الاثنين، 20 أكتوبر 2014

الإستقامة تُلزِم الإنسان بألا يُكرِه أحداً على أن يتبع رؤيته، كما أن الاستقامة تُلزِم الإنسان بأن يقدم رؤيته



حديث الجمعة
 23 ذو الحجة 1435هـ الموافق 17 أكتوبر 2014م
السيد/ علي رافع

      حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
      "...الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ..."[الأعراف 43]، "...مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا"[الكهف 17].
      عباد الله: إن الله قد جعل لنا في حياتنا، أموراً وأحداثاً يخاطبنا بها، ويضرب لنا الأمثال في كل ما يدور في عالمنا من أحداثٍ، ومن ظواهرٍ، وأمور كثيرة مما يحدث في الطبيعة، ومما يفعله أناسٌ، بل فيما يفعله البشر جميعاً، في الشرق أو الغرب، في الشمال أو الجنوب، في كل بقعةٍ من بقاع الأرض ـ وأمرنا أن نتدبر هذه الرسائل وأن نقرأها، "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"[آل عمران 191].
      وخَلْق السماوات والأرض، يشمل كل من على هذه الأرض، يشمل الناس جميعاً، والكائنات جميعها، يشمل تصرفات البشر، وما يفعلون، ما يعتقدون، وما به يقومون، فيما يفهمون، وفيما يقدمون، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
      إن الإنسان لا يستطيع أن يحكم حكماً مطلقاً على الخير أو الشر، وإنما يستطيع أن يحكم من وجهة نظره. فكل إنسانٍ له رؤيته في الخير وفي الشر، وكل إنسانٍ له معتقده فيما يقوم به، وفيما يفعله، وكل إنسانٍ يمكنه أن يذاكر ويقدم رؤيته، لا يلزم بها أحداً، ولا يجب لأحدٍ أن يتبع رؤية الآخر إلا إذا اقتنع هو بها.
      لذلك، فإن الإستقامة تُلزِم الإنسان بألا يُكرِه أحداً على أن يتبع رؤيته، كما أن الاستقامة تُلزِم الإنسان بأن يقدم رؤيته، ويدعو لها. والتوازن بين تقديم الرؤية، وعدم الإكراه للآخر عليها، هو ما يجب أن يتحلى به كل إنسان. فهذا، هو الميزان، الذي يستطيع به الإنسان أن يزن حاله واستقامته في طريق الله، "فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى، سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى، وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى"[الأعلى 11:9]،  وفي نفس الوقت، "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ..."[البقرة 256].
      لذلك، فكل إنسانٍ له رؤيته ــ كما سبق وأشرنا ــ وإن اختلف إنسانٌ مع إنسانٍ، فلا يستطيع أن يُكرِهه على أن يغير ما هو عليه، ولكنه يستطيع أن يطلب منه هو أيضاً ألا يُكرِهه على أن يغير ما هو عليه.
      لذلك، فإنا حين ننظر إلى الجماعات التي تفهم الدين بصورةٍ معينةٍ، تجعلها تتخذ من العنف سبيلاً لما تظن به أنها تنشر الدين وتقيم شريعة الله على أرضه، نقول لهم: فلتعتقدوا ما تعتقدونه، وادعوا إلى ما تريدون أن تدعوا إليه، ولكن لا تُكرِهوا الآخرين أن يتبعوا ما أنتم تدعون إليه، هذه رؤيتكم، وهذه دعوتكم، ولكن يجب أن تلتزموا بأن ربما تكون هناك رؤيةٌ أخرى، ربما تكون هي الأفضل.
      ليس العيب أن تفسروا آيات الله بصورةٍ معينة، فهذا تفسيركم، وقد ذهب مَنْ قبلكم إلى هذا التفسير الذي تسيرون عليه، ولكن في نفس الوقت هناك خطٌ فاصل، وهو عدم الإكراه عليه. لأن ببساطة، لا يمكن أن تُكرِه إنساناً على فهمٍ معين، فهذا الإكراه لن يولد شيئاً، لن يُصلِح إنساناً، لن يغير إنساناً، وإنما سيخلق منافقاً.
      فإذا كنت تريد حقاً أن تُبلِّغ دينا يدعو إلى ما فيه خير الإنسان في الدنيا والآخرة، فلا يكون ذلك إلا بمخاطبة العقل، وبأمرٍ يمكن أن نستحسنه على أرضنا. ربما أنت تستحسن ما تعتقده، ولكن قد لا يفعل إنسانٌ آخر كذلك. فطبيعة الأشياء، وطبيعة الحياة تُحتِّم أن تكون الدعوة بالتي هي أحسن، "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..."[العنكبوت 46]، و"ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ..."[النحل 125].
      فإذا كنت ترى في مفهومك أنه الحكمة والموعظة الحسنة، فادع بها، لا مانع في ذلك، ولكن لا تُكرِه أحداً عليها، فحتى لو كانت هي الأحسن، فلا يمكن أن تُكرِه أحداً أن يتبعها دون أن يقتنع هو بها، فكان تبليغ الحق "...أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ"[يونس 99]، "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ..."، "...فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ..."[الكهف 29]، "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ"[الكافرون 6].
      كل هذه الآيات، إنما هي تعبيرٌ وكشفٌ عن قانونٍ حقيقيّ في طبيعة الإنسان وطبيعة الحياة، أنه لا يمكن الإكراه في الدين، بل لا يمكن الإكراه في أي مفهومٍ على هذه الأرض، إذا أردت أن تُوصِّل مفهوماً، فطريقك الوحيد هو الحكمة والموعظة الحسنة، أدع ما شئت كيف شئت، كيفما فهمت، وكيفما أدركت، ولكن تلتزم بأن تدرك، أن هذا لا يعني أن ما فهمته هو الحق المطلق.
      المشكلة ليست في فهمٍ ما، فما يفهمه الناس أو بعض الناس في الدين ومن الدين، من مفاهيم قد تؤدي إلى مفهومٍ متطرفٍ، لا مانع فيه، أن هذا هو قراءته، وما فهمه، فليكن، ولكن الخطأ الأكبر الذي نراه، هو في استعمال العنف لقهر الناس على هذا الفهم.
      وحين سُئل رسول الله عن الفرقة الناجية قال: [إنها السواد الأعظم من الناس](1)، والسواد الأعظم من الناس هم من يتقبلون بعضهم البعض، لا يتحزبون، ولا يقولون أننا الفرقة الناجية الوحيدة، هم لن يقولوا ذلك، وإن كانوا هم كذلك.
      ولكن شرط أن يكونوا كذلك هو ألا يقولوا ذلك، لأن الافتقار إلى الله، وخشية الله، تجعل الإنسان لا يستطيع أن يجزم أن مفهومه هو المفهوم الحقيقيّ الوحيد، وإنما يخشى الله، "...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء..."[فاطر 28]، [أنا أقربكم من الله وأخوفكم منه](2). هكذا، قال رسول الله ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ.
      فالفرقة الناجية هي التي لا تقول عن نفسها أنها ناجية، وإنما تسلم أمرها لله، وتقبل الآخر، خشيةً في الله، تدعو بما تعتقده، وتسمع الآخرين، "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ..."[الزمر 18]، وتعلم أن الله رحمنٌ رحيم، أعطى كل إنسانٍ عقلاً وأمره أن يستخدمه، "...كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا"[الإسراء 14]، فجعل الإنسان حسيباً على نفسه.
      أن يعتقد الإنسان أمراً، فهذه مرجعيته، وعليه أن يحاسب نفسه بناءاً على هذه المرجعية. فأصبح كل إنسانٍ هو عالَمٌ قائمٌ بذاته، فيه الذي يُحَاسِب، والذي يُحَاسَب، وهذا معنى من معاني أن الله "...هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ..."[البقرة 255]، فهو قيومٌ على عباده، تجلى بعظمته عليهم، [ما ظهر في شيءٍ مثل ظهوره في الإنسان](3)، [وتحسب أنك جرمٌ، صغير وفيك انطوى العالم الأكبر](4).
      هكذا، نقرأ ديننا.ٍ وإعمالاً لما نعتقده، من أن كل إنسانٍ عليه أن يُبلِّغ ما يعتقده، نذاكر بذلك بيننا، من قَبَل هذا الكلام فليقبله، ومن رفضه فليرفضه، بل أننا نتجه إلى الله مستغفرين أن نكون قد قلنا زوراً أو غشيناً فجوراً، نستغفره دائماً ونتوب إليه دائماً، نرجع إليه، نسأله رحمةً، ونسأله مغفرةً، ونسأله تقويماً لكل ما نقوله ولكل ما نقوم فيه.
      فنحن نتقبل دائماً، أو نرجو أن نتقبل دائماً ما يُصلِحنا، وما يجعلنا أكثر صلاحاً، وأكثر إدراكاً، لا نتمسك برأيٍ أو بفهمٍ، وإنما دائماً نتقبل ما نرى أنه الأفضل والأحسن والأقوم.
      فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
      ما أردنا أن نقوله اليوم: أن العيب ليس في أن يفهم الإنسان أمراً في دينه، ولكن العيب كل العيب أن يُكرِه الناس عليه.
      فلتعتقد ما تعتقد، ولتفهم ما تفهم، أدع بما تفهم، أدع إلى ما تعتقد، وقل للناس بصدق أن هذا ما تعتقده أنت، وأنه ليس شيئاً مقدساً، وأن ربما أن هناك من يعتقد غير الذي تعتقده، إن تابعك الناس والتفوا حولك، فليكن. إذا أراد المجتمع أن يقيم ما تريده وما تعتقده، فليكن. ولكن يجب أن تعلم أن هذا أمرٌ ماديٌّ دنيويٌّ، وليس أمراً مقدساً.
      إن التصور بأن الدين أمر بأشياءٍ تجعلك ملزماً بأن تنفذها في المجتمع بالقوة، هو مفهومٌ مردودٌ عليه. لذلك، فإن من خشية الله ألا تتصور هذا الفهم الذي يجعل منك رباً على الناس "...لاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ..."[آل عمران 64]، إن الناس مأمورون في مثل هذه الحالة بأن لا يستجيبوا لك، لا يتخذ بعضكم بعضاً أرباباً من دون الله.
      مجرد أن يتصور إنسانٌ أنه مكلف من الله، وأن كلامه هو ما يريد الله، وأن فعله هو ما يحب الله ـ هذا التصور يجعله قد جعل من نفسه رباً، وجعل من الناس رافضين له إن اتبعوا أمر الله وحديث الله، الذي جعلهم أحراراً، وأمرهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله.
      إذا أردت أن تنفذ أمراً، فلتدع الناس أن يجتمعوا على ذلك، وأن يكون هذا برنامجاً لك، إذا نصبوك حاكماً عليهم، فيكون فِعلك بإرادتهم وباجتماعهم على أمرٍ ما، لا يكون بإرادةٍ منفصلةٍ منك، إنما يكون بإرادة الأمة "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ..."[آل عمران 104]* ويؤمنون بالله.
      إنا قد يكون لنا رأيٌ، فيقول البعض ومن أدرانا أن هذا الرأي هو الحق، نقول أن هذا ليس الحق المطلق، إنما الحق الذي نراه، ونحن لا نُجبِر أحداً عليه، وإنما نقول رأينا، وهذا واجبنا أن نُبَلِّغ ما نرى، ولا نقول لأحدٍ أن يتبعنا، ولا نُكرِه أحداً أن يتبع ما نراه. وهذا ما يجب أن يكون عليه الكل ـ في رأينا ـ حتى نستطيع أن نعيش ونحن نختلف. فالاختلاف قائمٌ، وعلينا أن نتعايش معه.
      عباد الله: نسأل الله، أن يجعل منا أداة خيرٍ وسلامٍ ورحمة، وأن يجعل مجتمعنا وأمتنا تفكر بعمقٍ في حالها، وفي دينها، وفي رسالة الله لها، لتعيش في سلامٍ وفي أمان.
      اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ لنا منك إلا إليك.
      اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
      اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
      اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
      اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
      اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين.
      اللهم فارحمنا، واغفرلنا، وتب علينا.
      يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.


 
_______________________________

(1) "تفرقَتْ بنو إسرائيلَ على إحدَى وسبعينَ فرقةً وتفرقتِ النَّصارَى على اثنتينِ وسبعينَ فرقةً وأمتي تزيدُ عليهم فرقةً كلُّها في النارِ إلَّا السوادَ الأعظمَ" الراوي: أبو أمامة الباهلي، المحدث: السخاوي، المصدر: الأجوبة المرضية - خلاصة حكم المحدث: رواته موثقون.

(2) "إني أتقاكم لله وأخشاكم له" حديث شريف أخرجه مسلم في صحيحه كما ورد في موطأ مالك ومسند أحمد بصيغ مختلفة.

(3) مقولة صوفية.

(4) مقولة للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

* "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ..."[آل عمران 110].


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق