الخميس، 27 أبريل، 2017

قد تتحوّل عقيدتنا إلى إيمانٍ راسخٍ في وجداننا، فتصبح في نسيجنا وفي أنفاسنا وفي أفكارنا

حديث الجمعة 
24 رجب 1438هـ الموافق 21 إبريل 2017م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.
المقصود وجه الله، والمطلوب توفيق الله، والرّجاء في رحمة الله، والعقيدة في شهادة أنّ لا إله إلّا الله وشهادة أنّ محمّداً رسول الله.
نحن نعيش على هذه الأرض في حجابٍ، لا نرى ما وراءها ولا نستطيع أن نحيط بما لا نراه، وعلينا ونحن في هذا الحجاب أن نكوّن عقيدةً فيما سنؤول إليه وفيما سنصير إليه.
بل أن ذلك أيضاً مطلوبٌ منّا في حياتنا الأرضيّة بصورةٍ أخرى، فأنت لا تعرف بالقطع ما ستؤول إليه وما ستكون عليه في مستقبلك القريب، وعليك أيضاً في حاضرك أن تكوّن عقيدةً لما ترجو أن تكون عليه وأن تعمل من أجل ذلك، ولكنّك لا تستطيع ـ على وجه القطع واليقين ـ أن تقول إنّني سوف أكون في هذا الحال، قد يكون عندك أملٌ أو تصوّرٌ أو رؤيةٌ فيما تحبّ أن تكون عليه، ولكنّك لا تستطيع أن توقن بذلك.
هذه طبيعة حياتنا وطبيعة وجودنا، أن نحاول أن نقدّر، وأن نضع أهدافاً، وأن تكون لنا رؤية، وأن تكون لنا رسالة نربطها بهذه الرؤية ونربطها بواقعنا.
والأمر الذي نستطيع أن نراه هو واقعنا، هو حالنا في هذه اللحظة، هو رسالتنا في هذه اللحظة التي نعيشها. إنّ الحياة كلّها تتحول إلى لحظةٍ نعيشها، وإلى حالٍ نقومه، وإلى عقيدةٍ نعتقدها في حالنا، وإلى رؤيةٍ نضعها في حالنا وفي واقعنا. إنّ كلّ شيءٍ يتحوّل إلى واقعٍ نقوم فيه.
لذلك، وُجِّهنا في كثيرٍ من أوامر الدّين لنا، أن نعمل لحاضرنا، للحظتنا، [عش في الدّنيا كأنّك غريب استظلّ بظلّ شجرةٍ ثمّ مضى](1). التعبير هنا في هذا الحديث، يوضّح إلى أيّ مدى قد تكون هذه اللحظة قصيرة، فأنت وأنت تستظلّ بظلّ شجرةٍ في لحظةٍ ما، كلّ همّك أن تحمي نفسك من حرارة الشّمس في لحظةٍ، والدّنيا كلّها كهذه اللحظة.
[إذا قامت القيامة وكان في يد أحدكم فسيلةً فليزرعها](2)، والتعبير هنا يوضّح لك أنّك حتّى وإن كنت ترى إرهاصات أنّ كلّ شيءٍ سوف يتلاشى ولا فائدة من أيّ عملٍ، فأيّ عملٍ ستقوم به في لحظتك سوف يفنى ـ فما عليك أن تفكّر كذلك، إنّما تفكّر في لحظةٍ متناهية في الصّغر، وأن تزرع هذه الفسيلة وإن كان في ثانية تالية سوف يتلاشى زرعك، إنّها تعبيرٌ عن معنى الحاضر.
"وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ..."[التوبة 105]، وهنا تعبيرٌ بليغٌ أيضاً يوضّح لنا أمراً مهمّاً، إنّك في اللحظة التي تعيشها قد تفعل أفعالاً لا يجازيك عنها أحد، ولا يُكرّمك أحد، ولا يعرف ما تفعل أحد ـ فلا تنظر لكلّ ذلك، واعمل في لحظتك ما ترى أنت أنّه الخير وأنّه الصلاح والفلاح، وعقيدتك الرّاسخة أنّ هناك من يرى ويسمع، "...فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ..."، هذه عقيدة.
والعقيدة هي أمرٌ خاص بالإنسان، ولا يعني أنّه حقيقة بمعنى الإحاطة؛ لأنّك وأنت تعتقد ذلك ـ كما بدأنا القول ـ لا تستطيع أن تعرف ـ على وجه القطع ـ تفاصيل كيف سيرى الله عملك، وكيف سيشهد الله عملك، وكيف سيشهد رسول الله عملك، وكيف سيشهد ويرى المؤمنون عملك، إنك لا تعرف ذلك ولا تستطيع أن تحيط بذلك.
فالعقيدة، هي أمرٌ راسخٌ في وجدانك وغير قابلٍ لأن تحيط به بعقلك أو بحواسّك، إنّما هو اعتقادٌ موجودٌ فيك كإنسانٍ، ويمكن ألّا يكون موجوداً في إنسانٍ آخر، فتكون عقيدته أنّي لن أُرَى ولن أُشهَد في حاضرٍ أو مستقبل، [أرحامٌ تدفع وأرضٌ تبلع وما يهلكنا إلّا الدّهر](3)، إنسانٌ ليس له إلّا لحظته يعيشها دون أن يكون عنده اعتقادٌ في آخرةٍ، أو في مستقبلٍ، أو في علاقةٍ مع أكبر ومع أعلى.
لماذا يكون الإنسان كذلك، لماذا يكون معتقداً في أمرٍ، وآخرٌ لا يعتقد نفس الأمر؟ ببساطة، لأنّ القضيّة غيبيّة، وقدرة الإنسان على أن يتعامل مع ما لا يرى محدودة، إنّما هناك إنسانٌ عنده عقيدةٌ في مستقبله، عنده عقيدةٌ في آخرته ـ وإنسانٌ ليس كذلك.
إنّ كلّ ما نقوله في أحاديثنا عن معنى الطّريق، وعن مستقبل الإنسان، وعن الإيمان بالآخرة، وعن الإيمان بالله، وعن العلاقة برسول الله ـ هي أمورٌ كلّها عقائديّة، لا يعني أنّنا ونحن نقولها نحيط بها ونعرف ماهيّتها، ونعرف كيف ستؤثّر في حياتنا وكيف ستتحوّل إلى واقعٍ في مستقبلنا ـ لا نستطيع أن نصف ذلك.
ولكن على كلّ إنسانٍ أن ينظر ويعكس البصر إلى داخله، ويسأل قلبه: ماذا يعتقد؟ لأنّه على أساس هذه العقيدة سوف يكون عمله في حاضره؛ لأنّ من ضمن ما يعتقد، هو رَبْط ما سيكون عليه بما هو قائمٌ عليه. ولذلك، فإنّه بقدر ما يعتقده، بقدر ما سيؤثّر ذلك على واقعه وعلى حاضره.
إننا نذكّر أنفسنا بهذه العلاقة، في شهادة أنّ لا إله إلّا الله وفي شهادة أنّ محمّداً رسول الله، بل أنّنا في صلواتنا ونحن نركع ونسبّح الله العظيم ونحن نسجد ونسبّح ربّنا الأعلى، إنّنا نذكّر أنفسنا بعلاقتنا بربّنا العظيم وبعلاقتنا بربّنا الأعلى. إنّنا ونحن نقرأ الفاتحة ونقرأ أيّ آيةٍ، سوف نجد فيها تذكيرٌ لنا بهذه العلاقة التي قد لا نحيط بأبعادها ولكنّنا نعتقد فيها.
وقد تتحوّل عقيدتنا إلى إيمانٍ راسخٍ في وجداننا، فتصبح في نسيجنا وفي أنفاسنا وفي أفكارنا وفي أذكارنا وفي حديثنا، تصبح جزءاً منّا وجزءاً فينا، نوراً سارياً في وجداننا وفي أفكارنا وفي أذكارنا، في عقولنا وفي قلوبنا وفي أنفسنا وفي أبداننا.
فنقوم فيما قام فيه القوم من أحوالٍ وهم يتغنّون بعلاقتهم بالله وبحبّهم لله، وبأنّ الله معهم في كلّ حالٍ، ورسول الله معهم في كلّ حال، [لو غاب عنّي رسول الله طرفة عينٍ ما عددت نفسي من المسلمين](4). هل هو إحاطةٌ بعقلٍ فقط؟ إنّه إدراكٌ لهذا المعنى، وفي نفس الوقت هو حالٌ وليس معنىً مقيّد.
لا يعرف معنى أنّ رسول الله معه في كلّ حالٍ، لا يستطيع أن يقيسه أو أن يحدّده أو أنّه معه اليوم وليس معه غداً، أو أنّه معه في كلّ يوم، إنّه يشعر بذلك ويعتقد ذلك، وتحوّلت عقيدته إلى إيمانٍ بذلك، فأصبح ذلك حالاً قائماً فيه، لا يُقاس ولا يُحدّد ولا يُوصَف، إنّما هو حالٌ يقوم فيه ويتعامل به، بدون أيّ تفكيرٍ أو إحاطةٍ أو تصوُّرٍ.
إنّه أصبح كوجوده في حركته التلقائيّة، فقلبه يدقّ ولا يملك أن يوقفه، وعقله يفكّر ولا يملك أن يوقفه، وجسده يتحرّك ولا يملك أن يوقفه، إنّه في حركةٍ دائمة بعقله وقلبه وجسده، وهو لا يملك أن يوقف أيّ حركةٍ من هذه الحركات.
يصبح حاله كذلك، يشعر بذلك دون أن تكون عنده صورة، ودون أن يكون عنده شكل، ودون أن يكون عنده وصف، فلا يجد إلّا أن يعبّر عن ذلك في كلامه وشعره وغنائه، فيشعر بمحبّة الله حقّاً، وبأنّه في كلّ نَفَسٍ يتنفّسه يشعر بالله حقّاً، وأنّه حين يتّجه في صلاته يرى وجه الله حقّاً، رؤية شعور، يشعر بعلاقته بالله أكبر من أيّ صورةٍ أو شكل، فيعرف معنى أن يكون عبداً لله.
[جلّهم يعبدوك من خوف نارٍ، ويرون النّجاة حظّاً جزيلا.  ليس لي بالجنان والنّار حظٌّ، أنا لا أبتغي بوجه ربّي بديلا](5). وجه الله، شعورٌ وحالٌ يصل إليه الإنسان. وهذا ما تعلّمناه من القوم، أنّ الدّين تحوّل عندهم إلى حال، وإلى إحساس، وإلى محبّة، وإلى نور، وإلى طاقة تسري في وجدانهم، يعبّرون عنها بأشعارهم وبأحوالهم. وهذا ما يستطيع الإنسان أن يصل إليه، وهو أيضاً معتقدٌ قد لا يؤمن به البعض، أو قد لا يعتقده البعض.
ونحن، ونحن نتكلّم عنه، أيضاً حين نصف هذا الحال بأيّ عباراتٍ فهو تقريبٌ للعقول، إنّما في واقع الأمر، لا نستطيع أن نحيط بهذا الحال وصفاً أو رسماً أو شكلاً أو صورةً، إنّنا في حاضرنا ليس لنا إلّا ما نعتقده، وهو خيارنا نرجع فيه إلى قلوبنا، ونسأل أنفسنا: ماذا نريد؟ وماذا نعتقد؟
عباد الله: نسأل الله: أن يُرجِع كلٌّ منّا بصره إلى داخله، وأن ينظر إلى أعماقه، وأن يحدّد اعتقاده، وأن يحدّد هدفه بلا صورةٍ وبلا شكل، إنّما بعقيدةٍ وإيمانٍ، ماذا يعتقد هو؟ وماذا يؤمن هو؟ وأن يربط ذلك بحاله الحاضر ليكون قائماً في معنى العبوديّة لله.
نسأل الله: أن يحقّق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو معنى الاعتقاد ومعنى الإيمان، وأنّ هذا الاعتقاد محلّه قلب الإنسان وما يصل إليه الإنسان من قناعاتٍ بعقله، فيَرسَخ ذلك في وجدانه، ويصبح حاله مرتبطاً بهذا الاعتقاد في أفعاله وأقواله.
وهذا ما نسمّيه الحال، الذي نرى تعبيراً عنه فيما قاله القوم في أشعارهم وفي كلماتهم وهم يعبّرون عن علاقتهم بربّهم: [والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت، إلّا وحبّك مقرونٌ بأنفاسي. ولا جلست إلى قومٍ أحدّثهم، إلّا وأنت حديثي وسط جلّاسي](6)، تراه وهو يعبّر عن هذا الحال في هذه الأقوال، تشعر بالمعاني التي كان يشعر بها، لا كبلاغةٍ في قول، ولا كوصفٍ ظاهريّ، وإنّما وأنت تقولها تشعر بأنّها تنتقل إليك بمعناها؛ لأنّ من قالها شعر بها، وكلّ ما يشعر به الإنسان ويقوله، ينتقل بحاله للمستقبِل بحقّ.
نرى أنّ القوم يرتفعون بأحاسيسهم فوق الشّكل الظّاهر، فها هو ابن عربي يقول: [لقد كنت أنكر حال صاحبي، إن لم يكن دينه لديني دان](7)، أي لم يكن دينه مثل ديني، [وقد أصبح اليوم قلبي قابلاً لكلّ صورةٍ](8)، لقد ارتفع عن هذا الحال الذي هو حال البشر، كلٌّ يعتقد أنّ دينه هو الأفضل، وأنّ الآخر ليس على حقّ، هذا هو الحال الشائع في البشريّة، في الإنسانيّة. فها هو ابن عربي وهو يرتفع بحاله عن هذه الصّورة، [أصبح قلبي قابلاً لكلّ صورةٍ، فمرعى لغزلانٍ وديرٍ لرهبان. وبيتٍ لأوثانٍ وكعبة طائفٍ](9) حتّى يقول: [أدين بدين الحبّ أنّى توجهت، ركائبه فالحبّ ديني وإيماني](10).
لأنّ حاله أصبح ليس في صورة الذين نراهم اليوم وهم يحاولون أن يقتلوا كل إنسانٍ آخر في دينهم أو في غير دينهم؛ لأنّهم يكّفرون الكلّ، فكيف يمكنهم ذلك؟ لو أنهم قاموا في هذا الحال، وأيّان أن يقوموا في هذا الحال بممارساتهم وبمعتقداتهم الرّاسخة في أذهانهم وفي أفعالهم؟
فإذا قارنّا بين الصّورتين، بين صورةٍ ترى أنّ الكلّ في رعاية الله وفي خلق الله، قابلاً لكلّ صورةٍ، ويدين بدين الحبّ أنّى توجّهت ركائبه، يحب النّاس جميعاً، يحبّ الكائنات جميعاً، عقيدته حين ترسّخت في وجدانه بهذا المعنى، أنشد ما أنشد وقال ما قال ـ ومن يعتقد بصورةٍ مجسّدة للدّين في شكلٍ وفي صورةٍ، ويرى الآخرين مخالفين لهذه الصّورة، فيكرههم ويقتلهم، وهذا مترسّخٌ في وجدانه فيتحوّل إلى قنبلةٍ متفجّرة، ويفجّر نفسه بظنٍّ في عقله أوجده وغرسه الآخرون فيه، بأنّه سوف ينطلق إلى جناتٍ جميلةٍ يجد فيها كلّ ما يشتهي.
لقد اعتقد حقّاً في ذلك، وليعتقد ما يعتقد، ولكن المشكلة هنا أنّ اعتقاده هذا أدّى إلى فسادٍ في الأرض، وإلى قتلٍ لآخرين، وإلى اعتداءٍ على آخرين، واعتداءٍ على حياةٍ خلقها الله، وكان هو أداة سوءٍ بالنّسبة له، وربّما في المطلق كان يؤدّي وظيفةً لأن يكون من وقع عليه الفعل مرحوماً شهيداً، أيّاً كان، فهذا أمرٌ لا يعلمه إلّا الله.
إنّما هو بفعله وبما قام فيه من كُرهٍ وبُغضٍ واعتداءٍ، هذا الحال، هذه الصّفات، سوف تترسّخ في وجدانه وفي روحه وفي معناه، وسوف يقاسي كثيراً. هذا ما نعتقده، والله أعلم، سوف يقاسي كثيراً في حياته الرّوحيّة حتّى يتخلّص من ذلك.
عباد الله: إنّنا نرى كلّ الصّور في حياتنا، نرى من يعتقد في غيبٍ ومن لا يعتقد في غيبٍ، نرى من يعتقد في غيبٍ بصورةٍ ما وآخرَ يعتقد في غيبٍ بصورةٍ أخرى، وكلٌّ يعيش على هذه الأرض، وكلٌّ سوف ينال نتيجة اعتقاده وما ينتج عن هذا الاعتقاد من أفعالٍ وأعمال.
نسأل الله: أن يجعلنا من الذين هم موفّقون في اختياراتهم وفي عقائدهم لتكون متناسبة مع قوانين الحياة متآلفةً معها. ونحن نحاول بقدر ما نستشعره في فطرتنا أن نتوافق مع هذه القوانين، ونسأل الله السّلامة، ونسأل الله المغفرة، ونسأل الله الرّحمة، ونسأل الله التّوفيق.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.                
_________________

(1)    - حديث شريف نصه: "كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ". الراوي: عبدالله بن عمر، المحدث: محمد جار الله الصعدي، خلاصة حكم المحدث: صحيح.

-    حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: نام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حصير فقام وقد أثر في جنبه، قلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وِطاءً؟ فقال: "ما لي وللدنيا؟، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها". رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

(2)    حديث شريف نصه: " إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها". أخرجه الألباني.

(3)  "...فهذا خباب بن الأرت كان عبداً حداداً يسلم سادس ستة، فيضطهده عتاة قريش ويستخدمونه في صناعة سيوفهم، ولا يدفعون أجره، بل يسخرون منه، ويستهزئون به وبعقيدته، في اليوم الآخر يذهب إلى العاص بن وائل يطلب منه أجره، فيقول له لن أعطيك أجرك حتى تكفر بمحمد، فيقول له خباب لن أكفر بمحمد حتى لو مت ثم بعثت، فيقول له وهل هناك بعث، إن هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر، إن صدقت يا خباب أن هناك بعثا فانتظر بأجرك يوم أبعث ويبعث مالي وأولادي، فأقضيك دينك، فينزل قوله تعالى:"أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا، أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا، كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا،وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا"[مريم 80:77]. المصدر: فتح المنعم، تحفة الأحوذي في شرح جامع الترمذي، فتح الباري لابن حجر، شـــرح النووي – رقم الجزء: 10، رقم الصفحة: 0404، مسلسل: 54885.

(4)  مقولة للسيد أبي الحسن الشاذلي.

(5)  من أبيات لرابعة العدوية:

جلُّهم يعبدوك من خوف نار ويرون النجاة حظاً جزيلا
أو بأن يسكنوا الجِنانَ فيحظُوا بقصور ويشربوا سلسبيلا
ليس لي بالجِنانِ و النار حظ أنا لا أبتغي بحبي بديلا

(6)  من أشعار الحلاج:

والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت           إلا و حبّـك مقـرون بأنفاسـي

ولا خلوتُ إلى قوم أحدّثهــم                إلا و أنت حديثي بين جلاســي

ولا ذكرتك محزوناً و لا فَرِحا              إلا و أنت بقلبي بين وسواســـي

ولا هممت بشرب الماء من عطش       إلا رَأَيْتُ خيالاً منك في الكـــأس

(7)  ، (8) ، (9) ، (10)

من أشعار محيي الدين ابن عربي:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي                إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

وقد صار قلبي قابلا كل صورة                 فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف                      وألواح توراة ومصحف قرآن


                             أدين بدين الحب أنى توجهت                           ركائبه فالحب ديني وإيماني

إنّك مطالبٌ أن تتّجه إلى الله كغيب، وأن تتّجه إلى رسول الله كشهادة وكمعنى دائم

حديث الجمعة
 10 رجب 1438هـ الموافق 7 إبريل 2017م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.
الحمد لله الذي جعل لنا بيننا حديثاً متّصلاً نتواصى فيه بالحقّ والصّبر بيننا، نتدبّر أمور ديننا وأمور دنيانا، فديننا ودنيانا هما حياتنا وهما وجودنا.
أوجدنا الله على أرضنا، وأودع في قلوبنا محبّته ودعوته، وأصبحنا بوجودنا قائمين في الحياة بشقّيها، شقّها الظّاهر لنا، وشقّها الباطن علينا والغيب عنّا. ظاهرٌ وباطن، شهادةٌ وغيب، تثاقلٌ إلى أرضٍ وتلبيةٌ لدعوةٍ من السّماء. وصرنا بوجودنا نجمع بين الأمرين، وبين الحالين، وبين الحضرتين.
وعلّمنا ديننا كيف نتعامل مع ما هو مشهودٌ لنا، وكيف نتعامل مع ما هو غيبٌ علينا. علّمنا ديننا كيف نحيا على أرضنا، ونحيا بعد مفارقتنا لأجسادنا. علّمنا معنى الحياة الذي هو سابقٌ لوجودنا، والذي هو حاضرٌ في وجودنا، والذي هو قادمٌ في آخرتنا.
"وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ..."[الأعراف 172]، ألست بخالقكم؟ ألست بموجدكم؟ فعلموا وأقرّوا، فأشهدهم على ذلك وقال لهم عليكم أن تتذكّروا ذلك، وألا تقولوا "...إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ"[الأعراف 172]، إعلموا وهذا العلم موجودٌ فيكم، في فطرتكم وفي أعماق وجودكم.
فهكذا كان وجود الإنسان، كما يحمل رسالته على هذه الأرض، بأن جعله الله يحبّ ما عليها ليعمل وليبحث وليغيّر ـ كذلك أوجد في أعماقه ما يجعله يتّجه إلى ربّه، ويعرج إليه، ويقصد وجهه، ويسبّح اسمه، ويذكر ربّه. فكان الإنسان بذلك يحمل سرّ حياته وبقائه، وسرّ موته وفنائه.   
عباد الله: إنّا نذكّر أنفسنا دائماً بأنّ الله "...قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ..."[الرعد 33]، وقيوميّة الله على الإنسان تعني أنّ الإنسان بهذه القيوميّة مسئولٌ، وهو مرجعيّة وجوده، فهو خليفة الله على هذه الأرض، والأرض هي ذاته وكلّ ما هو مسئولٌ عنه، "... كلّكم راعٍ وكلّكم مسئولٌ عن رعيته ..."(1).
لذلك، نذكّر أنفسنا دائماً، بأن نفتّش عن الحقّ في أعماقنا، وننقّب عنه في وجودنا، ونتّجه إليه في نفوسنا، "...وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ"[الذاريات 21]، الحقّ هو ما ترى أنت أنّه الحقّ، والخير هو ما ترى أنت أنّه الخير، والباطل ما ترى أنت أنّه الباطل، والشّرّ ما ترى أنت أنّه الشّرّ.
فالحقّ المطلق لا تستطيع أن تحدّده، والباطل المطلق لا تستطيع أن تحدّده، والخير المطلق لا تستطيع أن تحدّده، والشّرّ المطلق لا تستطيع أن تحدّده. فماذا تفعل يا إنسان؟  إنّك تريد أن تكون في طريق الحقّ ولا تكون في طريق الباطل، إنّك تريد أن تكون في طريق الخير ولا تكون في طريق الشّرّ. فكيف تفرّق بين هذا وذاك؟
التّفرقة لك، والاعتقاد لك، والخيار لك، "...فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ..."[الكهف 29]؛ لأنّ المشيئة لك فيما هو عليك أن تفعله وأن تقوم به. إنّك لا تستطيع أن تقول أنّني سوف أفعل ما يريده الله؛ لأنّك لا تعلم ما يريد الله، "...تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ"[المائدة 116].
الله يعلم ما في نفسك، "يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ"[غافر 19]، يعلم أنّك رأيت هذا حقّاً فاتّبعته، ويعلم أنّك رأيت هذا باطلاً فاجتنبته، ويعلم أنّك رأيت هذا حقّاً فاجتنبته، ويعلم أنّك رأيت هذا باطلاً فاتّبعته. [حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا](2).
"...وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"[النحل 118]، كلّ هذه الآيات تُحمّل الإنسان مسئوليّته، "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ"[الزلزلة 8،7]، والخير والشّرّ ـ كما أشرنا ـ هو ما عرفه الإنسان.
هكذا علّمنا ديننا كيف نتعامل مع ما هو مشهودٌ لنا، مع ما نستطيع أن نحكم عليه، ما نستطيع أن نُكوّن رأياً فيه. وفي نفس الوقت، علّمنا كيف نتعامل مع ما لا نستطيع أن نحيط به، ومع ما لا نستطيع أن نُكوّن رأياً فيه، ومع ما لا نستطيع أن نفعله على هذه الأرض حتّى وإن كنّا قد وجدنا أنّنا نريد أن نغيّره ولكنّنا وجدنا أيضاً أنّنا لا نستطيع أن نغيّره، وكنّا صادقين في هذا. ماذا نفعل إن كان الأمر كذلك؟
علّمنا أن نتّجه إليه، وأن نتوكّل عليه، وأن نوكل ظهورنا إليه، وأن نسلم وجوهنا إليه، وألّا يكون لنا ملجأٌ إلّا إليه، لا نسأل إلّاه، ولا نتّجه إلّا إلى وجهه. علّمنا أن نقيم معه صلةً دائمة نتذكّرها في كلّ يومٍ من أيّامنا، في كلّ صلاةٍ من صلواتنا، بل في كلّ فعلٍ من أفعالنا، بل في كلّ حركةٍ من حركاتنا، بل في كلّ نظرةٍ من نظراتنا، في كلّ خطوةٍ نخطوها، في كلّ حالٍ نقوم فيه يمكن أن نكون داعين له.
