الخميس، 12 مايو، 2016

إحساس الإنسان بأنانيته وأنه هو الحق المطلق هو شركٌ عظيم

حديث الجمعة 
9 جمادى الثاني 1437هـ الموافق 18 مارس 2016م
السيد/ علي رافع

      حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
            نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ونعوذ به من الشيطان الرجيم.
        نسأله رحمةً وكرماً ومغفرةً وقوةً ومدداً، لنكون أهلاً لرحماته ونفحاته، فنكون عباداً له خالصين صالحين، طريقنا سالكين، ووجهه قاصدين، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولا توفيق إلا من عند الله، ولا نجاة إلا برحمة الله.
        عباد الله: رحمة الله وسعت كل شيء، رحمته للناس جميعاً فهو رب العالمين، يغفر الذنوب جميعاً، "إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء..."[النساء 48]. فما هو الشرك في هذه الآية؟ الصوفية قالوا: [وجودك ذنبٌ لا يُقاس به ذنب](1)، فإحساس الإنسان بأنانيته وأنه هو الحق المطلق هو شركٌ عظيم، لأن الإنسان بذلك جعل نفسه رباً للعالمين.
        أما الإنسان الذي يعلم أن كل إنسانٍ له قدرته، وله فهمه، وله إدراكه، وله سعته، "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ..."[البقرة 286]، الإنسان الذي يرحم الآخرين لا يتكبر عليهم، ولا يحكم عليهم، وإنما يقبلهم فهم خلق الله، وقد علمنا الله في كتابه أن نكون رحماء.
        "وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا"[الفرقان 63]. عباد الرحمن يرحمون من في الأرض، لا يتكبرون عليهم، ولكن يقولون لهم سلاماً، فهم وإن أدركوا أن فهمهم يختلف مع هؤلاء الذين يجهلون الكثير، إلا أنهم يدركون أيضاً أن هذا قَدْرُهم، وهذا فهمهم، وهذه سعتهم.
        وقولهم سلاما يعني أنهم لا يصنعون معهم صراعاً ولا حرباً ولا كراهيةً، وإنما يعطونهم مما أعطاهم الله، لعل الله يكشف عنهم جهلهم ويعلمهم أكثر، لعلهم يفيقون إلى معنى الحق فيهم، فيتسعون قليلاً، فيتعلمون مما يرون ومما يشهدون ومما يسمعون، فيقِلّ جهلهم ويزيد علمهم.
        إنا إذا نظرنا في هذا التأمل، لوجدنا أن الذين يؤلِّهون أنفسهم ليسوا هم فقط الطغاة، الذين يتجبرون ويتكبرون ويستغلون الناس، ويريدون أن يحققوا أطماعهم الدنيوية والمادية والنفسية بجبروتهم وبتحكمهم وبطغيانهم، ليسوا هم فقط هؤلاء، إنما هم الذين يتكلمون باسم الدين، فيجعلون من أنفسهم أوصياء على هذا الدين، ويجعلون من أنفسهم متكلمين باسم الله، فكلامهم كلام الله، وإرادتهم إرادة الله، وفهمهم فهم الله، وعملهم عمل الله ـ إنهم بذلك جعلوا أنفسهم آلهةً.
        وهذا ما رأيناه في كل العصور وفي كل الديانات. تظهر فئةٌ من الناس تنسب إلى أنفسها الحقيقة المطلقة، فهم الذين يتحدثون باسم الدين، وهم الذين يعرفون الدين، وهم الذين يُدخِلون الناس الجنة، وهم الذين يُخرِجون الناس من النار، وهم الذين يعلمون والآخرون لا يعلمون، وهم الذين يفقهون والآخرون لا يفقهون، هم الذين يرحمون ويعذبون، وهم الذين يحكمون بين الناس، يجعلون هذا مؤمناً وهذا كافراً.
        ظهرت هذه الفئة في كل الديانات، ولا زالت تظهر إلى الآن. لذلك، فالقضية ليست أن تقول أنني مؤمن، وليست القضية أن تقول هذا حلال وهذا حرام، ولا أن تقوم في مناسك أو في عبادات، أو أن تؤدي معاملاتٍ بشكلٍ ما، فكل هذا لا يعفيك ـ إن كنت تعتقد أنك الوحيد الذي على صواب ـ من أن تكون في معنى "إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ...".
        ومعنى ذلك أيضاً ـ إذا أدركنا في تأملنا ـ أنك بذلك لا تكون أهلاً لمغفرة الله ولا لرحمة الله؛ لأنك لا تعترف بضعفك، ولا تعترف بافتقارك، ولا تعترف بأنك ربما تكون في مسلكٍ على خطأ وأن الآخرين قد يكونون على صواب. عدم اعترافك بذلك، وعدم تواضعك، وعدم افتقارك إلى الله، "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ"[فاطر 15] ـ إنك بذلك تضع حجاباً من ظلام يحول بينك وبين نور الله ورحمة الله وفضل الله، "...وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"[النحل 118].
        فرحمة الله وسعت كل شيء، ونور الله نور السماوات والأرض، ومغفرة الله لكل إنسان، ولكن الإنسان هو الذي يصنع حجاباً من ظلامٍ يحول بينه وبين هذا النور وهذه الرحمة وهذه المغفرة. إن المدخل إلى الاستغفار هو الاعتراف بأنك أذنبت، والذنب هو ذنبٌ نسبيّ.
        الذنب هو مفهومٌ في معنى أنك أتيت بفعلٍ سبَّب قوةً مظلمة لوجودك أو لمن حولك. واستغفارك هو أن تطلب من الله قوةً لتزيل هذا الظلام الذي أحدثته سواء في نفسك أو فيمن حولك، وهذا بعد أن تكون اعترفت بذلك، وأدركت ذلك، فمحاسبة النفس هي ضروريةٌ وخطوةٌ أساسية حتى تطلب الاستغفار.
        وتهيئتك لنفسك لاستقبال قوة المغفرة أساسية حتى يتحَوَّل استغفارك إلى واقع. وتَحَوُّل الاستغفار إلى واقع، هو أن تتغير إلى حالٍ تكون فيه مصدر نورٍ وليس مصدر ظلام، وأن تراقب نفسك، فربما يصيبك ظلامٌ يتطلب منك أن تراقب نفسك مرةً أخرى، في أن لا ينعكس هذا الذي أصابك على نفسك أو على من هو حولك، فتستغفر، وتستغفر، وتستغفر، [إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم سبعين مرة، أأغيان أغيار يا رسول الله؟ بل هي أغيان أنوار](2).
        هكذا نتعلم ديننا. دينٌ يساعدنا أن نكون في تراحمٍ بيننا، في تكافلٍ بيننا، نخدم بعضنا بعضا، ويساعد بعضنا بعضا، مجتمعٌ يدعو إلى الخير، ويدعو ويأمر بما هو معروفٌ أنه الأفضل، وينهى عما هو منكرٌ، لأنه يؤدي إلى أسوأ وإلى ظلام.
        هذا التفاعل مع آيات الله في واقع الحياة، هو تطبيق الدين في الحياة، ليس في تطبيق شكلٍ أو صورةٍ أو حكمٍ، وإنما هو التفاعل مع آيات الله وواقع الحياة، هذا التفاعل هو تطبيق الدين. أما الذين يبحثون عن شكلٍ يطبقونه أو عن صورةٍ ينفذونها، ويرسمون صورةً من خيالهم ومن أفكارهم ومن مفاهيمهم، ظانّين أنها الصورة الوحيدة ـ إنهم بذلك يضعون أنفسهم آلهةً، يريدون أن يطبقوا ما يتصورون.
        ولو أنهم افتقروا إلى الله، ورجعوا إلى الله، وتواضعوا لله، واحترموا أبناء مجتمعهم وإنسانيتهم، فسمعوا واستمعوا إلى ما يقول الكل ـ لأدركوا أن هذا التفاعل هو المهم. أما ما يصدر عن هذا التفاعل وما ينتج عنه، فهو ما يجب أن يطبقه المجتمع في حياته وفي وجوده. لذلك، نجد آيات كثيرة تحثنا على هذا التواصي بيننا وبين بعض، "وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ"[العصر 3:1].
        هكذا نفهم ديننا ونتأمل في آياته، مدركين أن هذا ما نعتقده، قد نخطئ وقد نصيب، بل أننا نخطئ ونصيب، ولكن واجبنا أن نتكلم بما نعتقد أنه الصواب، ونُنَبِّه من يسمعنا أن يتفكر فيما نقول، وألا يقبله إذا رأى فيه خطأً بالنسبة له. فنحن لا نقول صواباً مطلقاً، وإنما نقول هذا ما نعتقد، ونستغفر الله دائماً ونرجع إلى الله دائماً في كل لحظةٍ من لحظات حياتنا، وفي كل قولٍ من أقوالنا.
        نسأل الله: أن يوفقنا، وأن يرحمنا، وأن يغفر لنا، وأن يجعلنا أهلاً لرحمته، وأهلاً لحكمته، وأهلاً لعلمه ونوره ومغفرته.
        فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
       الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
       عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن علينا أن نتعلم معنى أن الله يغفر لعباده "إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء...". وتكلمنا عن معنى الشرك هنا ـ في مفهومنا ـ أن الإنسان يضع نفسه إلهاً مع الله، فيتكلم باسم الله، ولا يقبل أن يسمع من إنسانٍ آخر، وأن يتكبر على الناس بظن أنه هو الوحيد الذي يفهم ما أراد الله في أقواله وفي رسائله وفي آياته، فيجعل من نفسه طاغوتاً ومتجبراً ومتكبراً على الناس جميعاً.
       وهذا ما يجب أن يُراعِي كل إنسانٍ نفسه في ذلك، فلا يكون طاغيةً، ولا يكون جباراً، ولا يكون إلهاً، وإنما يتواضع لله، ويتواضع لخلق الله، ويتقَبَّل الآخرين ومفاهيمهم، ويتقَبَّل الاختلاف في الفهم وفي التفسير، وأن يتواصى مع إخوانه ليصل إلى ما هو أفضل وأحسن للمجتمع. إنه بذلك يكون في معنى العبودية لله، يكون أهلاً لمغفرة الله، يكون أهلاً لرحمة الله، وهذا ما نريده جميعاً أن نكون أهلاً لذلك.
       اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
       اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
       اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
       اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا .
       اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين .
        اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها   رضاك إلا قضيتها.
       اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
       يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.
_____________________

(1)            من قصيدة لعبد الغني النابلسي.


(2)            الحديث الشريف كما أخرجه مسلم هو :" إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ". الجزء الثاني هو ما قيل عن رؤية للإمام أبي الحسن الشاذلي حيث رأى الرسول صلى الله عليه وسلم .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق