السبت، 22 سبتمبر 2018

المهم أن يكسب الإنسان نفسه، وليس في النصر المادي


حديث الجمعة 
11 محرم 1440هـ الموافق 21 سبتمبر  2018م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاًة وسلامًا عليك يا رسول الله.
الحمد لله الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه، وهذا فضل الله علينا، ونعمته بنا، وكان فضل الله علينا عظيما. بنعمته نُحدّث، وبما أفضل به علينا نشكر، وعمّا أرانا من عيوبنا نستغفر، طامعين في رحمته، وفي كرمه، وجوده ونعمته.
عباد الله: نتدبّر دائمًا في قوانين الله، بما أظهر لنا في أحداث الحياة، في قديمها، وفي حاضرها، وبما سنراه في مستقبلنا.
إنّ في كلّ يومٍ، وفي كلّ حدثٍ، وفي كلّ مكانٍ، نرى الشّيء ونقيضه، نرى الخير ونرى الشّرّ، نرى الحقّ ونرى الباطل، بمعاييرنا وبما نحن قائمون عليه من حال. والأمثلة من تاريخنا كثيرة، ويمكن أن نرى في نفس التّاريخ، حدثًا انتصر فيه الحقّ على الباطل، وفي نفس هذا التّاريخ، نرى حدثًا انتصر فيه الباطل على الحقّ.
ونحن حين نقول انتصر هنا، نعني ما نراه في شهادتنا، وفي واقع عالمنا، نحن لا نخلط بين الكلمات في دلالاتها المقيّدة، وبين الكلمات في دلالاتها المطلقة. ففي المطلق، لا يوجد إلّا أنّ "... اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ..."[الطلاق 3]، في كلّ الأحوال، وفي كلّ الحالات، أما في المقيّد، فإنّنا نقيس الأمور بقواعد هذه الأرض في الغلبة والهزيمة.
في نفس هذا اليوم الذي نعيشه الآن، أو في هذه الأيّام، يُقال أنّ هذا اليوم هو الذي انتصر فيه موسى على فرعون، وكذلك، هو اليوم الذي انتصر فيه يزيد بن معاوية على الإمام الحسين ـ عليه السّلام ـ بالمعيار الأرضيّ، وأصبحت له الغلبة، واستقرّ له الحكم والخلافة والأمر.
من الجانب الحقيّ، سوف نرى صورةً مختلفة، فالحسين ـ عليه السّلام ـ كان يرمز للصّدق مع النّفس ومع الحقّ ـ كما يراه ـ فهو يرى باطلًا قائمًا من وجهة نظره، ويرى أناسًا يدعونه ويساندونه لتغيير هذا الباطل، فهو كإنسانٍ صادق لا يستطيع إلّا أن يتفاعل مع ما يرى أنّه الحقّ. وهذا، ما يجب أن يكون عليه الإنسان الصّالح، فبغضّ النّظر عمّا حدث بعد ذلك، فهو قد ربح نفسه، وصدق فيما عاهد الله عليه، وهذا هو المهمّ على هذه الأرض، أن يكسب الإنسان نفسه.
أمّا الجانب الآخر، فهو يعلم علم اليقين، أنّه ليس على حقّ، وأنّه يريد الدّنيا بأيّ صورةٍ وبأيّ شكل، وأنّ فعله هذا هو فعلٌ آثم، ولكن شهوة الدّنيا تناديه، والتّثاقل إلى الأرض يجذبه، وعدم القدرة على الإعتراف بالحقّ يُعجِزه، وأن يأتي بفعلٍ فيه مخادعةٌ وظلمٌ، لا يتوانى عنه، فهو وإن استعمل الحيلة، والخداع، وضعف نفوس الآخرين ـ هو مدركٌ لذلك، وفعل ذلك عن عمدٍ، فخسر نفسه.
وبذلك، فهي قضيّة إنسانٍ كسب نفسه، وإنسانٍ خسر نفسه، أمّا ما يحدث على الأرض، فهو تعبيرٌ عن قوانين هذه الأرض، بما فيها من "... دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ ..."[البقرة 251].
لذلك، فإنّ تصوّر البعض أنّهم على حقّ، وهذا حقّهم أنّ يتصوّروا ذلك، إلّا أنّهم يعتقدون أنّهم بذلك لهم الغلبة على الآخرين بالقطع، فهذا هو تصوّرٌ ناقص، فهذه ليست قضيّتهم، هم عليهم أن يفعلوا كلّ ما يستطيعون، وكلّ ما يقدرون عليه، ولكن إذا جاءت النّتائج بهزيمةٍ لهم في ظاهرهم، عليهم أن يتقبّلوا ذلك، وأن يدركوا أنّ القضيّة دائمًا ـ كما نقول ـ ليست في نصرٍ مادّيّ، ولا في غلبةٍ أرضيّة، وإنّما في أن يكون الإنسان صادقًا مع نفسه.  
ونحن نقرأ تاريخ هذه الأرض، سوف نجد أنّ الرّموز الذين حملوا شعلة المعرفة، ورسموا طريق الحياة، وأرشدوا إلى الحقيقة، عانوا كثيرًا في مجتمعاتهم، والرّسل والأنبياء كلّهم كذلك، رُفِضوا من مجتمعاتهم، وحُورِبوا في كلّ دعوةٍ دعوها، وفي كلّ رسالةٍ أرادوا أن يبلّغوها.
وتظهر الرّسالة بعد حين، وتكون لهم غلبةٌ لوقتٍ مّا، ثم يجيئ المتابعون فينحرفون، ويتحوّلون، وتجذبهم الدّنيا، وتُخرجهم من الرّسالة التي كانوا يحملونها في يومٍ مّا، إلّا من رحم الله، فيواصل ويواصل.
وكما قلنا ونقول دائمًا، أنّ هذا سوف يستمرّ، فهذا هو قانون هذه الأرض، وأنّ هذا أيضًا هو حال الإنسان، فهو متقلّبٌ بين حالٍ وحال، [قلوب العباد يقلّبها الرّحمن كيف يشاء](1).
وكما أشرنا الآن، أنّ كثيرين ممّن حملوا الرّسالة المحمّديّة، وكانوا من الذين ضحّوا بكلّ ما يملكون في سبيل أن تنتشر على هذه الأرض، هم أنفسهم انقلبوا بعد ذلك. ونرى في القصص الصّوفيّ عن الذين جاهدوا على هذه الأرض، ثم انقلبوا في أواخر حياتهم، فارتدّوا إلى أسفل سافلين. ونرى ذلك أيضًا في إخوانٍ لنا في قديمٍ، أو في ماضٍ قريب.
لذلك، فإنّ كلّ إنسانٍ معرّضٌ لأن ينقلب على عقبيه، وهذا ما نعبّر عنه دائمًا، أنّ الإنسان وهو يدرك ذلك، عليه أن يخشى الله، يتعلّم خشية الله، فلا يتكبّر، ولا يغترّ، ولا يظنّ أنّه قد بلغ القمّة، ولا يعتقد أنّه أصبح مالكًا للحقيقة بين يديه، فهو لا يدري ما يُفعل به غدا. فعلينا أن ندعو الله دائمًا، وأن نتعلّم من رسوله وهو يخبرنا بذلك: [ها أنا رسول الله بينكم ولا أدري ما يُفعل بي غدا](2)، [أنا أقربكم من الله وأخوفكم منه](3).
والخوف هنا، ليس خوف إنسانٍ من إنسان، في تجسيدٍ للعلاقة بين العبد وربّه، وإنّما هو إدراكٌ لقانون الحياة الذي فيه الخير والشّرّ، وفيه الحقّ والباطل، وفيه الإنسان الذي يحمل في داخله هذه الصّفات.
عباد الله: نسأل الله، أن يجعلنا من الذين يخشونه، والذين يذكرونه، والذين يدعونه، والذين يطلبونه، والذين يستغفرونه في كلّ وقتٍ وحين.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
__________________________

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أنّنا ونحن نقرأ تاريخنا، ونرى أحداثًا تجلّت فيها قوانين الله، في "دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ"، وفي ظهور الحقّ واختفائه، وفي ظهور الباطل واختفائه، وكما نرى على أرضنا، الليل والنّهار، والنّور والظّلام، فكذلك حال الأقوام، وحال الإنسان.
فلنُدرِكْ ذلك، ولنتعلّم أنّ لا ملجأ لنا إلّا ما أودع الله فينا من عقلٍ وقلب، نتدبّر بعقولنا، ونذكر بقلوبنا، ثم نحوّل هذا إلى عملٍ بجوارحنا ـ بهذه المحاولة المستمرّة، نكون في طريقٍ يؤدّي إلى أن يكسب الإنسان نفسه. والتحدّي الأكبر، أن يظلّ الإنسان كذلك إلى أن يخرج من هذه الأرض، فإذا استمرّ كذلك، وخرج من هذه الأرض، يكون قد حقّق هدفه.
عباد الله: نسأل الله: أن يجعلنا من هؤلاء الذين يجاهدون في سبيل الله بعقولهم، وقلوبهم، وجوارحهم، حتّى يخرجوا من هذه الأرض.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، أنت أعلم بنا منّا، تعلم ما في نفوسنا، ولا نعلم ما في نفسك، "... إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ"[المائدة 109].
تعلم ما نحن عليه، وما النّاس عليه، تعلم "... خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ"[غافر 19].
اللهم ونحن نجأر إليك، ونلجأ إليك، ونتوسل بجاه رسولك لديك، وبنعمتك عليه.
اللهم وهذا حالنا، وهذا قيامنا لا يخفى عليك.
اللهم اكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم اجعلنا أهلًا لرحمتك، وأهلًا لنعمتك، وأهلًا لعلمك وحكمتك.
اللهم اجعلنا في طريقك سائرين، ولوجهك قاصدين، معك متعاملين، وعندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنبًا إلّا غفرته، ولا همًّا إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.

________________

(1)     حديث شريف: "إن القلوبَ بين إصبعين من أصابع الرحمن، يُقلِّبها كيف يشاءُ" أخرجه الترمذي، عن أنس بن مالك.

(2)     حديث شريف نصه (قال صلى الله عليه وسلم: "هذا أنا رسول الله، والله ما أدرى ما يصنع بي")، وفى رواية أخرى " قال صلى الله عليه وسلم: ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل بى ولا بكم". (أخرجه أحمد بن حنبل - مسند أحمد بن حنبل).

(3)     حديث شريف: "إني أتقاكم لله وأخشاكم له". أخرجه مسلم في صحيحه، كما ورد في موطأ مالك ومسند أحمد بصيغ مختلفة.



السبت، 15 سبتمبر 2018

إذا لم يفعّل الإنسان ما أعطاه الله من أمانة الحياة فهو خاسر


حديث الجمعة 
4 محرم 1440هـ الموافق 14 سبتمبر  2018م
السيد/ علي رافع


حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائمًا لله، والشّكر دائمًا لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: إنّ حديثنا يدور دائمًا حول الإنسان، وعلاقة هذا الإنسان بكلّ ما يحيط به. وآيات القرآن تحدّثنا عن الإنسان، "إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ"[العاديات 8:6]، "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ"[التين 5،4]، "وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ"[العصر 3:1]، وآياتٌ أخرى كثيرة.
وما نريد أن نتحدّث عنه اليوم، هو وصف الإنسان على هذه الأرض، واقع الإنسان، حال الإنسان، "الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ" كيف يكون، والإنسان في "أَسْفَلَ سَافِلِينَ" كيف يكون.
"الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ"، بما أودع الله فيه من فطرة، " لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ"، خلقنا فيه من القدرة ما يُمكّنه من أن يحوّل ما فيه من ظلامٍ إلى نور، وما فيه من جهلٍ إلى معرفة، وما فيه من باطلٍ إلى حقّ، وهذا معنى ـ أيضًا ـ للآية "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ..."[الأحزاب 72]، [ما ظهر الله في شيءٍ مثل ظهوره في الإنسان](1).
فالإنسان كأحسن تقويم، أو "فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ"، هو فيما يحمله من أمانة الحياة، ومن فطرة الله التي فطره عليها. فإذا نظرنا إلى الإنسان من هذه الزّاوية، قلنا أنّه "فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ". فلماذا تقول الآية: "ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ"؟ ولماذا تقول الآية: "إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ"؟ ولماذا تقول الآية: "إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ"؟
إذا نظرنا إلى الإنسان في ظاهر وجوده، وفي طبائعه، وفي رغباته، وفي تثاقله إلى أرضه بذاته ـ لو نظرنا له من هذه الزّوايا، فهذا هو الإنسان في "أَسْفَلَ سَافِلِينَ"، هذا هو الإنسان الذي قد يخسر حياته، هذا هو الإنسان الذي هو "لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ".
فالإنسان كحال الدّنيا، وكحال المجتمع، وكحال الكون كلّه، يحمل في جنباته ما يُعلِيه، وما يُدنيه، ما يُبقيه "فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ"، وما يردّه إلى"أَسْفَلَ سَافِلِينَ".
لو تُرِك الإنسان في حاله، دون أن يُفعِّل ما فيه من فطرةٍ حقيّة، فإنّه سوف يُردّ إلى "أَسْفَلَ سَافِلِينَ" بطبيعته البشريّة، وبطبيعته الدنيويّة، وبتثاقله إلى أرضه.
لذلك، نجد الآيات تصف حال الفئة المستثناة، التي لن تتدنّى وتنجذب إلى الأسفل، "إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ"، "إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"[التين 6]، إلّا الذين قالوا: "... رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"[آل عمران 191]، إلّا الذين قالوا: "رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ..."[آل عمران 193].
هكذا ننظر إلى الآيات، لنتعلّم كيف نُفعِّل ما أودع الله فينا من فطرة الحياة، وألّا نتثاقل إلى أدنى وإلى أسفل. "إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ"، و "آمَنُوا"، يسبقها "إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا".
فالإيمان، تسبقه دعوة الدّاعي إلى الإيمان، "...وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً"[الإسراء  15]، فالدّاعي والرّسول موجودٌ في كلّ إنسانٍ بفطرة الحياة فيه، وموجودٌ على الأرض في كلّ رسالةٍ نزلت إليها، وفي كلّ نبيٍّ ظهر في قومه، وفي كلّ وليٍّ دعا قومه، وفي كلّ آيةٍ تُحدّثنا في كلّ زمانٍ وفي كلّ مكان، مصداقًا لقوله: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ..."[فصلت 53].  
فطرة الإنسان التي هي أساس قيامه "فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ"، تجعله يطلب ويحاول أن يسمع، ويحاول أن يرى، كما فعل كلّ الأنبياء والرّسل، وكما فعل عباد الله الصّالحين، وكما فعل أولياء الله في كلّ عصر. إنّهم يبحثون، ويستمعون، ويرون، ويشاهدون، ويفكّرون، ويتدبّرون، ويذكرون، يبحثون عن الدّاعي ليستمعوا إليه، يعكسون البصر إلى داخلهم باحثين عمّا فيهم من سرّ الله، ومن رسوله لهم في قيامهم.
فإذا بحثوا، وإذا دعوا، أُجِيبوا، واستمعوا وسمعوا داعِيَ الإيمان. فإذا سمعوا داعِيَ الإيمان واستجابوا لدعوته، قالوا آمنّا، آمنّا بوجودنا، آمنّا أنّنا مخلوقون لرسالةٍ أكبر، ولوجودٍ أعظم، إنّا لسنا أجسادًا تسير على الأرض ثمّ تفنى، إنّا أرواحٌ تبحث عن الحياة، تبحث عن البقاء، آمنّا بالغيب، آمنّا بأنّنا لا نستطيع في هذا الجلباب أن نرى كلّ شيء، ولكنّنا نستطيع أن ندرك بما أودع الله فينا، أنّ هناك غيبًا، "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ..."[البقرة 3].
"آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ ..."[البقرة 285]، فالرّسول وهو أهلٌ لتلقّي كلمات الله، وآياته، ونوره، آمن بما أُنزِل إليه، وما أُنزِل إليه هنا، هو مجملٌ، هو قوانين الحياة، هو معنى الحياة.
أمّا ما استطاع المؤمنون أن يتلقّوه، فهو معنى الغيب، "... وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّه ِ..."[البقرة 285] كغيب، وآمنوا بأنّ هناك قوانين وراء هذا الكون، في تعبيرهم عن إيمانهم بـ"... مَلآئِكَتِهِ ..."[البقرة 285]، وآمنوا بأنّ هناك قانونٌ لهذا الوجود وللإنسان فيه، في "... كُتُبِهِ ..."[البقرة 285]، وآمنوا بـ"... رُسُلِهِ ..."[البقرة 285]، الذين أرسل الله لهذه البشريّة، سواء فيما هو معروفٌ من الرّسالات السّماوية، أو كلّ ما جاء به أولياء الله، الذين تتناغم كلماتهم مع هذا الوحي الإلهيّ، ومع ما فيهم ـ أيضًا ـ من معنى رسولٍ من الله فيهم وفي وجودهم، في سرّ الله بهم، فقد خلقهم "فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ".
إيمان الإنسان بكلّ ذلك، هو أساسيٌّ، ليستطيع أن يتحرّك الإنسان على هذه الأرض، ليعمل صالحًا. والعمل الصّالح هو كلّ ما يستطيع أن يعمله الإنسان ليغيّر وجوده إلى أفضل، وليغيّر بيئته إلى أحسن، وهذا يستلزم من الإنسان أن يكون مؤمنًا برسالته. سوف يؤدّي هذا العمل الصّالح إلى تغيير الإنسان، ولكن كلّ شيءٍ على هذه الأرض يحدث بتدرّجٍ، فلن تستطيع أن تصل في لحظةٍ واحدة إلى كلّ شيء.
حتّى إذا نظرنا إلى قول الصّوفيّة أنّه [في  لحظةٍ تحدث الصّلحة](2) ـ كما يقولون ـ فهو تغييرٌ في جانبٍ معيّن، لا يعني أنّه قد يكون تغييرًا شاملًا، هناك تدرّجٌ في التّغيير، فلا تتعجّل، [هذا الدّين القيّم أوغل فيه برفق، فإنّ المنبتّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى] (3)، أي لا تتعجّل. لذلك، نجد الآية تُكمِل معنى: "إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ".
والحقّ، هو ما شهدتَه، وقد تشهد أنّك مظلمٌ، وأنّك لم تتغيّر، فهذا حقّ، لأنّك شهدتَه. وقد ترى أنّك تغيّرت في شيءٍ، وتبدّلت من حالٍ إلى حال، وهذا حقٌّ لأنّك شهدتَه. فالتّواصي بالحقّ هو أن تكون صادقًا فيما تُخبر به إخوانك، تُخبرهم بنجاحاتك وبفشلك، لتصل إلى مساعدةٍ فيما فشلت فيه، وليصل إخوانك إلى استفادةٍ مما نجحت فيه، فقد يساعدهم ذلك على ما فشلوا فيه.
والتّواصي بالحقّ والتّواصي بالصّبر، هو الحديث عن تجاربٍ فعليّة، وعن واقعٍ يعيشه الإنسان، ويعرفه، ويشهده، ويعلم أنّ عليه أن يصابر، فكلٌّ يشدّ من أزر الآخر بأن يصبر ولا يتعجّل، يتكاتفون أن يصبروا، وأن "...يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ..."[الأنعام 52]، ولا يتعجّلون. فليس الهدف أن تصل إلى شكلٍ معيّن، ولكن الهدف أن تظلّ مُصابرًا، ومُثابرًا، وداعيًا، وذاكرًا، ومُغيّرًا، ومُحاولًا، وهذا هو ما نطلبه وما نرجوه.
عباد الله: نسأل الله: أن يجعلنا من "..الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ"، وأن نكون دائمًا مجتمعين على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
_____________________
        الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أنّ الإنسان إذا لم يُفعِّل ما أعطاه الله من أمانة الحياة، فهو خاسرٌ، وهو مرتدٌّ إلى أسفل، بطبيعة القوانين التي تحكم هذه الأرض، وأنّه ليخرج من جاذبيّة الأرض، أو تثاقله إليها، عليه أن يملك قوّةً دافعة تدفعه إلى أعلى.
وهذه القوّة الدّافعة، هي ما هو موجودٌ فيه من فطرة الحياة، التي تُمكّنه من أن يتفكّر، وأن يتذكّر، ومن أن يذكر ويعمل. تُمكّنه من أن يدعو إذا وجد أنّه لا يعلم، وأن يبحث ويجدّ، فيما يستطيع أن يراه، ليتعلّم ما هو موجودٌ على أرضه، فيساعده ذلك على أن يكون أكثر قدرةً على التّفكّر، والتّدبّر، والتّذكّر. 
والآيات تصف لنا هذه المراحل، "وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ"، مرحلة، أن يكون الإنسان بلا قوّةٍ دافعة. "إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ..."، إلّا الذين فَعَّلوا ما هو فيهم من طاقاتٍ روحيّةٍ، ومعنويّةٍ، وعقليّة، تُمكّنهم من أن يبحثوا، وأن يسألوا، وأن يتقبّلوا الإجابة، وأن يستمعوا إليها، والذين يتواصون بينهم بما وصلوا إليه، حتّى يساعدوا بعضهم بعضًا، ويواصلوا حياتهم دون يأسٍ، بل بصبرٍ جميل، آملين في الله، داعين الله في كلّ وقتٍ وحين.
فالآيات تعبّر عن أحوال الإنسان المختلفة، وعلينا أن نتعلّم منها، وأن نعكس فهمنا لها على أنفسنا، فنُفعِّل هذا الفهم فيما نقوم به وفيما نفعله.
عباد الله: نسأل الله: أن يوفّقنا دائمًا لما فيه خيرنا، ولما فيه صلاحنا.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنبًا إلّا غفرته، ولا همًّا إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.
________________

(1)     "ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره في الإنسان" مقولة صوفية.

(2)     "في لمحة تقع الصلحة" مقولة صوفية.

(3)     حديث شريف أخرجه البزار عن جابر في الجامع الصغير للسيوطي ضعيف " إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى"، ويقويه حديث صحيح عن أحمد بن حنبل بلفظ :"إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق " صحيح .



السبت، 8 سبتمبر 2018

تأمل في الهجرة: هناك دائما صراع قائم بين أضداد مختلفة في مجتمعنا وفي وجودنا وعلينا أن نتعايش معه


حديث الجمعة 
27 ذو الحجة 1439هـ الموافق 7 سبتمبر  2018م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
نحمد الله كثيرًا، ونسبّحه بكرةً وأصيلا، نسأله رحمةً، ومغفرةً، وفضلًا، وتوفيقًا، في أعمالنا، وفي كلّ حياتنا، نتّجه إليه، ونتوكّل عليه، ونوكل ظهورنا إليه، فهو ملاذنا وملجؤنا الذي لا نلجأ إلّا إليه.
عباد الله: إنّا نتذكّر في هذه الأيام، هجرة رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ من مكّة إلى المدينة وما يحمله هذا الحدث من معانٍ كثيرة في سلوكنا، وفي طريقنا، وفي حياتنا.
فسيرة رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ هي حديثٌ مستمرٌّ ممتدٌّ، يقرؤه كلّ متابعٍ وكلّ مؤمنٍ بالله ورسوله، كيف كانت الدّعوة في بدايتها، وكيف كان استقبال النّاس لها.
نتأمّل في ذلك دائمًا، ونذكّر أنفسنا به، أنّ قانون الله على هذه الأرض، هو أن يكون دائمًا هناك معسكرٌ للرّحمن، ومعسكرٌ للشّيطان، معسكرٌ يدعو إلى الحقّ، إلى الكلمة السّواء، ومعسكرٌ يريد أن يطفئ هذه الكلمة، وأن يطفئ هذه الدّعوة ـ والحياة هكذا دائمًا.
وسيظلّ كلّ فريقٍ يدعو إلى ما يعتقده، بل فِرقٌ كثيرة، كلٌّ يدعو بما يؤمن به، أيًّا كان هذا الإيمان. وعلينا أن نتعلّم كيف نعيش في هذا الحال، "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ..."[النحل 93"... وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ..."[الحجرات 13].
فالتّصوّر أن يكون النّاس جميعًا في صورةٍ واحدة، أو أن تتحوّل الأرض إلى إيمانٍ واحد، هو أمرٌ طبقًا لما شهدناه في تاريخنا، وفي حاضرنا، ومن آيات الحقّ لنا، التي حدّثتنا عن اختلاف النّاس وتباينهم، ودفع الله النّاس بعضهم ببعض ـ يجعلنا نتفهّم هذا، ولا نختزل الدّعوة، ولا الدّين، ولا الإيمان، في أن يحاول البعض أن يحوّل النّاس جميعًا إلى شكلٍ واحد، وإلى إيمانٍ واحد.
وسيظلّ الإنسان يدفع بما يرى هو أنّه الخير وأنّه الحقّ، وسيظلّ إنسانٌ آخر يدفع بنقيضه، بظنّ أنّه الأفضل وأنّه الأحسن، وكلّنا وجميعنا، لا يمكننا أن نجزم بالحقّ المطلق، وإنّما نحاول أن ندفع بما نرى أنّه الأفضل والأحسن والأقوم، طبقًا لمعاييرنا، ولحكمنا، ولإحساسنا، ولإدراكنا.
وكانت شهادة لا إله إلّا الله، هي إكبارٌ لما يريده الله، عن أيّ صورة نريدها، وعن أيّ فهمٍ نفهمه، وعن أيّ تقديرٍ نقدّره. وكانت الدّعوة، هي أن ندعو إلى "... كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ ..."[آل عمران 64].
فما يريد أن يصل إليه أيّ مجتمعٍ، هو أن يكون هناك حوارٌ بين أفراده وجماعاته، كلٌّ يحاول أن يدفع بما يرى أنّه الخير، ويصلوا إلى كلمةٍ سواء بمعاييرهم وبتقديرهم، وإذا لم يصلوا، يحترمون بعضهم بعضا، ويضعون من المعايير ومن الآليات التي تمكّنهم من أن يرجّحوا رأيًا، ويقرّروا قرارًا، ويكونوا بذلك قد حسموا أمرهم.
فالمجتمع قبل الهجرة، كان لا يقبل هذا الحال. فدعوة رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ والتي تريد أن تحرّرهم من أن يكونوا عبادًا لفكرٍ قديم، ولعاداتٍ بالية لا يقبلها عقل، ولا يقبلها إنسانٌ يفكّر ويتدبّر، يدعوهم إلى أن يبتعدوا عن هذه العادات وعن هذه الأفكار.
وكانت دعوة شهادة أنّ لا إله إلّا الله، تحمل هذا المعنى، فهي تحرّرهم من أن يكونوا عبادًا لقديمٍ اعتقدوه، وإذا فكّروا قليلًا، لوجدوا أنّه ليس الأفضل وليس الأحسن.
ولكن لم يقبلوا هذا الحال، المجتمع المكّيّ لم يقبل التّغيير، لم يقبل الدّعوة، ولم يكتف بذلك، بل أراد أن يُجهض هذه الدّعوة في مهدها. ومع إيماننا بالتّأييد الرّبّانيّ لدعوة رسول الله، فهذا لم يمنع أن تكون هناك معارضةٌ، وأن يحاول المعارضون أن ينهوا هذا الأمر.
وهنا ننظر دائمًا إلى القانون الإلهيّ، الذي يُدعى إليه دائمًا، وهو أن نُعمِل قوانين هذه الأرض، فكانت الهجرة، هي تعبيرٌ عن إعمال هذا القانون، والمسلمون في ذلك الوقت كانوا قلّةً، ولا يستطيعون ـ بقوانين الأرض ـ أن يواجهوا الكثرة، فلم يكن هناك طريقٌ إلّا أن يهاجروا إلى مكانٍ آخر يستقبلهم. فهنا، ندرك أنّ إعمال قوانين الأرض، هو أمرٌ ضروريّ.
والهجرة ـ كما هي في التّاريخ ـ كانت انتقالًا من مكانٍ إلى مكان، ومن حالٍ إلى حال، فهي تحمل هذا المعنى أيضًا للإنسان، من أن يهاجر هو أيضًا من مكانٍ إلى مكان، ومن حالٍ إلى حال، ومن وسطٍ إلى وسط، ومن مجتمعٍ إلى مجتمع.
بل أنّه لو نظر إلى وجوده على أنّه يمثّل ويعبّر عن هذه الأرض، فسوف يجد في هذا الوجود: سوف يجد في نفسه الأمّارة بالسّوء، أنّها تعبّر عن الوسط الذي يرفض دعوة الحقّ، فنفسه تشدّه إلى أسفل، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ ..."[التوبة 38].
هو في داخله، يعبّر عن داعِيَ الحقّ في وجوده، فهو في أعماقه ليس راضيًا عن هذا الحال، ويرى في حالٍ آخر، أنّه الحال الذي يريد أن يهاجر إليه، يريد أن يكون غير متثاقلٍ، يريد أن يكون مفكّرًا في آيات الله، متدبّرًا لآيات الله، ذاكرًا بقلبه ـ  فعليه أن يهاجر إلى هذا الحال، لا ينظر إلى نفسه المظلمة، وإنّما يحاول أن يهاجر منها وأن يتركها، وألّا ينشغل بها، وألّا يسير وراءها، وألّا ينتظر حتّى يصلحها، فهي لن تُصلَح، هي حالٌ قائمةٌ عليه.
ومعنى الهجرة هنا، هو أن يُكثِر من الحال الآخر، فيكون كلّ وقته، أو جُلّ وقته، في ذكرٍ لله، وفي طلبٍ لله، وفي تفكّرٍ لآيات الله، وفي الاستعانة بالله، وفي استغفارٍ الله، وفي طلب عونٍ من الله.
وهنا، في هذا الحال وفي هذا القيام، قد لا تتركه نفسه المظلمة، وإنّما تحاول أن تهاجمه، وأن تأخذه من حاله الذي أصبح عليه. فهنا شُرِع الدّعاء وطلب العون، فيجب أن يتّجه إلى الله أكثر، وأن يطلب عونًا أكثر، وأن يستغفر أكثر، وهذه هي القوّة التي تعينه على هذا الظّلام.
عباد الله: نريد أن نقرأ دائمًا أحداث التّاريخ من زاوية سلوكنا، وكيفية التّعامل مع نفوسنا، فهذا هو طريق الصّلاح وطريق الفلاح، ولا ننتظر صورةً معيّنة، فكما أنّ الأرض سوف يظلّ بها الخير والشّرّ والحقّ والباطل، فنفسك ووجودك سوف يظلّ فيه الخير والشّرّ والحقّ والباطل، المهمّ كيف تتعامل مع ما فيك من حقٍّ ومن باطل، ومن خيرٍ ومن شرّ. 
فإذا تساءل أحدٌ: ألا يمكن أن يتحوّل الإنسان، كما قال رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ: [كان لي شيطان ولكن الله أعانني عليه فأسلم فهو لا يأمرني إلّا بخير](1)؟ هذا أيضًا حالٌ يطلبه الإنسان، ولكن سيظلّ فيه شيطانه أيضًا، وإنّما سوف يتحوّل أن يأمره بخير، وهذا الخير هو نسبيّ.
لذلك، نتعلّم دائمًا، أنّ الخير والشّرّ هما أمران نسبيّان، فالخير الذي تُؤمر به، هو ليس ما كان شرًّا قبل ذلك، فهو خيرٌ بالنّسبة لما كان قبل ذلك، ولكن الإنسان وهو في رحلة معراجٍ إلى أعلى، سيكون هذا الخير أيضًا نسبيًّا بالنّسبة لحاله، إنّما هو ليس خيرًا مطلقًا.
ولذلك، دائمًا ما نذاكر بما قاله القوم: [حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين](2)، [وما من كمالٍ إلّا وعند الله أكمل منه](3)، فالكمال والعروج لا ينتهي، وقد يتغيّر حالك إلى أفضل، وإنّما سيظلّ أيضًا فيك الخير والشّرّ، وإن اختلف حال الخير وحال الشّرّ.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون في حالٍ نستطيع به أن نتعامل مع ما هو قائمٌ في أرضنا، وما هو قائمٌ في وجودنا، من وجودٍ للأشياء وأضدادها، ومن عدم قدرةٍ للإنسان على أن يعرف الحقيقة المطلقة، وأنّ عليه أن يعيش دائمًا في حقيقةٍ نسبيّة، وسيظلّ دائمًا كذلك، وسيظلّ دائمًا محاولًا أن يكون أفضل، وهذه هي الاستقامة في الطّريق على هذه الأرض ـ أن تكون في محاولةٍ دائمة، وهذا هو الجهاد الذي لو خرجت من هذه الأرض وأنت مجاهدٌ، فسوف تكون في معنى الشّهادة.
فنسأل الله: أن نكون من المجاهدين، وأن نكون من الطّالبين المستغفرين.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والشّكر لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن نتأمّل في معنى الهجرة من زاوية القانون القائم على هذه الأرض، وكيف أنّ هناك دائمًا صراعًا قائمًا بين أضدادٍ مختلفة، وأنّ هذا الصّراع، أو أن نقول هذا الحال، أو هذه العلاقة، أو هذا القانون، الذي نراه أمامنا، هو قانونٌ مستمرّ، وعلينا أن نتعايش معه.
وقد يضطّر الإنسان في لحظةٍ مّا، إذا وجد أنّ وجوده في مجتمعٍ مّا، فيه هذا التّضادّ الذي قد يجعله غير قادرٍ على أن يبلّغ ما يراه من حقّ، فهو عليه أن يُعمِل قوانين الأرض أيضًا، بأن يبتعد عن هذا المجتمع.
وإذا كان هذا هو حال الإنسان في المجتمع، فهذا هو حال الإنسان في وجوده، فوجوده فيه الخير وفيه الشّرّ، فيه الحقّ وفيه الباطل، فيه معانٍ مختلفة، وسيظلّ كذلك، فإذا استطاع أن يتعايش مع هذا التّضادّ الموجود فيه، بحيث لا يطغى طرفٌ على طرف، فعليه الاستمرار في المحاولة، لما يرى من داخله أنّه الأفضل والأقوم.
وإذا شعر بأنّ هناك قوىً مظلمة فيه أكثر، فعليه أن يحاول أن يخرج من حال الظّلام فيه، بالإكثار من الذّكر، والتّفكّر، والتّدبّر، وإعمال العقل، وإعمال القلب، والدّعاء والرّجاء، والتّواجد في جماعةٍ مثله، تدعو الله وتسأل الله. وهذا، سوف يساعده على أن يحفظ التّوازن، فلا يتثاقل كليّةً إلى أرض ذاته، وينسى معناه وقيامه الحقّي.
وقد يظلّ كذلك، وقد يتغيّر من حالٍ إلى حال، ولكن سيظل دائمًا في حالٍ فيه تضادّ، وفيه عدم تأكّد من مطلق الفعل الحقّيّ، وهذا حالٌ، علينا أن نتعايش معه؛ لأنّه حال وجودنا على هذه الأرض.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا. 
________________
(1)    جاء الحديث في مسند أحمد بن حنبل بصيغ متعددة منها " ليس منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الشياطين قالوا وأنت يا رسول الله قال نعم ولكن الله أعانني عليه فأسلم " . وأيضاً " ما منكم من أحد إلا ومعه قرينه من الملائكة ومن الجن قالوا وأنت يا رسول الله قال وانا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم ولا يأمرني إلا بخير" وكذلك : " فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم قلنا ومنك يا رسول الله قال ومني ولكن الله أعانني عليه فأسلم " كذلك جاء بصيغ مختلفة عند مسلم والترمذي والنسائي والدرامي .
(2)  مقولة صوفية.
(3)  مقولة الامام الجنيد.