الأحد، 6 مارس، 2016

وجود الجانب الناريّ الذي يدعو الإنسان إلى الهلاك يُحفِّز الجانب الرحمانيّ ليقوَى أكثر


حديث الجمعة
 14 ربيع أول 1437ه الموافق 25 ديسمبر 2015م
السيد/ علي رافع

      حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.

      الحمد لله الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.

      "...الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ..."[الأعراف 43].

      عباد الله: إن كل إنسانٍ يُهدَى لما هو له أهل، "...أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى"[طه  50]. وكل إنسانٍ يرى فيما هداه الله إليه أنه الطريق الذي عليه أن يسلكه، وقد يجد أنه ينحرف عن هذا الطريق، وهو يشعر بفضل الله عليه في أن هداه طريقاً يرضاه، ويشعر أنه في حاجةٍ إلى رحمة الله حين يرى نفسه منحرفاً عن هذا الطريق. لذلك كان الدعاء في الفاتحة، "اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ"[الفاتحة 7،6].

      حين يكون الإنسان كذلك، معترفاً بنعمة الله عليه وبفضله عليه، وفي نفس الوقت يخشى الله ويستغفر الله ويتوب إلى الله ولا يبرئ نفسه، فإن النفس أمارةٌ بالسوء. يوم يعيش في هذين الحالين، بين إحساسٍ بفضلٍ ونعمة وتوفيقٍ من الله، وفي إحساسٍ برهبةٍ وخشية أن يضل سبيله في طريق الله، يكون بذلك قد استمسك "...بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا..."[البقرة 256].

      ويكون قد سار في طريق رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وهو يعلمنا ذلك، [إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم سبعين مرة، أأغيان أغيارٍ يا رسول الله، بل هي أغيان أنوار](1)، ويقول لنا أيضاً: [ها أنا رسول الله بينكم ولا أدري ما يُفعل بي غدا](2)، [لا يدخل الجنة أحدكم بعمله، حتى أنت يا رسول الله؟ حتى أنا، ما لم يتغمدني الله برحمته](3).

      فالاستقامة ليست في جانبٍ واحد، ليست في جانبٍ يظن فيه الإنسان أنه قد اهتدى، أو في جانبٍ آخر يظن فيه الإنسان أنه قد ضل. فكل إنسانٍ عنده من الهداية قدرٌ، وعنده من الضلال قدرٌ أيضاً، وهذا هو الذي يميز الإنسان عن باقي الكائنات، أنه يجتمع فيه الخير والشر، الحق والباطل، النور والظلام.

      وكما نذاكر دائماً، أن هذه الازدواجية والاثنينية في الإنسان، إنما هي لصالح الإنسان في طريقه الحقيّ، فالظلام قد يؤدي بالإنسان إلى التهلكة، وفي نفس الوقت ربما يساعده على أن يكون في طريق الحق والهداية والنجاة، هذا هو قانون البشرية.

      فيوم خلق الله آدم وإبليس كان هذا هو القانون، فقال إبليس لله "..فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ"[ص 82]، وقال له الحق إلا عبادي المخلصين*. والمعنى هنا ليس أن عباده المخلصون لن يحاول إبليس معهم، فهو يحاول مع الجميع، وإبليس هنا يتعامل مع الإنسان من خلال نفسه الأمارة بالسوء، [إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم](4).

      فوجود هذا الجانب الناريّ الذي يدعو الإنسان إلى الهلاك ـ وجوده في الإنسان ـ يُحفِّز الجانب الرحمانيّ ليقوَى أكثر، فيكون بذلك قادراً على مواصلة الحياة بصورةٍ أفضل وأكرم، إنه قانونٌ موجودٌ في الطبيعة.

      فحين تهاجم الكائنات المضرة الإنسان في وجوده الفيزيقيّ الماديّ، فإنها تُحفِّز جهاز المناعة فيه ليقاومها، وقد يحتاج الإنسان إلى عونٍ خارجيّ ليستطيع أن يقاوم هذه الكائنات، فإذا قاومها، تكوَّن في جسمه أجساماً مضادةً لمثل هذه الكائنات إن أصابته مرةً أخرى. إن هذا الذي يحدث في العالم الماديّ يحدث أيضاً في الجانب الباطنيّ الروحيّ.

      فحين يحدثنا الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ [كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون](5)، [إن لم تذنبوا وتستغفروا، لأتى بقومٍ آخرين يذنبون ويستغفرون، فيغفر الله لهم](6). إن الذنب هنا كالكائن الضار الذي يصيب الإنسان، فإذا استعان الإنسان بالله على ذنبه وعلى غفلته، قوَى جانب الحق فيه.

      وهناك ضرورةٌ من أن يكون الإنسان في اتجاهٍ إلى الله، وفي دعاءٍ لله، وفي استعانةٍ برحمة الله وبفضل رسول الله، حتى يستطيع أن يتغلب على هذا الذنب الذي يصيبه، على هذه الغفلة التي قد يمر بها. والخطورة كل الخطورة أن يتكبَّر الإنسان ولا يلجأ إلى الله، وينسى دعاء الله وينسى أن يقيم صلةً بالله، فتتمكن هذه الذنوب منه وتجرُّه إلى الهاوية.

      إنه قانونٌ موجودٌ في الأرض، إن تأملت وجدته في كل شيء، قدرٌ من الظلام قد يكون وسيلةً لإيقاظ الإنسان، فإذا زاد عن حده، مع عدم استعانة الإنسان بمن هو أقدر منه، ربما تؤدي إلى هلاكه. لذلك كانت الدعوة للإنسان أن يتجه إلى الله وأن يُكبِر قيامه الحقيّ في الله، تسير جنباً إلى جنبٍ مع توعية الإنسان بمعنى الاستغفار وبقيمة الاستغفار الدائم وبإمكانية الإنسان أن يقع في ظلام، وبمعالجة هذا الوقوع بالتوبة والاستغفار وباللجوء إلى الله.

      عباد الله: نسأل الله: أن يساعدنا أن نكون في دعاءٍ له دائم، وأن يعيننا على ظلام نفوسنا وغفلة قلوبنا، وأن يجعلنا أهلاً لرحمته، وأهلاً لنعمته، وأهلاً لحكمته. كان فضله علينا عظيما، وكانت رحمته بنا كبيرة. وبرحمته نسأله أن يعيننا دائماً، وأن لا يجعلنا نغتر بما نحن فيه، إنما نفتقر إليه ونتجه إليه ونتوسل بجاه رسوله لديه، وأن يجعلنا عباداً له مفتقرين، عباداً له صالحين، دائماً مستغفرين، ودائماً تائبين.

      فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.

________________________

      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

      عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أننا ونحن نحمد الله على فضله علينا، وعلى ما أكرمنا به من علمٍ وحكمة، ومن طريقٍ نجتمع فيه على ذكر الله، ونتواصى فيه بالحق وبالصبر ـ إلا أننا لا نبرئ أنفسنا، وندعو الله دائماً أن يعيننا على ظلام نفوسنا.

      فنحن ندرك أن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، ولا نستطيع أن نقول أننا تخلصنا منه أو تغلبنا عليه، فالله أعلم بذلك. وإنما ونحن في هذا العالم المقيد سنظل دائماً نخشى الله، ولا نبرئ أنفسنا، ونستغفر الله دائماً عما نعلم وعما لا نعلم، وفي نفس الوقت نذكر فضله علينا. ونحمده حمداً كثيراً.

      وكما نذاكر دائماً، أن كل حمدٍ في باطنه استغفار، وفي كل استغفارٍ باطنه حمد. فحين نحمد الله فإننا نذكر أيضاً ما في أنفسنا من قصور، ففي داخل الحمد استغفار، نحمده على أننا لم ننسى ذلك، وإنما نذكره، نذكر ضعفنا وقلة حيلتنا. ونحن نستغفر نحمد الله أننا نستغفره، فلم ننسى أن نستغفر، ولم ننسى أن نلجأ إليه، وأن نعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

      هذا ما أردنا أن نُذكِّر أنفسنا به اليوم، ليكون ذلك طريقنا الذي نسير فيه، متجهين دائماً إلى الله، مستقبلين قبلتنا، مدركين أن لا حول ولا قوة إلا بالله، وأننا علينا أن نسأل الله دائماً ونرجوه دائماً ونطلبه دائماً، في كل لحظةٍ وفي كل حين.

      اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.

اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.

      اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.

      اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.

      اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.

      اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.

      اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.

      يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.        

___________________    

(1)   الحديث الشريف كما أخرجه مسلم هو :" إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ". الجزء الثاني هو ما قيل عن رؤية للإمام أبي حسن الشاذلي حيث رأى الرسول صلى الله عليه وسلم .


(2)   حديث شريف ، نصه (قال صلى الله عليه وسلم :"هذا أنا رسول الله , والله ما أدرى ما يصنع بي" ) ، وفى رواية أخرى " قال صلى الله عليه وسلم :ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل بى ولا بكم" .(أخرجه احمد ابن حنبل- مسند احمد بن حنبل).


(3)   "لا يُدخل أحدكم الجنة عمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة وفضل" حديث شريف رواه أحمد بهذا اللفظ ورواه البخاري ومسلم هكذا "سددوا وقاربوا وابشروا فإنه لن يُدخل الجنة أحدكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمه ".


 *"إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ، إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ   الْغَاوِينَ"[سورة الحجر 42:40].


(4)   جاء الحديث في مسند أحمد بن حنبل بصيغ متعددة منها " ليس منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الشياطين قالوا وأنت يا رسول الله قال نعم ولكن الله أعانني عليه فأسلم " . وأيضاً " ما منكم من أحد إلا ومعه قرينه من الملائكة ومن الجن قالوا وأنت يا رسول الله قال وانا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم ولا يأمرني إلا بخير " وكذلك: " فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم قلنا ومنك يا رسول الله قال ومني ولكن الله أعانني عليه فأسلم " كذلك جاء بصيغ مختلفة عند مسلم والترمذي والنسائي والدرامي .   


(5)   قال صلى الله عليه وسلم: "كل بنى آدم خطاء وخير الخطائين التوابون"، أخرجه أحمد بن حنبل والترمذى ـ الجامع الصغير جـ2 صـ92.


(6)   "إن لم تذنبوا وتستغفروا لأتى الله بقوم آخرين يذنبون ويستغفرون فيغفر الله لهم" حديث شريف أخرجه مسلم.


 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق