الخميس، 12 مايو، 2016

كل إنسانٍ هو عالمٌ قائمٌ بذاته، له سماؤه، وله أرضه، له ما يعبده

حديث الجمعة
2 جمادى الثاني 1437هـ الموافق 11 مارس 2016م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا  رسول الله.
عباد الله: [إن في أيام دهركم لنفحات، فتعرضوا لها](1)، تعرضوا لها بأن تعدوا أنفسكم لتلقيها، بذكر الله، وبالتدبر في آيات الله، وبإدراك أن وجودكم ليس عبثاً. وقد عبرت آيات الله عن هذا الحال في عباد الله، "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"[آل عمران 191].   
هؤلاء العباد أدركوا معنى "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"[الذاريات 56]، أدركوا أن يعبدون هي في أن يُفَعِّلوا كل ما أعطاهم الله من طاقاتٍ وإمكانات.
أعطاهم طاقة الذكر، والذكر هو أن يُذكِّروا أنفسهم بمعنى وجودهم، أن يُذكِّروا أنفسهم بأنهم موصولون، "وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى"[الأعلى 15]. الذكر أن نذكر اسم ربنا، والاسم هو دلالة على معنى وعلى كيان وعلى قوة. والكون هو اسم الله، هو مظهر الله، فإذا اتجهنا إلى هذا الكون بكل ما فيه، فإننا نذكر اسم الله، "قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى..." [الإسراء 110]، فادعوه بها*.
فالأسماء هي تجليات تنير لنا الطريق، نذكرها فنصلي، فإذا ذكَّر الإنسان نفسه دائماً باسم الله فإن هذا هو الذكر الحق، والذكر هو صلة وارتباط بين العبد وربه، وهذا هو ما نفهمه في معنى، "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ..."، وهذا هو الشق الأول في الآية.
والشق الثاني "...وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..."، والتفكُّر هو بإعمال العقل، التفكُّر يأتي تحته كل علمٍ، وكل معرفةٍ، وكل فهمٍ، وكل إدراكٍ، كل بحثٍ، وكل تطويرٍ، وكل اختراعٍ، وكل كشفٍ. هو إدراك أن ما تستطيع أن تغيره على هذه الأرض هو باتباع قوانينها وباحترام أسبابها، وأنك بذكرك تكون أهلاً لأن تكتشف بعضاً من هذه الأسباب، "...لاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء..."[البقرة 255].
وهذا الذي يجعلنا نعيش بين الغيب والشهادة، فذكرنا ارتباطٌ بالغيب، وتفكُّرنا هو قيامٌ في الشهادة، تفكُّرنا في خلق السماوات والأرض هو الشهادة، فالسماوات والأرض مشهودةٌ لنا، والشهادة هي أمرٌ نسبيّ، لأن ما نشهده على الأرض هو ما نستطيع أن نراه بحواسنا، وحواسنا محدودة.
لذلك، فإن الإنسان يحاول دائماً أن يُقوِّي من هذه الحواس بأدواتٍ يطورها ويبدعها، ليرى كائناتٍ دقيقة فيتعلم مما يراه، وليرى كائناتٍ بعيدة ليتعلم مما يراه، وهو بما يطوره ويبدعه لا زال في حدودٍ ضيقةٍ جداً، حتى فيما هو موجودٌ في عالم الشهادة.
لذلك، فهو في سعيه، وفي تفكُّره في خلق السماوات والأرض، هو جهادٌ بلا نهاية، وهو بحثٌ مستمر طالما هو قائمٌ على هذه الأرض. وهذا الذي يفعله الإنسان هو عبادة الله، ذكره عبادة، وتفكُّره عبادة.
وإدراكه أن هذا السعي وهذا التفكُّر وهذا الذكر له أثرٌ في حياته الممتدة، هو إدراكٌ يصل إليه لأنه يعلم أن "...رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً..."، ولأنه يعلم أن الذي يفرط فيما أعطاه الله فإن مصيره هو الموت، أما الذي يُفَعِّل ما أعطاه الله من نعم فإن مصيره هو الحياة.
وما كان الدعاء "...فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"، إلا تعبيرٌ عن أن يكون الإنسان حياً ولا يكون ميتاً، لا يكون وقوداً لنارٍ، "...نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ..."[التحريم 6]، يظل محافظاً على كينونته في حياةٍ ممتدة ولا يفقد هذه الكينونة، وهذا إدراك عباد الله الصالحين وليس إدراك كل الناس، هذا فهمٌ يقوم في الإنسان يوم يتدبر، ويوم يتفكَّر، ويوم يذكر أولاً.
وهناك من الناس من لا يرون ذلك ولا يعتقدون في ذلك، وهذا واردٌ، فسبحان الذي أودع في كل قلبٍ ما أشغله، والناس مختلفون في قدراتهم وفي أفكارهم وفي أحاسيسهم، لا يمكننا أن نقول أن الناس يجب كلهم أن يفهموا كذا وكذا، إنما كلٌ يذكِّر بما يفهمه وبما يدركه.
وكما نقول دائماً أن الله يوم خلق الخلق، جعل كل كائنٍ له ما يميزه، ولم يجعل الناس جميعاً صورةً واحدة، قد نكون جميعاً نملك نفس الذوات ومكوناتها، لنا عقولٌ، ولنا قلوبٌ، ولنا أجسادٌ، ولنا قدراتٌ ـ ولكن هذه القدرات تتباين، والعقول تختلف، والاتجاهات قد تتعارض، والأهداف قد تتصارع.
لذلك، فإن الإنسان يقوم فيما يؤمن به هو، بإدراكه وبفهمه. فكل إنسانٍ هو عالمٌ قائمٌ بذاته، له سماؤه، وله أرضه، له ما يعبده، فإذا أخلص في عالمه، فإنه يحقق ذاته، وعليه دائماً أن يطور من هذه الذات، ومن تفكيرها، ومن أعمالها، ومن مداركها ـ ليكون في منهج الحياة.
عباد الله: هكذا نفهم معنى العبودية لله الحقة. إن العبودية لله لها وجوهٌ كثيرة، فكل الكائنات بمعنى خلقها، تحمل معنىً من معاني العبودية، "إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا"[مريم 93]، وهذا وصفٌ يصلح لكل شيء، يصلح للإنسان، وللجماد، وللنبات، وللحيوان، ولكل الكائنات، "إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا".
أما الإنسان الذي حمَل الأمانة، فإن للعبودية وجهٌ مضاف، وهو ما تحدثنا فيه من معنى الذكر والتفكر. وفي آياتٍ أخرى، يضاف إلى ذلك العمل الصالح، بل أن العمل الصالح في بعض الآيات يشير إلى الذكر، وإلى التفكُّر، وإلى العمل بالجوارح أيضاً. لذلك نجد آياتٍ كثيرة "...مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً..."[البقرة 62].
عباد الله: إن ديننا، إن دين الحياة، هو دين ذكر، ودين تفكُّر، ودين عمل، وإن كل ما أُمِرنا به من عبادات ما هي إلا وسائل لتساعدنا على أن نحقق هذه الأحوال، أن نكون في حالٍ من الذكر، وفي حالٍ من التفكُّر، وفي حالٍ من العمل الدائب في مناحي حياتنا، لنكون بذلك في طريق الله، الذي ندعو الله دائماً في كل صلاة "اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ"[الفاتحة 7،6].
نسأل الله: أن يجعلنا عباداً له صالحين، في طريقه سالكين، ولوجهه قاصدين، ومعه متعاملين، وعنده محتسبين.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصلاة على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو أن معنى العبودية لله هو في محاولتنا أن نعيش على هذه الأرض في تفاعلٍ مع قوانينها وأسبابها، سواء كان ذلك في باطننا أو في ظاهرنا.
قانون هذه الأرض في الباطن هو أن نكون في ذكرٍ لنكون في وصلةٍ مع الله، الذين يذكرون الله، "وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى". وفي الظاهر أن نكون في تفكُّرٍ في خلق الله، "...وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..."، تفكرهم يقودهم إلى معرفة قوانين هذه الأرض، فيتعاملون من خلال هذه القوانين ليغيروا ما بأنفسهم، وليغيروا ما حولهم، "...إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ..."[الرعد 11].
وإدراك الإنسان أن كل ذلك ما خُلِق باطلاً، هو أدراكٌ يجيئ من نظرته إلى الكون، ولما هو قائمٌ فيه، ولخضوعه لقوانينٍ لا تتغير ولا تتبدل ـ مما يجعله يشعر بأن وجوده هو جزءٌ من هدفٍ أكبر ومن وجودٍ أعظم، وهذا معنى "...رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً...". هذا الحال قد يصل إليه إنسان، وقد لا يصل إنسانٌ آخر.
وقد يظن إنسانٌ أنه يعيش هذه الحياة بصورةٍ لا معنى لها، وأنه يؤدي ما عليه لأنه قائمٌ عليها، وأنه ينفذ أوامر الله لأنه أمَر بها، دون أن يعكس هذه الأوامر إلى داخله وإلى ما يُصلِحه وما يغيره، إنما يرى فيها أوامراً قائمة بذاتها، وقد يرى إنسانٌ آخر أمراً آخر.
تتباين الرؤى، وتختلف الاختيارات، وتتصارع الاتجاهات، كلٌّ له هدفه، وكلٌ له رؤيته، سبحان الذي أودع في كل قلبٍ ما أشغله، بل أن كل إنسانٍ قد يُجسِّد ربه فيتصوره في صورةٍ ما، والله يعلمنا أن "...لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ..."[الشورى 11]، ويدعونا أن نُكبِّره، وأن نُكبِره عن أي صورةٍ أو شكل.
في كل أذانٍ نُكبِّر الله، وفي كل صلاةٍ نبدأ بتكبير الله، الله أكبر، وفي كل عيدٍ نُكبِّر الله كثيراً، [الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا]، فإكبار الله عن أي صورةٍ وعن أي شكل، يجعل الإنسان لا يفكر في أن يُجسِّد الله أو أن يتصور إرادته، إنما هو يعلم أن هدف وجوده المطلق لا يعلمه إلا الله.
إنما هو يبدأ بنفسه، يبدأ بوجوده، يبدأ بحياته، وسوف يرى أن عبوديته لله هي أمرٌ ضروريّ لوجوده على هذه الأرض، فلو أنه لم يتجه إلى الله بذكره، فإنه قد لا يستطيع مواصلة الحياة، فقد تتراكم عليه الكروب والفتن، فلا يستطيع أن يتحملها إن لم يكن في اتجاهٍ إلى الغيب يطلب قوةً ويطلب عزماً ويطلب رحمةً.
ولا يستطيع أن يعيش على هذه الأرض إن لم يكن يفكر في أدوات التواجد عليها وفي أسباب الوجود عليها، ليعرف كيف يحصل على طعامه، وعلى مسكنه، وعلى ملبسه، وعلى ما يعينه يوم يصيبه مرض، أو تحدث به أي كارثةٍ. إنه يبحث دائماً عن وسائل للعيش على هذه الأرض.
فعبوديته لله ملازمةٌ لوجوده. إدراكه لهذا التلازم ولهذا القانون الذي يراه في كل شيء، يعلم أن وجوده هذا به طاقةٌ لا تموت بموته، ولا تنتهي بانتهاء جسده، وهذا معنى الذين يؤمنون باليوم الآخر، وهناك من لا يؤمنون بذلك.
فلذلك، نقول دائماً أن الإيمان هو أمرٌ إنسانيّ شخصيّ، كل إنسانٍ له إيمانه وله عقيدته، وقد يصل الإنسان إلى ذلك وقد لا يصل. وليست القضية أن يقول الإنسان بلسانه أنه يؤمن بالله واليوم الآخر، فهذا ليس المقصود من الإيمان، إنما الإيمان أن يكون هذا هو حاله وقيامه وسلوكه.
عباد الله: نسأل الله: أن يحقق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
     اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.     
     اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
     اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
     يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.
_____________________

(1)  "إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها ". الراوي: أبو هريرة، المحدث: العراقي – إسناده مختلف فيه.

* "وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا..."[الأعراف 180].


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق