانون الله، يعلمنا أن نكون عقلاء، حكماء، نجتمع ولا نفترق، نبحث عن الحقيقة وعما فيه خير المجتمع، ولا يعتز كلٌّ برأيه، معتقداً أنه يملك معرفة ما أراد الله.
      لذلك، نهانا الله عن هذا الاختلاف، الذي هو اختلافٌ على منهج. والمنهج يَجُبٌّ أي اختلاف، لأنه يعطي لكل إنسانٍ أن يعبر عن رأيه، دون أن يفرضه بالقوة، "وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ"[آل عمران 105].
      فالاختلاف في هذه الآية يعني، التصارع، وفرض الرأي بالقوة، واعتزاز كل إنسانٍ برأيه دون أن يسمع للآخر، ودون أن يقبل مبدأ التجريب، والمراقبة، والتصويب، والتقويم. هنا، يكون لهذه الأمة التي تفعل ذلك "...عَذَابٌ عَظِيمٌ"، لأنها لن تصل إلى شيء، ويظل التناحر قائماً. فإذا أرادت أمةٌ ذلك، فهي تقتل نفسها بنفسها، إلى أن تفيق إلى الحق الذي هو صلاح أفرادها، وقبول كل فردٍ أن يجلس مع أخيه ليبحثوا جميعاً عما فيه خيرهم ونجاتهم.
      عباد الله: البداية، هي أن يعرف كل إنسانٍ أنه لا يسيطر على أي إنسانٍ آخر، وأنه فيما يخصه من أمور، له حريةٌ كاملة، وفيما يخص تعامله مع الآخرين، فإن عليه أن يجلس مع الآخرين ليتفقوا على طريقة تعاملهم وحياتهم، وأن يتأدب كل إنسانٍ بما أمرنا الله به، من أنك كإنسان لا تملك أن تحكم على إنسانٍ آخر، وإنما عليك دائماً أن تُذَكِّر، "..فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ"[الذاريات 55].
      فلا مانع من أن تعتقد أن ما تقوله هو الخير، ولكن ليس من صلاحياتك أن تفرض هذا الذي تقول بالقوة على الآخرين، والآخرون من حقهم أن يعتقدوا أن ما يقولونه هو الخير، وليس من حقهم أن يجبروك عليه، وإنما تجلسون معاً، وتتواصون بالحق والصبر فيما يخص مجتمعكم وأمتكم، أما فيما يخص كل فردٍ، فهو على نفسه بصيرا.
      عباد الله: نسأل الله: أن نكون أهلا ً لنفحات الله ورحماته، وأن نكون عباداً له صالحين، في طريقه سالكين، ولوجهه قاصدين.
      فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
__________________________
     
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
      عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو أن التوجيه الإلهيّ لرسول الله ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ "فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ..." "فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى، سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى، وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى"، وأنك "...لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ"، "...فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ..."[الكهف 29]، لأن الله يتولى حسابهم، "إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ"[الغاشية 26،25]. فهذه ليست قضية الإنسان في علاقته مع من يخالفونه، أن يكون حَكَماً وحاكماً عليهم بأي صورةٍ وبأي شكلٍ.
      فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لرسول الله ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ فهل يستطيع أي إنسانٍ، أن يعطي لنفسه الصلاحيات أن يسيطر على الناس جميعاً، وأن يجبرهم أن يفعلوا كذا ولا يفعلوا كذا، في أمورٍ تخصهم، وتخص علاقتهم بربهم، وفي قضية إيمانهم أو كفرهم؟ لا يستطيع أي إنسانٍ بعد هذا التوجيه، أن يعطي لنفسه هذه الصلاحيات.
      لذلك، نجد التوجيه الإلهيّ في الدعوة للناس جميعاً، للالتفاف معاً، والتجمع معاً، والتواصي بالحق والصبر معاً، وللدعوة للخير معاً، وللأمر بالمعروف معاً، وللنهي عن المنكر معاً. وهذه هي البينة، التي جاءت بها الرسالات السماوية وأكدها الإسلام، في معنى الجماعة، وفي معنى الأمة، وفي معنى التواصي والتآلف والتفاهم.
      وأوضح الحق، أن الذين لا يتبعون هذا المنهج، ويصر كلٌّ على رأيه وعلى ما يريد أن يحققه على هذه الأرض وفي مجتمعه بالقوة والعنف، فإن مصير هذا، سوف يكون انتحاراً لهذه الأمة، وهذا هو العذاب العظيم.
      عباد الله: نسأل الله: أن يجعلنا متفهِّمين لما جاء به ديننا، من منهجٍ أساسه التعاون والتفاهم والتآلف والتحاب، وأن يقبل كلٌّ منا الآخر، وأن نجتمع جميعاً، لنصل إلى ما فيه خيرنا ولما فيه صلاحنا وصلاح مجتمعنا.
      نسأل الله: أن يحقق لنا ذلك، وأن يجعل منا أداة خيرٍ وسلامٍ ورحمةٍ لتحقيق ذلك.
      اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا      منجى منك إلا إليك.
      اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
      اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
      اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
      اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
      اللهم فهيئ لنا من أمرنا رشدا.
اللهم فلا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
      اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
      يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.


       
_______________________________

(1) "إني أتقاكم لله وأخشاكم له" حديث شريف أخرجه مسلم في صحيحه كما ورد في موطأ مالك ومسند أحمد بصيغ مختلفة.

(2) حديث شريف رواه أحمد بهذا اللفظ ، ورواه البخاري ومسلم هكذا : "سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لن يُدخِل الجنة أحداً عمله ، قالوا ولا أنت يا رسول الله ، قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة ".

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق