الثلاثاء، 19 يناير، 2016

أي تفكيرٍ يحرك المياه الراكدة التي نعيش فيها، هو تفكيرٌ مساعدٌ


حديث الجمعة
 7 ربيع أول 1437هـ الموافق 18 ديسمبر 2015م
السيد/ علي رافع


      حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.

      نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن الشيطان الرجيم، نسأله رحمةً ومغفرةً وتوفيقاً وقوةً، لنكون عباداً له صالحين، لنكون لديننا قارئين متأملين متدبرين، نسمع القول فنتبع أحسنه، ونقرأ الآيات فتلمس قلوبنا، ونتدبر في الكون فتتفتح الآفاق لنا، نرى حياتنا ممتدةً من القديم إلى القادم.

      ندرك أننا في حاضرنا يمكننا أن نُصلِح ما حدث في قديمنا، وأن نجعل من قادمنا أفضل من حاضرنا. ندرك أن الدين ما هو أحسن في حاضرنا، ونحاول أن نستقيم مع ما نراه الأحسن، فنفوسنا المظلمة تجعلنا نحيد عن هذا الأحسن الذي نراه، "فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ..."[هود 112]، ونحن ندعو في كل صلاةٍ: "اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ"[الفاتحة 6]، وندرك أن هذه الاستقامة تكون بفضل الله، "صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ..."[الفاتحة 7].

      فنؤمن بأن علينا أن نكون في دعاءٍ مستمر وفي طلبٍ دائم، وأن يكون اجتماعنا على ذكر الله هو وسيلتنا، ففي اجتماعنا ندعو الله ونتجه إلى الله، ونسأل الله أن يعيننا دائماً على ظلام نفوسنا وغفلة قلوبنا وعدم تقديرنا لقيمة حياتنا. ندعوه أن يجعل تفكيرنا متجهاً إلى الخير وإلى الحق، وإلى ما فيه خيرنا وحياتنا ونجاتنا، وألا يجنح إلى ما فيه تدميرنا وإظلامنا، وألا نكون في غفلةٍ عن جوهر ديننا، بظن إيمانٍ أو بظن متابعةٍ لمن سبقونا، كما نرى في حياتنا اليوم.

      فنحن نرى أن الكثيرين قد ضلوا الطريق بظن الدين، "...يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً..."[البقرة 26]، والضلال باسم الدين وبظن الدين، يعود إلى أن الإنسان لا يُفعِّل ما أعطاه الله من قدرةٍ على التمييز بين الحق والباطل، بين النور والظلام، يرجع إلى عدم استعانة الإنسان بالدعاء والرجاء، يرجع إلى التكبر والاستعلاء بظن الفهم والاعتقاد والإيمان، يرجع إلى تقديس الأمور والأشكال والأزمان والأماكن، دون وعيٍ ودون فهم.

      لذلك، فإن أي تفكيرٍ يحرك المياه الراكدة التي نعيش فيها، هو تفكيرٌ مساعدٌ، حتى وإن كان فيه مغالاة أو فيه عدم اتساق، إلا أن كل إنسانٍ يقدم فكره ولا يسير في القطيع، هو إنسانٌ يحاول أن يفهم، قد يخطئ وقد يصيب، وكما نقول دائماً: إن الخطأ والصواب هما أمران نسبيان.

      إن بعض العلماء أو من نطلق عليهم علماء، يعلَمون أشياءً لا يريدون أن يقولوها بظن عدم بلبلة العامة، والحقيقة أن إخفاء أي أمرٍ لا يساعد على استقامة الأمور. إنما الأمور تحتاج إلى مجابهة، الاستقامة تحتاج إلى أن نجابه كل فكرٍ وكل أمرٍ وكل قولٍ وكل ظنٍ وكل اختلافٍ، وندرك أن الدين هو منهجٌ يُكبِر الإنسان، ويُكبِر عقل الإنسان.

      لذلك، كان الأمر الدائم: "...تَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ"[العصر 3]، أمرٌ دائمٌ بأن ندعو إلى الخير، أن نأمر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر، كجماعةٍ وكمجتمع. كل الأمور تعرض على المجتمع ليقرر وليختار ما يناسبه.

      وما جاء الدين إلا ليعلمنا هذا المنهج، وليخاطبنا بما هو أحسن، "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..."[العنكبوت 46]، "ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ..."[النحل 125]، "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا..."[آل عمران 64].

      وكما نذاكر دائماً في هذا الأمر، أن عبادة الله هي أن نُكبِر الله عن أي صورةٍ، أو عن أي شكل أو أن نعتقد أننا نحن الذين نتكلم باسم الله، وأن الآخرين ليس عندهم شيئ ونحن عندنا كل شيئ. فعبادة الله أن نُكبِر الله عن ذلك، وإنما حديثنا يكون بالكلمة السواء. والكلمة السواء هي كل ما يُصلِح حالنا، كل ما يُصلِح حال مجتمعنا، كل ما يُصلِح حال كل فردٍ منا في الدنيا وفي الآخرة، في الظاهر وفي الباطن.

      عباد الله: ديننا جاء ليعلمنا ما في أنفسنا وما في قدراتنا، كأفرادٍ وكجماعة ـ كما نذاكر دائماً ـ لا يمكن أن ننظر إلى الدين كقيامٍ منفصل، وإنما الدين هو تفاعلٌ بيننا وبين ما جاءت به كتب السماء.

      عباد الله: إن دعوة الحق الدائمة أن يرجع الناس إلى ما أودع الله فيهم من فطرة، فيأمرهم أن يجتمعوا وأن يتواصوا وأن يُذكِّروا أنفسهم، يُذكِّرون بعضهم البعض بما فيه من فطرة الحياة، وبما فيه من نور الله، وبما فيه من روح الله، وبما فيه من سر الله، وأن يُذكِّر بعضهم البعض بما فيه أيضاً من [شيطانٍ يجري في الإنسان مجرى الدم](1)، ومن ظلام نفوسٍ تسربلوا بها ليعيشوا على هذه الأرض، لها دورٌ في حياتهم الدنيا، فإذا فرطوا في أمر نفوسهم أحدثوا فراغاً ملأه هذا الظلام، وإذا ملأوا قلوبهم بذكر الله، ملأوا فراغ وجودهم بنور الله، فحال ذلك بينهم وبين ظلام نفوسهم، وجعلهم الله بذلك عباداً له خالصين، بكونهم أهلاً لرحمته وأهلاً لنعمته.

      هكذا نعيش هذه الحياة، نجاهد ونجتهد، نفكر ونذكر، نعمل ونتعامل، لنكون عباداً لله أفضل وأحسن وأقوم، "إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا"[مريم 93]. فالعبودية لله بمعنى الخضوع لقانون الحياة هي لكل الكائنات والمخلوقات. وأما يكون الإنسان عبداً لله حقاً، فهو بإدراكه لذلك، وبمحاولته أن يتعرف على قانون الله في الأرض ليحقق به وجوده، فتكون إرادته أن يتعلم قانون الحياة، ويكون فعله أن يستخدم هذا القانون لأن يرقى ولأن يحيا.

      هكذا نُذكِّر أنفسنا دائماً، لعلنا نفيق من نومنا ومن غفلتنا، ونستيقظ إلى حياةٍ مليئةٍ بالكسب في الله وبالرُّقِيِّ في الله.

      فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

      ما أردنا أن نقوله اليوم: أن كثيرين من الناس الذين في غفلةٍ عن معنى حياتهم ومعنى وجودهم، هم قائمون في هذه الغفلة نتيجةٌ لعدم إكبارهم لدينهم، بظن متابعةٍ لسلف، أو جمودٍ لفكر، أو تجسيدٍ لمعانٍ في الدين دون وعيٍ ودون فهم.

      وأننا في عصورٍ مختلفة نجد أناساً أرادوا أن يغيروا هذا النمط في التفكير، سواء أخطأوا أو أصابوا، إلا أن تغييرهم للمفهوم السائد، أو محاولتهم لتغيير المفهوم السائد، يكون فيه خيرٌ وفتحٌ لآخرين ليتدبروا ويتأملوا ويتعمقوا.

      وأن محاولة البعض ألا تُظهِر أي تفكيرٍ جديد، وألا تُبلِّغ ما تَعلَمه من أمورٍ ربما تساند هذا التغيير، بظن دينٍ وبظن عدم بلبلةٍ ـ هو أمرٌ ليس صحياً بالنسبة للمجتمع، هذا حدث في عصورٍ كثيرة، ويحدث الآن، وسوف يحدث غداً.

      من قراءتنا للماضي، نجد أن مثل هذا التفكير لا يستفيد منه إلا القليل، أما الكثرة فهي تكون مع التقليد، ومع التثبيت، ومع التوثين، ومع التجسيد، وهذا هو حال الأرض. إلا أن هذا لا يعني المحاولة من البعض لتغيير هذا الحال، حتى يستفيد الذين في حاجةٍ لمثل هذا التغيير، "...قَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ"[سبأ 13]، قليلٌ الذين يفهمون، والذين يتفكرون، والذين يتأملون، والذين يذكرون. قليلٌ من يحيا، وقليلٌ من ينجو.

      ومع ذلك فإن الذين يسيرون ضد هذا التيار الظلماني لا يجب أن ييأسوا أو أن يستسلموا، وإنما يجب أن يقولوا ما يعتقدون، ويقدموا ما يفهمون، ويلقوا ببذور المعرفة في الأرض، فقد تُخرِج بعضاً من نبات الأرض، يَصلُح ويُصلِح، يغير ويتغير إلى الأفضل والأحسن والأقوم، وإن كان قليلاً.

      وعلينا أن نحاسب أنفسنا دائماً، وأن نعلم أن ما نقدمه هو محاولةٌ نسأل الله فيها التوفيق، ونسأل الله أن يصحح لنا مفهومنا، وأن يغفر لنا إن نسينا أو أخطأنا، نتجه إليه ونتوكل عليه، ولا ملجأ لنا منه إلا إليه. نعلم أن اللجوء إليه هو سبيلنا، وأن دعاءه هو طريقنا، وأن اجتماعنا على ذكره هو وسيلتنا. فنحن في جمعنا ندعوه، ونطلبه ونرجوه، ونستغفره ونتوب إليه ونرجع إليه، نسأله أن يعيننا في كل أمرٍ وفي كل غفلةٍ فيعيدنا إلى الطريق القويم وإلى الصراط المستقيم.

      اللهم وهذا حالنا، وهذا قيامنا، وأنت سبيلنا، وطريقنا، ودعاؤنا، ورجاؤنا، ومقصودنا.

اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ لنا منك إلا إليك.

      نستعين بك ونستنصرك، نعوذ بك من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، ومن شياطيننا.

      اللهم وهذا حالنا، وهذا قيامنا.

      اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.

      اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.

      اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.

      اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

      اللهم فأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.

      اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.

      يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.

     

___________________    

(1)  مقولة للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.


 


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق