الأحد، 15 يناير، 2017

دورة سلوك الإنسان بين العقل والاختيار والمعاناة

حديث الجمعة 
8 ربيع الآخر 1438هـ الموافق 6 يناير 2017م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاة وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشّكر دائماً لله، والصّلاة والسّلام دائماً على رسول الله.
عباد الله: يا من ترجون لقاء الله، ويا من تجتمعون على ذكر الله، حديث الحقّ لكم، يخاطبكم، يرشدكم، يعينكم، يقوّي عزائمكم، يشدّ من أزركم، يحدّثكم دائماً في كلّ ما يدور حولكم، كما حدّثكم فيما جرى على أرضكم، وسيظلّ حديث الحقّ موجوداً على هذه الأرض مادامت السّماوات والأرض.
ودورنا جميعاً أن نستمع إلى حديث الحقّ، وأن نشهد ما يحدث من أحداثٍ هي حديثٌ للحقّ أيضاً، وأن نتعلّم من آيات الله الخالدة الدّائمة في كتابه الكريم ما يجعلنا أكثر صدقاً، وأكثر قدرةً على التّعرّض لهذه النّفحات، ولهذه الآيات، ولهذا الحديث الدّائم لنا على أرضنا.
إنّ هذه المحاولة من الإنسان ليتدبّر بعقله، وليختار بقلبه، وليجرّب بذاته ـ هي طريق الحقّ والحياة. وقد علّم الله آدم الأسماء كلّها، وكان الإنسان هو مظهر آدم، وهو في معنى الآدم على هذه الأرض، "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..."[البقرة 30].
فكان الإنسان خليفة الله على الأرض بما علّمه، وبما أوجد فيه من قدرةٍ على التّعلّم، وهذا ما ميّز الإنسان عن كلّ الكائنات الأخرى ـ قدرة الإنسان على التّعلّم، وعلى تغيير بيئته المحيطة به، وقدرته على الاختيار، وأن يوجد البدائل التي يختار منها، وعمّا أوجد الله فيه أيضاً من قدرةٍ على الإحساس بما يدور حوله.
فالإنسان يتألّم، والإنسان يسعد، والإنسان يغضب، والإنسان يرضى، والإنسان يحبّ ويكره، ويعطي ويمنع، له أحوالٌ كثيرة، يشعر بمعاناة النّاس ويعاني هو أيضاً، ويستطيع أن يُسعِد النّاس ويستطيع أن يُسعِد نفسه أيضاً، ويستطيع أن يُغضِب النّاس وأن يُغضِب نفسه أيضاً.
لذلك، كانت دورة حياة الإنسان تدور في قدرته على التفكّر والتّأمّل، وفي قدرته على الاختيار، وفي قدرته على الإحساس بأحواله وأحوال الآخرين من حوله، وفي التقلّب بين الأحوال المختلفة، وفي اختيار أحوالٍ مختلفة، وفي الوصول إلى قراراتٍ مختلفة.
"مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ..."[الفتح 29]، شدّةٌ ورحمة، وما شدّتهم إلّا في باطنها رحمة، وما رحمتهم إلّا في داخلها شّدة. ولنفهم ذلك، فإن الحقيقة واحدة لها وجوهٌ عدّة، وتتجلّى بصورٍ عديدة. كذلك صفات الله وأسماؤه، فيها الرحمة وفيها الشدّة، وفيها العطف وفيها الغضب، وكلّ ذلك هو وجوه لحقيقةٍ واحدة، بقانون واحدٍ يهدف إلى أن يحققّ الإنسان رسالته على هذه الأرض، [خلقت كلّ شيءٍ من أجلك](1).
فقد يمرّ الإنسان بحالٍ من اليسر، وقد يمرّ بحالٍ من العسر، وكلّ حالٍ يمرّ به المقصود منه أن يكسب في الله وأن يدرّب هذا الوجود ليكون وجوداً أصلح، ولكنّ الإنسان في بعض الأحيان لا يدرك ذلك، "فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ"[الفجر 16،15]، وهذا حال الإنسان في وقتٍ ما وفي لحظةٍ ما.
ولكنّ الإنسان الذي يتعلّم من الأحوال التي يمرّ بها، يتعلّم فيصبح في حالٍ آخر، "الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ"[البقرة 156]، لا يجزعون ولا ينسبون إلى الله أنّه أهانهم، أو أنّه أصابهم، أو أنّه كان عنيفاً معهم ـ إنّما أدركوا رحمته فيما أصابهم.
وأدركوا أيضاً يوم يحنو عليهم، خوفهم من ألّا يستفيدوا من هذا الذي أفاض به عليهم، فيحمدون الله على ما أعطاهم، ويستغفرونه أن يكونوا غير مقدّرين لعطائه وغير مُعمِلين له في الوجه السّليم والأفضل والأقوم، "...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء..."[فاطر 28]، يخشون الله دائماً، ويطمعون في رحمته دائماً أيضاً.
إنّهم أيضاً لهم وجوهٌ كثيرة. أحوال الإنسان هي وجوهٌ له، لا تتعارض، وإنّما لكلّ مقامٍ مقال، ولكلّ حالٍ مقام، ولكلّ حادثةٍ مقام، ولكلّ وضعٍ يمرّ به الإنسان مقام، وهذا معنى من معاني: "فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ"[الإنفطار 8].
إن السّلوك على هذه الأرض يمرّ بهذه المراحل، يمكننا أن نبدأ من أيّ نقطةٍ فيما سنقوله الآن، يمكن أن نبدأ بمعاناة الإنسان، معاناة الإنسان أوّلاً في أن يدرك رسالته على هذه الأرض، وقد عانى الإنسان في قديم، ويعاني في حاضر، وسيعاني في قادم، عن أن يفهم معنى وجوده ورسالة قيامه.
وهي معاناةٌ أكبر من أيّ معاناة؛ لأنّه يريد أن يعرف ماذا يستطيع أن يفعل على هذه الأرض، ما هو الشّيء الذي يستطيع أن يقدّمه؟ ما هو الحال الذي يجب أن يقوم فيه؟ ما هي الصّفات التي يجب أن يتحلّى بها؟ ما دوره تجاه الآخرين، وما دوره تجاه نفسه؟
عنده اختياراتٌ كثيرة، وقد لا يجد أيّ اختيارٍ فيكون في معاناةٍ أكبر، يُعمِل ما أعطاه الله من عقلٍ ليختار بين ما وصل إليه، يُعمِل عقله أوّلاً ليجد اختياراتٍ وبدائل، فإذا لم يجد يظلّ يفكّر ويظلّ يبحث وقد لا يجد ما يختاره بصدق، إلى أن يصل أن يدعو الله وأن يطلب عوناً من الله ليساعده فيما هو فيه، فيصل إلى اختيارٍ ما، فينفّذ اختياره فيعاني في اختياره، فيفكّر في الحال الجديد الذي أوجد نفسه فيه، ويظلّ يبحث فقد يجد حلًّا لوضعه وقد لا يجد، فيّتجه إلى الله ويظلّ في هذه الدّائرة.
وربّما يجد بعقله ما يستريح إليه، فعليه ألّا ينسى الله أيضاً وأن يحمد الله على ما هداه، ويعلم أنّه سواء دعا الله بلسانه أو بقلبه، فإنّه لو أدرك ذلك فقام فيه فهذا أمرٌ حسن، ويعلم أنّه قد يدعو الله بوجوده دون أن يكون ذلك ظاهراً على حاله، إنّما هو جعل وجوده دائماً في حال دعوةٍ مستمرّة، فقد علم أنّه في دعاءٍ دائم، وأنّ ما يصل إليه من مفاهيم أو اختياراتٍ بعقله ما هي إلّا نتيجة هذا الدّعاء، فيكون في صلةٍ دائمة فيتحرّج من أن يدعو بلسانه؛ لأنّ ذلك يُخرِجه من هذه العلاقة الدّائمة.
لذلك قال القوم: [لو غاب عنّي رسول الله طرفة عينٍ ما عددت نفسي من المسلمين](2)؛ لأنّه تصوّر أنّه إذا دعا بلسانه فقد خرج من هذا الحال. هذا ما نتأمّله. ولكن هذا يعني أنّ الإنسان الذي لا يشعر بذلك عليه أن يدعو بأي صورة وألا يتأخر عن ذلك. وإنّما إذا شعر وقام فيه أنّه يريد عون الله فليدعُ الله، وليسأل الله، وليرجُ الله، وليدرك أنّ الله "...أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ"[ق 16]، ومعه أينما كان، وأن يدرّب نفسه ليكون داعياً دائماً بكلّ وجوده، فلا يرى إلّا الله، ولا يسمع إلّا الله، ولا يشهد إلّا الله.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون في دورة حياة وفي دورة سلوك وأن ننتبه لذلك، وأن نجاهد أنفسنا لنقوم في ذلك، حتّى نكسب كرّتنا ونكسب حالنا وحياتنا. هذا ما نرجوه ونسأله وندعوه، نستغفر الله إن أخطأنا وإن أسأنا في التعبير، وندعوه دائماً أن يعيننا، وأن يقوّي عزائمنا، وأن يلهمنا ما فيه صلاحنا وما فيه خيرنا وما فيه حياتنا.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أنّ الإنسان هو الكائن الذي [ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره فيه](3)، وهذا معنى: "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..."، ومعنى: "وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا..."[البقرة 31]، ومعنى: "فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ"، وما نراه في واقعنا هو تعبيرٌ عن ذلك.
فالإنسان هو الكائن العاقل الذي يستطيع أن يتعلّم مما يدور حوله، وهو الكائن الذي يستطيع أن يغيّر ما هو حوله، فهو يزرع ويبني ويعمّر ويصنّع ويبحث عن معنى الحياة وعن قوانين هذه الأرض التي يعيش عليها، "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ..."[العنكبوت 20]، وهو الذي يستطيع أن يختار من بين بدائل كثيرة يجدها، "فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا"[الشمس 10:8]. وهنا تعبيرٌ عن الاختيار وعن البدائل.
وضَرْب المثل ببديلين لا يعني أنّ الأمر ينحصر في ذلك، إنّما تزكية النّفس لها بدائل كثيرة. "وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا" لها بدائل كثيرة أيضاً. بدائل ووسائل أيضاً كثيرة لكلتا الحالتين، ومن ثمّ فإنّ الإنسان يستطيع أن يولّد بدائل كثيرة، ويستطيع أن يختار من بين هذه البدائل أيضاً.
وكلّ بديلٍ يختاره سوف يؤدّي إلى نتيجة، والنّتيجة ستؤدّي إلى معاناةٍ من نوعٍ ما. وما نقصد بالمعاناة هنا ليس الجانب المتعب فقط، وإنّما أيضاً الموقع والحال الذي يرتاح فيه. والإنسان في أيٍّ من الحالين عليه أن يدرك أنّ علاقته يجب أن تكون وثيقةً بخالقه؛ لأنّه إذا ضعفت هذه الصّلة فهو سوف يخلط الأمور.
"...إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ"، هنا نلاحظ "...إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ..." وهذا ما نقصده أنّ المعاناة أو الابتلاء ليس فقط في أن قَدَر عليه رزقه، وإنّما أكرمه ونعّمه هو ابتلاءٌ أيضاً، بل أنّ ظنّه أنّه قد آمن هو ابتلاءٌ أيضاً؛ لأنّه مختبَرٌ في هذه العقيدة التي اعتقدها، "أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ"[العنكبوت 2].
فإذاً، الحال الذي يقوم فيه الإنسان من المعاناة ـ سَمِّها ـ أو الابتلاء ـ أيّاً كان المُسَمَّى ـ يتطلّب من الإنسان أن يعلم أنّه ـ في النهاية ـ الهدف منه، هو أن يكسب في الله، وأنّ القضيّة هي أن يكون في علاقةٍ دائمةٍ مع الله.
فإذا تدرّب على ذلك أصبحت صلته بالله فوق أن يدعوه بلسانه أو أن يذكره بقلبه أو أن يفكّر فيه بعقله؛ لأنّ عقله دائماً مشغولٌ بالله؛ ولأنّ قلبه دائماً مشغولٌ بالله؛ ولأنّ حديثه دائماً هو حديثٌ في الله، [لو غاب عنّي رسول الله طرفة عينٍ ما عددت نفسي من المسلمين](4).
هذا ما أردنا أن نقوله اليوم لعلّنا نستفيد منه ونتّجه إلى الله أن نقوم فيه، وأن ندرّب أنفسنا ووجودنا حتى نكسب هذا المعنى وهذا الحال.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّا إلّا فّرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.         
_______________________

(1)     روى في الخبر عن موسى عليه السلام أن الله انزل في التوراة " يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك وخلقتك من أجلي فلا تهلك ما خلقت من أجلي فيما خلقت من أجلك " أخرجه الحكيم الترمذي، كتاب ختم الأولياء للحكيم الترمذي صـ212. وفي القرآن الكريم يخاطب الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام قائلاً: "وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني"( طه 20: 39) ، ويقول أيضا "واصطنعتك لنفسي"( طه 20: 41).  

(2)    ، (4)  مقولة للسيد أبي الحسن الشاذلي.

(3)     "ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره في الإنسان" مقولة صوفية.


 

السبت، 24 ديسمبر، 2016

هناك فرق بين الدين بمعناه المطلق كقانون الحياة، وبين مفهوم كل فرد منا في الدين

حديث الجمعة
 17 ربيع الأول 1438هـ الموافق 16 ديسمبر 2016م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشّكر دائماً لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: إنّ كلّ عصرٍ تختلط فيه المفاهيم، وتتعدّد الاتّجاهات، وينقسم النّاس إلى فئات ـ وهذه سُنّة الحياة ـ من اختلافٍ واتّفاق، كلٌّ يؤيّد دينه، كلٌّ يؤيّد مذهبه، كلٌّ يؤيّد اعتقاده، ولا بأس في ذلك، إذا كان يحترم ما يعتقد الآخر. والمشكلة الكبرى هي أنّ كلّ فريقٍ يريد أن يفرض رأيه ورؤيته بظنّ أنّ ما يعتقده هو الدّين وهو الحقّ.
وما دام يعتقد أيّ فريقٍ أن الدّين هو ما يراه، ويتصوّر أنّ هناك ما يمكن أن يكون ديناً مطلقاً لا غيره، محدّد الاتّجاهات، محدّد الشّكل والصّورة ـ فسوف يؤدّي ذلك إلى مشكلةٍ كبيرة. وهذا ما نراه فيمن يغالون في دينهم، إذ أنّهم يرون الآخرين كلّهم ليسوا على دين وليسوا على عقيدة.
والذي نراه اليوم أنّ كثيراً من النّاس بدأوا يتفهمون الفارق بين الدّين كمعنىً مطلق، وبين مفهوم الإنسان في الدّين كمعنىً مقيّد.
الدّين الواحد، القانون الواحد، هو أمرٌ تجريديّ، هو قانون الحياة، هو حكمة الله في خلقه، هو القانون الحاكم لكلّ هذا الكون بظاهره وباطنه، وهذا القانون هو قانونٌ واحد، ولكنّنا بوجودنا لا نستطيع أن نحيط بهذا القانون الواحد؛ لأنّنا جزءٌ من هذا القانون، ولا يستطيع الجزء أن يحيط بالكلّ، ولا يستطيع المُحاط أن يحيط بالمحيط، "...لاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء..."[البقرة 255].
فإذا نظرنا إلى حياتنا الماديّة المنظورة لنا، فإنّنا لا نعرف إلّا القليل، بل أنّ هناك أشياءً كثيرة على هذه الأرض لا نعرف قانونها، ولا كيف تعمل، ولا كيف تؤثّر فينا، ولا نعرف إلّا آثارها التي تنتجها.
قد يُكوِّن إنسانٌ نظريّةً ما عن كيفيّة عملها، فيمكن أن نقول عن ذلك أنّه مفهومه عن كيفيّة عملها وتأثيرها. وقد يكون إنسانٌ آخر لديه مفهومٌ آخر ونظريّةٌ أخرى، وهذا ما نراه في علومنا الماديّة، في أمورٍ يمكن أن نراها بأعيننا أو بوسائل مساعدة، ونستطيع أن نختبرها، وأن نجري التجارب عليها، ومع ذلك يصل كلّ عالمٍ إلى تفسيرٍ مختلف، فما بالنا بأمورٍ هي غائبةٌ عنّا، تحتمل تفسيراتٍ مختلفة.
فلذلك، نرى في تاريخنا هذا التعدّد في تفسيرات كثيرٍ من المجتهدين، بل أنّنا إذا أدركنا أكثر لوجدنا أنّ كلّ إنسانٍ يختلف عن الآخر في معتقده، وهذا ما نقوله دائماً، أنّ كلّ إنسانٍ هو عالمٌ قائمٌ بذاته، له مفرداته، وله صفاته، وله قدراته، وله إمكاناته. والحقّ يقول لنا ذلك: "...لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا..."[البقرة 286]، فكلّ نفسٍ لها وسعها ولها قدرتها، بل أنّ كلّ إنسانٍ له دينه وله معتقده، "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ"[الكافرون 6].
وعلى ذلك أصبح الإنسان هو المسئول عن وجوده، "...لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى..."[الأنعام 164]، [كلّكم راعٍ، وكلّكم مسئولٌ عن رعيته](1)، "...إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..."[البقرة 30]،  هذه المسئوليّة الإنسانيّة هي التي تجعل كلّ إنسانٍ يفكّر ويتدبّر ويقرّر ما يجب أن يكون عليه.
فالدّين هنا بما أرسل من رسائل ورسالاتٍ سماويّة، يعلّمنا هذه الحقائق الأساسيّة، مسئوليّة الإنسان، قدرة الإنسان، تفعيل ما أعطى الله الإنسان. فإذا نظرنا إلى كلّ الآيات سوف نجدها أنّها تعلّمنا ذلك، فتصف لنا ما يجب أن يفعله الإنسان في أن تضرب مثلاً بـ "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..."[آل عمران 191].
توضّح لنا هذا الأمر الذي قد نصل إليه بفطرتنا؛ لأنّ من الفطرة أنّك سوف تصل إلى حالٍ أنّك لا تعرف أسباب هذا الكون ووجوده. حين تنظر في خلق نفسك وفي خلق هذا الكون، سوف تشعر بذلك، ممّا سيجعلك تتّجه إلى الغيب، وهذا معنى "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ...".
سوف لا تجد أمامك من يرشدك، لن تجد إجابةً لوجودك وحكمة وجودك، فستظلّ تذكر الله، بمعنى أنّك ستظلّ تسأل من أنا؟ وكيف أنا؟ ولماذا أنا؟ ومن تسأل إلّا خالقك، هذا ذكر الله، أنّك تشعر بدوام افتقارك وبدوام جهلك، فتبحث دائماً عن المعرفة بالذّكر المتواصل.
وسوف تصل أيضاً أنّك مع ذلك، أنت موجودٌ على هذه الأرض، وترى أشياءً حولك، ترى خلق الله في كائناته على هذه الأرض وفي السماوات حولك، فيما تشهده فيها، فتتفكّر بالطّبيعة والفطرة في كلّ هذه الأشياء، كيف تتعامل مع كلّ ما ترى على هذه الأرض، كيف يساعدك ما خلق الله على هذه الأرض في حياتك، في مأكلك ومسكنك، في ملبسك، في حركتك، في علاج أمراضك، في التّواصل مع إخوانك ـ فتكون كلّ العلوم الأرضيّة.
تتفكّر في هذه المجرّات التي أصبحت تستطيع أن ترى جزءاً منها بما خلقت وصنعت من آلاتٍ تمُكّنك من ذلك، لترى تأثيرها عليك، ولتدرس حركتها وحركة الأرض التي تعيش عليها، فتتعلّم أشياءً من كلّ هذا، وقد تخرج بنظريّاتٍ عن وجود هذه الأرض وعن خلق هذا الكون؛ لأنّك تريد أن تفهم فيما هو ظاهرٌ لك.
ولكنّك لا تستطيع أن تجزم بأيّ نظريّةٍ أنّها الحقّ المطلق، مع أنّ عندك من الدلائل ما يشير إلى إثبات هذه النظريّة، إلّا أنّه مع الوقت قد ترى أموراً أخرى. وما تفعله هو مصداقاً لقوله تعالى "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..."[العنكبوت 20]، فهذا توجيهٌ من الحقّ بأن يحاول الإنسان أن يبحث عن الحقيقة في كلّ شيء، عمّا يستطيع أن يعرفه في أيّ صورةٍ ظاهرةٍ له، وهذا أمرٌ مستمرّ.
فهكذا تصبح حياتك هي محاولةٌ دائمةٌ للفهم، وهذا ما يُطلَق عليه العلم النّظريّ، أنّك تريد أن تفهم ما يحدث في هذا الكون وعلى هذه الأرض. فمع البعد الغيبيّ الذي يجعلك تشعر بضآلتك وعدم قدرتك على فهم وجودك من النّاحية الغيبيّة، ولحكمة وجودك من الناحية المطلقة ـ فإنّ ذلك لا يمنعك أن تبحث عن حكمة وجودك من النّاحية المقيّدة، فيما تبحث عنه على أرضك.
لذلك كانت كلّ الآيات هي تعبيرٌ عن مبادئ أساسيّة، وعن مناهج تفاعليّة. فإذا جئنا إلى الجزء الخاصّ بالتّفاعل مع من حولك، كان المنهج القرآني "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ..."[آل عمران 64]. فهنا المنهج قائمٌ على معنى أنّنا كبشرٍ لا نستطيع أن نحيط بالله.
وعبادة الله في هذا السّياق معناها أيضاً، أو يمكن أن نفهم منها، أنّ هناك أعلى لا نستطيع أن نصل إليه أو أن نحيط به، فإذا كان عندك أي تصوّرٍ عن هذا الإله، عليك أن تنزّه الله عن ذلك. "...أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ..."، أن ننزّهه عن أيّ صورةٍ، وعن أيّ شكل في النّاحية الغيبيّة، فلا نقول أن عندنا إلهٌ أفضل من إلهكم، أو أننا نعبد ربّاً أفضل من ربّكم، فليس هناك إلّا ربٌّ واحد، وإلهٌ واحد. فالله هنا يرمز إلى هذا الربّ وإلى هذا الإله الذي "...لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ..."[الشورى 11].
لا نقول هنا أنّ عليكم أن تصلّوا كما نصلّي، أو أن تأكلوا كما نأكل، أو أن تلبسوا كما نلبس، أو أن تتزوّجوا كما نتزوّج، أو أن تدفنوا موتاكم كما ندفن ـ ليس هذا هو الحديث بين النّاس مع اختلافهم، إنّما الحديث هو الكلمة السّواء، هو التّواصي بالحقّ والتّواصي بالصّبر، هو الحديث بالتي هي أحسن، "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..."[العنكبوت س46].
والأحسن هو ما هو أحسن لنا على أرضنا، وفي وجودنا، وفي غيبنا. وما هو أحسن لنا بالنسبة للنّاحية الغيبيّة، هو ألّا نجسّد صورةً أو شكلاً. الأحسن أن يكون لكلّ إنسانٍ ما يعتقده وما يؤمن به، ولا ندخل في عراكٍ أو في صراعٍ أو في حربٍ، بسبب معتقدٍ غيبيّ. فإذا اختلفنا، لا نتعارك بسبب أيّ شيءٍ من هذا، وإنّما نقول: الله يحكم بيننا وبينكم يوم القيامة*، بمعنى أن نردّ الأمر إلى الله، ولا يدّعي أحدنا أنّه هو الذي يعرف الحقيقة المطلقة.
والرسّالات السّماوية وما جاءت به، ما هو إلّا مبادئ ومقاصد ومناهج للّتعامل في كلّ أحوال حياتنا. ما جاءت لتضع لنا صوراً جامدة، أو أوامر جامدة، أو معاملاتٍ جامدة ـ إنّما جاءت لنا لتوضّح منهجاً نستطيع أن نسير عليه في تعاملنا مع أنفسنا، وفي تعاملنا مع الآخرين، وفي كيفيّة تناول حقائق الحياة التي نراها أمامنا.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون من الذين يتفهّمون دينهم حقّاً، ومن الذين يرجون ربّهم حقّاً، ومن الذين يلجأون إليه ويتوكّلون عليه.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو كيف نتعامل مع الدّين في حياتنا، وأن نفرّق بين مفهوم كلّ فردٍ منّا في الدّين وللدّين، وبين الدّين بمعناه المطلق الذي هو قانون الحياة، والذي هو قائمٌ أردنا أو لم نرد، "إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا"[مريم 93]، فهو القانون الفاعل في الظّاهر والباطن، في الدنيا والآخرة، في الأرض وفي السماء.
ونحن لا نعرف إلّا القليل القليل، وبما نعرفه نستطيع أن نتطوّر إلى الأفضل والأحسن والأقوم، إن استخدمنا كلّ طاقاتنا لنكون أداة خيرٍ لأنفسنا وللنّاس حولنا، ولا نعلم ما سنكون عليه وما سنصل إليه، وإنما نسلّم أمرنا إلى الله، ونحن نعرف أنّ تسليمنا ما هو إلّا إقرارٌ بواقعٍ سوف نصل إليه؛ لأنّ قانون الحياة نافذٌ على كلّ إنسانٍ.
ونعلم أنّ من قوانين الله أن يرحمنا، وأن يرفق بنا، وأن يأخذ بأيدينا، وأن يغفر لنا، وأن يساعدنا، وأن يشدّ أزرنا، نفوّض إليه أمرنا، ونوكل إليه حالنا، لا ملجأ لنا منه إلّا إليه، هو الذي يأخذ بأيدينا. قانونه أن نلجأ إليه وأن ندعوه وأن نطلبه، "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..."[غافر 60]، "...فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ..."[البقرة 186]، فلندعُ الله أن يجعلنا له خالصين، ولوجهه قاصدين.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونفوّض أمورنا إليك، لا ملجأ لنا منك إلّا إليك.
        اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.                                       
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنّا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.    
__________________________

(1)     جاء بسنن الترمذي: ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم أنه‏ ‏قال ‏" ‏ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه ، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"‏.


* "اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ"[الحج 69].

الثلاثاء، 6 ديسمبر، 2016

الدّين واقعٌ نعيشه وليس مجرّد كلماتٍ في الهواء ليس لها واقع

حديث الجمعة 
3 ربيع الأول 1438هـ الموافق 2 ديسمبر 2016م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشكر دائماً لله، والصلاة والسلام على رسول الله
عباد الله: يا من ترجون لقاء الله، ويا من تجتمعون على ذكر الله، حديث الحقّ موجّهٌ لكم يرشدكم ويساعدكم على أن تقرأوا ما في أنفسكم وما يحيط بكم في عالمكم، لتكسبوا حياتكم ولتكسبوا آخرتكم، ولتكونوا عباداً لله صالحين في دنياكم وفي أخراكم.
تعلّموا أنّ الدّين هو يوم تُفعّلوا ما أعطاكم الله من طاقاتٍ وإمكانات، أنّ الدّين هو منهجٌ تسيرون عليه في حياتكم، "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..."[العنكبوت 46]، "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ..."[آل عمران 64].
هكذا توضّح الآيات معنى الاستقامة على هذه الأرض، والتي يجب على الإنسان أن يتّبعها، هذه الاستقامة هي الدّين "اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ"[الفاتحة 6]. الدّين واقعٌ نعيشه، الدّين ليس مجرّد كلماتٍ في الهواء ليس لها واقع، "وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ"[الذاريات 6].
حين نرى النّاس يتصوّرون أنّ هناك ديناً صحيحاً واحداً، ويبحثون عن هذا الدّين الواحد الصّحيح من خلال علماءٍ يظنّون أنّ هؤلاء العلماء هم القادرون على أن يقولوا ما هو الدّين الصّحيح، متصوّرين أنّ الدّين الصحيح هو مجموعة من الأوامر والنواهي يمكن أن نصيغها، أو أن نسردها، أو أن نضعها في قائمة أو في لائحة أو في قانون، ونقول أنّ هذا هو الدّين الصحيح، هذا التصوّر ـ في نظرنا ـ أمرٌ لا يمكن الوصول إليه.
لو نظرنا إلى أنّ هذه اللائحة هي مجموعة أمورٍ تُطبّق بحذافيرها وبشكلها، أمورٌ شكليّة حرفيّة، غير قابلة للتّجديد، أو التّغيير، أو التّحسين، وإنّما هي ثابتة. وإذا فرضنا ـ جدلاً ـ أنّك وصلت إلى هذه اللائحة أو القائمة، وأن تقول أنّ هذا ما يريد الله وهذا هو حكم الله، فإنّك تدخل بذلك في منزلقٍ خطير؛ لأنّك سوف تصف أيّ إنسانٍ آخر لا يؤمن بهذه القائمة ككلّ، بالكفر وبالخروج عن الدّين.
وكما نقول دائماُ أنّ المنهج الذي قدّمه لنا الدّين هو ما يمكن أن نُطبّقه؛ لأنّ هذا المنهج ديناميكي يتفاعل مع الواقع، ويتفاعل مع الإنسان، ويتفاعل مع المجتمع، ويتفاعل مع الأمّة ككلّ، ويتفاعل مع التّقدّم العلميّ، ويتفاعل مع ما عرفته الأمم الأخرى، ويتفاعل مع كلّ الظّروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة.
إنّه منهجٌ قائمٌ على أن تجتمع الأمّة لتبحث عمّا ينفعها وعمّا يُصلِحها، وأن تضع أمامها المقاصد الكليّة التي كشفت عنها الرّسالات السّماوية، والتي تتناغم مع ما عند الإنسان من فطرةٍ سويّة، "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ"[النحل 90]، لعلّكم تعرفون، لعلّكم تسلكون، لعلّكم تُصلِحون، لعلّكم تنجون.
لذلك، فالفارق بين ما نراه وبين ما هو شائعٌ، هو أنّنا نرى أنّ الدّين هو منهجٌ نتّبعه لنصل إلى حياةٍ أفضل، وما يراه كثيرون آخرون هو أنّهم يريدون أن يصلوا إلى هذه القائمة، أو اللائحة، أو القانون، الذي هو عبارة عن مفرداتٍ تُنفّذ بحذافيرها، دون وعيٍ ودون فهم. ما نراه هو منهجٌ يتفاعل ويتنج أموراً متغيّرة طبقاً للواقع، وما يراه الآخرون هو أمورٌ ثابتة لا تتغيّر ولا تتبدّل مع واقعٍ، بأي شكلٍ من الأشكال.
وفي الحقيقة أنّ الذين يتصوّرون أنّهم يمكن أن يصلوا إلى هذه القائمة، أو هذا القانون، أو هذه اللائحة، لا يمكنهم أن يصلوا إليها بهذه الصّورة الجامدة؛ لأنّ الواقع يقول غير ذلك، فأنت في القانون الوضعيّ تحاول بكلّ الطّرق أن تصيغ قانوناً ليس فيه لبسٌ أو غموض، ويمكن أن يُطبّق على الجميع بصورةٍ واحدة، ولكنّ الواقع يقول غير ذلك.
فكثيراً ما يصل قاضٍ إلى حكمٍ من خلال هذا القانون مختلفٍ عن حكمٍ آخرٍ لقاضٍ آخر في نفس القضية، ممّا يدلّ على أنّ مهما صغنا ومهما حاولنا، فالعامل البشريّ حين يدخل ويُنفّذ ويُفسّر الكلمات، فربّما يصل إلى صورٍ مختلفة، هذه طبيعة الحياة، وطبيعة الإنسان، وطبيعة المجتمع.
ولذلك، فلا نستطيع أن نصف أيّ شيءٍ صغناه، أو فهمناه، أو وضعناه في كلماتٍ من صنعنا، وأن نقول عنها أنّها كلام الله. حتّى كلام الله المقدّس المُنَزّل طالما أنّه تواجد في كلماتٍ وحروف في حياتنا، وتدخّلنا نحن في فهمه بعقولنا، فإنّنا سوف نفهم أموراً مختلفة.
لذلك، فعلينا أن نتعلّم هذا الاختلاف الذي هو موجودٌ في البشر، "وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ..."[النحل 93]، ولكنه شاء أن تكونوا "...شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا..."[الحجرات 13]، شاء أن تكونوا مختلفين في الجنس، وفي اللون، وفي الشكل، وفي العقل، وفي القلب، في كلّ صفةٍ من صفاتكم، بل أنّ كل إنسانٍ ـ كما نقول دائماً ـ هو عالَمٌ قائمٌ بذاته، مختلفٌ عن عالَمٍ آخر، عن إنسانٍ آخر، عن وجودٍ آخر.
عباد الله: نريد أن نتعلّم كيف نُطبّق المنهج الذي يعتمد على عقل الإنسان، وعلى التّواصي بين النّاس بالحقّ وبالصّبر، تواصٍ مستمر لا ينقطع؛ لأنّنا سنظلّ دائماً في حاجةٍ إلى هذا التّواصي؛ لأنّ كلّ يومٍ يأتي بجديد، وكلّ فكرٍ يأتي بجديد، وكلّ علمٍ يأتي بجديد، وكلّ جديدٍ يحتاج أن يتكامل ويتوافق مع ما هو قائم.
وهذا التّوافق يحتاج دائماً إلى علماء يتدارسون ويتواصون، لا بأن ينقلوا، لا بأن يردّدوا، ولكن بأن يفكّروا، ويتدبّروا، ويتأمّلوا، ويتواصوا، ويغيّروا ويبدّلوا، في إطار ما هو أفضل وأحسن وأقوم، وهذا هو جوهر الدّين ولبّ الدّين.
لذلك، نقول دائماً أنّ التّوجيه الإلهيّ كان لِكذلك "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ..."[آل عمران 104]،  إذاً التّوجيه الدّيني لا يقول لهم إفعلوا كذا وكذا وكذا، وإنّما يقول: "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ..."[آل عمران 104]، وتؤمن بالله(1). وكلّ أمرٍ جاء هو أمرٌ لنتفكّر فيه، ولنتدبّر في كيفيّة تنفيذه، ولا نأخذه كحروفٍ جامدة، بفهمٍ واحد فهمه السابقون، وإنّما بفهمٍ متجدّد يُنفّذ لصالح المجتمع ولصالح الأمّة.
عباد الله: نسأل الله: أن يوفّقنا لذلك، وأن يجعلنا أهلاً لذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو أن نذكّر أنفسنا بمعنى ديننا الذي هو منهجٌ للإنسان في حياته، ومنهجٌ للأمّة في وجودها وفي بقائها، يقوم على الأفضل والأحسن والأقوم، يقوم على احترام العقل والواقع الذي يعيشه الإنسان، يقوم على قراءة هذا الواقع والتّفاعل معه، يقوم على قراءة الإنسان لوجوده، ولحاجاته، ولفهمه، ولإحساسه، ولرؤيته ـ ليصل إلى ما ينفعه وينفع إخوانه في الحياة.
وكلّ أمرٍ جاء به الدّين يحمل في داخله منهجاً، فإذا قال إفعلوا كذا، فإنّ في داخل هذا الأمر سؤالٌ: كيف نفعله؟ وكيف نفعله يتطلّب من الإنسان أن يفكّر في أنّ هذه الكيفيّة التي يجب أن يقوم بها، مفروضٌ أن تتوافق مع المقصد الكلّي ومع الهدف الكلّي في إحياء الإنسان وفي احترام الإنسان، في احترام حياة الإنسان ووجود الإنسان، "...مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا..."[المائدة 32](2).
إنّ كلّ أمرٍ له عمق، وليس مجرّد كلماتٍ جوفاء، إنّه يتحوّل إلى مفردةٍ في المنهج الكلّي الذي يحترم حرية الإنسان، فلا يجعل لإنسانٍ سلطاناً على إنسانٍ آخر، ولا يسمح لإنسانٍ بأن يعتدي على إنسانٍ آخر.
والاعتداء له صورٌ كثيرة، تبدأ من سلطان الحاكم على المحكوم، فهو اعتداءٌ على حريته، إلى اعتداء كلّ فردٍ على أخيه الإنسان، يوم يسرقه، أو يقتله، أو يعتدي عليه بأيّ صورةٍ أخرى، يوم يأخذ منه أكثر ممّا يعطيه، "وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ"[المطففين 3:1]، هذا نوعٌ من الاعتداء أيضاً.
فكلّ أنواع الاعتداء نحن مأمورون بأن نردّها، وأن نضع من الأساليب ما يمنعها، وما يُقوّم من يقوم بها ويُصلِحه ويجعله إنساناً صالحاً. هذا مطلوبٌ أن يكون موجوداً في منهج الحياة التي ننتهجها يوم ندعو إلى الخير ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر.
عباد الله: نسأل الله: أن يوفّقنا لذلك، وأن يجعلنا أهلاً لذلك.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.             __________________________

(1)   "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ..."[آل عمران 110].

(2)  "مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ..." [المائدة 32].