الخميس، 5 ديسمبر 2019

حين يُوجد في الإنسان طلبٌ للحقِّ، إنَّها نقطة البداية.


حديث الجمعة
 2 ربيع الثاني 1441هـ الموافق 29 نوفمبر 2019م
السيد/علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من الشَّيطان الرَّجيم، نعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، نسأله رحمةً وهدايةً وعزمًا، لنكون أفضل، ولنكون أرحم، ولنكون أقوم، لنكون سالكين "... الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ"[الفاتحة 6]، والطَّريق القويم، قاصدين دائمًا وجهه، متوكِّلين دائمًا عليه، مستعينين دائمًا به.
عباد الله: إن آيات الله تُعلِّمنا وترشدنا إلى ما نطلبه ونسأله، ترشدنا إلى ما يُحيي قلوبنا، ويُهدِّئ نفوسنا، ويُنير عقولنا ـ يوم نقرؤها قراءة طلبٍ، وقراءة دعاءٍ، لأن نحقِّق ما فيها من معانٍ، وما بها من إرشادٍ، وما فيها من توجيهٍ.
ونحن نقرأ في كلِّ صلاةٍ فاتحة الكتاب؛ لأنَّ فيها هدف وجودنا وهدف قيامنا، ما يجعلنا قادرين على مواصلة الحياة التي نعيشها، ومن التَّغلب على العقبات التي نقابلها، ومن الإجابة على التَّساؤلات التي نطرحها.
نبدأ دائمًا "بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"[الفاتحة 1]؛ لأنَّ اسم "الرَّحْمَنِ" هو الرَّحمة بلا نهائيَّتها، هو الرَّحمة بلا محدوديَّة وبلا قيود، هو الرَّحمة التي فوق كلِّ شيء، والتي وسعت كلَّ شيء، والتي تحيط بكلِّ شيء، والتي هي أكبر من أيِّ شيء، هي الحياة، هي الثَّواب، هي الهداية، هي الطَّريق، هي الجنَّة، هي العُلا، هي المأوى، هي كلُّ شيءٍ فيه حياةٌ، وفيه نورٌ، وفيه كسبٌ، هي فوزنا، هي نجاتنا، هي حياتنا.
ونبدأ باسمه "الرَّحِيمِ" أيضًا الذي هو الرَّحمة المشهودة، والرَّحمة الموجودة، والرَّحمة التي تحيط بنا في وجودنا المُقيَّد، فالله رحيمٌ بعباده، و"... لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ ..."[الشورى 19]، فأوجد مع كلِّ عسرٍ يسرا، وأوجد مع كلِّ ضيقٍ مخرجًا وفرجا. فنحن بذلك نُذكِّر أنفسنا بأن نكون على صلةٍ دائمةٍ باسمه "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، والتي عَلَّمنا رسول الله أنْ [لا يدخل الجنة أحدكم بعمله، حتى أنت يا رسول الله؟ حتى أنا، ما لم يتغمدن الله برحمته](1).
إنَّه الافتقار إلى الله، إنَّه خشية الله، وخشية الله لا يعرفها إلَّا من عَلِم، "... إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ..."[فاطر 28]، الذين يخشون الله لا يَدَّعون على الله، ولا يتكلَّمون باسم الله، ولا يفرضون وجودهم على الآخرين بادِّعاء أنَّهم ينوبون عن الله، إذا قرأوا الآيات خشعت قلوبهم، فلا يجرؤون أن يقولوا أنَّ الله يريد كذا وكذا، لا يستطيعون أن يقولوا أنَّهم يفهمون شرع الله، وأنَّهم يعلمون شرع الله، وأنَّهم يريدون أن يُطبِّقوا شرع الله؛ لأنَّ شرع الله هو مُطبَّقٌ وقائمٌ، "... إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ..."[الطلاق 3]، إنَّه لا ينتظرهم ليُطبِّقوه.
إنَّما عليهم أن يخشوا الله فيما يقومون به، وفيما يُطبِّقونه هم، كيف يتوافق ما يريدون أن يُطبِّقوه مع ما هو قائمٌ في فطرتهم من معنى الأفضل والأصلح والأقوم.
إن الله تعالى عن أن يريد شيئًا بعينه؛ لأنَّ إرادته فوق أن نعلمها؛ ولأنَّ إرادته نافذة دائمًا في كلِّ صورةٍ وفي كلِّ شكل، فالقضيَّة قضيَّتنا، ومعنى أنَّ الله خلق آدم خليفةً له على الأرض، معنى الخلافة هنا، هو مسئوليَّة الإنسان عن أرضه وعن وجوده.
فوجب على الإنسان أن يتولَّى هذه المسئوليَّة، [كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسئولٌ عن رعيَّته](2)، ويجب على الأمَّة أن تتولَّى مسئوليَّتها، "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ..."[آل عمران 104].
فكيف تكون خشية الله في أقوامٍ يقولون أنَّهم يريدون أن يُطبِّقوا شرع الله، وكيف يحصرون شرع الله في شكلٍ أو في صورةٍ، ويتصوَّرون أنَّهم بذلك أقاموه، أو طبَّقوه، أو فَعَّلوه. خشية الله هي لـ "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ..."[البقرة 3]، فيتحرَّجون أن يتكلَّموا باسم الله، إنَّما يتكلمون بما يرون هم أنَّه الأفضل لهم على هذه الأرض.
وآيات الله حين يقرؤونها يتلمَّسون فيها ما هو أفضل لهم على هذه الأرض من خلال وجودهم، وليس من النَّظر إلى ما يقرؤون تجسيدًا لشكلٍ أو لصورةٍ، فأيُّ إرادةٍ لله هي أكبر من أيِّ شكلٍ أو أيِّ صورة، إنَّما التَّوجيه للإنسان أن يتأمَّل ويتفكَّر.
"بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، تحمل كلَّ هذه المعاني، فأنت تبدأ بها لتُذكِّر نفسك بأنَّك لا تنقل إرادة الله، ولا المقصود من الآيات بمعناها المطلق، إنَّما تريد أن تتفاعل معك الآيات لتجعلك أفضل، دون صورةٍ ودون شكل، إنَّما الشَّكل والصُّورة ينبع منك أنت يوم تكون أفضل، ويوم تكون أحسن، "لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ"[الواقعة 79]، و"الْمُطَهَّرُونَ" ليسوا هم المُطهَّرون ذاتًا أو جسدًا، وإنَّما هم المُطهَّرون قلبًا وعقلًا وإدراكًا، فيصلون بتَأمُّلهم وتَفكُّرهم إلى ما تحمله الآيات لهم.
فإذا قرأوا "الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"[الفاتحة 2]، حملت لهم هذه الآية معنى "الْحَمْدُ"، ومعنى "رَبِّ الْعَالَمِينَ". فالحمد هو قيامٌ يستطيع الإنسان أن يدركه بتأمُّله، وتفكُّره، وتدبُّره، فقد خُلِق الإنسان في صورةٍ، وفي بيئةٍ، وفي حالٍ، وبقدراتٍ وإمكاناتٍ قد تكون قليلةً وصغيرة، وقد تكون كبيرةً وكثيرة، وهو لا يملك أن يُغيِّر صورته، ولا أن يُغيِّر بيئته، ولا أن يُغيِّر قدراته الأساسيَّة، إنَّما يستطيع أن يُنمِّي هذه القدرات بالتَّدبُّر، والتَّعلُّم، والتَّأمُّل، وبالعمل، وبالذِّكر، وبالاستماع، وبالقراءة.
هذا الحال إذا قام فيه الإنسان، أنَّه عرف إمكانيَّاته وقدراته، ورضى عن هذا الحال الذي هو فيه، وفَعَّل ما فيه من قدرات وطاقات، عرف معنى "الْحَمْد"، سيكون قلبه راضيًا عن وجوده، غير ناقمٍ على حاله، يدرك أنَّ الله "رَبُّ الْعَالَمِينَ"، ليس ربَّه فقط، وإنَّما هو "رَبُّ الْعَالَمِينَ"، ربُّ من يخالفونه في العقيدة، وفي الفهم، وفي الإدراك، وفي السُّلوك، وفي العمل، وفي العلم، في كلِّ شيء، فلا يقول كيف يفعل الله لهؤلاء ذلك وأنا أفضل منهم، وهم أقلُّ منِّي، الله "رَبُّ الْعَالَمِينَ"، لا يحكم على أحدٍ، ولا يَصِم أحدًا بأيِّ نقيصةٍ أو صغيرةٍ، إنَّما يكون دائمًا مدركًا أنَّ الله "رَبُّ الْعَالَمِينَ".
هو يتَّجه إلى وجوده فيحاول أن يُخرِج من وجوده أحسن ما يستطيع، قد لا يكون الإنسان قائمًا في ذلك، ولكنَّه بعقله يدرك أنَّه لا يستطيع أن يكون غير ذلك، إذا أراد أن يحيا حياةً قويمةً، ويستعين على نفسه بـ"الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"[الفاتحة 3]، "الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"، كما بدأ بها يُؤكِّدها بعد إدراكه لمعنى "الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"، فيطلب قوَّةً ورحمةً من "الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"، ليكون في هذا الحال، في حال الحمد الذي يُمَكِّنه من أن يُنجِز، وأن يُغيِّر، وأن يتطوَّر بإمكاناته وقدراته.
ويعلم أنَّه مهما اختلف مع الآخرين، فالله "مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ"[الفاتحة 4]، هكذا نُعلَّم. حين يعتقد البعض أنَّه أفضل من الآخر، فالذين يدركون يقولون: الله يحكم بيننا يوم القيامة، "اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ"[الحج 69]، في كلِّ أمور حياتكم، في كلِّ أهدافكم، في كلّ أفعالكم، في كلِّ صوركم.
عباد الله: إن قراءة الآيات ليست مجرَّد ذكرٍ، وإنَّما هي أيضًا دعاءٌ ـ كما نقول دائمًا ـ فالذّكر دعاء، والدُّعاء ذكر، فإذا قرأنا الآيات فلندعُ بما فيها، ولنتَّجه إلى الله لأن يُعيننا على أن نقوم في معانيها ومبانيها.
فمعانيها هي مفهومٌ يقوم فينا، ومبانيها هي قيامٌ نقوم فيه، هكذا يكون الإنسان في الطَّريق القويم، وعلى الصِّراط المستقيم، وهذا مفهومٌ لنا وليس أمرًا مطلقًا، فكلُّ إنسانٍ له مفهومه، وله إدراكه.
نسأل الله: أن يُحقِّق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
___________________
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نُوضِّحه اليوم من وجهة نظرنا: هو تأمُّلٌ في آياتٍ من فاتحة الكتاب، والتي نقرؤها في كلِّ صلاة، ونقرؤها دعاءً وطلبًا للعون وللرَّحمة، لعلَّنا ونحن نقرؤها في كلِّ مناسبةٍ، وفي كلِّ عبادةٍ أن نتذكَّر معانيها، وأن نحاول أن نقوم في مبانيها، [فقد جُمِع القرآن في فاتحته، وجُمعَت الفاتحة في البسملة، وجُمعَت البسملة في بداية الباء، التي نبدأ بها البسملة، "بِسْمِ اللّهِ"، كما قال البعض](3).
وهذا تعبيرٌ مجازيّ عن أنَّ الحقيقة كلُّها تكمن في نقطة الحقِّ، في أن يُوجد في الإنسان طلبٌ للحقِّ، إنَّها نقطة البداية، إنَّها نقطة الطَّلب، أنَّك تطلب، أنَّك تدعو، أنَّك تفتقر، أنَّك لا تغترُّ بنفسك، ولا تتكبَّر بذاتك، ولا تَدَّعي علمًا بما يريد الله ـ إنَّما أنت مفتقرٌ إلى الله، مُتَّجهٌ إليه.
تعلم أنَّ كلَّ ما تقول وما تفعل، وما هو موجودٌ فيك بقدرتك، بفطرتك، بما حصَّلت من علمٍ، والعلم الذي حصلت عليه هو مفهومك أنت، هو إدراكك أنت، ليس كلُّ ما تعلم هو الحقُّ المطلق، إنَّما هو علمٌ تَعلَّمته، هو أمرٌ أدركته، هو أمرٌ عَقِلته، ورأيت فيه أنَّه ما يُحييك، وما يُخرِجك من حالٍ إلى حال.
عباد الله: علينا أن نقرأ آيات الله قراءة دعاءٍ وطلبٍ ورجاء، أن نقوم في معانيها، وأن يكون سلوكنا، وحالنا، وتصرُّفاتنا، هي تعبيرٌ عن هذا المفهوم الذي قام فينا.
نسأل الله: أن يُحقِّق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النَّاس حولنا.
اللهم ونحن نتَّجه إليك، ونتوكَّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلَّا إليك.
اللهم اكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنَّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.  
____________________

(1)    "لا يُدخل أحدكم الجنة عمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة وفضل" حديث شريف رواه أحمد بهذا اللفظ ورواه البخاري ومسلم هكذا "سددوا وقاربوا وابشروا فإنه لن يُدخل الجنة أحدكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمه ".

(2)    جاء بسنن الترمذي: ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم أنه‏ ‏قال ‏" ‏ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه ، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"‏. 

(3)    روى الشعراني: عن الإمام علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه وكرّم وجهه أنّه كان يقول: لو شئت لأوقرت لكم ثمانين بعيراً من معنى (الباء) .. لطائف المنن 1: 171، طبعة مصر..

وروى القندوزي الحنفي في (ينابيع المودّة) ما لفظه: وفي الدرّ المنظم: إعلم أنّ جميع أسرار الكتب السماوية في القرآن، وجميع ما في القرآن في الفاتحة، وجميع ما في الفاتحة في البسملة، وجميع ما في البسملة في باء البسملة، وجميع ما في باء البسملة في النقطة التي تحت الباء، قال الإمام علي كرّم اللّه وجهه: أنا النقطة التي تحت الباء.

وقال أيضاً: "العلم نقطة كثّرها الجاهلون، والألف وحدة عرفها الراسخون" .. ينابيع المودّة: 69 و 408، طبعة إسلامبول.


الاثنين، 25 نوفمبر 2019

معنى "رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ" هو معنىً دائم في الحياة، في كلِّ مجتمع، وفي كلِّ دين.



حديث الجمعة 
25 ربيع الأول 1441هـ الموافق 22 نوفمبر 2019م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
نتَّجه إلى الله دائمًا، سائلينه أن يُنير بصائرنا وأن يُطِّهر قلوبنا، حتَّى نتعلَّم من آياته، نقرأ آياته ونتدبَّرها لنتعلَّم منها ما يرشدنا في طريق الحقِّ إلى أن نكسب حياتنا ونكسب كرَّتنا، لنكون أحياءً عند ربِّنا نُرزق.
والحقُّ في آياته يُعلِّمنا قوانين الحياة ـ كما نقول دائمًا ـ وإعجاز القرآن ـ في نظرنا ـ هو في هذه القوانين التي يُعلِّمنا إيَّاها، فهي قوانينٌ موجودةٌ في فطرتنا، ولكنَّنا بانشغالنا بظاهر وجودنا لم نقرأها في وُجداننا وفي نفوسنا، فكانت الرِّسالات السَّماويَّة والكتب الحقيَّة هي التي تكشف لنا عن هذه القوانين.
ومن القوانين التي تعلَّمتها البشريَّة من خلال تجاربها الإنسانيَّة، ومن خلال ممارساتها لأساليب كثيرة في جميع مناحي الحياة العلميَّة، والاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة، والسياسيَّة، وكلِّ ناحيةٍ أخرى ـ تعلَّمت الإنسانيَّة ما وصلت إليه اليوم من قيمة النَّظر، والتَّأمُّل، والتَّدبُّر، والملاحظة، والرُّؤية، والتَّحليل، والتَّفكير، والإثبات، والتَّحقيق، والتَّطبيق لكلِّ ما تَعلَمه في حياتها، وفي سلوكها، وفي ما يُريح ويُسهِّل الحياة للقائمين على هذه الأرض.
حين نتأمَّل بعض آيات الذِّكر الحكيم، نجد آياتٍ تُعلِّم البشرية هذا المعنى بصورةٍ مكرَّرةٍ في تعبيراتٍ مختلفة. فنجد منها التَّوجيه المباشر مثل: "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ..."[العنكبوت 20]. ومنها ما هو في صورٍ غير مباشرة: "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ..."[آل عمران 191]، وهي آيةٌ لمن يدرك بحقٍّ يجدها مباشرةً أيضًا، ولكنَّ النَّاس حين يقرأون هذه الآية قد تذهب أذهانهم في الذِّكر إلى التَّسبيح، وإلى الصَّلاة، وإلى الدعُّاء بالطُّرق التَّقليديَّة.
وتذهب أذهانهم أيضًا " فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ"، إلى الإنبهار بهذا الخَلْق وبكماله وجماله، ولا تذهب أذهانهم إلى أبعد من ذلك، لذلك نقول أنَّها آياتٌ غير مباشرة، لأن من يتعمَّق في هذه الآيات يجد أنَّ "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ"، تصف حالًا لا يمكن أن يُدرك وأن يُفهم إلَّا بأن تُصبح كلُّ حياتك ذكرًا، وأن تُصبح كلُّ حياتك ذكرًا هو أن يكون عملك ذكرًا، ومعاملاتك ذكرًا، وقراءتك لكلِّ ما تتعلَّمه ذكرًا، وأبحاثك ذكرًا، واختراعاتك ذكرًا، وخدماتك ذكرًا، كلُّ شيءٍ هو ذكرٌ لله.
و"خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" هو كلُّ العلوم، وكلُّ المعارف التي تظهر على هذه الأرض، والتي أنتجها من يذكرون، ومن يتأمَّلون في خلق السَّماوت والأرض.
بل أنَّنا حين نجد التَّعبير عن ناتج كلِّ هذا الذِّكر، هو أيضًا ممكنٌ أن نتأمَّله في الآية: "مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ..."[الفتح 29]، كيف ذلك؟.
حين نُكمل الآية، سوف نُوضِّح ذلك أكثر، ولكنَّنا في البداية أيضًا نُحبُّ أن نُوضِّح معنى: "أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ"، وهل هي تعني فترةٌ زمنيةٌ كان يعيش فيها مُحمَّدٌ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ على هذه الأرض؟ وهل الآيات تصف أحداثًا تاريخيَّة، وأحوالًا زمنيَّة في أوقاتٍ سابقة؟ أم أنَّنا يجب أن نفهم أنَّها قانونٌ دائم؟
البعض يقرؤونها بسطحيَّتها على وصف حال مُحمَّدٍ ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ في حال تواجده الزَّمنيّ الذَّاتيّ، ومن كان معه، ومعنى: "أَشِدَّاء" في فهمهم، أنَّهم يجاهدون الكفَّار، ويتراحمون بينهم من النَّاحية المادِّيَّة الحرفيَّة.
وهذا تفسيرٌ جائز، لا نستطيع أن ننكره، ولكن إذا أردنا أن نفهم كيف نُطبِّق هذه الآية اليوم؛ لأنَّ الآية فيها معنى عامّ، وهو ما يحاول البعض، بعض الغُلاة، تنفيذه بفكرهم، بأن يقتلوا كلَّ كافرٍ، وأن يرفعوا من شأن كلِّ مؤمنٍ ـ في نظرهم ـ، فنراهم يستحلِّون دم كلِّ من هو غير مسلم، فهكذا طبَّقوا هذه الآية في واقعهم.
فهل هذا ما نريد أن نُطبِّقه في واقعنا؟ ومن هم الكفَّار الذين سوف نكون أشدَّاء عليهم، هل هم كلُّ من لم يؤمن برسالة مُحمَّدٍ ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ.؟ هذا في اعتقادنا غير جائز وفي نظر آخرين أيضًا؛ لأنَّ آيات القرآن قد فرَّقت بين من لم يؤمن برسالة مُحمَّدٍ ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ، وأهل الكتاب، والكفَّار.
فمن هم الكفَّار في هذه اللحظة، في هذا الوقت، في هذا الزَّمان؟ هل هم الملحدون، وكيف تكون شديدًا عليهم؟ إنَّك في واقع الحياة اليوم، لا تستطيع أن تَمسَّ إنسانًا بسوءٍ طالما هو في حاله، يعمل، يفكِّر، يعتقد، فأنت لست مطَّلعًا على ما في قلبه. هنا نجد أنَّنا أمام سؤالٍ يجب أن نُحدِّده، من هم الكفَّار في هذه الآية؟.
سوف نرى لاحقًا تفسيرًا عن وصف من هم مع مُحمَّدٍ ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ. "... تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ..."[الفتح 29]، إذًا، هل كلُّ غير الرَّاكعين السَّاجدين الذين يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، هم الكفَّار؟
سؤالٌ إجابته: محتملٌ أن يكون هذا التَّعبير صحيحًا مع فهم معنى يركعون ويسجدون ويبتغون فضلًا من الله ورضوانا. هل هي في إقامة صلاةٍ شكليَّة، أو في أن يتحدَّثوا عن إيمانهم بلسانهم، وآخرون يُنكرون الأمر بلسانهم، عن أمورٍ دينيَّةٍ منسكيَّة. هذا يعني أن نصل إلى ما يفسِّره الغُلاة في أنَّ كلَّ من لا يُؤدِّي مناسك الإسلام بحرفيَّتها فهو كافرٌ، وهذا ما يتنافى مع ما بدأنا به، وما جاء في آياتٍ كثيرة.
لو أنَّنا فهمنا أنَّهم يركعون ويسجدون "يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا"، هو معنى لا ينصرف إلى شكل الصَّلاة الظَّاهرية، وإن كانوا يؤدُّونها كأسلوب حياة في إقامة صلةٍ مع الغيب، وتعبيرٍ عن متابعتهم لرسول الله، إلَّا أنَّ في هذا السِّياق، المقصود به أو ما نتأمَّله بمعنى أصحّ، أنهم يخضعون لقانون الحياة، فالرُّكوع والسُّجود هو خضوعٌ.
ونحن نتكلَّم كثيرًا في معنى الخضوع لقانون الحياة، وأنَّه معنى من معاني العبوديَّة لله، فمعنى ذلك أنَّ هؤلاء هم "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ"، وهؤلاء هم الذين يسيرون في الأرض فينظرون كيف بدأ الخَلْق، هؤلاء الذين يُعمِلون كلَّ طاقاتهم لخدمة البشريَّة، سواء بعلمهم، أو بعملهم، أو بدعائهم، بكلِّ شيءٍ، بكلِّ إمكانيَّاتهم، بكلِّ طاقاتهم؛ لأنَّهم علموا أنَّهم ما وُجِدوا على هذه الأرض إلَّا ليكونوا أداة خيرٍ للبشريَّة.
ويكون معنى الكفَّار هنا، هم الجاهلون الذين لا يقدِّمون شيئًا، الذين يتجمَّدون عند فكرةٍ ولا يريدون أن يتطوَّروا، الذين يُحرِّمون كلَّ شيء، والذين يُكفِّرون كلَّ شيء، ويُكفِّرون كلَّ إنسان، الذين يخفون الحقيقة، الذين يتستَّرون وراء الدِّين بظنِّ أنَّهم حُماتُه، وأنَّهم علماؤه، وبظنِّ أنَّهم المؤمنون الذين يدافعون عنه، والذين يُطبِّقون أحكامه، والذين يعلمون ما أراد الله، والذين يَحكُمون بما أنزل الله، والذين يُطِّبقون شرع الله، الذين يختفون وراء هذه الشِّعارات دون أن يكون ذلك في حقيقته منعكسًا على خدمة البشريَّة، أو أن يكون بنظرةٍ فاحصةٍ لشكل التَّطبيق لخدمة الإنسانيَّة، إنَّما يأخذون صورًا وأشكالًا غير صالحةٍ للتَّطبيق، ويلصقونها بأنَّها أمر الله.
وهناك تفسيراتٌ أخرى لآياتٍ الله التي عَلَّمنا الله أن نتأمَّل ونتدبَّر فيها، وأن نتواصى فيها بالحقِّ والصَّبر بيننا، وألَّا نأخذ صورةً واحدة ونقول أنَّها هي الحقُّ المطلق، وأن تكون منَّا أمَّةٌ تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتدعو بالخير، وتؤمن بالله، ومن هنا نعني أنَّ هناك تفسيراتٍ كثيرة، وأنَّه لنُطبِّق أيًّا منها علينا أن نتواصى بالحقِّ والصَّبر بيننا.
هؤلاء الذين يخفون الحقيقة، هؤلاء هم الكافرون الذين يحجبون الحقَّ، ويحجبون عن الإنسان أن يُفكِّر، وأن يتعلَّم، وأن يتدبَّر، وأن يبحث، وأن يُغيِّر، وأن يُطوِّر.
لذلك، نجد بقيَّة الآية تُعبِّر عن ذلك، "... ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ..."[الفتح 29]؛ لأنَّها هنا تُعلِّمنا أنَّ هذه المعاني  موجودةٌ في كلِّ كتابٍ أُنزِل "... وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ ..."[الفتح 29]، كلُّ هذا التَّعبير فيه تشبيهٌ بالنَّبات في نُموِّه بصورةٍ صحيحة، بجودة رَيِّه وتغذيته ورعايته، ليُصبح نباتًا طيِّبًا، وليُصبح شجرةً مباركة "... أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء"[إبراهيم 24].
وهو تعبيرٌ عن هؤلاء الذين يذكرون الله، الذين يركعون ويسجدون و"يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا"، هم يعملون، هم يزرعون، ونتيجة عملهم، هذه الشَّجرة المباركة، وهذا الزَّرع المبارك، الذي "... يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ..."[الفتح 29]، فالزَّراع هنا إشارة إلى أنَّ الموجودين على الأرض، ويعرفون في كلِّ العلوم، حين يرون نتيجة علمٍ قد طُبِّقت، وأينعت، وأثمرت، سوف يُقيِّمون هذا الفعل بأنَّه فعلٌ جيِّد، "يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ"، يعجب المُقيِّمون، يعجب المُحكِّمون، يعجب العلماء، يعجب الأسوياء، يعجب الصَّالحون، يعجب الفاهمون العالمون، يعجب العلماء، يعجب كلَّ إنسانٍ عنده علمٌ ومعرفة، وإدراكٌ وفهم، وتقديرٌ لما هو أحسن وأفضل.
هؤلاء حين يُقدِّرون هذا الفعل الصَّالح، هذا العمل الصَّالح، يغتاظ الكفَّار، يغتاظ الجاهلون الذين يحجبون العلم، الذين يقولون لا علم هناك، الذين يقولون أنَّنا فقط الذين نعلم، وأن كلَّ ما عليك يا إنسان أن تُطبِّق هذه الحرفيَّات التي نقولها لك، وهذه الأشكال التي نقول أنَّ عليك أن تمارسها، وأنَّ لا دين غير ذلك، وأنَّ لا رسالة بعد ذلك، وأنَّ لا فهم غير ذلك، هؤلاء المُتنطِّعون الذين يرون في فهمهم أنَّه كلُّ شيء.
الذين يحجبون الحقيقة ويظنُّون أنَّهم يُصلحون، وأنَّهم بمجرَّد قولهم هذا سيُغيِّرون، وسيجعلون الحال أفضل، والمجتمع أفضل. "... لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ..."[الفتح 29]؛ لأنَّهم سوف يجدون أنَّ أعمالهم لا تنفع، وأن هناك "مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ"، يركعون، ويسجدون، يعملون، ويطوِّرون، ويبحثون.
هم يعملون ولكن قد يُخطئون، فيُصلِحون، فلذلك نجد باقي الآية "... وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم ..."[الفتح 29]، ماذا وعد الله هؤلاء؟ هل قال: "... أَجْرًا عَظِيمًا"[الفتح 29]؟ قال، ولكن قبل أن يقول ذلك قال: "... مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا"[الفتح 29]؛ لأنَّهم بعملهم هذا، حين يُخطئون يستغفرون، ولا يتكبَّرون، ولِمَا أخطأوا فيه يُصلِحون، ولا يفعلون ذلك حبًّا لأن يُشكَروا، أويُكَرَّموا، أو يُشار إليهم بالبنان، إنَّما يفعلون ذلك لأنَّهم يدركون أنَّ هذا واجبهم، وأنَّ هذا طريقهم، وأنَّ هذه حياتهم، وأنَّ لهذا خَلَقَهم، فهذا معنى الإيمان الحقِّيِّ،"... وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا"[الفتح 29].
وهنا نتعلَّم دروسًا كثيرة من هذه الآية، من هذه الكلمات القليلة التي تُعبِّر عن قانون الحياة، الذي تَعلَّمناه على مرِّ العصور والأجيال، قالته الآيات منذ أربعة عشر قرنًا لتُعلِّمنا أنَّ هذا هو القانون، وأنَّ هذه هي الحياة، أنَّ الدِّين هو ذلك، أنَّ [الدِّين هو المعاملة](1)، أنِّ الديِّن هو العمل، أنَّ الدِّين هو الإيمان الحقِّيّ، ليس بقول كلمةٍ.
هذا لم يقرؤه الكثيرون، قرؤوا قشورًا ولم يتعمَّقوا في معنى الآيات، ودلالاتها، وعمقها، وإدراك أنَّنا مخاطبون دائمًا، فلا يجب أن نقرأ آيةً موجَّهةً لرسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ولا نتفكَّر في كيف نُطبِّقها اليوم؛ لأنَّها كانت لرسول الله والذين معه.
معنى "رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ"، هو معنىً دائم، دائم في الحياة، وفي الوجود، في كلِّ مجتمع، وفي كل بيئة، وفي كلِّ دين، وفي كلِّ ملَّة في الشَّرق أو في الغرب، في الشَّمال أو في الجنوب، في كلِّ جنسٍ، لأنَّ الدِّين أُرسِل للكَّافة، أُرسِل بالفطرة ـ كما نقول ـ أُرسِل بما يتعلَّمه الإنسان من الحياة، من تجارب الإنسان في الحياة، من تجارب الأمم في الحياة، في وضع قوانينها، وفي أبحاثها، وفي علومها، في كلِّ شيءٍ فيها رسالةٌ دائمة، ورسولٌ دائم.
نسأل الله: أن نتفهَّم آيات الله، ونستغفر الله عن أيِّ فهمٍ خاطئٍ قد يُؤدِّي بنا إلى عملٍ خاطئٍ، نستغفره ونتوب إليه، ونطمع في رحمته، ونطمع في أنَّنا نرجع إلى الحقِّ إذا تبيَّن لنا، وأن نُغيِّر أحوالنا دائمًا من حالٍ إلى حال، ومن قيامٍ إلى قيام.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
________________________
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نُوضِّحه اليوم: أنَّ كلَّ آيةٍ في كتاب الله، هي قانونٌ دائمٌ على هذه الأرض، وعلينا أن نتأمَّل في كيفيَّة تطبيقه في حياتنا اليوم، لا أن ننظر إليه على أنَّه حدثٌ قام في سابقٍ وفي ماضٍ؛ لأنَّنا بذلك نفقد الصِّلة مع الآية، ولا نفتح قلوبنا لأن يصل إلينا معناها ومغزاها.
إنَّما علينا ونحن نقرأ آيات الله في كتابه، وفي الآفاق، وفي أنفسنا، وفي كلِّ رسالةٍ لنا موجَّهة بأيِّ صورةٍ من الصُّور، أن نفتح قلوبنا وعقولنا، ونتساءل: كيف نُطبِّق هذا الفهم في حياتنا، وفي وجودنا؟ وكيف يتحوَّل هذا الفهم إلى تطبيقٍ في كلِّ مناحي حياتنا، من علمٍ، ومن عملٍ، ومن تعاملٍ، ومن كلِّ أمرٍ نؤدِّيه؟ وضربنا مثلًا بالآية التي أشرنا إليها: "مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ"، كتعبيرٍ عن أنَّها قانونٌ دائم، ورسالةٌ دائمة، علينا أن نقرأها بعمقٍ ونتأمَّلها.
وأعطينا مفهومًا وتأمُّلًا قد يُخطئ وقد يُصيب، بل أنًّه ـ كما نقول دائمًا ـ أنَّ كلَّ ما نراه صوابًا اليوم ربَّما يتغيَّر عندنا في مستقبلٍ، فيكون هناك ما هو أصوب منه، فندرك أنَّنا لا نقول بذلك الكلمة المطلقة، أو الفهم المطلق، إنَّما هو فهمٌ إن أردت أن تُطبِّقه فستطبِّقه بما فهمت مما قلنا، ومما فهمت مما قرأت، فهذه مسئوليتك، وهذا أمرك، هكذا نقول دائمًا.
نسأل الله: أن يوفِّقنا أن نكون أداة خيرٍ لأنفسنا، ولمن حولنا، ولمجتمعنا، ولأمَّتنا، ولأرضنا، وأن نكون أهلًا لرحمة الله، ولكرم الله، ولفضل الله.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النَّاس حولنا.
اللهم ونحن نتَّجه إليك، ونتوكَّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلَّا إليك.
اللهم فاكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السَّاعة ذنبًا إلَّا غفرته، ولا همًّا إلَّا فَّرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلَّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنَّا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.
____________________

(1)    مقولة للإمام علي بن أبي طالب: (الصلاة عادة، والصوم جلادة، ومعاملة الناس هي العبادة)."



السبت، 16 نوفمبر 2019

"لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ"


حديث الجمعة 
18 ربيع الأول 1441هـ الموافق 15 نوفمبر 2019م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
نحمد الله كثيرًا، ونُصلِّي ونُسلِّم على رسوله تسليما، نذكر نعمته علينا، ونذكر فضله، وكان فضله عظيما.
عباد الله: إنَّ آيات الله حدَّثتنا في ماضٍ، وتُحدِّثنا في حاضرٍ، وستحدِّثنا في مستقبلٍ. آيات الله فيها ذكرٌ وتذكيرٌ في حاضرنا، تُعلِّمنا أنَّ الإنسان على هذه الأرض في كلِّ لحظةٍ عليه أن يُحاسب نفسه، وأن يكون متيقِّظا لكلِّ ما يصدر عنه، ولكلِّ ما يُبلَّغ به.
"اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ"[الأنبياء 1]، يُذَكَّرون دائمًا ولكن لا يتذكَّرون، "مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ"[الأنبياء 2].  "ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ" قد نفهم ذلك، أنَّه ما جاء في عصر النُّبوَّة، وهذا صحيح، ولكن ما معنى هذه الآية لنا، ونحن نقرؤها اليوم، ونستمع إليها اليوم؟
ذكر الله، ماذا يعني ذكر الله؟ ماذا يعني: "ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم"؟ إنَّ الذِّكر هنا، هو العلم الدَّائم المتجدِّد، "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ  ..."[ فصلت 53]،  فذكر الله لا ينتهي، وعلم الله لا ينتهي، وكلمات الله لا تنتهي، "قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا"[الكهف 109].
وحين ينبِّهنا الحقُّ إلى ذلك: "لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ"[الأنبياء 10]، "ذِكْرُكُمْ" هنا، تحتاج أن نتوقَّف عندها، فحين تقرأ ماذا قال الذين يفسرون هذه الآية، سوف تجد أنَّهم فسَّروا "ذِكْرُكُمْ" بمعانٍ كثيرة، وكلٌّ أوَّلها بصورةٍ مَّا، فبعضهم قال حديثكم، وبعضهم قال شرفكم، وبعضهم قال دينكم.
"فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ"، كيف يعقل الإنسان؟ حين نقول أنَّه شيءٌ معقول، هو أن يتوافق هذا الشَّيء مع ما نستحسنه، ومع المبادئ الأساسيَّة التي نتَّفق عليها، والتي تُؤدِّي إلى هذا الشَّيء المعقول، إنَّه الشَّيء الذي يتَّفق مع العلم والمعرفة، مع الإدراك والفهم، مع أسباب الحياة التي عَلِمناها، مع القيم التي عشناها، مع الأفضل والأحسن الذي تَعلَّمناه والذي هو موجودٌ في وجداننا وفي ضمائرنا، ما تستريح له قلوبنا، وما تستريح له عقولنا.
"فِيهِ ذِكْرُكُمْ"، فيه علمكم، فيه ما تعقلون، فيه ما ترتضون، فيه ما يُصلِحكم، فيه ما يُطوِّركم، فيه ما يجمعكم، فيه ما فطرناكم عليه وما أوجدناكم فيه، "وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ"[الذاريات 21]، أنظروا إلى داخلكم، ستجدون كتاب الله، "فِيهِ ذِكْرُكُمْ"، فيه حياتكم، فيه نجاتكم.
إنَّا حين نتكلَّم عن كيف نُحسِّن من خطابنا عن ديننا، ومن تعريفنا عن ديننا، لا يكون ذلك بترديد كلام السَّابقين فقط، فهناك كثيرٌ من هذا الكلام وهذا الحديث يعكس واقعًا مختلفًا كان، وعلمًا مرتبطًا بأوانه وزمانه ومكانه، علمًا مرتبطًا بقديمٍ كان، ونحن نعلم ما في التُّراث من أمورٍ كثيرةٍ دُسَّت واختُلِقَت لأسبابٍ سياسيَّة، واجتماعيَّة، واقتصاديَّة، وعِرقيَّة، ونفسيَّة، وأشياء كثيرة أخرى.
وقد بنى السَّابقون كثيرًا آراءهم على ما عرفوه في وقتهم، وما ظنُّوا فيه أنَّه من مصدرٍ حقِّيّ من حديثٍ لرسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، أو من سيرته، أو من صحابته، وأحسنوا بصحابته الظنَّ، مع أنَّ الكثيرين يعلمون أو يفتون أنَّ كلَّ إنسانٍ أيَّا كانت صلة قُربه، أو صحابته، أو اتِّباعه، ما يقوله هو رأيٌ يُردُّ عليه، وكثيرٌ ممَّا يُردَّد اليوم هو ترديدٌ لآراءٍ، وليس لأنَّ مصدره مُنْزَلٌ أو مُقدَّسٌ.
حتَّى التَّنزيل المُقدَّس، فإنَّه يُقرأ بقراءاتٍ كثيرة وبمفاهيم كثيرة، وهذا ليس شيئًا سيِّئًا، إنَّما هو يفتح المجال لأن نتفهَّم معنى: "كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ"، فيه علمكم، فيه ما تستحسنون وما تحبُّون، وما تجدون فيه أنَّه الأفضل والأقوم والأحسن، فافهموه كذلك، واقرؤوه كذلك، لا تقرؤوه بعيدًا عن ضمائركم، وعن قلوبكم، وعن عقولكم، اقرأوه قريبًا من قلوبكم، ومن عقولكم، ومن ضمائركم، ومن أحاسيسكم.
إذا قرأتم أيَّ آيةٍ قد تظنُّون فيها أنَّها دعوةٌ إلى كراهية، فلا تقرؤوها كذلك، وإنما اقرؤوها بما فيها من حبٍّ، ومعرفةٍ، وإدراكٍ، وتعاطفٍ. حين يقرأ البعض: "وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ..."[البقرة 120]، يقرؤوها قراءة كراهية، والدِّين لا يدعو إلى الكراهية، بل أنَّ آياتٍ كثيرةٍ أخرى في أهل الكتاب تقول: "لَيْسُوا سَوَاءً ..."[أل عمران 113].
بل أنَّ الرَّسول ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ حين دخل المدينة وكتب أوَّل دستورٍ في التَّاريخ، الذي يُوضِّح الحقوق والواجبات، وكان في المدينة اليهود، عاملهم بأنَّ: [لهم ما لنا وعليهم ما علينا](1)، فالمعاملة هي معاملة إنسانٍ لإنسان، ليست هناك كراهيةٌ لأيِّ كائنٍ كان.
إنَّما هذا واقعٌ، النَّاس كذلك، يتعصَّبون لدينهم، ويتعصَّبون لظنِّهم بأنَّ هذا هو الحقُّ، فيدعون الكلَّ لاتِّباع ملَّتهم، وأنت تدعو النَّاس أيضًا أن يتَّبعوا ملَّتك. الدَّعوة هنا، يجب أن تكون تذكيرًا بالذي هو أحسن والذي هو أفضل، "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ..." [أل عمران 64]. 
هم يدعون ويطلبون ويقولون، فليقولوا، ونحن نقول، وليكن هدفنا أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا".
هل إذا استمعنا إلى مثل هذه الآية، نقتلهم، نحاربهم، أم أنَّنا ندعوهم إلى الكلمة السَّواء، لا بأن يُغيِّروا دينهم، أو ما هم عليه، وإنَّما "إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ"، "أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ"، أي لا يفرض فريقٌ على الفريق الآخر رأية، أو اعتقاده. نقول دائمًا: أنَّ كلَّ ما جاء هو من عند الله، وأنَّنا جميعًا نتَّجه إلى الله، وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ".
لا يدعو ذلك ـ لو فهمناه بحقٍّ ـ إلى كراهيةٍ أو إلى قتالٍ أو إلى كلِّ هذه الأمور التي تؤدِّي بنا في النِّهاية أن نكون قَتَلَة، نقتل من نظنُّ أنَّه كافرٌ بالظنِّ، بالوصف، بالكلمة، ونحن لا نعرف ماذا يعني الكافر بالمعنى المطلق.
إنَّ النَّاس جميعًا يدخلون حروبًا، وهي أمرٌ خاطئٌ، وكلُّ فريقٍ بالنِّسبة للآخر هو كافرٌ، فالذين يتحاربون هم كُفَّار، كلٌّ يُكفِّر الآخر، ليس تكفيرًا بمعنى تكفيرٍ دينيّ فقط، وإنَّما يظنُّ أنَّ الحقَّ معه، وأنَّ هذه الأرض ملكه، وأنَّ عليه أن يقاتل من أجلها، وهكذا هذا يحدث.
فإذا جاءت الآيات التي تتحدَّث عن هذا الجهاد البدنيّ الحربيّ، فهو ليس لسببٍ دينيّ أو عقائديّ، وإنَّما هو دفاعٌ عن أرضٍ، وعن نفسٍ، وعن حريَّةٍ، ليس غير ذلك. "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ..." [البقرة 216]، "وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ..." [البقرة 216].
إذًا، فأيُّ قتالٍ، وأيُّ آياتٍ تتحدَّث عن قتالٍ، فهي تتحدَّث عن واقعٍ بشريٍّ يحدث نتيجة اختلاف وجهات نظرٍ، أو إحساسٍ بملكيَّةٍ أو بمصلحةٍ أو بواقعٍ يُحتِّم ذلك، وليس لأنَّ هذا يعتقد أمرًا غير ما أعتقد فأقتله، لا توجد آيةٌ بمثل هذا المعنى.
فإذا كان البعض وهم يحاولون أن يُحسِّنوا الخطاب الدِّينيّ، أو أن يطلبوا مثلًا ألَّا تُدرَّس مثل هذه الآيات، هذا خطأٌ، إنَّما الصَّحيح هو أن يُوضَّح معناها بالمعنى الذي ليس فيه اعتداءٌ على أيِّ إنسانٍ لسببٍ دينيّ، أو عقائديّ، أو جنسٍ مختلف، أو عرقٍ مختلف، أو أيِّ صورةٍ من الصُّور التي رأيناها في التَّاريخ، التي تحدث فيها حروب إبادة لجنسٍ، أو لعرقٍ، أو لدينٍ ـ فكلُّها حروبٌ لا تقوم على أساسٍ صحيح.
طبيعة البشر، أنَّه قد يحدث مثل هذه الحروب، ولكن الأفضل أن يُسوِّي النَّاس بعضهم ببعض مشاكلهم بالتَّفاهم، والتَّفاوض، والسَّلام، والفهم، والإدراك للحقائق، والتَّحكيم بينهم من أناسٍ عقلاء، وهذا ما جنحت إليه البشريَّة، وتجنح دائمًا، وتحاول بما فيها من ذكرٍ، "فِيهِ ذِكْرُكُمْ"، أن تفعل ذلك.
نحن نضرب هذه الأمثلة، لا نتكلَّم عن موضوعٍ بذاته اليوم، وإنَّما نضرب هذه الأمثلة لنُوضِّح معنى: "كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ"، وأنَّ قراءة الآيات يجب أن تنبع من ذلك.
ولكن للأسف، فإنَّ هذه الرُّؤية رغم وضوحها، ورغم بساطتها، ورغم أنَّها تحلُّ كثيرًا من الإشكالات، إلَّا أنَّنا لا نزال نرى البعض متمسِّكًا برؤيةٍ قديمةٍ حرفيَّة، يُكرِّر كلامًا لا يفهمه، ويقول كلامًا لا يدركه، ويظنُّ بذلك أنَّه يدافع عن الدِّين، وأنَّ الدِّين سوف يُهدَم إذا لم يُنفَّذ ما يراه السَّابقون، وما قاله بعض المُفسِّرين، أو بعض المنظِّرين، أو بعض الذين يتصوَّرون أنَّ الدِّين بشكله الذي فهموه من كتاب الله، وسُنَّة رسول الله، ومن المتابعين الذين فسَّروا في عصورٍ قديمة ـ يجب أن يُنفَّذ كما فهمه السَّابقون، كما فهمه السَّلف، كما فهمه الصَّحابة، كما فهمه التَّابعون، كما فهمه تابعو التَّابعين، إلى لحظةٍ يقفون عندها ولا يتحرَّكون منها، وهذا ما أدَّى بنا إلى ما نحن عليه اليوم، نريد أن نُكرِّر السَّابق دون فهمٍ ودون وعي.   
"مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ"، لا يريدون هذا المُحدَث، يريدون قديمًا، يريدون كلامًا يردِّدونه كما ردَّده السَّابقون، لا يريدون تغييرًا، لا يريدون إصلاحًا، لا يريدون أن يُعمِلوا عقولهم وأن يتدبَّروا أمرهم، وأن ينظروا نظرةً عميقةً إلى دينهم، هذا هو حالنا؛ لأنَّنا لا نريد أن يكون كتابنا هو ذِكرنا.
نسأل الله: أن يرفع الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نُوضِّحه اليوم: هي قضيَّةٌ أساسيَّة في قراءتنا لكتابنا ولقرآننا، وهي أن نقرأه بما أودع الله فينا من نعمته، ومن رحمته، ومن عقلٍ، ومن إحساسٍ، ومن ضميرٍ، ومن محبَّةٍ، ومن تعاطفٍ، ومن سلامٍ، ومن خيرٍ، وحبٍّ للخير لنا وللبشريَّة جمعاء.
لا نقرؤه كتابًا طائفيًّا مُتعصِّبًا، لا نقرؤه كتابًا يدعو إلى أمورٍ ليست موجودةً في ضمائرنا، ولا في عقلنا الجمعيّ، ولا إحساسنا الفطريّ، فهو كتابٌ فيه ذكرنا، فيه علمنا، فيه فطرتنا، فيه ما عَلَّم الله آدم من أسماء، ونحن أبناء آدم، تَعلَّمنا هذه الأسماء في وُجداننا، وفي أرواحنا، وفي نفوسنا، وفي عقولنا، وفي قلوبنا.
قد يغفل البعض منَّا عن هذه الأسماء فيه، لا يُحاسبون أنفسهم، ولا يُميِّزون بين الطَّيِّب والخبيث فيهم، "اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ"، وحسابهم هنا هو أنَّهم أُعطُوا القدرة أن يحاسبوا أنفسهم، "بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ"[القيامة 14]، قدرتهم على محاسبة أنفسهم قريبةٌ جدًّا منهم؛ لأنَّها في وجودهم، هم غافلون عن هذا المعنى في وجودهم، هم مُعرِضون عن هذا المعنى في وجودهم، لا يريدون أن يُوقِظوا هذا المعنى في وجدانهم، كلَّما وجدوا في أنفسهم عيبًا تركوه ولم يلتفتوا إليه، وأغمضوا عيونهم عنه، لا يريدون أن يحاسبوا أنفسهم، وكلَّما ذُكِّروا بذكرٍ مُحدثٍ لم يسمعوه وابتعدوا عنه لاعبين.
هكذا تُحدِّثنا الآيات، ولكنَّنا لا نقرؤها، نقرؤها كتاريخٍ قديم، حدث، قِيل. كيف نقرؤه اليوم؟ لا نقرؤه اليوم. كيف نستفيد منه اليوم؟ لا نستفيد منه اليوم.
لذلك، فإنَّا نُذكِّر أنفسنا دائمًا، بأن نقرأ كتابنا وقرآننا بقلوبنا، وعقولنا، وأحاسيسنا، وبمعنى المحبَّة فينا التي أودع الله بنا، وبمعنى الأفضل الذي أوجد الله في ضمائرنا، وبمعنى الخير للنَّاس جميعا، بمعنى الخير الذي فطرنا الله عليه.
هكذا نسأل الله: أن نكون، وأن نتعلَّم، وأن نكون أهلًا لرحمته، وأهلًا دائمًا لعلمه وحكمته، وأن نحاسب أنفسنا دائمًا، وأن نرجع إلى الله دائمًا، وأن نستغفر الله دائمًا، نستغفر الله كثيرًا، ونعوذ برحمته، ونعوذ بمغفرته، نتَّجه إلىه، ونتوكَّل دائمًا عليه.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا وتعلم ما عليه النَّاس حولنا.
اللهم ونحن نلجأ إليك، ونقترَّب إليك، وندعوك في كلِّ دعاء، ونرجوك في كلِّ رجاء، ونطلبك في كلِّ طلب، ونسألك في كلِّ سؤال.
اللهم فاكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنَّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السَّاعة ذنبًا إلَّا غفرته، ولا همَّا إلَّا فرَّجته، ولا حاجةً فيها رضاك إلَّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.

____________________

(1) بنود المعاهدة (الوثيقة) التي عقدها الرسول مع يهود المدينة في العام الأول للهجرة:

1- إن يهود بني عوف أُمَّة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم.  2- وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم‏. 3- وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة‏. 4- وإن بينهم النُّصح والنصيحة، والبرَّ دون الإثم‏.  5- وإنه لا يأثم امرؤُ بحليفه‏. 6- وإن النصر للمظلوم‏. 7- وإن اليهود يُنفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين‏. 8- وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة‏. 9- وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مردَّه إلى الله –عز وجل، وإلى محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم‏. 10- وإنه لا تُجَارُ قريشٌ ولا مَنْ نَصَرَهَا‏. 11- وإن بينهم النصر على من دهم يثرب‏.‏‏.‏ على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قِبَلَهُمْ‏. 12-  وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم‏.

وقد اختلف العلماء والمؤرخون على هذه الوثيقة ومدى صحَّتها؛ فأثبتها البعض ونفاها آخرون.