ودعوتنا هنا، هي أن يكون حاضراً معنا، شاهداً علينا، ويكون ذلك بأن نراعي ما نراه حقّاً في كلّ أفعالنا وفي كلّ أقوالنا، وإذا غفلنا عن ذلك نستغفره، نستغفره في كلّ وقتٍ وحين. هكذا نتعلّم كيف نتعامل مع الغيب.
لذلك، فإنّ كلّ العبادات التي أُمِرنا بها كشفاً لطريق نجاتنا، كانت لإقامة صلةٍ بربّنا، ولإقامة صلةٍ برسولنا. فنحن ونحن نصلّي ندعو الله أن نكون به موصولين، ونتّجه إلى قبلتنا التي هي سفينتنا، التي هي رحمة الله لنا، التي هي رسول الله لنا، قوّةٌ أوجدها الله على أرضنا ورمز لها ببيته.
وما كان بيته حجارةً أو حديداً، إنّما بيته هو قوّةٌ روحيّةٌ قائمةٌ على أرضنا، رمز لها بهذا البيت الذي وَضَع ببكّة مباركاً. فنحن جميعاً ونحن نتّجه إلى هذا البيت، نعلم أنّنا لا نتّجه إلى حجارة وإنّما نتّجه إلى معنى، الكلّ يدرك ذلك بفطرته.
وهذا المعنى، هو ما يرسل الله دائماً إلى هذه الأرض، ما كان رسل الله إلّا هذا المعنى، وما كان أولياء الله إلّا هذا المعنى، وما كان عباد الله الصّالحين إلّا هذا المعنى، فكيف نتصوّر ـ إذا تصوّر أحدنا أنّنا نتّجه إلى حجارة أو حديد؟ وكيف يتصوّر أحدنا أنّ هذه المعاني التي أوجدها الله على أرضنا يمكن أن تغيب ويمكن أن تزول؟
كيف يقول البعض أنّ رسول الله قد مات، بمعنى انتفاء صلته بهذه الأرض؟ إنّه قد يكون قد غادر بجسده ولكنّه موجودٌ بطاقة الرّحمة التي أودعها الله فيه، إنّك لا تتصوّر أن يزول بيت الله الموجود كرمزٍ في حجارة، لا تتصوّر أن يجرؤ أحدٌ أن يُزيله. ومن هذا الذي يزيل معنى رسول الله، وقائم رسول الله، ونور رسول الله؟ ورسول الله وهو يعلّمنا ذلك فيقول: "شعبان شهري"(3)، ليكون رمزاً على بقاء اتّصالنا به في حياتنا، بتذكُّر هذا المعنى في كلّ شهر من شعبان يمرّ علينا.
ويعلّمنا ذلك أيضاً، وإن كان البعض يقول أنّ هذا حديثٌ غير صحيح، إنّما معناه صحيحٌ بحقّ، [أنا حيٌّ في قبري](4)، [من حجّ ولم يزرنِ فقد جفاني](5)، [زويت الأرض مسجداً وطهورا]ٍ(6)، "...وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ..."[الأنعام 122]، هذه معاني لا تزول، إنّها جزءٌ من قانون الكون.
لذلك، فالذين يفرّقون بين الله ورسوله بأن يقولوا أنّنا نتّجه إلى الله ولا نتّجه إلى رسوله، أو الذين يقولون أنّنا لا نتّجه إلى الله إلّا من خلال رسوله، فكلاهما لا يدرك الأمر بحقّ. إنّك مطالبٌ أن تتّجه إلى الله كغيب، ومطالبٌ أن تتّجه إلى رسول الله كشهادة وكمعنى دائم تعلم أنّه قوّةٌ موجودةٌ على هذه الأرض.
لذلك كانت الصّلاة تمثّل ذلك، فهي تجمع بين اتّجاهك إلى الله، فأنت تصلّي لله، وتدعو الله ـ  وفي اتّجاهك في صلاتك إلى الكعبة رمزاً إلى معنى رسول الله. لذلك، قال الصّوفية: [ندعو إلى الحضرتين بالحضرتين](7). وتعلّموا أنّ علاقتهم برسول الله هي علاقة رحمة ومحبّة وقوّة يأخذونها ويستعينون بها، لا تتعارض مع اتّجاههم إلى الله وعلاقتهم بمحبّةٍ مع الله وبطلب قوّةٍ من الله، فالله بمعناه المطلق وراء كلّ شيء.
إنّنا نتعلّم جميعاً أنّنا ونحن نتّخذ أسباباً لنحقّق هدفاً، أنّ تحقيق هذا الهدف لا يكون إلّا بتوفيق الله، ولا يمنعنا ذلك من أن نتّخذ هذا السّبب، ولا يمنعنا اتّخاذ هذا السّبب من أن نلجأ إلى الله، إنّهما أمران متلازمان، الغيب والشّهادة، نلجأ إليهما وندعو بهما ونتعامل معهما.
لذلك، قال القوم وهم يخاطبون الله: [فكان غيبا من غيبك، وبدلاً من سر ربوبيتك، حتى صار بذلك مظهراً نستدل به عليك، فكيف لا يكون كذلك، وقد أخبرتنا بذلك في محكم كتابك بقولك: "إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ..."[الفتح 10]] (8).
عباد الله: نسأل الله: أن نعيش عيشةً صالحة، في علاقةٍ مع الغيب والشّهادة، في إدراكٍ لما أودع الله فينا من طاقةٍ ومن قدرةٍ ومن إيمانٍ بالغيب ومن إيمان بالشّهادة، من الاتّجاه إليه ومن الاتّجاه إلى رسوله، معنيان متلازمان لا يفترقان، أشهد أنّ لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمداً رسول الله، هكذا تعلّمنا الشهادة.
نسأل الله: أن يحقّق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: إذا كناّ ندرك معانٍ كثيرة في علاقتنا بالغيب والشّهادة، إلّا إنّ ذلك لا يمنع من أنّنا قد نخطئ وقد نصيب في أمورٍ في حياتنا. لذلك، فإنّا علينا أن نستغفر الله دائماً، وأن نرجع إليه دائماً، وأن نتعلّم أنّ مع الإدراك يكون السّلوك، وتكون مراقبة النّفس، وتكون خشية الله، "...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء..."[فاطر 28].
وخشية الله، علّمنا إيّاها رسول الله يوم أخبرنا: [ها أنا رسول الله بينكم ولا أدري ما يُفعَل بي غدا](9)، [لا يدخل الجنّة أحدكم بعمله، حتّى أنت يا رسول الله، حتّى أنا ما لم يتغمدنِ الله برحمته](10). فهذا أمرٌ أساسيّ، لا يجعلنا ننسى معنى الاستغفار الدّائم، مع كلّ الإدراك ومع التّقدير للمسئوليّة التي نحملها.
بل أنّ علينا أن نراجع أنفسنا فيما نرى أنّه الحقّ، وأن نراجع أنفسنا فيما نرى أنّه الباطل. لا نتصوّر أنّ ما فهمناه في لحظةٍ من لحظات حياتنا على أنّه الحقّ سيظلّ دائماً الحقّ الذي نراه، ولا نتصوّر أنّ الباطل الذي عرفناه يوماً أنّه سوف يظلّ الباطل الذي عرفناه. وإنّما نحن في حاجةٍ دائمةٍ إلى مراجعة مفاهيمنا ومعتقداتنا.
وهذا لا يكون إلّا بدعاء الله، إلّا بطلب قوّةٍ من رسول الله، حتّى نظلّ في حياة. والحياة تعني أنّنا نغيّر دائماً، وأنّنا لازلنا قادرين على أن نغيّر إلى آخر لحظةٍ في وجودنا على هذه الأرض. فعلينا مع ما تَكوّن لدينا من قناعات، أن نكون دائماً في مراجعةٍ مستمرّة لهذه القناعات، وأن نكون في دعاءٍ دائمٍ أيضاً للمساعدة على أن نراجع كلّ مفاهيمنا.
عباد الله: نسأل الله: أن يوفّقنا لذلك، وأن يجعلنا دائماً راجعين إلى الحقّ أنَّى وجدناه، وأن نكون مجتنبين الباطل أنَّى عرفناه.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.                 

_________________

(1)    جاء بسنن الترمذي: ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم أنه‏ ‏قال ‏"‏ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه ، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"‏.

(2)    مقولة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نصها : " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أخف عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم وتزينوا للعرض الأكبر، كذا الأكبر، { يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية }". 

(3)    حديث شريف: "رجبٌ شهرُ اللهِ ، وشعبانُ شهْرِي ورمضانُ شهرُ أُمَّتِي" الراوي: الحسن البصري، المحدث: ملا علي قاري - المصدر: الأسرار المرفوعة - الصفحة أو الرقم: 438، خلاصة حكم المحدث: مرسل، المصدر: الدرر السنية، الموسوعة الحديثية، تيسير الوصول لأحاديث الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ.

(4)  لم نجده بهذا اللفظ "ولكن معناه قد ورد في عدة أحاديث صحيحة منها قوله ــ صلى الله عليه وسلم ــ:"إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ، قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت ؟ (قال: يقولون: بليت)، فقال: إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء" الراوي: أوس بن أبي أوس وقيل أوس بن أوس والد عمرو، المحدث: النووي، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح، وقوله صلى الله عليه وسلم: "الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون". رواه أبو داود وغيره." المصدر: كتاب "التوسل أنواعه وأحكامه"  للألباني.

(5)    "من حجَّ ولمْ يزُرْني فقد جَفاني" الراوي: عبدالله بن عمر، المحدث: ابن الملقن، المصدر: البدر المنير، خلاصة حكم المحدث: ضعيف.

(6)    "زويت لي الأرضُ مشارقُها ومغاربُها وسيبلغُ ملكُ أمتي ما زُوِيَ لي منها" المحدث: ابن تيمية، المصدر: مجموع الفتاوى، خلاصة حكم المحدث: صحيح.

(7)  "...حتى نشهدك به ،وهو بك، فأكون نائبا ًعن الحضرتين بالحضرتين، وأدلّ بهما عليهما..." الياقوتة، من أوراد السيد أبي الحسن الشاذلي.

(8)  "فكان غيبا مِن غيبك، وبدلا ًمن سرّ ربوبيتك حتى صار بذلك مظهرا ً نستدل به عليك، وكيف لا يكون كذلك وقد أخبرتنا بذلك في مُحكَم كتابك بقولك: {إنّ الذينَ يُبـَايِعونَكَ إنّما يُبـَاِيُعونَ اللهَ}". الياقوتة، من أوراد السيد أبو الحسن الشاذلي.

(9)    حديث شريف ، نصه (قال صلى الله عليه وسلم :"هذا أنا رسول الله , والله ما أدرى ما يصنع بي" ) ، وفى رواية أخرى " قال صلى الله عليه وسلم :ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل بى ولا بكم" .(أخرجه احمد ابن حنبل- مسند احمد بن حنبل).


(10)  "لا يُدخل أحدكم الجنة عمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة وفضل" حديث شريف رواه أحمد بهذا اللفظ ورواه البخاري ومسلم هكذا "سددوا وقاربوا وابشروا فإنه لن يُدخل الجنة أحدكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمه ".

السبت، 1 أبريل، 2017

"رجب شهر الله" يشير إلى معنى اقتراب الإنسان من الله فيه ومن حوله

حديث الجمعة 
3 رجب 1438هـ الموافق 31 مارس 2017م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من الشيطان الرجيم، نعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، طالبين سائلين أن نكون أهلاً لهدايةٍ، ولتوفيقٍ، ولرحمةٍ، ولنورٍ ينير ظلام نفوسنا، وحياةٍ تحيي قلوبنا، وعلمٍ ومعرفةٍ يحييان عقولنا.
عباد الله: يمرّ علينا الزّمان وتدور الأيّام وتتوالى الشّهور، ويأتي ديننا بمعانٍ في زماننا ترتبط بأيامنا، لتكون رسائله دائمةً في حياتنا. ونحن نبدأ في زماننا شهر رجب، شهر الله، شهر الرجاء، شهر المعراج، شهر الإسراء، شهر بداية تحضير النّفوس والقلوب والعقول لتلقّي النّفحات وتلقّي الرّحمات.
إنّ الإنسان إذا نسى أن يقرأ رسائل الله له في كلّ مناسبةٍ وفي كلّ أمرٍ وفي كلّ نهيٍ، سوف يموت قلبه وتظلم نفسه ويقف عقله. لذلك، فإنّ الإنسان يحتاج إلى تذكيرٍ دائم، وهذا سرّ رسائل الله المرتبطة بالزّمن. فحين تجيئ مناسبةٌ في شهرٍ أو في يومٍ، فتَذَكَّر أنّها رسالةٌ دائمةٌ، تَفكّرْ وتَأمّلْ فيها وتَدبّرْ في معانيها.
فحين نسمع حديث رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ [رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر الناس](1)، فإنّنا نسأل أنفسنا: ماذا يعني أنّ رجب شهر الله؟ وماذا يعني أنّ شعبان شهر رسول الله؟ وماذا يعني أنّ رمضان شهر النّاس؟
فلنتأمّل اليوم في معنى رجب شهر الله، ماذا يعني هذا؟ بدايةً، نحن نقول دائماً أنّنا لا نجسّد المكان والزّمان، وليس المقصود هو هذا الشّهر من دورة القمر حول الأرض، وإنّما هو تذكيرٌ بمعنى مرتبطٌ بالزمن، حتّى إذا جاء هذا الشّهر من كلّ عام، نتذكّر هذا المعنى، والذي يمكن أن نتذكّره في كلّ وقتٍ وحين إذا جال بخاطرنا هذا.
إنّ الإنسان له علاقةٌ مباشرةٌ بالغيب، "... ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ..."[غافر 60]، [من جاءني مشياً جئته هرولةً، ومن تقرّب إليّ ذراعاً تقرّبت إليه باعاً، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خيرٌ من ملئه](2)، وهناك علاقةٌ بالله من خلال رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، وهناك علاقةً بالله من خلال خلق الله، ولا يتعارض هذا مع ذاك. فحين نبتغي إليه الوسيلة، لا يعني ذلك أنّنا لا نستطيع أن نتّجه إليه أو نتوكّل عليه أو نسأله وندعوه.
        يحدث نقاشٌ وجدلٌ بين البعض في معنى الوسيلة وفي معنى الشّفاعة، كأنّهما ضدّ علاقة الإنسان بالله المباشرة. فيقول البعض أنّ العلاقة مع الله دون وساطةٍ ودون شفاعةٍ ودون وسيلةٍ، ويقول البعض الآخر أنّ العلاقة بالله يجب أن تكون من خلال شفاعةٍ ومن خلال وسيلةٍ.
والحقيقة أنّه لا هذا ولا ذاك بمفرده، إنّما علاقة الإنسان بالله تتمّ بصورٍ متعدّدة، يلجأ الإنسان للغيب، ويلجأ الإنسان لرسول الله، ويلجأ الإنسان إلى خلق الله، وفي كلّ هذا هو لجوءٌ إلى الله.
فمعنى الذي نتعلّمه من أنّ رجب شهر الله، وهو يعبّر عن لجوء الإنسان لله، أن يدعو الإنسان الله، أن يتّجه إلى الله، أن يقترب من الله، واقترابه من الله فيه تفصيلٌ وفيه تأمّل. قد نفهم أن ندعو الله، بأن نطلب من الغيب أن يساعدنا في حالٍ معنويّ أو في حالٍ دنيويّ.
ولكن معنى الاقتراب من الله يحتاج إلى تفهّم. قد يتصوّر البعض أنّه نوعٌ آخر من دعاء الله، وقد يتصوّر البعض أنّه نوعٌ من العبادة والذكّر، وقد يتصوّر البعض أنّه بعدٌ عن التّداني إلى الأرض وشهواتها، وهو في الواقع كل ذلك.
هو معنى ألّا يتثاقل الإنسان إلى الأرض، وعدم التّثاقل إلى الأرض، هو إدراكٌ قبل أن يكون عملٌ. الإدراك لمعنى الإنسان، ولحياة الإنسان، ولرسالة الإنسان على الأرض، ولإيمان الإنسان باليوم الآخر. أن يتعامل الإنسان مع الله في كلّ شيء، أن يرى الإنسان الله في كلّ شيء، أن يقترب الإنسان من الله فيه، كما يقترب من الله حوله، فهو محيط به من الداخل والخارج.
لذلك، فإنّ الصّوفية حين عبّروا عن ذلك بقولهم: [والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت ...  إلّا وحبّك مقرونٌ بأنفاسي](3)؛ لأنّه يستحضر الله معه، ويستحضر الله وهو يجالس الناس، [ولا جلست إلى قومٍ أحدّثهم ...  إلّا وأنت حديثي بين جلّاسي](4)، إنّه يرى الله في أنفاسه في داخله، ويرى الله في كلّ ما هو خارجه، في كلّ من يجالسه، فحديثه في الله، [إلّا وأنت حديثي بين جلّاسي](5)، هذا هو القرب إلى الله. لذلك، فهو معنى قريبٌ جدّا من معنى ذكر الله. فذكر الله، هو استحضار معنى الله بالنّسبة للإنسان كغيبٍ محيط، وكغيبٍ موجودٍ وقريب.
هكذا نتعلّم معنى أنّ رجب شهر الله، هو أن تعيش مع هذه المعاني التي تربطك بالله والتي تُشعرك بالله، فتشعر به قريباً، أقرب إليك من حبل الوريد، تشعر به معك أينما كنت، كغيبٍ، كطاقةٍ غيبيّة، كمعنىً لا صورة له. تراه في عسرك وفي يسرك، تراه في ضيقك وفي فرجك، تراه في كلّ حالٍ من أحوالك.
تشعر به أنّه الملاذ الذي ليس لك غيره، وأنّه السّند الذي ليس لك غيره، وأنّه المقصود الذي ليس لك غيره، وأنّه المطلوب الذي ليس لك غيره، وأنّه من تدعو وتطلب وليس لك غيره. تشهد حقّاً أنّ لا إله إلا الله، وأنّ لا حول ولا قوة إلّا بالله، وأنّ لا مغيث إلّا الله، وأنّك تفوّض أمرك إلى الله في كلّ حالٍ وفي كلّ قيام.
عباد الله: لعلّنا نكون قد قرّبنا مفهوم رجب شهر الله، وأن يكون تأمّلنا فيه شيءٌ من الحقيقة. فهذا تأمّلنا وتدبّرنا في هذا المعنى، نراه متّسقاً مع ما دُعِينا إليه من أن تكون لنا صلةٌ بالغيب وأن نتّجه إليه وأن نتوكّل عليه، وأنّ هذا لا يعني ألّا نكون على صلةٍ برسول الله وببيت الله، وبأسباب الله وبالوسائل التي جعلها الله لنا لنتقرّب بها إليه ـ فهذا لا يتعارض مع ذاك.
وإنّما هو حال إنسانٍ في علاقته مع الغيب، وعلاقة إنسانٍ مع الله مشهوداً في خلقه ـ هي علاقةٌ واحدة لها صورٌ متعدّدة. وعلينا أن نحيا كلّ هذه الصّور، وأن نعيش كلّ هذه الصّور، وأن نقوم في كلّ هذه الأحوال ـ لنكون حقّاً في معنى العبوديّة لله.
نسأل الله: أن يحقّق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
حديثنا اليوم كان عن تأمّلٍ في معنى أنّ رجب شهر الله، وماذا يعني هذا بالنّسبة لنا؟ وتأمُّلنا في ذلك، أنّ علاقة الإنسان بالله لها صورٌ كثيرة، ومن ضمن هذه الصّور هي استحضار معنى الغيب والتّوجه إلى هذا الغيب، ودليلنا على ذلك: "... فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ..."[البقرة 186] ، "... وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ"[ق 16]، "وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ"[الحديد 4]، "... فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ..."[البقرة 115]، "... وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ"[الشورى 11]، "يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ"[غافر 19] ، هو المحيط بنا من الدّاخل والخارج.
فحالنا في اللجوء إليه كغيبٍ هو حالٌ مطلوب، هو حالٌ نكسب به فيه، هو حالٌ يجعلنا نشعر بهذا الغيب معنا، وهو حالٌ مطلوب، هو سلوكٌ مطلوب، هو دعاءٌ مطلوب، هو ذكرٌ مطلوب لنتغيّر إلى الأفضل والأحسن، هو معنى: "أعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك"(6)، هو هذا الإحساس بتواجد الله معك، هو مقام الإحسان الذي تُحسِن فيه وجودك، تُحسِن فيه سلوكك، تُحسِن فيه ذكرك، أن تكون أحسن، أن تكون أفضل، أن تكون أقوم ـ باستحضارك لهذا المعنى.
إنّ ظلم الإنسان لنفسه، هو يوم ينسى هذا المعنى. لذلك، فنحن في حاجةٍ دائمةٍ إلى التّذكير بهذا المعنى، بهذه الصّحبة، بهذه الوصلة، بهذا التّواجد، بهذا الشّعور، بهذا الذّكر، بهذا النّور، بهذه الحياة. نحن في حاجةٍ أن نشعر بمعيّة الله وصحبة الله، "أنا جليس من ذكرني"(7).
عباد الله: نسأل الله: أن نجعل من أيامنا القادمة في هذا الشّهر تدريباً لنا في معنى الصّحبة الدّائمة لله، وفي معنى الذّكر الدّائم لله، وفي معنى استحضار هذا المعنى دائماً لنا وبيننا، لنكون حقّاً في معنى العبوديّة لله.
نسأل الله: أن يحقّق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاجعلنا لك خالصين، ولك داعين، ولوجهك قاصدين.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين ولوجهك قاصدين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم كن لنا في الصّغير والكبير من شأننا.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين، ارحمنا يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.      
_________________

(1)    حديث شريف: "رجبٌ شهرُ اللهِ ، وشعبانُ شهْرِي ورمضانُ شهرُ أُمَّتِي" الراوي: الحسن البصري، المحدث: ملا علي قاري - المصدر: الأسرار المرفوعة - الصفحة أو الرقم: 438، خلاصة حكم المحدث: مرسل، المصدر: الدرر السنية، الموسوعة الحديثية، تيسير الوصول لأحاديث الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ.        

(2)    حديث قدسي أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة :"أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعاً وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة".  

(3)  ، (4)، (5) من أشعار الحلاج:

والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت           إلا و حبّـك مقـرون بأنفاسـي

ولا خلوتُ إلى قوم أحدّثهــم                إلا و أنت حديثي بين جلاســي

ولا ذكرتك محزوناً و لا فَرِحا              إلا و أنت بقلبي بين وسواســـي

ولا هممت بشرب الماء من عطش       إلا رَأَيْتُ خيالاً منك في الكـــأس

(6)  حديث شريف، المحدث: ابن كثير.      

(7)    "أوحى الله تعالى إلى موسى ، أتحب أن أسكن معك بيتك؟ فخر لله ساجدا ثم قال: فكيف يا رب تسكن معي في بيتي، فقال: يا موسى أما علمت أني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني". ابن شاهين في الترغيب في الذكر عن جابر ( ضعيف ).