الأحد، 26 أبريل، 2015

إن أول درسٍ في رسالة الإسلام الحق ألا ترسم صورة للدين وللغيب



حديث الجمعة
 28 جمادى الآخر 1436هـ الموافق 17 أبريل 2015م

السيد/ علي رافع

      حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله .
      الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشكر دائماً لله، والصلاة والسلام على رسول الله  
      عباد الله: إنا نُذكِّر أنفسنا بما عاهدنا الله عليه، بما أودع فينا من فطرته ومن سره، يوم أوجدنا، ويوم خلقنا، يوم "...أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى"[طه 50]، نُذكِّر أنفسنا أن لنا رسالةً على هذه الأرض، رسالة الحياة. وقد أرسل لنا الرسل، والأنبياء، والأولياء، وعباده الصالحين، يدعوننا للحياة "...اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ..."[الأنفال 24].  
      هذه الدعوة الدائمة، التي جاء بها كل الرسل، والتي تتجدد في دوام من خلال كل إنسانٍ خبر فطرته، وقرأ رسالته، وتعلم حقيقته. رسالة الحياة، رسالة النجاة، رسالة الحق، رسالة الفطرة، رسالة النور، رسالة الأحسن والأقوم، رسالة الخير والسلام، رسالة العلم والمعرفة، رسالة التكافل والتراحم، رسالة المحبة والتسامح، رسالة الإنسان والإنسانية، رسالةٌ لكل العالم، لكل الأمم، لكل إنسانٍ قائمٍ على هذه الأرض، رسالة الأمة التي تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، بكل ما تحمل هذه المعاني من أبعادٍ روحيةٍ ومعنويةٍ وحقية.
      رسالة الإسلام، التي جاءت في كل الأديان، والتي جاءت في حديث كل إنسانٍ صادقٍ في الشرق أو في الغرب، في الشمال أو في الجنوب. فكيف نرى هذه الرسالة اليوم، وكثيرون يَدَّعونها، ويَدَّعون انتسابهم إليها، بفهمٍ فهموه ثم قدسوه، بصورةٍ رسموها ثم عبدوها؟
      إن أول درسٍ في رسالة الإسلام الحق، ألا ترسم صورة للدين وللغيب، وأن تُعلِي هذا الغيب عن أي صورةٍ أو أي شكل. فكيف يكون ذلك، والبعض يتكلم باسم الغيب، فيقول أن الغيب يريد كذا وكذا، وأنه لا يريد إلا الذي نقول.
      إن أول ركنٍ في الإسلام، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، تعلمنا ألا نفعل ذلك، بل أن نُعلِي الله عن أي صورةٍ وشكل. ومن ثَمَّ لا يمكن لإنسانٍ أن يَدَّعي الألوهية، أن يَدَّعي أنه الوحيد الذي يتكلم باسم الله.
      فإذا كان الأمر كذلك، فإن ما نختلف فيه، هو أمرٌ أرضيّ دنيويّ، نحتكم فيه إلى ما فيه صالحنا وخيرنا وخير مجتمعنا في حياتهم الدنيا، وأن نتعارف على ذلك ونتفق عليه، فيما يخص أمورنا وما يخص أمور مجتمعنا.
      والإنسان في حياته الروحية المعنوية، فهذه قضيته يبحث عنها، وقد يتواصى مع إخوانه فيما يجب عليه، بتذكيرٍ دون وصاية، "فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى، سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى، وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى"[الأعلى 11]، الكل يُذِّكر بما عنده، وقد ينتفع الآخر به.
      نتحدث عن كيف نذكر الله، كيف نكون عباداً لله، كيف نُزكِّي أنفسنا ونطهرها، كيف نتعامل مع الله في كل شيء، كيف نرى الله في كل أمر، كيف نرى الله في أنفسنا بما تَجلَّى به علينا، فيما نعقل وفيما نذكر، فيما نحب وفيما نكره، نراه في خلقه، في آياته، في تجلياته، في قانونه وأسبابه، فيما رزقنا وفيما يسر لنا، نراه وراء كل شيء.
      نُسبِّح باسمه العظيم، ونُسبِّح باسمه الأعلى. عظيمٌ فيما قدَّر وفيما خلق وفيما أوجد، عظيمٌ بلا حدود وبلا وصفٍ وبلا شكل. وباسمه الأعلى، "سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى"[الأعلى 3:1]، إسمه الأعلى، بلا صورةٍ وبلا شكل، معراجٌ لا نهائيّ في العُلُوّ.
      نريد أن نكون في هذا المعراج يوم نُسبِّح باسم ربنا الأعلى، نعرج من حالٍ إلى حال، ومن سماءٍ إلى سماء، ومن مجالٍ إلى مجال، ومن نورٍ إلى نور، ومن حياةٍ إلى حياة، معراجٌ أعلى لا نهائيّ.
      نُذكِّر أنفسنا بذلك، ونتذاكر معاً، كيف نكون عباداً لله خالصين، كلٌّ يأخذ بقدره، وكلٌّ يَذكُر بقدره، وكلٌّ يتدبر بقدره، وكلٌّ يجاهد بقدره، "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ...."[البقرة 286].
      كل إنسانٍ له عالمه، وله حرمه وحرمته التي لا يجب لآخر أن يتخطاها أو أن يتعدى عليها. له خصوصيته، وله قَيُّومته، وله كينونته. يسمع ممن حوله، ويرى ما حوله، ليتعلم مما يسمع ويرى، ويُخرِج ما تعلمه فيما يقول ويفعل، دون أن يقهر أحد، ودون أن يسيطر على أحد.
      هكذا يكون عباد الله، يتراحمون، ويتذاكرون، ويُذكِّرون، ويتحركون في عالمٍ فيه يعيشون. أملهم، أنهم بتواصيهم يرقون، ويتعلمون، ويعرجون. لا يتباغضون، ولا يتحاسدون، ولا يُكرِه أحدهم الآخر. إنهم بذلك، يكونون في جنة نعيم وهم على هذه الأرض، رضوا عن الله ورضى الله عنهم.
      فإذا أردنا أن نكون عباداً لله، فليحاول كلٌّ منا أن يكون من الذين يحبون ولا يبغضون، من الذين يتعلمون مما يسمعون ويشهدون، لا من الذين يضعون أصابعهم في آذانهم وأيديهم على عيونهم، وأن نكون من الذين يُخرِجون ما تعلموه بما هو أحسن وأفضل في قولهم وعملهم، يتواصون بالحق، ويتواصون بالصبر. هذا، هو المعنى المراد من هذه الآية التي تدلنا على طريق النجاة، "وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ"[العصر 3:1].
      اللهم وهذا ما نقصده ونرجوه، ونسأله وندعوه، ونتذاكر به لنكونه.
      اللهم وهذا حالنا، وهذا قيامنا، نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونستغفرك في كل وقتٍ وحين.
      فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
      عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن ديننا، دين الحياة، دين الفطرة، قد علمنا وأرشدنا كيف نُكبِر الله عن أي صورةٍ وعن أي شكل، وأننا في حياتنا الأرضية علينا أن نُعلِي مقاصد وجودنا، باحترام كلٍّ منا لأخيه في المجتمع وفي الإنسانية.
      فلا يعتدي إنسانٌ على إنسان، ولا يأخذ إنسانٌ حق إنسان، وأن نجتمع على هذا المعنى، فنضع الحدود التي تَحكُمنا، والتي تخلق بيئةً صالحةً، لأن نعيش جميعاً على هذه الأرض في سلامٍ وفي أمان، وأن يتعلم كل إنسانٍ أن وجوده على هذه الأرض هو مرحلة من مراحل حياته الأبدية، فيُرجِع البصر إلى داخله، ليتعلم كيف يكون هذا الإنسان الذي يرجو هذه الحياة الأبدية.
      على ذلك يجتمع الناس، كلٌّ يقدم تجربته، ويقدم فكره، دون أن يفرض إنسانٌ على إنسان صورةً أوشكلاً، وإنما يتواصون بالحق، ويتواصون بالصبر. هكذا يكون الأمر، وهكذا يكون الحال، في مجتمعٍ يدعو إلى الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويؤمن بالله.
      هذا ما نعتقده، نتواصى به بيننا، نُذكِّر بما نعتقد أنه الحق، يأخذ قولنا من يأخذه، ويتركه من يتركه، ليس لنا من سلطانٍ على أحد. وندرك أننا إذا كانت هذه رؤيتنا، نرجو أن نكون فيها صادقين، وأن تأخذ بنا إلى طريق الخير والصلاح والفلاح.
      فإذا وجدنا أننا لا نسير في طريق الخير والصلاح والفلاح، نستغفر الله، ونرجع إلى الله، ونراجع أنفسنا في كل ما نعتقده، لنكون في حالٍ أفضل. طمعنا في الله، أن يعاملنا بما هو له أهل، ولا يعاملنا بما فينا من ظلام، وأن يساعدنا على نفوسنا المظلمة، لنكون أكثر صلاحاً وأكثر فلاحاً.
      لا نُبرِّئ أنفسنا، فـ "...إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ..."[يوسف 53]. وكلنا بشر، يُؤخذ من قولنا ويُرد عليه. طمعنا في رحمة الله وفي مغفرة الله، أن يغفر لنا إن نسينا أو أخطأنا، وأن يُصَوِّب لنا مفاهيمنا دائماً، وأن يجعلنا دائماً من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ..."[الزمر 18].
      اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
      اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا .
      اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
      اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
      اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق