الاثنين، 26 نوفمبر 2018

الدّين حيّ، وعلينا أن نتفاعل معه كقيامٍ حيّ، ونستلهم منه كحيّ، والحيّ دائمًا يقبل ما هو أفضل وأحسن وأقوم.


حديث الجمعة
15 ربيع الأول 1440هـ الموافق 23 نوفمبر 2018م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
الحمد لله الذي أكرمنا بجمعنا، وأن جعل لنا بيننا حديثًا نتواصى فيه بالحقّ والصّبر بيننا، نتدبّر أمور حياتنا، ونتأمّل في آيات الحقّ لنا، ونجتمع على مقصود وجه الله، وعلى ذكر الله، في دعاءٍ دائمٍ أن يعلّمنا الله من لدنه علمًا، وأن يفتح لنا بابًا لمعرفةٍ متجدّدة، وأن يمهّد لنا طريقًا نسلكه، حتّى نحقّق لوجودنا معنى العبوديّة لله، فنكسب كرّتنا، ونصبح أحياءً بحقّ، نواصل حياتنا بعد انتقالنا من هذه الأرض، أحياءً عند ربّنا نُرزق، في معراجٍ دائمٍ في الله.
عباد الله: لنكون كذلك، فقد كشفت لنا آيات الله، سرّ خلق الإنسان، يوم وجدنا في آيات الله، ما يحدّثنا عن خلق آدم كرمزٍ للإنسان، "وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ..."[البقرة 31]، "... إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ..."[البقرة 30]، فكان وجود الإنسان على الأرض، محمّلًا بعلمٍ ومعرفةٍ، ليبدأ في البحث عن الحقيقة، وهذا هو العلم الذي حمّله الله لآدم، وهذه هي الأمانة التي حمّلها الله للإنسان.
ولكنّ الإنسان وهو "... كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا"[الأحزاب 72]، حمل الأمانة، ولكن ما فيه من ظلمٍ وجهلٍ بقى فيه، "... إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ..."[يوسف 53]، فطغت نفسه عليه، فأصبح غائبًا عن الحقيقة، منشغلًا بوجوده المادّيّ، فعلّمنا الحقّ أنّ القانون الإلهيّ، هو "... مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً"[الإسراء 15]، فأوجد الله بين الخلق رسلًا ظهرت فيهم أمانة الحياة، فبدأوا بحثهم عن حقّيّ وجودهم، وهذا ما رأيناه في قصص الأنبياء والرّسل، أنّهم بدأوا جميعًا بالبحث عن حقيقة وجودهم، وعن معنى قيامهم.
وكان إبراهيم ـ عليه السّلام ـ وهو أبو الأنبياء، من علّمنا ذلك، وهو يبحث عن ربّه، وكلّ من جاءوا قبل إبراهيم، فعلوا مثله في بحثهم عن حقيقة وجودهم، وفي أن يرسل الله لهم رسلًا من السّماء تعلّمهم وتوجّههم.
وعلّمتنا الآية أنّ هذا قانونٌ دائم، "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ"[فصلت 30]. فكان الرّسل أدوات الله في خلقه، ليوقظوا النّاس من غفلتهم، وليخبروهم عمّا أودع الله فيهم من فطرتهم، وهذا هو الدّين.
فالدّين، كان تعبيرًا عن هذه القوانين التي سنّها الله في خلقه، من وجود الإنسان، وأن أودع فيه أمانة الحياة، ومن أن يرسل رسولًا ليُعلّم، وينذر، ويوضّح، ويبيّن، ويكشف للإنسان عمّا فيه من حقيقة، وأنزل الكتاب، الذي هو قوانين هذه الحياة، ليُعلّمها الرّسول إلى خلقه.
"آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ"[البقرة 285]، فهذه الآية تعبّر عن أركان الدّين، ومكوّنات الدّين، الذي هو أساسه ما في الإنسان من فطرة، وقدرة على التأمّل والتفكّر والتدبّر، فيكون الإنسان يوم يُعمِل ما أعطاه الله، أهلًا لأن يتلقّى نفحات الله، وأن تتنزّل عليه ملائكة الله.
فالآية "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ ..."، تعبيرٌ أنّ الرّسول أصبح أهلًا لأن يتلقّى من ربّه، يوم أعمل ما أعطاه الله من طاقاتٍ وإمكانات، فتأمّل وتفكّر، واختار وغيّر، واتّجه إلى الغيب طالبًا عونًا وقوّةً، فكان أهلًا لأن تتنزّل عليه الرّسالة، فما تنزّل عليه وجده في قلبه، فـ "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ"؛ لأنّه وجده في قلبه، وفي كيانه، فاطمأنّ لذلك، فآمن بما أُنزِل إليه من ربّه.
وبلّغ الرّسالة، فاستجاب من أعمل ـ أيضًا ـ ما أودع الله فيه من فطرة، فاستجابوا لدعوة الرّسول لهم، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ"؛ لأنّهم وجدوا لدعوة رسول الله عن الله، صدىً في قلوبهم وفي إدراكهم، أنّ هناك غيبًا لا يدركونه، فكان إيمانهم، هو تعبيرٌ عن أنّ الدّعوة إلى معنى الله كغيب، له وجودٌ في قلوبهم.
وآمنوا ـ أيضًا ـ أنّ لهم علاقةً مع الغيب، من خلال وسائل أوجدها الله، وعرفوا أنّ هذه الوسائل يُعبَّر عنها بـ "مَلآئِكَتِهِ"، والملائكة هنا هو معنى قبل أن يكون شكلًا، أو صورةً، أو إسمًا، إنّه الأداة التي تربط بين الإنسان وربّه.
إنّ الإنسان يوم لا يجد طريقًا أمامه، ويوم يشعر بالكرب، ولا يجد مخرجًا، فلا يجد إلّا الله، "... وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ..."[الطلاق 3،2]، يعلم أنّه حين يتواصل مع ربّه، فإنّ هناك من قوانين الحياة وأدواتها ما يُوصِله بربّه، "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ ..."[فصلت 30].
فآمنوا بملائكته، ووجدوا ذلك في قلوبهم، أنّ معنى الغيب لا يعني أنّه تركهم، أو أنّهم لا يستطيعون التّواصل معه، آمنوا بأنّ هناك ما يُوصِلهم به، فاتّجهوا إليه في خارجهم، وفي داخلهم.
فأدركوا أنّ هناك دائمًا على الأرض من سيساعدهم، ومن سيوضّح لهم، ومن سيكشف لهم، آمنوا أنّ الله لن يتركهم، بل سيجعل هناك من الرّسل من يوقظهم، ومن يساعدهم، فآمنوا بـ "رُسُلِهِ".
وقبل ذلك آمنوا ـ آيضًا ـ بأنّ هذا الذي يؤمنون به، موجودٌ في قوانين الحياة حولهم، وأنّهم يستطيعون أن يقرأوها ويتعلّموا منها، وكان هذا معنى آمنوا بـ "كُتُبِهِ" محفوظةٌ، موجودةٌ، مقروءةٌ، وهذا هو معنى "كُتُبِهِ".
هذا هو  الدّين كما نتعلّمه من آيات الله، والذي هو قائمٌ في كلّ عصرٍ وفي كلّ مكان، وهو قائمٌ اليوم بكلّ مفرداته، وبكلّ أركانه، وبكلّ مكوّناته. الدّين حيٌّ نعيشه، فأنت كإنسان، هو الإنسان الذي أوجده الله دائمًا في قديم، والذي سيوجده في قادم، أنت الإنسان الذي يحمل أمانة الحياة، والذي أعطاه الله المعرفة، وعلّمه الكلمات، وأنت الإنسان الظّلوم الجهول، الذي كنت قبل أن تحمل الأمانة لا شيء، وستكون لا شيء، فأصبحت بأمانة الحياة شيئًا، وستصبح شيئًا، أصبحت بأمانة الحياة حيًّا، وستصبح حيًّا، إن حافظت على هذه الأمانة فيك.
وكلّ إنسانٍ يوم يُعمِل ما فيه من فطرة، سيكون أهلًا للمعرفة، يوم يبحث، يوم يسأل، يوم يتساءل، يوم يطلب، يوم يدعو، وسوف تتنزّل عليك ملائكة الله، وهنا الملائكة ليس جسدًا، وليس شكلًا، وليس إسمًا، إنّه العلم اللدنّي، إنّه الإلهام، إنّه التوفيق، إنّه الفكرة، إنّه اللمحة، إنّه الكلمة.
وسوف يسمع هذا الإنسان هذه الدّعوة من رسل الله في كلّ صورةٍ وفي كلّ شكلٍ، وهي تعلّمه معنى الله كغيب، وتعلّمه الوصلة بالله بوجود ملائكته، وتعلّمه كيف يقرأ كتب الله، فيما أنزل الله في رسالاته، وفيما أوجد في كونه، "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ..."[فصلت 53].
وسوف يؤمن هؤلاء أنّ رسل الله موجودون دائمًا، ليس فقط بتجلّيهم في الأولياء وفي عباد الله الصالحين، وإنّما بوجودهم الرّوحيّ الموجود دائمًا، "... وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ..."[الأنعام/122].
وكما نتأمّل ونتدبّر دائمًا، أنّ معنى الرّسول هو المقصود الدّائم، "... مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً"، هو معنىً دائم، وما في الإنسان من فطرةٍ صالحة، هو تعبيرٌ عن معنى من معاني رسول الله. وآيات الله في الكون، هي رسائل لله تُرسَل، فهي بذلك معنى من هذه المعاني.
وتصوُّر الدّين كأنّه أمرٌ جاء وانتهى، وفسّره المفسّرون، ووضع قواعده الفقهاء، وانتهى الأمر، وهو كيانٌ جامدٌ لا يتغيّر، وأنّ علينا أن نراه كذلك، وأنّ خروجنا عن ذلك سوف يُسبّب تشتّتًا، هو أمرٌ يبتعد عمّا نراه من الحقّ.
فالدّين حيٌّ يتفاعل مع الإنسان، ويُكبِر الإنسان، ويُكبِر فكر الإنسان، ويُكبِر عقل الإنسان، ويُكبِر أن تجتمع الأمّة وتتفقّه في دينها، وتتواصى بالحقّ، وتتواصى بالصّبر، وتبحث عمّا يُصلِحها، وعمّا هو أفضل لها، وتعلم أنّ ما جاء في رسالات الله الزّمنيّة القديمة، لا يعني أنّ مفهوم النّاس عنها هو الحقّ، وإنّما هو مفهومٌ فيه جانبٌ من الحقّ، ولكن دائمًا هناك جانبٌ آخر، وأن التعدّد ليس فيه فتنة، وإنّما فيه تكاملٌ وترابط، وأنّ الثّوابت الأساسيّة، هي في الصّدق مع ما يراه الإنسان من حقٍّ وحقيقة، وأنّ كلّ ما جاء به الدّين من حقائق، هي أساسها أنّ الإنسان يتّفق معها ولا يختلف معها، بفطرته وبسرّ الله فيه.
عباد الله: هكذا، نرى الدّين كمعنىً شاملٍ في الحياة، وكمعنىً حيّ نتفاعل معه ويتفاعل معنا.
نسأل الله: أن يوفّقنا لما فيه خيرنا، ولما فيه صلاحنا.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: إنّ حديثنا اليوم كان تأمّلًا في معنى الدّين بالنّسبة لنا، فما نراه من مناظراتٍ وآراءٍ في قضيّة الدّين، ومصادره، وأصوله، وما يجب أن نتمسّك به، وما يجب ألّا نغيّره ـ هي أحاديثٌ قديمة، وهي لا تتناول الموضوع من جانبٍ حقّيّ، إنّما تتناوله من جانبٍ شكليّ، حيث ترى الدّين شكلًا، وصورةً، ورسمًا، ولا تراه حيًّا، لا تراه حقًّا يناظر، ويوجّه، ويجذب الإنسان، وإنّما تراه ضعيفًا، تخشى عليه أن ينقضّ عليه النّاس، والدّين أكبر من ذلك وأقوى؛ لأنّه قانون الحياة، [ما شادّ هذا الدّين مشادٌّ إلّا جذبه](1).
الدّين، هو الحقّ الذي يراه الإنسان، والذي تراه الجماعة، والذي يراه العقل، ويراه القلب، والذي هو أحسن، "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..."[العنكبوت 46]، وهو أحسن دائمًا، ليس بمفهوم سلفٍ أو خلف، وإنّما في أصوله الثّابتة، وفي دعوته القائمة الدّائمة، في الفكر المستنير، وفي العقل السّليم، وفي التّواصي بالحقّ والتّواصي بالصبر.     
عباد الله: حين نتكلّم عن الدّين، دائمًا نقول: أنّه حيّ، وأنّنا علينا أن نتفاعل معه كقيامٍ حيّ، وأن نستلهم منه كحيّ، والحيّ دائمًا يقبل ما هو أفضل وأحسن وأقوم، وأنّ مفهومنا عن الدّين ليس هو الدّين، وأنّ ما قاله السّابقون في تفاسيرهم، هو فهمٌ له وجاهته، وله أسسه، ولكن لا يعني أنّه الحقّ المطلق.
وأنّ علينا أن نتفاعل دائمًا مع أصولنا بالحجّة، وبالمنطق، وبالرجوع ـ أيضًا ـ إلى ما قاله السّابقون، ولكن لا يعني هذا أن نغلق بابًا يفتحه الله لنا بفهمٍ جديد، أو بمعرفةٍ جديدة، تتواءم وتتوافق مع الرّسالة المُبلّغة، ومع قوانين الله الدّائمة في أرضه التي نعيش عليها.
عباد الله: نسأل الله أن يوفّقنا أن نكون أداة خيرٍ وسلامٍ ورحمة، وأن نكون دائمًا راجعين إليه، ومتوكّلين عليه، تائبين إليه، مدركين أنّ علينا أن نتحدّث بما نرى أنّه الحقّ، ولا يعني تحدّثنا، أنّنا الحقّ المطلق، وإنّما هو تأمّلٌ قد يكون صوابًا، وقد يكون خطأً، ونحن نتحدّث عن ذلك دائمًا، فكلّ حقٍّ هو خطأٌ في مرحلةٍ مّا، وكلّ خطأٍ قد يكون صوابًا في مرحلةٍ مّا، فالقضيّة قضيّةٌ نسبيّة، ولا يعلم الحقّ المطلق إلّا الله، ولا يعلم الخطأ المطلق إلّا الله.
نسأل الله: أن يجعلنا أهلًا لرحمته، وأهلًا لنعمته، وأهلًا لتوفيقه وحكمته.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنبًا إلّا غفرته، ولا همًّا إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا. 


_____________________

(1)      قال صلى الله عليه وسلم " أن الدين يسر ، ولا يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدُلجه " .أخرجه البخاري ـ منتخب الصحيحين للنبهاني .


  

الخميس، 22 نوفمبر 2018

يوم يكون الإنسان حريصًا على معنى الحياة فيه، يكون قد أدرك معنى علاقته برسول الله.

حديث الجمعة 
8 ربيع الأول 1440هـ الموافق 16 نوفمبر 2018م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
"لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ"[التوبة 128]، هكذا يخاطبنا الحقّ عن مجيء رسول الله بيننا، يحدّثنا عن مولده وعن قيامه في مجتمعنا، في بيئتنا، في أرضنا، إنّه قولُ حقٍّ دائمٍ قائمٍ على هذه الأرض. فإذا كان مولد الذّات المحمّديّة، هو تعبيرٌ عن هذا المعنى وتجسيدٌ له، فإنّ هذا المعنى هو معنىً قائمٌ ودائم، بما ترك محمّدٌ رسول الله فينا من عترته وسنّته.
وفي قانون الحياة الذي تعلّمناه، في أنّ كلّ حقٍّ لا يفنى ولا يزول، وأنّ كلّ قولٍ فيه حياة لا يفنى ولا يزول، فكلّ ما جاء به محمّدٌ رسول الله، هو قائمٌ لا يفنى ولا يزول. ومعنى الحياة أكبر من قيام هذه الذّات، وما قيام الذّات إلّا تجلّي لمعنى حياة.
فظهور الإنسان بالذّات، هو تجلّي للإنسان في مكانٍ وفي زمان، أمّا الإنسان بمعناه الرّوحيّ فهو أكبر من المكان والزّمان، هو قبل هذا المكان، وقبل هذا الزّمان، وهو بعد هذا المكان، وبعد هذا الزّمان.
فإذا كنّا نتذكّر في هذه الأيّام، مولد الذّات المحمّديّة، التي تجلّى معنى رسول الله بها، فإنّا نتذكّر هذا المعنى الدّائم، الذي أُمِرنا دائمًا أن نكون في صلةٍ به،"إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"[الأحزاب 56]، وهذه نعمة الله على الإنسان، أن جعل دائمًا هناك من يُذكّره ومن يُعلّمه.
والإنسان حين يدرك هذه النّعمة، يطلب دائمًا من الله أن يجعله كذلك، "... رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ"[الأحقاف 15].
حين نتأمّل في هذه الآيات، نجد أنّ النّعمة الكبرى، هي نعمة الحياة، والحياة هي المعنى الذي يُبقيك على هذه الأرض، وهي المعنى الذي يُذكّرك بمعنى وجودك، وبمعنى قيامك، وبمعنى حياتك، وهي المعنى الذي يحفظك، والذي يقودك إلى ما هو أفضل وأحسن.
النّعمة التي تشكر الله عليها، ليست في مالٍ، فهناك من لا مال له، وليست في صحّةٍ، فهناك من لا صحّة له، وليست في جاهٍ، فهناك من لا جاه له ـ ولكن في معنى الحياة فيك، في المعنى الذي يُذكّرك، والذي يحفظك.
هذا المعنى الذي نقول عنه دائمًا، هو رسول الله لك، هو كلمة الله فيك، هو سرّ الله بك، هو معنى الحياة لك، وأنت تسأل الله أن يقودك إلى ذلك، وأن يُحفّزك لتدرك ذلك، وأن يُعلّمك ذلك يوم تقول: "أَوْزِعْنِي"، لقد أدركت أنّك لا يمكن أن تشكر نعمة الله، إلّا إذا أوزعك لتكون كذلك، إلّا لو جعلك تكون ذلك.
"أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ"، إنّك تعبّر بذلك عن استمراريّة قانون الحياة، فكما هي نعمة الله لك، كانت نعمة الله لوالديك، لقديمك، كانت قبل أن تكون، وستكون بعد أن كنت. "وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي"، فأنت قائمٌ بين قديمٍ وجديد، وتعلم أنّ القانون دائمٌ في كلّ حال.
فإذا قمت في ذلك، فأنت تدرك أنّك ما كنت على الطّريق القويم، وأصبحت على الصّراط المستقيم، فتتبع ذلك بالقيام في معنى التّوبة، "إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ"، أتوب إليك، فقد كنت غافلًا عن معنى الحياة فيّ، وعن معنى رسول الله فيّ، ورجعت إلى هذا المعنى، وتبت عمّا كنت فيه، فأصبحت من المسلمين، "إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ".
وهنا، معنى المسلمين، ليس مجرّد صفةٍ تكتسبها أو تكسبها بالمولد، وإنّما هنا تعبير: أنّك قلت: "إِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ"، تعبيرٌ عن أنّك كسبتها بإدراكك، يوم اتّجهتَ إلى ربّك بأن يوزعك أن تشكر نعمته عليك، واتّجهتَ إليه أن تعمل صالحًا، واتّجهتَ إليه أن يُصلِح من ذريّتك وفي ذريّتك. يوم قمتَ في ذلك حقًّا، تبتَ إليه وذكرتَ إنّك من المسلمين.
وهذا التّعبير، نجده في آياتٍ أخرى، يوم يعمل الإنسان عملًا صالحًا ويقول: إنّي من المسلمين، "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ"[فصلت 33]، و"مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا ..."[آل عمران 67] ، فالمسلم ليس مجرّد كلمةٍ نقولها عن أنفسنا أو عن غيرنا ـ وإنّما هي كلمةٌ يقولها الإنسان عن نفسه، يوم يدرك حقًّا معنى الإسلام.
عباد الله: نسأل الله: أن يجعلنا ممّن نتوب إليه، ونقول إنّا من المسلمين، وأن يجعلنا دائمًا برسول الله متّصلين، نصلّي ونسلّم عليه في كلّ وقتٍ وحين. هكذا، نكون من الذّاكرين، المسلمين، المؤمنين.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو ما تأمّلناه في الرّبط بين نعمة الله التي أنعم علينا، وبين "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ".
فيوم يكون الإنسان حريصًا على معنى الحياة فيه، يكون قد أدرك معنى علاقته برسول الله، فرسول الله "حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ"، وأنت يوم تشعر بذلك، وتقوم في ذلك، فإنّك تتّجه إلى الله، تتّجه إلى ربّك داعيًا: "أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ"، وتدرك أنّ هذا المعنى لا يدوم إلّا إن أكملت دعاءك، بـ: "وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ"، فبهذا تحافظ على نعمة الله عليك.
وأنّ من فضل الله عليك، أن يكون لك امتدادٌ ينتفع بما انتفعت به، وأنّ هذا لا يكتمل إلّا بأن تدعو الله: "وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي"، وهنا معنى الذّريّة ليس مجرّد أبناء، وإنّما هو عملٌ صالحٌ مستمرّ، وندرك ذلك من مخاطبة الحقّ لنوحٍ ـ عليه السّلام ـ: "... إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ..."[هود 46]. 
فالعمل هنا، مرتبطٌ بامتدادك في أيّ شكلٍ وفي أيّ صورة، وما كلمة ذريّتي هنا، إلّا تمثيلٌ ورمزٌ على الامتداد في هذه الأرض، [ينقطع عمل ابن آدم إلّا من ثلاث، صدقةٌ جارية، أو علمٌ يُنتفع به، أو ولدٌ صالحٌ يدعو له](1)، كلّها أعمالٌ باقية، فأنت لا تنظر إلى لحظتك فقط، ولكن تريد أن يكون عملك له تأثيرٌ باقٍ على هذه الأرض، وهذا دعاؤك أن تكون أداة خيرٍ وصلاحٍ وفلاح، بأيّ صورةٍ وبأيّ شكل، إنّك يوم تتّقي الله في عملك هو عملٌ صالحٌ باقٍ، يوم تعدل في عطائك وأخذك يكون عملٌ صالحٌ باقٍ، وهكذا في أقلّ القليل.             
فهكذا ندرك دائمًا، أنّ الإنسان وهو يذكر محمّدًا رسول الله، فهو بذلك يعبّر عن فهمٍ وإيمانٍ بهذا المعنى في دوامه وفي بقائه، لا يَذكر معنىً كان، وإنّما يذكره معنىً دائمًا قائمًا، وهذا ما نريد أن نقوله اليوم، حتّى نكون أهلًا دائمًا، لصلةٍ دائمةٍ برسول الله في كلّ صلاةٍ وسلامٍ عليه، "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا".
نسأل الله في يومنا هذا وفي لحظتنا هذه: أن يجعلنا دائمًا ممّن يذكرون ويصلّون على رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وأن نكون دائمًا في قيامنا وركوعنا وسجودنا، له ذاكرين، ولنعمة الله علينا به مدركين، وأن يجمعنا الله دائمًا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى محبّته.
اللهم وهذا حالنا، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنبًا إلّا غفرته، ولا همًّا إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنّا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.
_____________________________________

(1)           حديث شريف نصه: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له." الراوي: - المحدث: ابن تيمية المصدر: مجموع الفتاوى. 

  ____________________

"وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي"
"إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ"

"وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ"[فصلت 33] 

"مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا ..."[آل عمران 67] 

"لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ"
"حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ"
"أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ"
"وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ"
"وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي"

"... إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ..."[هود 46] 

(1)   حديث شريف نصه: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له." الراوي: - المحدث: ابن تيمية المصدر: مجموع الفتاوى. 
"إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"

  

الإنسان حين يُكشف له الظّلام الذي في وجوده، فإنّه يتعلّم النّور.

حديث الجمعة 
24 صفر 1440هـ الموافق 2 نوفمبر 2018م
السيد / علي رافع
حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
الحمد لله، الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.
الحمد لله، الذي جعل لنا حديثًا متّصلًا نتواصى فيه بالحقّ والصّبر بيننا، نتدبّر آيات الله لنا، في الآفاق، وفي أنفسنا، حتّى يتبيّن لنا أنّه الحقّ.
فالإنسان، معرّضٌ لآيات الله، ودور الإنسان أن يقرأ هذه الآيات، فهو في قيامٍ محجوبٌ عنه ما وراء هذه الأرض، كوجوده في ظلام، في ليل، ينتظر بصيص نورٍ يستطيع به أن يرى حقيقة وجوده.
"وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ، هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ"[الفجر 5:1]، ماذا نفهم من هذه الآيات؟ التي هي رموزٌ، ليست مجرّد كلماتٍ تدلّ على ظواهر طبيعيّة، أو عباداتٍ ظاهريّة، وإنّما هي إشارةٌ لقضيّة الإنسان.
"هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ"، لذي عقل، لذي تدبّرٍ وتأمّل؟ هل في هذه الكلمات ما يجعلك تعرف أكثر عن نفسك، وأكثر عن وجودك؟ هل في هذه الكلمات إشاراتٌ لحقائق تُقسم بها؟ أنت تُقسم بمقدّسٍ لديك، تقسم بأعلىً عليك، تقسم بحقيقةٍ لديك.
"وَالْفَجْرِ"، هو يوم تقرأ آيات الله، وترى آيات الله أولًا، لتقرأها، ولكنّك في ظلام، "وَلَيَالٍ عَشْرٍ"، إشارةٌ إلى أنّك في حجابٍ كثيف، ليلةٌ تلو ليلة، فأغلب وجودك على هذه الأرض، هو قيامٌ في ليل، قيامٌ في حجاب.
قد لا ترى نتيجة هذا الظّلام الذي تعيش فيه، وهذا الحجاب الذي أنت قائمٌ فيه، وهذا الليل الذي يحيط بك ـ ولكنّ هناك فجرًا، هناك لحظةٌ سوف ترى فيها، سوف تسمع فيها، سوف تخرج من هذا الليل، فإن تعاقبت الظلمات فلا تيأس من أن ترى نورًا في يوم، لا تيأس من أن يكون هناك فجرٌ ترى فيه، وتشهد فيه آيات الله.
وأنت قائمٌ في هذا الليل، في شفعٍ ووتر، "... أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ..."[سبأ 46]، والشّفع هو أن تكون لك صحبة، أن تتواصى بالحقّ وبالصّبر مع أخٍ لك في الله. الشّفع له معانٍ كثيرة، وليس معنىً واحد، منها ما أشرنا إليه الآن، ومنها أن تكون صحبتك مع رسول الله، مع حبيب الله، مع خليل الله، ليس ذاتًا بذات، وإنّما إدراكٌ لمعنى، هو قيامك في اتّجاهٍ لقبلة، هو معنى الحضرتين، هو معنى شهادة أنّ لا إله إلّا الله وأنّ محمّدًا رسول الله.
إنّنا نريد أن نوضّح دائمًا، أنّ للإشارات الموجودة في القرآن معانٍ كثيرة، وليس معنىً واحد، وإذا كنّا نتأمّل اليوم في معنىً من هذه المعاني، فإنّ ذلك لا يعني أنّه هو المعنى الوحيد.
فأنت قيامك في ظاهر الحياة، قيامك في الحجاب، يتطلّب منك أن تكون في صحبة، فإذا أدركت الحقيقة المجرّدة، فهي لا إله إلّا الله، وهي الوتر، هي المعنى الواحد، [لا موجود بحقٍّ إلّا الله].
وهذا ما أشار القوم إليه، بمعنى الفناء في الله، [لا موجود بحقٍّ إلّا الله]، [وجودك ذنبٌ لا يُقاس به ذنب](1)؛ لأنّك في إدراكك الحقّيّ المجرّد، لا وجود لك، الوجود لله، والبقاء لله، والقيام لله، لا إله إلّا الله، الله هو الحيّ القيّوم، هو الذي "... لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..."[الشورى 11]، وهو كلّ شيء، وهو أوّلٌ فليس قبله شيء، وهو آخرٌ فليس بعده شيء، وهو ظاهرٌ فليس فوقه شيء، وهو باطنٌ فليس دونه شيء.
حين ننظر للآيات ـ في هذه السّورة ـ التي تلي هذا القسم، نجد حديثًا، وإشارةً، وتذكيرًا بحال أممٍ من قبلنا، كيف قامت في ليل، ولم تر فجرًا، أممٌ بأكملها عاشت ليالٍ عشر، ولم تر فجرًا، "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ، وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ، وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ"[الفجر 10:6]، ماذا فعل الله بكلّ هؤلاء؟ ماذا فعل بـ "الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ"[الفجر 14:11]؟ قانون الحياة. وهذه الآيات، هي حديثٌ وتوجيهٌ للإنسان.
لذلك، نجد الآيات بعد ذلك تتحدّث عن الإنسان، "فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ"[الفجر 16،15]، هذا قيام الإنسان في الليالي العشر، هذا قيام الإنسان في الحجاب، يقيس الأمور بما هو ظاهرٌ منها، لا يعرف أن الله وراء ما يصيبه من نعمة وما يصيبه من نقمة، وأنّه مبتلى في كلا الحالين، وأنّ عليه أن يتذكّر ذلك.
هذه الآيات، تُعرِّفنا عن الإنسان في قيامه في ليل، هذه طبيعته، وهذا ما سوف يصل إليه عقله وهو في هذا الحجاب المظلم، ولا تحدّثنا عن حاله بعد أن يفيق ـ في هذه الآيات ـ إنّما تترك لنا ذلك لنتعلّمه.
فالطّبيعي أن نتعلّم من هذا الأسلوب، أن يقول الإنسان أنّ عليه أن يتعلّم من كرم الله عليه، ومن ابتلاء الله له، هو لم يطلب تقتيرًا عليه في الرّزق، ولم يرفض كرم الله عليه في أيّ صورةٍ، وفي أيّ شكل، وإنّما عليه أن يتذكّر أنّه مبتلى في الحالتين، وأنّ عليه أن يفكّر فيما يجب أن يقوم عليه إذا ما أكرمه الله، وإذا ما ابتلاه الله بأن قتّر عليه في رزقه ـ عليه أن يفكّر أنّ علاقته بالله أكبر، وأنّ صلته بالله أعظم، وأنّ تفكيره يجب أن يكون أعمق.
وهكذا، تُكمِل الآيات في وصف الإنسان في حال ظلامه، "كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا، وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا"[الفجر 20:17]، نجد أنّها تُكمِل في وصف الإنسان في وجوده في الليالي العشر، وتترك الفجر لتقدير الإنسان الذي يتأمّل في هذه الآيات، فيعرف أنّ بعد كلّ ذلك، لو أنّه تعلّم من ذلك، وقوّم نفسه على ما يجب أن يكون عليه، بعكس حاله المظلم، فإنّ فجرًا سوف يُشرق عليه، وأنّ هذا الفجر يُشرق في حياته، ويُشرق في وجوده الأرضيّ.
وهنا الإشارة بعد ذلك، أنّ على الإنسان أن يدرك أن يفيق وهو على هذه الأرض؛ لأنّ في هذا حياته، ونجاته، وصلاحه، "كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا، وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا، وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى، يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي"[الفجر  24:21]، هنا الإشارة، أنّ الإفاقة تكون على هذه الأرض، وهذا هو معنى الحياة الأرضيّة وقيامنا عليها، هو أن نفيق وأن يبزغ الفجر ونحن عليها.
"فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ، وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ، يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ"[الفجر 27:25]، هنا إشارة، لمن ظهر له الفجر على أرضه، "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي"[الفجر 30:27].
هكذا، نجد أنّ آيات هذه السّورة تتكامل في معنىً، هو معنى الحياة، هو معنى الوجود على هذه الأرض، ومعنى الوجود بعد هذه الأرض، لعلّنا نتعلّم من آيات الله لنا، ومن تلاوتنا لآيات الله، نفكّر فيها، ونتأمّل فيها، حتّى نصل إلى حالٍ أفضل، وأن يبزغ فجرنا في قلوبنا، وفي حياتنا، فترى عيوننا ما لا تراه وهي في حال ظلام، وتسمع آذاننا ما لا يُسمع وهي في حال ظلام، وتشعر قلوبنا بما لا تشعر به وهي في حال غفلة.
[قلوب العارفين لها عيونٌ، ترى ما لا يُرى للنّاظرين](2)، هكذا عبّر القوم عن حال الإنسان في هذا الحال، الذي يبزغ فجره فيه، فيكون شاهدًا، يكون رائيًا، يكون قادرًا على التّعلّم، والتّعرُّف، والتّدبّر، والتأمّل، وأن يكون قارئًا لآيات الله، فيتحقّق بها، فيصبح في معنى: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ..."[فصلت 53]، فيتبيّن لهم أنّه الحقّ.
عباد الله: نسأل الله: أن يوفّقنا جميعًا لذلك، وأن يجعلنا أهلًا لذلك.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
_______________________
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو تأمّلنا في آيات الله في سورة الفجر، في دلالاتها، وفيما توحي به إلينا من ربطٍ بين ظواهر كونيّة، وحال الإنسان، وحال الأمم، وأنّ الإنسان حين يُكشف له الظّلام الذي في وجوده، فإنّه يتعلّم النّور.
فهذه الآيات لا تحدّثنا عمّا يجب أن نكون عليه في هذه الأرض، ولكن تحدّثنا عمّا نحن عليه في ظلامنا، ونستنتج نحن أنّنا لا يجب أن نكون كذلك، فنعرف أنّ القيام في عكس ذلك، هو ما يجعلنا أهلًا لنور الله، وما يجعلنا نتعرّض لنفحات الله، فيبزغ فجرنا، فنرى ما لم نكن نراه، ونسمع ما لم نكن نسمعه.
كما توضّح لنا قيمة حياتنا، وقيمة وجودنا، بأن تُعلّمنا أن فرصتنا المتاحة لنا على هذه الأرض، هي فرصةٌ كبيرة، تُخرِجنا من الظّلمات إلى النّور، وتجعلنا في معنى: "النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ"، التي ترجع إلى ربّها راضيةً مرضيّة .
وأنّنا ما تواجدنا على هذه الأرض، إلّا لنمرّ بهذه التّجربة، فعلينا أن نتعلّم منها، وعلينا أن نكسب حياتنا.
عباد الله: نسأل الله: أن يحقّق لنا ذلك، وأن يجعلنا أهلًا لذلك.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنبًا إلّا غفرته، ولا همًّا إلّا فرجته، ولا حاجةً لنا فيه رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.
_____________________

(1)  مقولة للإمام علي ـ  كرم الله وجهه ـ .

(2)  من أبيات لسهل التستري.