الخميس، 10 مارس، 2016

يجب أن نتفكر في كل قراءةٍ، في كل معلومةٍ، في كل رأيٍ، حتى لا نردد أشياءً لا نفهمها ولا نعقلها

حديث الجمعة
24 جمادى الأول 1437هـ الموافق 4 مارس 2016م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشكر دائماً لله، والصلاة والسلام دائماً على رسول الله.
عباد الله: ما نذاكر به أنفسنا دائماً هو أن نتفكر في أي قولٍ وفي أي حدثٍ وفي أي أمرٍ، بعقولنا وبقلوبنا، ولا نكون من الذين يرددون دون أن يعوا ما يرددون، ولا من الذين ينبهرون بأي قولٍ فيه خروجٌ عن المألوف، وإنما نتدبر كل هذا بما نستطيع أن نحيط به.
وهذا كما هو قائمٌ وواردٌ على من سبق، فنحن نقول دائماً أن السابقين ليسوا دائماً على حق وليسوا دائماً على خطأ وعلى باطل، إنما لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، سواء كان هؤلاء من الذين تمسكوا بحرفية الآيات والكلمات، أو من الذين خرجوا عن هذا المألوف وعن هذا التمسك.
فنحن حين ننظر في فكر بعض الجماعات المتطرفة التي تغلو في الدين، وترى أن كل ما قاله السلف هو حق، وأن علينا أن نطبق الدين كما طبقوه ـ ونحن حين ننظر إلى هذه الجماعات، نجد أن تطبيقها هو في واقع الأمر هو فهمها فيما قام به السلف، وليس في السلف أنفسهم، وإن كان هذا لا يعني أن بعض الآراء القديمة لها تأثيرٌ ضار في حاضرنا.
ولكن هذا الأمر يسري أيضاً على القديم من الفلاسفة ومن المتصوفة، أو الذين ينتسبون إلى هذا التيار، فليس كل ما قالوه يجب أن نردده أو يجب أن نطبقه، فأيضاً لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، قد نكون أقل منهم ولا نعرف ما يقصدون، ولكن هذا لا يجعلنا نردد ما يقولون دون فهمٍ ودون وعي.
 لأننا حين ننظر حتى في حديث رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فبرغم ما ناله هذا الحديث من رعاية وتدقيق، إلا أننا نجد في أصَحِّ كتب الحديث ـ بعضاً منها ـ ربما نقف أمامه ولا تستسيغه عقولنا، وقد يكون ذلك لعدم فهمنا، وقد يكون ذلك لأننا تمسكنا بحرفيته ولم ننظر إلى دلالته، وقد يكون ذلك لأن هناك من أدخله ونقله دون وعيٍ ودون فهم.
نحن نضرب هذا لنقول أن لم تحظ أي كتب أخرى من كتب التراث أو من أحاديث الأولين، بما لاقاه حديث رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ومع ذلك نجد منه من نَسَب لرسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ما لم يقله، وقد تم اكتشاف بعض هذا، وتسرب الآخر.
فإذا كان هذا قد حدث لما صدر عن رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، ألا يمكن أن يحدث لأي وليٍّ أو صالحٍ أو معلمٍ، أو أياً ما تسميه، ربما نُسِب إليه ما لم يقله، وربما هو أيضاً قد قال أمراً، فهو لا يملك الحق كاملاً، ربما خلط بين أمرٍ وأمر، أو ربما استخدم تعبيراً غير مناسبٍ في قوله لم يكن يقصد به ما تحمله الكلمات تماماً، وإنما يقصد أمراً آخر، ربما لم يقله إطلاقاً وقيل عنه.
لذلك، فالطريق الذي ندعو إليه دائماً أن علينا أن نُعمِل ما أعطانا الله من قدراتٍ وإمكانات، وأن نأخذ ما نستطيع أن نفهمه، وألا نردد ما نفهمه أو ما نرى أنه قيل بصورةٍ فيها نوع من الإحاطة، وهناك كثيرٌ من الأمثلة على ذلك.
حين يتكلم إنسانٌ عن رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، ويصف ما هو عليه، أو يخبرنا من هو، أو يخبرنا أن صفاته كذا وكذا، أو يحدثنا عن كمال صفات الله فيه بصورةٍ مطلقة، أو يخبرنا عن حالٍ له يتعالى به عن أنبياء ورسل الله، [خضت بحراً، وقف الأنبياء بشاطئه](1)، مثلاً حين يقول قائلٌ ذلك، ربما هو يقصد أمراً فيه مبالغة لما هو حاله مع الله وإحساسه بالله، هذا شأنه.
وإنما إن نظرت إلى هذه الكلمات على أنها ما تحمله بحرفيتها، فليس هناك ردٌ إلا وكيف هو أحاط بكل الأنبياء والرسل، وكيف عرف مقاماتهم، بل وكيف عرف مقامه، وكيف يتوافق ذلك مع ما أُمِرنا به من أن نتواضع لله، ومع ما أُمِرنا به من خشية الله، وما كان عليه رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ [أنا أقربكم من الله وأخوفكم منه](2)، [ها أنا رسول الله بينكم، ولا أدري ما يفعل بي غدا](3)؟ هناك أحاديثٌ كثيرة يعبر بها الرسول عن الحال الذي يجب أن نكون عليه، ويضرب لنا مثلاً في ذلك.
فهنا ندرك أننا لا يجب أن ننبهر بهذه الكلمات، أو أن نرددها دون وعيٍ ودون فهم، بل أن علينا أن نتَّبع منهج رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ منهجٌ قائمٌ على العبودية لله، على التواضع لله، على خشية الله، على أن ندرك معنى "...وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ.."[آل عمران 28].
وكما شرحناها قبل ذلك، فإن هذا الإحساس بالعظمة في الإنسان هو من القوانين الإلهية، أن الإنسان قد يصل إلى هذا الحال. وحين نتحدث عن نفس الله في هذه المقولة، فإنها قوانينه، وقوانينه فيها كل شيء، فيها أن يشعر الإنسان بالتواضع لله وأن يشعر الإنسان بالعظمة، فيجب على الإنسان أن يتعامل مع كل هذه القوانين.
تعامله مع هذه القوانين هو في أن يتوازن بينهم، أن يتعلم حين يرى نفسه في عظمتها أن يتواضع لله، "...إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ"[لقمان 18]، وفي نفس الوقت إذا شعر الإنسان بضآلته وافتقاره يتذكر مقولة: [ما ظهر الله في شيءٍ مثل ظهوره في الإنسان](4)، وأن الإنسان حمل الأمانة، وأن بما فيه من ضآلة إلا أنها تُمَكِّنه من أن يفعل الكثير، فليُقدِّر ما فيه من طاقة على ضآلتها وعلى قلتها، فلا ييأس من روح الله، وإنما بما فيه من هذا القدر من الحياة يمكنه أن يفعل الكثير.
لكل حالٍ مقال، ولكل حالٍ آية، ولكل حالٍ سلوك، فواجبٌ علينا أن نتعلم هذه الآيات التي تُقَوِّم سلوكنا وتُيَسِّر طريقنا، فلا ننسى ضعفنا ولا ننسى قدرتنا، نخشى الله دائماً، ونعتز بالله دائماً، فإنما "...لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ..."[المنافقون 8].
لا نعتز بأنفسنا، وإنما بما أودع الله فينا من أمانة الحياة، بها نحن قادرون، وإذا اغتررنا بها فنحن خاسرون، وهكذا نتوازن بين افتقارنا إلى الله وبين عزتنا بالله، نقول ذلك حتى نستفيد من كل قولٍ، فنقرأه ونتعلمه في إطاره الصحيح، دون إفراطٍ أو تفريط.
عباد الله: إن الدين لواقع، واقعنا، حياتنا، وجودنا، إدراكنا، إرادتنا، طاقتنا، عقلنا، قلبنا، جوارحنا، عملنا. إنا نعيش على هذه الأرض، هذا هو واقعنا، وعلينا أن نختار طريقنا، واختيارنا نابعٌ من إرادتنا ومن إدراكنا، وليس من شيءٍ آخر.
لذلك، نجد الناس في طرقٍ عدة، "...جَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا..."[الحجرات 13]، فتجد إنساناً يستريح لطريقٍ ما، وتجد إنساناً آخر لا يستريح إليه، تجد إنساناً يسمع رأياً فيتوافق معه، وآخراً يسمع نفس الرأي فيختلف معه، كل إنسانٍ هو قيامٌ قائمٌ بذاته، كيانٌ قائمٌ بذاته، عالمٌ قائمٌ بذاته، واختياراته هي دينه، هي طريقه، وهو مسئولٌ عن ذلك.
لذلك، فنحن نتحدث دائماً عن ذاتية الإنسان، عن كينونة الإنسان، عن عالم الإنسان. لا يستطيع أي إنسانٍ أن يتبع إنساناً آخر أو رأياً آخر، وأنه إذا تصور ذلك، فإن هذا من الوهم، هو اختار الطريق الذي يريده، والذي يأمن إليه ويطمئن إليه.
والآيات توضح لنا ذلك "إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ..."[البقرة 166]، ويوم يتبرأ الشيطان من الذين اتبعوه، "...مَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم..."[إبراهيم 22]، "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ"[الزلزلة 8،7].
فإذا تصور أي إنسانٍ أنه يُلقِي بتبعية ما يفعله على آخرٍ، فهو واهمٌ، لأنه ما رمى هذه التبعية إلا لأنه يريد ما أراد، بل أن الحق حين يخاطبنا يعلمنا أيضاً ذلك، "...وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"[النحل 118]. ومن هنا لا يستطيع الإنسان أن يتخلى عن مسئوليته، ولا يستطيع أن يلقي بتبعات عمله على الآخرين.
لذلك، فإن "..كُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ..."[الإسراء 13]، [كلكم راعٍ، وكلكم مسئولٌ عن رعيته](5)، إننا نركز على ذلك حتى لا نخرج عن طريق الجادة، بل نكون دائماً في دعاء "اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ"[الفاتحة 6]، فلا تأخذنا أي أفكارٍ أو أي قراءاتٍ خارج طريق الهداية والاستقامة، وإنما دائماً نرجع إلى ما نرى نحن أنه الحق، والطريق المستقيم هو أن يتوافق الإنسان مع ما يعقله وما يطمئن إليه قلبه في طريق الحياة.
عباد الله: نسأل الله: أن يوفقنا لذلك، وأن يجعلنا أهلاً لذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
ما أردنا أن نُذكِّر به أنفسنا اليوم: هو أننا حين نقرأ، علينا أن نتفكر فيما نقرؤه، وأن نسأل أنفسنا ما هذا الذي يقوله من نقرأ له، هل يخبرنا عن أمرٍ ينفعنا، أم يخبرنا عن معلومةٍ مؤكدة، أو يخبرنا عن ظن، أو يخبرنا عن رأي.
وإذا كان يخبرنا عن معلومةٍ مؤكدة، فكيف أكدها وكيف عَلِمَها؟ وإن كان يحدثنا عن رأي، فما هي مبرراته، وكيف نستفيد منه؟ أما إن كان عن ظن، فلماذا هذا الظن، ولماذا نتبع الظن؟
يجب أن نتفكر في كل قراءةٍ، في كل معلومةٍ، في كل رأيٍ، حتى لا نردد أشياءً لا نفهمها ولا نعقلها، أو نردد أموراً على أنها معلوماتٍ حقية، دون أن نعرف كيف وصل من قالها إليها، وما فائدتها.
نريد أن نكون دائماً متفكرين فيما نقرؤه، متدبرين له، غير مسلمين قيادنا لأي فكرةٍ دون أن نكون مدركين لها، ولا أن نردد قولاً لأنه صدر من أي مصدرٍ، دون أن نعرف صحة هذا المصدر وفائدة ما نردده، وهل نعقله أم لا نعقله.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون عباداً له صالحين، متفكرين، متدبرين، لطريقه سالكين، ولوجهه قاصدين.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.
 _____________________

(1)           مقولة لأبي يزيد البسطامي: "خضنا بحراً وقف الأنبياء على ساحله".

(2)           "إني أتقاكم لله وأخشاكم له" حديث شريف أخرجه مسلم في صحيحه كما ورد في موطأ مالك ومسند أحمد بصيغ مختلفة.

(3)    حديث شريف، نصه (قال صلى الله عليه وسلم: "هذا أنا رسول الله، والله ما أدرى ما يصنع بي")، وفى رواية أخرى: "قال صلى الله عليه وسلم: ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل بى ولا بكم". (أخرجه احمد ابن حنبل - مسند أحمد بن حنبل).

(4)    مقولة صوفية.

(5)    جاء بسنن الترمذي: ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم أنه‏ ‏قال ‏" ‏ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه ، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"‏.

 


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق