الخميس، 2 أكتوبر، 2014

كل منا مسئول في فهمه لآيات الله، وعلينا أن نميز بين أحكامها العامة والخاصة



حديث الجمعة
 27 رمضان 1435هـ الموافق 25 يوليو 2014م
السيد/ علي رافع


      حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
      الحمد لله، الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.
      الحمد لله، الذي جعل لنا بيننا حديثاً نتواصى فيه بالحق والصبر بيننا، نتدبر آيات الله لنا، سائلين الله أن ينير بصيرتنا حتى نقرأ هذه الآيات قراءةً عميقةً، وأن نتفهَّم ما فيها من معانٍ تُزيل الغشاوة عن عيوننا، والظلام عن نفوسنا، وأن تُحيِي قلوبنا، وتُنير عقولنا، وتطهر أرواحنا.
      آيات الحق فيها معانٍ كثيرة، ومستوياتٌ مختلفة للفهم والإدراك، والذين أخذوا قشور هذه الآيات وعمَّمُوها دون أن يفهموا أن هناك ما هو مطلق وما هو مقيد، وأن هناك ما هو خاص وما هو عام، وأن الآيات جاءت بأحكامٍ عامة، وبأحكامٍ خاصة. الأحكام الخاصة، لها شروطها، ولها بيئتها، ولها زمانها، ولها مكانها. أما الأحكام العامة، فإنها تصلح لكل مكان ولكل زمان، وعلى الإنسان أن يطبقها متفاعلاً مع الواقع ومع الحياة.
      إن الذين يقرأون بعض الآيات الخاصة، ويجعلون منها حكماً عاماً، يصطدمون بالأحكام العامة التي تَجُب كل حكمٍ خاص. فالذين يستخدمون الدين، وأنهم يجاهدون في سبيل الدين بصورةٍ خاصةٍ، فيقتلون الآخرين، ويُروِّعونهم، ويُكفِّرون كل من خالفهم ـ إنهم بذلك يظنون أنهم يُطبِّقون الدين، وما هم فاعلين، إنما هم يُطبِّقون قراءات سابقين عمَّمُوا ما يجب أن يُخَصَّص، فكانوا بذلك كـ [من سن سنةً سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها](1).
      لذلك، فإن الخطاب المُوَجَّه للإنسان ألا يكون منساقاً وراء أي رأيٍ أو فهمٍ، وإنما عليه أن يقرأ هو، وأن يتأمل هو، وأن يسير وراء ما يعتقده هو، "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ..."[البقرة 286]، "...كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته"(2).
      فلو أن كل إنسانٍ طبق هذا الحكم، الذي يحترم الإنسان ويحترم عقل الإنسان، فإن كل فردٍ لن ينساق وراء الآخرين دون فهمٍ ودون وعي. وإننا مع ذلك، ندرك أن ـ حتى ـ الذي ينساق دون وعيٍ ودون فهم، هو الذي اختار ذلك، وهو الذي قرر ذلك، فهذا اختياره، وهو يتحمل تبعات هذا الاختيار في حياته الحقية، وفي حياته الروحية، وفي حياته الأخروية.
      وهذا، ما تُعَلمنا إياه آيات الحق يوم تصف لنا حال الذين اتبعوا، وهم يلقون بما فعلوه على من اتبعوه، فيتبرأ الذين اتُّبِعوا من الذين اتَّبَعوا، كما يتبرأ الشيطان من الذين اتبعوه، "...وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم..."[إبراهيم 22].
      فمسئولية الإنسان، هي الأساس في حركته على هذه الأرض، ولا يستطيع أي إنسانٍ أن يتخلى عن هذه المسئولية، إنها جزءٌ منه، إنها عقله وقلبه وضميره، إنها محصلة كل عملٍ وكل علمٍ قام به على هذه الأرض.
      وهكذا، في أمورٍ كثيرة، سوف نجد أن الدين عند الكثيرين قد تَحوَّل من اتباعٍ لآيات الله وقراءتها والتأمل فيها، إلى اتباعٍ لفكرٍ معين، ولتفسيرٍ معين، ولرؤيةٍ محدودة. وهكذا، يختار بعض الناس طريقهم.
      عباد الله: إن هذا التنوع في البشر، وفي رؤيتهم، وفي تفكيرهم، فيما يُحَسِّنونه، وفيما يُقَبِّحونه، فيما يعقلونه، وفيما لا يعقلونه، سيظل قائماً على هذه الأرض بصورٍ مختلفة، وبدرجاتٍ متباينة. لذلك، نقول دائماً، أن على هذه الأرض، ليس هناك حقٌّ مطلق، وإنما هو حقٌّ نسبيّ، يراه الإنسان بما يملك من وسائل للرؤية وللإدراك.
      لذلك، كان حديثنا دائماً، أن كل إنسانٍ له ما يعتقده، وأن ما يعتقده هو الذي سوف يحدد ما يفعله، وإن ما سيفعله سوف يحدد طريقه الأبدي، وأنه لا مفر من هذا. لذلك، فإن كل إنسانٍ عليه أن يتفكر بعمق، حتى لا يكون اختياره نتيجة تفريطٍ فيما أعطاه الله من قدرة على الاختيار.
      وإذا استخدم الإنسان ما أعطاه الله من ملكات، فإنه سوف يصل إلى حالٍ وإلى معتقدٍ، أفضل بكثيرٍ من لو أنه فرط فيما أعطاه الله، لأنه أعمل ما أعطاه الله من قدرة على أن يدعوه ويستعين به، ويسأله قوةً وعلماً ومعرفةً، فإن ذلك، سوف يؤدي إلى حالٍ أفضل من لو أنه فرط فيما أعطاه الله من هذه القدرات.
      وهذا، ما عبرت عنه الآية "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا"[الكهف 28]. فهذا، ما يوجهنا الحق إليه، الحق لا يوجهنا إلى شكل، أو إلى صورة، أو إلى صنم، إنما يوجهنا أن نُعمِل ما أعطانا الله من امكاناتٍ وطاقات.
      وهذه، هي دعوة الإسلام في كل عصرٍ، ومع كل رسالةٍ جاءت، أن تَفكَّروا وتدبروا، لا تقولوا "...وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ"[الزخرف 22]، "أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ، فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ، إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ، فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ، إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ"[الغاشية 26:17].
      علينا، أن نتذكَّر هذا المسلك الذي يعلمنا إياه الحق، من أننا حتى وإن كنا لا نرضى عن سلوك البعض وتفكيرهم، وأننا نتبع رسول الله ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ في أن نُذكِّر بما نرى أنه الحق، إلا أننا لا نحكم على الآخرين بأي صورة، سوى أن ما يقومون به عكس ما نعتقده نحن في معنى الحياة، أما أمرهم فلله، "إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ". هذا، ليس لنا أن نُقدِّره، أو نحكم به، ولكن لا يعني هذا، ألا نُذكِّر بما نرى أنه الخير.
      ودائماً، نتجه إلى الله أن يصحح لنا مفاهيمنا، نريد أن نكون في "...الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ..." يريدون دائماً أن يُغفَر لهم، ويريدون دائماً أن يُصَوَّب لهم، ويريدون دائماً أن يرجعوا إلى الحق، وأن يفهموا كل يومٍ فهماً جديداً، وأن يراجعوا أنفسهم، وأن يُصَوِّبوا مفاهيمهم.
      إنه طريق العلم والتعلم، إنه طريق الجهاد والمجاهدة، إنه طريق التواصي بالحق والتواصي بالصبر. هكذا، نقرأ آيات الله، ونحن نتجه ـ ونحن نقرؤها ـ إلى الله، أن نتعلم منها حقاً، وأن نتفهَّمها حقاً، وأن تمس قلوبنا حقاً، وأن نتدبرها بعقولنا حقاً، وألا نسير وراء مفاهيم لبشرٍ فهموها بصورةٍ، ربما كانت مقبولة في زمانهم، وهي ليست مقبولة في زماننا.
      أما الآيات نفسها، فهي معانٍ كُلِّيَّة تريد خير الإنسانية والبشرية، وخير الإنسان، وحياة الإنسان، واحترام الإنسان. تُعَلمنا، ألا نحكم على أي إنسانٍ بسبب مبدئه أو فهمه أو عقيدته أياً كانت، إنما نتواصى بالحق، ونتواصى بالصبر.
      نسأل الله: أن يجعل منا أداة خيرٍ وسلامٍ ورحمة، لنا، ولبلدنا، ولأرضنا.
      فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
_______________________
     
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
      ما أردنا أن نُذكِّر به أنفسنا اليوم: أن كلاً منا مسئولٌ، وعليه أن يقرأ آيات الله بعقلٍ متفتح وبقلبٍ طاهرٍ، وأن يستعين في ذلك بكل وسيلةٍ ممكنة، سواء من خلال فهم المفردات بعمق، وفهم السياق الذي تتحدث عنه الآية، ويفهم أن الآيات فيها آياتٌ تتحدث عن مواقف خاصة، وأن آياتٍ أخرى تتحدث عن مواقف عامة، وأنك لا يمكن أن تقرأ آية منفصلة عن الإطار العام، وإنما تفهمها وتتأملها وتتدبرها من خلال الحكم العام.
      فهناك، حكمٌ عام يتحدث عن البشر، وعن الأمم، وعن التعامل بين الأمم، وبين أفراد كل أمة، وعن التنوع والاختلاف، "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ..."[الممتحنة 8]، "...جَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا..."[الحجرات 13]، "ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ..."[النحل 125]، "...تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا..."[آل عمران 64].
      أمورٌ تجعل التعامل قائمٌ على المودة، وعلى المحبة، وعلى الدعوة الخالصة، الدعوة العامة لمبادئ عامة، ولا تدعو إلى من يعترض أو يخالف أو يرفض ـ إلى أن يُقاتَل، أو أن يُعتَدى عليه، طالما لم يعتدي هو على أحد. فليس هناك أي مبرر لأن نتقاتل، بسبب اختلافٍ في العقيدة، أو في الرؤية، أو في الفهم. هذا، هو الحكم العام.
      فإذا جاءت آيات تصف حالةً خاصة، لا يمكن أن نعمِّمَها، إلا إذا توافرت شروط هذه الحالة وكانت متطابقة معها. بل أننا سوف نجد أننا لا نستطيع أن نطبقها حرفياً، إلا إذا تطابقت بكل شروطها، وأنَّ إذا لم يتوافر شرطٌ واحد، أصبح الحكم العام هو الذي يجب أن يُطبَّق.
      نقول ذلك، لأن بعض الناس يرون في بعض الآيات التي جاءت بعد فتح مكة، ومع المشركين وقتالهم وقتلهم، أن هذا هو الحكم العام الذي يجب أن يقوم به المسلمون الآن، وهذا كلام لا يمكن أن يتطابق مع الشروط التي حدثت فيها، والتي تصف فيها الآيات هذا الموقف.
      لذلك، فإن تطبيق أي شرطٍ أو أي موقفٍ أو أي حكمٍ خاص جداً، يجب أن يُراعَى فيه التطابق التام. أما الذين عمَّمُوا هذا الحكم، وفهموا أن هذا الحكم ينسخ كل حكمٍ آخر، فهذا قول بشر، ومفهوم بشر، وليس كلاماً مقدساً، لا يجب أن نعتمد عليه، أو أن نعتد به.
      وإنما علينا أن نراجع أنفسنا، وأن نفهم بما يليق لنا أن نفهمه، وأن نتواصي بالحق والصبر كمجتمعٍ، لنقرأ آيات الله بعمق، وأن يكون علماؤنا على هذا القدر من العلم والفهم والشجاعة، أن يقرأوا كتاب الله وسنة رسول الله، قراءةً عميقةً متفاعلةً مع واقعنا، بحيث لا نسير في طريقٍ مظلم، نراه يؤدي بنا إلى خراب وإلى دمار، ونقول: هذا هو الدين.
      عباد الله: نسأل الله: أن نرجع جميعاً إلى الله، وأن نرجع جميعاً إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله، وألا نتخلى عن مسئوليتنا في أن نقرأهما قراءةً صحيحةً، عميقةً، متعمقة.
      نسأل الله: أن يوفقنا جميعاً لذلك، وأن يجعلنا أهلاً لذلك.
      اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
      اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
      اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
      اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
      اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
      اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
      يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.

                     
_______________________________

(1) حديث شريف نصه: "من سن سنة حسنة فعمل بها كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئا ومن سن سنة سيئة فعمل بها كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص من أوزارهم شيئا." الراوي: جرير المحدث: الألباني- المصدر: صحيح ابن ماجه.

(2) جاء بسنن الترمذي: ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم أنه‏ ‏قال ‏" ‏ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه ، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"‏.

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق