الخميس، 10 مارس، 2016

تفاعل الإنسان مع أمر الله والأثر الناتج عن ذلك هو ما يُفَعَّل على أرض الواقع

حديث الجمعة
10 جمادى الأول 1437هـ الموافق 19 فبراير 2016م
السيد/ علي رافع

      حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
      نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من الشيطان الرجيم، نتجه إليه ونتوكل عليه. نسأله رحمةً، وكرماً، وجوداً، وعطاءً غير محدود. نسأله أن يجعلنا من عباده الصالحين، الذين يجتمعون على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.
      عباد الله: كل إنسانٍ يتساءل بينه وبين نفسه ماذا يريد من هذه الحياة؟ لماذا خُلِق على هذه الأرض؟ من خلقه ومن أوجده؟ كيف يتعامل مع من يحيطون به؟ كيف يتعامل مع رغباته وشهواته؟ كيف يتعامل مع من يُحسِن إليه وكيف يتعامل مع من يُسيئ إليه؟.
      وحين جاءت الرسالات السماوية لتجيب عن هذه التساؤلات، جاءت لتجيب على تساؤلاته، لأنه في حيرةٍ من أمره، جاءت الإجابات لتتوافق مع فطرته، ليجد صدىً في قلبه يتوافق مع ما تلقّاه. 
      لكننا حين ننظر اليوم في تعامل الناس مع ما تلقّوه في الرسالات السماوية، نجد أن نظرتهم إلى آيات الله التي توضح لهم ذلك، ينظرون إليها بعيدةً عن تساؤلاتهم، ويأخذونها شكلاً وحرفاً. هذا نجده في كثيرٍ من الحياة، في أمورنا المعيشية، في علاقاتنا بغيرنا، في حكمنا على الآخرين.
      فإذا كان تساؤلنا عما أُنزِل إلينا، وكيف نتعامل مع من لم يؤمن بما أُنزِل إلينا، كيف نتعامل مع الذي يعتدي علينا؟ سوف نجد أن ما هو كامنٌ في صدور الناس تجاه هذا الأمر هو أن يعتدوا على الذي اعتدى عليهم.
      فإذا جاء النص بأن "...فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ..."[البقرة 194]*، ويتبعها "...فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ..."[الشورى 40]، فإننا في واقعنا نأخذ الجزء الأول في أغلب الأحيان، لأن الأمر الإلهيّ فيه تفاعلٌ مع ما في داخل الإنسان، فإذا نفذنا ذلك، فإننا في واقع الأمر ننفذ ما نرى أنه الخير بالنسبة لنا، ما نرى أن فيه إستقراراً للمجتمع. وإذا اجتمع الناس على أن يعفوا، فإنهم ينفذون ما رأوا هم ذلك، لأنهم قد يرون أيضاً أن ذلك فيه استقرارٌ للمجتمع.
      فما هو حكم الله إذاً؟ هل هو أمرٌ معلقٌ، ليس له علاقة بالواقع وبالإنسان، أم أن تفاعل الإنسان مع أمر الله والأثر الناتج عن ذلك هو ما يُفَعَّل على أرض الواقع؟ إن الواقع الذي نشهده هو أن ما يحدث على أرض الواقع من فعل الإنسان، هو الأثر الناتج عن تفاعله مع ما قرأه من آيات الله، ولكن لا يستطيع هو أن يقول أن هذا هو أمر الله.
      فأمر الله في كثيرٍ من الأحيان في آياته يُعطي صوراً كثيرة، ويعطي أحكاماً متعددة للأمر الواحد، وهذا هو سر آيات الله، أنها تعطي في النص الواحد حلولاً كثيرة ومتعددة، لأن في النهاية الأمر يرجع للإنسان.
      ولكننا نجد اليوم أن الكل حين يتحدث، يتحدث كما لو أن أوامر الله هي محددةٌ، لها شكلٌ واحد، ولها صورةٌ واحدة، ولها تنفيذٌ واحد وتطبيقٌ واحد، والكل يختلف ليصل إلى هذا التطبيق الواحد الذي يعتقد كل فردٍ أن ما فهمه من النص هو هذا التطبيق الأوحد. وقس على ذلك في كل الأمور.
      إن المدخل إلى التعامل مع الدين، والمنهج الذي يتبعه الكثيرون في البحث عن هذا التنفيذ الأوحد وعن هذا التطبيق المنفرد، الذي يقولون عنه أنه الدين، هو منهجٌ لا يؤدي إلا إلى أن نتصارع، وكلٌّ يدعي أن مفهومه هو التطبيق الوحيد.
      إننا كما نقول دائماً، أن آيات الله للإنسان هي آياتٌ ملهمة، مُحمَّلةٌ بطاقةٍ روحيةٍ نورانية، على الإنسان أن يتعرض لها ويتعامل معها ويتفاعل بها، حتى يُخرِج نتاج هذا التفاعل فيما يفعله، فإذا فعل يقول إني فعلت.
      وهذا أمرٌ طبيعيّ مارسه الأولون ولم يجدوا غضاضةً في ذلك، في أحكامهم وفي قضائهم وفي تفاعلهم مع قضايا عصرهم، تفاعلوا مع النصوص، وأتوا بأحكامٍ وبقضاءٍ لم يحدث في عصر الرسالة المحمدية، في الوقت الذي عاش فيه الرسول بذاته المحمدية.
      حين جاءوا بأمرٍ بعد انتقال محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلى الرفيق الأعلى، لم يقولوا أبداً أن هذا هو الدين، وإنما قالوا أن هذا ما فهمناه وما طبقناه. لذلك، جاءوا ببعض الأمور التي لم تحدث في عصر رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بذاته الأرضية. ولكن الناس بعد ذلك ألَّهوا هؤلاء، مع أن الآية القرآنية تقول "...وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ..."[آل عمران 64].
      إن الذين يرددون أن علينا أن نطبق الدين كما طبقه الأولون، وأن نفهم الدين كما فهمه الأولون، فإنهم يعطون هذه القداسة للأولين، خارجين بذلك عن "...لاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ..."، وهذه آفة هذا العصر، وكل العصور السابقة التي بدأ فيها هذا الاتجاه.
      عباد الله: إن ما نريد أن نقوله: هو أن على الإنسان أن يقرأ آيات الله ويتأمل فيها، ويجتمع مع إخوانه في الله ومع إخوانه في المجتمع، ليتواصوا بما في هذه الآيات من معاني، ليصلوا إلى إجاباتٍ عن تساؤلاتهم الحاضرة في واقعهم على أرضهم. تساؤلاتُ تنبع من واقع هذه الأرض، ومن واقع هذه الحياة، ومن واقع العصر والمكان الذي يعيشونه.
      لا يخترعون مسائلَ لا محل لها ولا أمورَ لا واقع لها، وإنما يجيبون على أسئلة واقعهم وحياتهم وحاضرهم، حتى يكونوا بذلك حقاً في معنى منهج الإسلام الذي جاء به رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ .
      عباد الله: نسأل الله: أن يعيننا حتى نكون أهلاً لرحمته، ولرسالته، ولعلمه وحكمته، وأن يوفقنا لما فيه خيرنا، ولما فيه صلاحنا.
      فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
      عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن ما جاءت به رسالات السماء ليست آيات منفصلة عن واقع الإنسان، بحيث ننظر إليها لذاتها، وإنما نتأملها ونتدبرها ونتفاعل معها من خلال الواقع الذي نعيشه، ومن خلال تفاعلنا معها وتدبرنا فيها. وليس ذلك فقط، بل وتواصينا مع إخواننا، فيما يفهمه كلٌّ منا منها، حتى نصل إلى تطبيقٍ يصل بنا إلى ما نرى أنه الحق، وأنه الخير، وأنه الأفضل والأحسن لنا ولمجتمعنا.
      وهذا هو مقصد الدين، الذي يريد بنا الحياة ويريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر، يريد بنا أن نعيش في عدلٍ، يريد بنا أن نعيش في تراحمٍ وتكافلٍ، يريد بنا أن يكون تعاملنا مرتبطاً بفهمنا في مستقبل حياتنا بعد هذه الأرض، وأن تكون حياتنا بعيدةً عن ما فيه تباغضٌ بيننا، ما فيه ما يقود مجتمعنا إلى ما هو أسفل وإلى ما هو أدنى، "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ"[النحل 90]، لعلكم تهتدون، لعلكم تسيرون في الطريق القويم.
      عباد الله: تدبروا آيات الله بعقولٍ متفتحة، وبقلوبٍ حية، وبأملٍ وطمعٍ في الله، ليهديكم سواء السبيل، وليأخذ بأيديكم إلى الخير، والصلاح، والفلاح.
      نسأل الله: أن يحقق لنا ذلك، وأن يجمعنا على ذلك.
      اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
      اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
      اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
      اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين .
      اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
      اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
      يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.
________________________

* "وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ"[الشورى 40].



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق