الثلاثاء، 6 ديسمبر، 2016

الدّين واقعٌ نعيشه وليس مجرّد كلماتٍ في الهواء ليس لها واقع

حديث الجمعة 
3 ربيع الأول 1438هـ الموافق 2 ديسمبر 2016م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشكر دائماً لله، والصلاة والسلام على رسول الله
عباد الله: يا من ترجون لقاء الله، ويا من تجتمعون على ذكر الله، حديث الحقّ موجّهٌ لكم يرشدكم ويساعدكم على أن تقرأوا ما في أنفسكم وما يحيط بكم في عالمكم، لتكسبوا حياتكم ولتكسبوا آخرتكم، ولتكونوا عباداً لله صالحين في دنياكم وفي أخراكم.
تعلّموا أنّ الدّين هو يوم تُفعّلوا ما أعطاكم الله من طاقاتٍ وإمكانات، أنّ الدّين هو منهجٌ تسيرون عليه في حياتكم، "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..."[العنكبوت 46]، "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ..."[آل عمران 64].
هكذا توضّح الآيات معنى الاستقامة على هذه الأرض، والتي يجب على الإنسان أن يتّبعها، هذه الاستقامة هي الدّين "اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ"[الفاتحة 6]. الدّين واقعٌ نعيشه، الدّين ليس مجرّد كلماتٍ في الهواء ليس لها واقع، "وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ"[الذاريات 6].
حين نرى النّاس يتصوّرون أنّ هناك ديناً صحيحاً واحداً، ويبحثون عن هذا الدّين الواحد الصّحيح من خلال علماءٍ يظنّون أنّ هؤلاء العلماء هم القادرون على أن يقولوا ما هو الدّين الصّحيح، متصوّرين أنّ الدّين الصحيح هو مجموعة من الأوامر والنواهي يمكن أن نصيغها، أو أن نسردها، أو أن نضعها في قائمة أو في لائحة أو في قانون، ونقول أنّ هذا هو الدّين الصحيح، هذا التصوّر ـ في نظرنا ـ أمرٌ لا يمكن الوصول إليه.
لو نظرنا إلى أنّ هذه اللائحة هي مجموعة أمورٍ تُطبّق بحذافيرها وبشكلها، أمورٌ شكليّة حرفيّة، غير قابلة للتّجديد، أو التّغيير، أو التّحسين، وإنّما هي ثابتة. وإذا فرضنا ـ جدلاً ـ أنّك وصلت إلى هذه اللائحة أو القائمة، وأن تقول أنّ هذا ما يريد الله وهذا هو حكم الله، فإنّك تدخل بذلك في منزلقٍ خطير؛ لأنّك سوف تصف أيّ إنسانٍ آخر لا يؤمن بهذه القائمة ككلّ، بالكفر وبالخروج عن الدّين.
وكما نقول دائماُ أنّ المنهج الذي قدّمه لنا الدّين هو ما يمكن أن نُطبّقه؛ لأنّ هذا المنهج ديناميكي يتفاعل مع الواقع، ويتفاعل مع الإنسان، ويتفاعل مع المجتمع، ويتفاعل مع الأمّة ككلّ، ويتفاعل مع التّقدّم العلميّ، ويتفاعل مع ما عرفته الأمم الأخرى، ويتفاعل مع كلّ الظّروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة.
إنّه منهجٌ قائمٌ على أن تجتمع الأمّة لتبحث عمّا ينفعها وعمّا يُصلِحها، وأن تضع أمامها المقاصد الكليّة التي كشفت عنها الرّسالات السّماوية، والتي تتناغم مع ما عند الإنسان من فطرةٍ سويّة، "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ"[النحل 90]، لعلّكم تعرفون، لعلّكم تسلكون، لعلّكم تُصلِحون، لعلّكم تنجون.
لذلك، فالفارق بين ما نراه وبين ما هو شائعٌ، هو أنّنا نرى أنّ الدّين هو منهجٌ نتّبعه لنصل إلى حياةٍ أفضل، وما يراه كثيرون آخرون هو أنّهم يريدون أن يصلوا إلى هذه القائمة، أو اللائحة، أو القانون، الذي هو عبارة عن مفرداتٍ تُنفّذ بحذافيرها، دون وعيٍ ودون فهم. ما نراه هو منهجٌ يتفاعل ويتنج أموراً متغيّرة طبقاً للواقع، وما يراه الآخرون هو أمورٌ ثابتة لا تتغيّر ولا تتبدّل مع واقعٍ، بأي شكلٍ من الأشكال.
وفي الحقيقة أنّ الذين يتصوّرون أنّهم يمكن أن يصلوا إلى هذه القائمة، أو هذا القانون، أو هذه اللائحة، لا يمكنهم أن يصلوا إليها بهذه الصّورة الجامدة؛ لأنّ الواقع يقول غير ذلك، فأنت في القانون الوضعيّ تحاول بكلّ الطّرق أن تصيغ قانوناً ليس فيه لبسٌ أو غموض، ويمكن أن يُطبّق على الجميع بصورةٍ واحدة، ولكنّ الواقع يقول غير ذلك.
فكثيراً ما يصل قاضٍ إلى حكمٍ من خلال هذا القانون مختلفٍ عن حكمٍ آخرٍ لقاضٍ آخر في نفس القضية، ممّا يدلّ على أنّ مهما صغنا ومهما حاولنا، فالعامل البشريّ حين يدخل ويُنفّذ ويُفسّر الكلمات، فربّما يصل إلى صورٍ مختلفة، هذه طبيعة الحياة، وطبيعة الإنسان، وطبيعة المجتمع.
ولذلك، فلا نستطيع أن نصف أيّ شيءٍ صغناه، أو فهمناه، أو وضعناه في كلماتٍ من صنعنا، وأن نقول عنها أنّها كلام الله. حتّى كلام الله المقدّس المُنَزّل طالما أنّه تواجد في كلماتٍ وحروف في حياتنا، وتدخّلنا نحن في فهمه بعقولنا، فإنّنا سوف نفهم أموراً مختلفة.
لذلك، فعلينا أن نتعلّم هذا الاختلاف الذي هو موجودٌ في البشر، "وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ..."[النحل 93]، ولكنه شاء أن تكونوا "...شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا..."[الحجرات 13]، شاء أن تكونوا مختلفين في الجنس، وفي اللون، وفي الشكل، وفي العقل، وفي القلب، في كلّ صفةٍ من صفاتكم، بل أنّ كل إنسانٍ ـ كما نقول دائماً ـ هو عالَمٌ قائمٌ بذاته، مختلفٌ عن عالَمٍ آخر، عن إنسانٍ آخر، عن وجودٍ آخر.
عباد الله: نريد أن نتعلّم كيف نُطبّق المنهج الذي يعتمد على عقل الإنسان، وعلى التّواصي بين النّاس بالحقّ وبالصّبر، تواصٍ مستمر لا ينقطع؛ لأنّنا سنظلّ دائماً في حاجةٍ إلى هذا التّواصي؛ لأنّ كلّ يومٍ يأتي بجديد، وكلّ فكرٍ يأتي بجديد، وكلّ علمٍ يأتي بجديد، وكلّ جديدٍ يحتاج أن يتكامل ويتوافق مع ما هو قائم.
وهذا التّوافق يحتاج دائماً إلى علماء يتدارسون ويتواصون، لا بأن ينقلوا، لا بأن يردّدوا، ولكن بأن يفكّروا، ويتدبّروا، ويتأمّلوا، ويتواصوا، ويغيّروا ويبدّلوا، في إطار ما هو أفضل وأحسن وأقوم، وهذا هو جوهر الدّين ولبّ الدّين.
لذلك، نقول دائماً أنّ التّوجيه الإلهيّ كان لِكذلك "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ..."[آل عمران 104]،  إذاً التّوجيه الدّيني لا يقول لهم إفعلوا كذا وكذا وكذا، وإنّما يقول: "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ..."[آل عمران 104]، وتؤمن بالله(1). وكلّ أمرٍ جاء هو أمرٌ لنتفكّر فيه، ولنتدبّر في كيفيّة تنفيذه، ولا نأخذه كحروفٍ جامدة، بفهمٍ واحد فهمه السابقون، وإنّما بفهمٍ متجدّد يُنفّذ لصالح المجتمع ولصالح الأمّة.
عباد الله: نسأل الله: أن يوفّقنا لذلك، وأن يجعلنا أهلاً لذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو أن نذكّر أنفسنا بمعنى ديننا الذي هو منهجٌ للإنسان في حياته، ومنهجٌ للأمّة في وجودها وفي بقائها، يقوم على الأفضل والأحسن والأقوم، يقوم على احترام العقل والواقع الذي يعيشه الإنسان، يقوم على قراءة هذا الواقع والتّفاعل معه، يقوم على قراءة الإنسان لوجوده، ولحاجاته، ولفهمه، ولإحساسه، ولرؤيته ـ ليصل إلى ما ينفعه وينفع إخوانه في الحياة.
وكلّ أمرٍ جاء به الدّين يحمل في داخله منهجاً، فإذا قال إفعلوا كذا، فإنّ في داخل هذا الأمر سؤالٌ: كيف نفعله؟ وكيف نفعله يتطلّب من الإنسان أن يفكّر في أنّ هذه الكيفيّة التي يجب أن يقوم بها، مفروضٌ أن تتوافق مع المقصد الكلّي ومع الهدف الكلّي في إحياء الإنسان وفي احترام الإنسان، في احترام حياة الإنسان ووجود الإنسان، "...مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا..."[المائدة 32](2).
إنّ كلّ أمرٍ له عمق، وليس مجرّد كلماتٍ جوفاء، إنّه يتحوّل إلى مفردةٍ في المنهج الكلّي الذي يحترم حرية الإنسان، فلا يجعل لإنسانٍ سلطاناً على إنسانٍ آخر، ولا يسمح لإنسانٍ بأن يعتدي على إنسانٍ آخر.
والاعتداء له صورٌ كثيرة، تبدأ من سلطان الحاكم على المحكوم، فهو اعتداءٌ على حريته، إلى اعتداء كلّ فردٍ على أخيه الإنسان، يوم يسرقه، أو يقتله، أو يعتدي عليه بأيّ صورةٍ أخرى، يوم يأخذ منه أكثر ممّا يعطيه، "وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ"[المطففين 3:1]، هذا نوعٌ من الاعتداء أيضاً.
فكلّ أنواع الاعتداء نحن مأمورون بأن نردّها، وأن نضع من الأساليب ما يمنعها، وما يُقوّم من يقوم بها ويُصلِحه ويجعله إنساناً صالحاً. هذا مطلوبٌ أن يكون موجوداً في منهج الحياة التي ننتهجها يوم ندعو إلى الخير ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر.
عباد الله: نسأل الله: أن يوفّقنا لذلك، وأن يجعلنا أهلاً لذلك.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.             __________________________

(1)   "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ..."[آل عمران 110].

(2)  "مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ..." [المائدة 32].



الإنسان هو الذي يحدّد معتقده ولا يستطيع أحدٌ أن يحدّد معتقد إنسانٍ آخر

حديث الجمعة 
25 صفر 1438هـ الموافق 25 نوفمبر 2016م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.                     
الحمد لله الذي جعل لنا بيننا حديثاً متّصلاً نتواصى فيه بالحقّ والصّبر بيننا، نتدبّر أمور ديننا وأمور حياتنا، نتعلّم من كلّ شيءٍ يحدث حولنا ومن كلّ شيءٍ حدث قبلنا، مدركين أنّ الله قد أوجد فينا نعمة العقل التي بها نستطيع أن نحوّل كلّ ما نراه، وكلّ ما نسمعه، وكلّ ما نشعر به ـ إلى عملٍ نعمله، وإلى قولٍ نقوله، وإلى رؤيةٍ لحياتنا نراها.
ولنعمل بذلك، ولنُفعِّل عقولنا، فإنّا نوجد قواعد تحكمنا، نضعها نحن بعقولنا أيضاً، حتّى نستطيع أن نربط بين ما نعتقد أنّه حقائق الحياة. وكلّ إنسانٍ طبقاً لهذه القواعد التي يضعها، وطبقاً للرؤية التي يراها، وطبقاً لتفسير الكلمات التي يسمعها، وطبقاً للمشاعر التي يشعر بها ـ فإنّه يحوّل كلّ ذلك إلى ما يقوم به من أعمال، وما يقول به من أقوال، وما يسير إليه وما يعتنقه من أفكار.
لذلك، لا يمكن أن نناقش ما وصل كلّ فردٍ فينا إليه من نتائج؛ لأنّ ما وصل كلّ فردٍ منّا إليه، سار في عمليّةٍ معقدّةٍ ومركبّة، لا نستطيع أن نتجادل فيما وصلنا إليه نتيجة هذه العمليّة المركبّة، وإنّما نستطيع أن نتواصى بمفردات هذه العمليّة، نتواصى لنفهم ما نعتقده أنّه حقائق الحياة، وهذا معنى أن نتواصى بالحقّ.
وحين نتحدّث عن الحقّ في إطار عالمنا المقيّد، فإنّنا نتواصى بما نعتقد أنّه الحقّ، فكلّ كلمة حقٍّ ظهرت في أيّ آية أو في أيّ حديثٍ، طالما أنّها ظهرت في إطار هذا العالم المقيّد، فإنّها اعتقادٌ بحقٍّ، وليست حقّاً مطلقاً.
وكلمة الحقّ هنا تشير إلى الأساسيّات، وإلى المفردات التي نستطيع أن نبدأ منها. وهذا ما نطلق عليه معنى الإيمان، ماذا نؤمن به؟ "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ"[البقرة  285].
فمفردات الإيمان أوّلها الإيمان بالله، والإيمان بالله هو إيمانٌ بالغيب ـ كما نقول دائماً ـ؛ لأنّ الله أكبر من أيّ شكلٍ وأكبر من أيّ صورةٍ، فإذا قلت أنّه الخالق، فهذا اسمٌ من أسمائه أو صفةٌ من صفاته. كيف ترى هذا الاسم، أو كيف ترى هذه الصفة؟ فهو قد خلق هذا الكون ولكنّك لا تعرف كيف خلقه، ولا تعرف لماذا خلقه، ولا تعرف متى خلقه، ولا تعرف أين خلقه ـ فمعرفتك هي أيضاً قاصرةٌ، ولا يمكنك إلّا أن تؤمن بالخالق كغيب.
وكما ترى أسباب الحياة على هذه الأرض، فتستطيع أن تؤمن بأنّ هناك من الأسباب ما لا تراه، هذه مفردةٌ إيمانيّةٌ أخرى، والتي يشير إليها إيمانك بالملائكة، فالملائكة ـ كما نفهم ونتدبّر ونتأمّل ـ هي الأسباب الغيبيّة، هي المفردات الغيبيّة. "وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ..."[الزخرف 84]، فما معنى الإله؟ الإله هو الذي تعالى وخلق أسباباً، فلا إله إلّا الله، لا إله إلّا هذا الغيب.
تعالى الله، "...أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى"[طه 50]، وهدايته هي في قانونه، وقانونه هو كتابه، المؤمنون آمنوا بكتابه، وكتابه قد تعدّد في كلّ مظهرٍ من مظاهره، في كلّ رسالةٍ من رسائله، في كلّ تجلٍّ من تجلّياته، في كلّ فرعٍ من فروع الحياة، في كلّ مجالٍ من مجالات الحياة. وهذا أمرٌ تستطيع أن تراه فيما هو قائمٌ على هذه الأرض في قوانينها وفي أسبابها.
وهو قد أظهر لك من الأرض من يعلّمك هذه الكتب، فكان هؤلاء هم رسله، ورسله لهم تواجدٌ دائمٌ على هذه الأرض، [يبعث الله على رأس كل قرن من يجدّد لأمّتي أمور دينها](1)، وكلّ قرنٍ هو كلّ يوم ـ في واقع الأمر ـ ، فلا تخلو هذه الأرض من علماء يبلّغون ويعلّمون كتاب الله وكتب الله، [علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل](2).
هذه المعاني نؤمن بها، والإيمان بها لا يعني أنّنا نحدّد شكلها وصورتها، فلا نستطيع أن نقول أنّ هذا هو العالِم الذي يبلِّغ كتاب الله بصدق، ولا نستطيع أن نجسّد مفهوماً ونقول أنّ هذا هو ما جاء به كتاب الله بصدق. نحن نعيش على هذه الأرض في حجابٍ من ظلام، نعيش في عالمٍ لا نستطيع فيه أن نحدّد بدقّة أيّ شيء.
وهذا هو حال الطّبيعة، حين يبحث العلماء، وبحث العلماء في مكوّنات الجزيئات والذّرات الماديّة لم يستطيعوا أن يروا هذه المفردات الصّغيرة جدّاً بعيونهم ولا بأدواتهم، وإنّما رأوا تأثيراتها في أبحاثهم، فأدركوا وجودها احتماليّاً، حتّى أنّهم في علومهم الحديثة ـ والتي أيضاً لا نستطيع أن نقول أنها جازمة ـ يتعاملون مع هذه المفردات بنظريّة احتماليّة.
فهذه الموجودات موجودة احتماليّاً، أو هذه المفردات، أو هذه الكائنات الصغيرة جدّاً، أيّاً ما تسمّيها، هي موجودةٌ وجوداً احتماليّاً، ولكنّها موجودة، إنّما لا نستطيع أن نحدّد مكانها، ولا نستطيع أن نحدّد سرعتها، ولا نستطيع أن نحدّد طاقتها ـ نستطيع أن يكون عندنا احتمال في أنّها كذا، أو موجودةٌ هنا أو هناك، أو تسير بهذه السرعة، أو أنّها تحمل هذه الطّاقة.
هذا ليس فقط في هذا المجال الصّغير جدّاً من الحياة الماديّة، وإنّما هو موجودٌ في حياتنا نحن، فنحن في هذا العالم المحجوب لا نستطيع أن نقول شيئاً مطلقاً. ولذلك، فإنّ كل إنسانٍ له معتقده، له معتقده في مفهوم الله، في مفهوم ملائكة الله، في مفهوم كتب الله، في مفهوم رسل الله، إنّها مفرداتٌ إيمانيّة، والإيمان هو إيمانٌ مجرّد، والإنسان يحاول أن يحوّل هذا الإيمان المجرّد إلى شيءٍ مفهومٍ بالنّسبة له.
ما نريد أن نقوله: أنّ هذه الأمور قد تكون صعبة في الفهم، إلّا أّن الرّسالة التي نريد أن نوصلها: أنّ بقدرة الإنسان على هذه المفردات التي يؤمن بها، كيف يراها، وكيف يؤمن بها ـ سوف يتحدّد ما سوف يفعله على هذه الأرض، وسوف تتباين أفعال النّاس وتختلف، "...وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا..."[الحجرات 13]، "...وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً..."[المائدة 48]، إنّما أراد الله أن نكون مختلفين.
إنّنا جميعاً سوف نستخدم عقولنا بقدر ما أعطانا الله من قدرة العقل، ولكنّنا لا نرى الأشياء جميعا بنفس الشكل، وبنفس الصورة، وبنفس الفهم، وبنفس العمق، وليست لنا قدرة عقليّة بنفس القدر، فإذا كنّا في الظّاهر لنا عقول، وإذا كنّا في الظّاهر نرى، وإذا كنّا في الظّاهر نسمع، وإذا كنّا في الظّاهر نفعل ـ فعندنا جميع الأدوات، ولكن بقدراتٍ متفاوتة.
ولكنّ المنهج واحد، هو أنّنا نأخذ ممّا نراه، وما نسمعه، وما نشعره ـ لنصل إلى فعلٍ نفعله، وإلى قولٍ نقوله. هل سوف نصل إلى نفس القول الذي نقوله، أو إلى نفس الفعل الذي نفعله؟ لا يحدث هذا. هل يمكن أن نكون جميعاً لنا نفس المفهوم، ولنا نفس القول، ولنا نفس الفعل؟ هذا ليس واقعاً.
ولذلك، نجد مفاهيم كثيرة في الأديان، ومفاهيم كثيرة حتّى في نظريّات الحياة الماديّة التي تحت أيدينا، والتي نستطيع أن نشهد مفرداتها بعيوننا، إلّا أنّ كلّ إنسانٍ يفسّرها بطريقةٍ مختلفة. في قديمٍ كانوا يفسّرون العلم بطريقةٍ ما، ثم تطوّر هذا الفهم، وهذا التفسير إلى صورةٍ أخرى، وفي نفس الوقت وفي نفس العصر، سوف تجد علماءَ كثيرين يختلفون في تفسير أمورٍ في هذه الحياة.
بل أنّ في حياتنا الأرضيّة حين تذهب إلى طبيبٍ وإلى طبيبٍ آخر، فربّما يختلفان في تشخيص حالتك، وربّما إذا اتفقا يختلفان في علاجك. فنحن دائماً سوف نتباين فيما نصل إليه، حتّى لو كانت نفس المدخلات عندنا جميعاً، فما بال بمدخلاتٍ هي في حدّ ذاتها ليست محدّدة.
ما نريد أن نقوله: أنّ الإنسان هو الذي سوف يحدّد معتقده، وأنّ لا يستطيع أحدٌ أن يحدّد معتقد إنسانٍ آخر، وأنّ الدّين ما جاء إلّا ليعلّمنا كيف نتأمّل، وكيف نتفكّر، وكيف نتدبّر.
نسأل الله: أن نكون من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ..."[الزمر 18]، ومن الذين يعرفون معنى الحياة وكيف يعيشونها، وكيف ينجون بوجودهم لتكون كرّتهم كرّةً صالحة.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
ما أردنا أن نقوله اليوم: أنّ علينا أن نصل في تأمّلنا وتفكّرنا وتدبّرنا إلى حقائق الحياة بالنّسبة لنا، حتّى نستطيع من هذه الحقائق أن نبني فهماً لحياتنا، وأن نعرف طريقاً نسلكه في كلّ أمور تعاملاتنا، في كلّ ما نقوله وما نفعله على أرضنا.
التّواصي بيننا هو تواصٍ على هذه المفردات، نحاول أن نتقارب في نظرتنا إليها، فإذا تقاربنا، كانت هذه خطوة لنفهم أفضل معنى حياتنا، فلنتقارب إلى أن يكون لنا مفهومٌ متقارب أيضاً، وقد لا يحدث ذلك، وهذا ليس المهمّ.
المهمّ هو أن ندرّب أنفسنا كيف نقرأ ما نراه، وكيف نتعامل معه، كيف نُجلِي بصائرنا حتّى تكون رؤيتنا أكثر دقّة، وأن نُجلِي سمعنا حتّى يكون سمعنا أكثر دقّة، وأن نُجلِي قلوبنا حتّى يكون إحساسنا أكثر صدقاً، وهذا هو معنى الذّكر الذي هو أساس الحياة.
لذلك، نجد الآية التي نردّدها دائماً: "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ..."[آل عمران 191]، نريد بهذا الذّكر أن نكون أكثر صدقاً في رؤيتنا، وفيما نسمعه، فيما نشعره ـ حتّى تصل الرسائل الحقيّة إلى داخلنا، دون تشويشٍ، ودون أيّ ظلامٍ فيها. فإذا كان الأمر كذلك، تأمّلنا وتفكّرنا فيما وصل إلينا وفيما يصل إلينا باستمرار، حتّى نصل إلى نتيجةٍ نقولها ونقوم فيها.
وهذه الآية التي ذكرناها الآن تمثّل كلّ هذه المراحل، "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"[آل عمران 191]، هناك الذّكر، ثم التفكّر فيما نراه، وبعد الذّكر نراه بصورةٍ دقيقة، ويصل إلينا بصورةٍ صادقة، فنصل إلى النّتيجة، وهي "...رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ".
 عباد الله: نسأل الله: أن نكون كذلك، أن نكون من عباد الله الذّاكرين، من عباد الله المتأمّلين المتفكّرين المتدبّرين، أن نكون من عباد الله الذين أدركوا معنى الحياة، وأدركوا أنّ "...رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ".
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.       
____________________

(1)  حديث شريف أخرجه أبو داود والحاكم بنص :" إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها".  

(2)  حديث شريف أخرجه ابن النجار ، وقال بعض العلماء أنه لا أصل لهذا الحديث ، وقال آخرون إنه حديث مرفوع ، وأخرج أبو نعيم حديثاً رفعه بلفظ "أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد" . وقد يدل على معناه الحديث الذي أخرجه كل من الترمذي وأبي داود "العلماء ورثة الأنبياء" .

 



 

التّطبيق الواقع لمعنى أنّ الله يهدي، هو أنّ الإنسان يستخدم ما أودع الله فيه من طاقةٍ، ومن إرادةٍ، ومن عقلٍ، ومن قوةٍ

حديث الجمعة
 18 صفر 1438هـ الموافق 18 نوفمبر 2016م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
عباد الله: "مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا"[الكهف 17]، "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..."[العنكبوت 20]، "...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء..."[فاطر 28]، آياتٌ تذكّرنا وتعلّمنا كيف نعيش على هذه الأرض.
كلّ الآيات موجّهةٌ لنا، لنتعلّم قوانين هذه الحياة، فنستطيع أن نتعايش وأن نكسب حياتنا. كلّ آيةٍ من آيات الكتاب هي قانونٌ حاكمٌ لحياتنا على هذه الأرض، في زاويةٍ أو من زاويةٍ معيّنة ولقضيّة محدّدة. علينا أن يكون لنا فهمٌ في كلّ آيةٍ حتّى نستطيع أن نكوّن رأياً، وأن نعمل بما رأيناه في حياتنا.
قانون الهداية هو مرتبطٌ بأن نعكس البصر إلى داخلنا فيما ندركه، وفيما نفهمه، وفيما نعمله.علينا أن نراجع أنفسنا دائماً؛ لأنّنا حين ننظر في الآية: "مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا"، وننظر في واقعنا، لا نرى إلّا أنفسنا، لا نرى إلّا وجودنا، لا نرى إلّا إرادتنا، لا نرى إلّا ما نعقله، لا نرى إلّا ما نشعر به. لا نستطيع أن نرى قوّةً خارجيّة تأتي إلى الإنسان فتأخذه إلى هدايةٍ أو تأخذه إلى ضلال.
فمفهوم الآية بالنّسبة لنا، هو تعبيرٌ عمّا أوجد الله في الإنسان، وليس في رؤيةٍ أنّ الله بعيدٌ عن الإنسان يجعله يفعل كذا أو كذا، فالله قريبٌ من الإنسان وليس بعيداً عنه، "... أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ"[ق 16]، "... وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ..."[الحديد 4]، لا بمعنى قوّةٍ خارجيّةٍ تدفعكم دفعاً إلى أمرٍ ما أو تمنعكم منعاً عن أمرٍ ما، وإنّما هو ما هو قائمٌ فيكم من طاقةٍ، ومن قوةٍ، ومن إرادةٍ، ومن عقلٍ، ومن فطرةٍ، ومن إحساسٍ بقلبٍ، ومن ضميرٍ ـ الله يظهر فيكم بكلّ ذلك.
فإذا أدركنا هذا، رجعنا إلى أنفسنا، وإلى داخلنا، وإلى فطرتنا، وإلى عقولنا، وإلى قلوبنا، وإلى ضمائرنا ـ لنرى هل نحن في ضلالٍ أو نحن في هدايةٍ. قد يقول قائلٌ أنا لا أستطيع أن أعرف، وهذا حقيقيّ، وعدم استطاعة الإنسان أن يعرف هو أمرٌ مجرّد، وهو أمرٌ حقيٌّ مطلق، ولكن بقيامه على هذه الأرض عليه أن يختار، واختياره يقوم على ما يراه. ولذلك، فلابدّ له من أن يتّخذ قراراً في أمره.
فإذا كان الأمر كذلك، فعليه أن يكون له نظرٌ ووجهة نظرٍ في معنى الضّلال وفي معنى الهداية، هو الذي يحدّد ذلك بما يستطيع أن يدركه. فالتّطبيق الواقع لمعنى أنّ الله يهدي، هو أنّ الإنسان يستخدم ما أودع الله فيه من طاقةٍ، ومن إرادةٍ، ومن عقلٍ، ومن قوةٍ ـ وأنّ ذلك منوطٌ به، بقيامه على هذه الأرض، وهو أمرٌ يرجع إليه.
فإذا استخدم ما أودع الله فيه من طاقاتٍ، كان في معنى الهداية بالوجه العامّ؛ لأنّه استخدم ما أعطاه الله، وهذا هو عين الهداية. الهداية، أن تستخدم ما أعطاك الله من عقلٍ، ومن إحساسٍ، ومن قدرةٍ على التّذوّق، ومن قدرةٍ على الحكم بما تراه وبما تدركه، وأن تكون واعياً لذلك.
والضّلال، هو ألّا تُعمِل ما أعطاك الله من طاقاتٍ، فلا تعكس البصر إلى داخلك، ولا تنظر إلّا إلى خارجك، تكون متحرّكاً بما تراه حواسّك وبما تريده ذاتك، دون أن يكون لك أيّ فهمٍ في معنى حياتك وفي معنى وجودك.
إنّا نرى ذلك واقعاً في الحياة، حين ترى الذين يفسدون في الأرض، بأيّ شكلٍ من الأشكال تجد أنّهم لا يفعلون ذلك إلّا لأنّهم لا يرجعون إلى عقولهم، أو إلى قلوبهم، أو إلى ضمائرهم ـ إنّما هم مدفوعون دفعاً بحواسّهم، وبشهوات ذواتهم، وبظاهر وجودهم، وبعبادة دنياهم.
فالذي يسيطر على النّاس ويتحكّم فيهم بكلّ الصّور والأشكال لمصلحته الذاتيّة الماديّة الدنيويّة، هو لا يفعل ذلك بقلبه ولا بعقله ولا بما فيه من طاقةٍ حقيّة، إنّه لا يُعمِل هذه الأدوات، إنّما هو في ضلالٍ لا يرى ولا يسمع، "...صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ"[البقرة 171].
ولماذا هو كذلك؟ لأنّ تكوينه فيه شيءٌ من ذلك، وكلّنا فينا هذا الشّيء، إنّما هناك من يسمع النّداء، ومن لا يسمع، "رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا..."[آل عمران 193]، وقد يسمع إنسانٌ ولا يسمع آخر.
وإذا كان هذا هو خلق الله، فهنا قد يسأل سائلٌ: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا نقول على هذا الذي هو حاله، حال غفلة، أنّه من الضّالين؟ إنّا نقول لأنّ هذا هو وصفه، ولكن نتيجة هذا ستكون حياته المستقبليّة، وهذا يسير وفق قانون.
ولنقرّب هذه الصّورة إلى أذهاننا، حين ننظر في أرضنا، فنجد أنّ إنساناً أعطاه الله ذكاءً وقدرةً على التّأمّل، والتّفكّر، والتّدبّر، والتّعلّم، والإبداع، والإنتاج ـ فيكون طبيباً ماهراً، أو مهندساً بارعاً، أو تاجراً شديد الثراء؛ لأنّه يعرف كيف يتعامل مع النّاس ومع الأسواق، وما إلى ذلك، أو أيّ نجاحٍ آخر في أيّ مجالٍ وفي أيّ عملٍ.
وهناك الإنسان المحدود الذّكاء، الذي لا يستطيع أن يفعل ما يفعله الآخر، هو له حياته وله ما أعطاه الله من قدراتٍ أيضاً، ولكنّنا لا نستطيع أن نقول أنّ إنساناً لم ينجح في تعلّم الطبّ، أنّ ليس له ذنبٌ في ذلك، وأنّنا يجب أن نجعله طبيباً، إنّما هو مؤهّلٌ لما أحسن فيه ولما أحاط به.
فكذلك حال الإنسان في الجانب المعنويّ، هناك إنسانٌ قادرٌ على التّفكّر والتّأمّل والذكر، وأن يعمل عملاً صالحاً، وأن يخدم النّاس بصورٍ مختلفة، وهناك إنسانٌ غائبٌ عن ذلك، "... قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ..."[الزمر 9]، "...هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ..."[الأنعام 50]، هل يستوي الذين يعملون والذين لا يعملون، لا يستوي؛ لأنّه ليس قادراً على أن يفعل مثل الآخر فنتيجة وجوده سوف تكون هذه النتيجة متلائمة ومتوافقة مع قدراته.
ولذلك، إذا نظرنا بصورةٍ مطلقة سوف نجد أنّ "...مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ..."[النساء 147]، وأنّ ما يُقال عن أهل الجنّة وأهل النّار، عن أهل اليمين وأهل الشّمال، عن الصّالحين وغير الصّالحين، هو نتيجةٌ طبيعيّة لحال الإنسان، كلٌّ يؤدّي دوره في هذا الكون.
فإمّا أن يكون الإنسان حيّاً عند ربّه يُرزق لأنّه أهلٌ لذلك، أو أن يكون وقوداً لنارٍ وقودها الناس والحجارة، فهذا أمرٌ ينتج عن عمل الإنسان، وعن قدرة الإنسان، "فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ"[الإنفطار 8]، فالإنسان بما أعطاه الله من عقلٍ، ومن فطرةٍ، قد يختار هذا، وقد يختار ذاك.
وقد يختار إنسانٌ أن يكون "...حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا"[الإسراء 50]، فهو لا يرى إلّا وجوده الماديّ، ولا يريد أن يكون شيئاً بعد ذلك، ويصبح من تراب الأرض. وهناك من يريد أن يكون حيّاً، فيصبح حيّاً عند ربّه يُرزق.
وكلّ إنسانٍ بوجوده على هذه الأرض معرضٌ لهذا الفهم، فإمّا أن يسمعه ويصدّقه، وإمّا أن يرفضه ويكذّبه، "فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى، وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى"[الليل 11:5]. هكذا نفهم قانون الله في الهداية على هذه الأرض.
"قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..."، فمن هو عنده قدرةٌ على التّأمّل والتّفكّر والّتدبّر، سوف يسير في الأرض فينظر كيف بدأ الله الخلق، فهذا ما نشير إليه بأنّه عنده قدرةٌ عقليّة، وقدرةٌ إبداعيّة، وقدرةٌ على الذكّر، وقدرةٌ على التعلّم ـ فيستطيع أن يفهم أشياءً كثيرة، ويستخرج معاني كثيرة، ويحوّل هذه المعاني إلى ما ينفع النّاس، فيكون أداة خيرٍ للنّاس ـ فهذا مرتبطٌ بمعنى الهداية.
وأما الذي ليس عنده القدرة على ذلك والذي نقول أنّه في معنى الضّلال، فالضّلال هو عدم رؤية، لا يستطيع أن يرى، فهو يسير في الأرض ولا يرى شيئاً، ولا يتعلّم شيئاً، ولا يستطيع أن يدرك شيئاً.
فهنا في هذه الحالة، هذا الحال مرتبطٌ بمعنى الهداية، والذي يتعلّم ويتفهّم، يدرك أن لا نهاية لعلمه، ولا نهاية لفهمه، فلا يتكبّر ولا يتجبّر، بما أعطاه الله من قدرةٍ مكّنته من ذلك، فيكون في معنى "...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء...".
أما الذي غير قادرٍ على أن يعلَم أو يتعلّم يظن نفسه عالماً ويتكبّر على النّاس ويتجبّر، ومن ثَمّ فلا يخشى الله، وإنّما يعتقد أنّه أوتيه على علمٍ عنده، فالذي يتصوّر أنّه علم كلّ شيء، ما علم شيئاً. والذي علم الكثير يظلّ يرى أنّه لم يعلم شيئاً. نجد هذا الرّباط بين هذه الآيات التي ذكرناها، وتأمّلنا فيها من هذا الجانب.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون ممن هدى الله، ومن الذين يسيرون في الأرض فينظرون كيف بدأ الله الخلق، ومن الذين يخشون ربّهم في كلّ لحظةٍ وفي كلّ حين.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أنّ معنى أن يهدي الله الإنسان هو أنّه أوجد فيه قدرة، وطاقة، وعقل، وقلب، وضمير ـ ليكون عبداً لله صالحاً. وأنّ معنى "...وَمَن يُضْلِلْ..."، هو أنّ هذا الإنسان في تكوينه وتركيبه غير قادرٍ على أن يسمع، أو أن يرى، أو أن يفكّر، أو أن يذكر، حتّى إذا ذُكِّر. وهذه طبيعة الحياة.
وقد خلق الله النّاس في مقاماتٍ ودرجاتٍ وقدراتٍ مختلفةٍ ومتباينة، سواء فيما هو ظاهرٌ على هذه الأرض من قدرات أو فيما هو موجودٌ في باطنهم. ولذلك، لا يجب أن يتعجّب الإنسان إذا رأى إنساناً لا يسمع، ولا يرى، ولا يفهم، ولا يتفكّر ـ فهذا قائمٌ وواقع.
وقد يقودنا هذا ـ كما أشرنا ـ إلى قضيّة: وكيف يكون العدل في ذلك، وقد أعطى الله إنساناً هذه القدرات ولم يعط إنساناً آخر هذه القدرات؟ فنقول أنّ العدل ليس في أن نجعل كلّ الناس يعملون نفس العمل، أو يقومون بنفس الفعل، وإنما كلٌّ ميسرٌ لما خُلِق له، حتّى هذا الذي لا يسمع ولا يرى، كلٌّ يسير في مساره الذي هو أهلٌ له، بقانونٍ إلهيٍّ محكم.
ولأنّ الإنسان على هذه الأرض في قيامه المقيّد لا يستطيع أن يعرف من هو، وإن كان من أهل الهداية، أو من أهل الضّلال ـ تجيئ رسالات الله، ويجيئ أنبياء الله ورسله وعباده وأولياؤه، ليذكّروا النّاس جميعاً، "فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى، سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى، وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى"[الأعلى 11:9]، فيحدث الفرز بناءً على ذلك. "فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى، سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى"، من كان من أهل الهداية. "وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى"، الذي هو من أهل الضّلال.
فإذا كان الإنسان فيه بذرةٌ من هداية، سوف يجعله ذلك يحاول أن يسمع، ويحاول أن يرى، ويحاول أن يفهم، ويحاول أن يتفكّر ويتدبّر ـ فيجد من يُذكّره ـ ليس شرطاً في إنسانٍ بذاته، وإنّما في آيات الله في كونه، وفي آيات الله في كتابه، وفي آيات الله في أحداث الحياة، سوف يسمع وسوف يرى.
سوف يكون في معنى الذين استجابوا للأمر، "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..."، فيفكّر، ويتدبّر، ويذكر، ويدعو الله، ويخشى الله، ويحاول أن يكون أداة خيرٍ للنّاس، لا أن يكون أداة سوءٍ لهم. فإذا كان كذلك، كان في معنى أنّه سوف يكون حيّاً عند ربّه يُرزق.
وإن لم يكن كذلك، فله دورٌ آخر في الحياة، سوف يكون في حال تحوّلٍ من هذا القيام لقيامٍ آخر، بمعنى "...نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ..."[التحريم 6]، تعبيرٌ عن ذلك، تحويلٌ له من حالٍ إلى حال.
فالنّار هنا ليست فقط رمزٌ لأنّه أساء للنّاس ولم يكن في معنى القيام الحقّيّ، وإنّما هو لأنّ هذا الوجود الذي كان فيه يحتاج لأن يتغيّر ولأن يتحوّل، وهو بذلك له دوره في الحياة، أن يكون وقوداً لنارٍ تُغيّر، لها معنىً رمزيّ حقّي، أُشِير له بمعنى النّار، إنّما هو معنى أكبر من ذلك، هو معنى إعادة التّكوين من حالٍ إلى حال.
لذلك، فإنّ الله رحيمٌ بعباده، "...مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ..."، إنّ كلّ إنسانٍ سوف يأخذ ما يستحقّه في هذا الكون، ليس بمعنى جزاءٍ أو تعذيب، فالجزاء أو العذاب هما صورتان ووجهان لعملةٍ واحدة، هذا سوف يخدم في حياته المستقبليّة في شكلٍ ما، والآخر سوف يكون له دورٌ آخر، كما هذه الأرض، والظّاهر مرآة الباطن، كلٌّ له دوره في خدمة النّاس على هذه الأرض.
عباد الله: هذا تأمّلٌ، وتفكّرٌ، وتدبّر، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
نسأل الله: أن نكون من المستغفرين دائماً، الراجعين إليه دائماً، والحامدين الشّاكرين له دائماً.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.      

 

مهما علمنا فنحن نجهل الكثير ونخضع لقانونٍ لا نرى منه إلا القليل

حديث الجمعة
 11 صفر 1438هـ الموافق 11 نوفمبر 2016م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
عباد الله: إن الإنسان في هذا الوجود المادي يعيش في حجابٍ من ظلام، لا يرى أمامه إلا خطواتٍ قليلة، وعليه في ظل هذا الحال أن يتخذ قرارته، وأن يخطو خطوةً إلى الأمام، في ظل محدوديةٍ لما يستطيع أن يراه، ولما يستطيع أن يؤثر فيه.
نرى ذلك في واقعنا، وفي أحداثٍ كثيرةٍ حولنا، فيما يحدث في الشرق والغرب، في الشمال والجنوب، في أحداثٍ دنيوية وفي أمورٍ تتعلق بحياتنا الأخروية.
فالإنسان مع وجود هذا الكم الهائل من المتغيرات، ومن البشر بأفكارهم المختلفة، والمتعددة، والمتباينة، والمتغيرة، لا يستطيع أن يكون عنده حلٌ وطريقةٌ ووسيلةٌ يستطيع بها أن يتنبأ بما سوف يحدث، وهذا هو واقع الحياة، ليس نقصاً فيها، وإنما هو القانون الذي نعيش في رحابه.
نرى ذلك أيضاً فيما جاء به الكتاب، وجاءت به السنة، وجاء به عباد الله الصالحين، وأولياء الله الصادقين، نراه في التباين في الآراء في مفهوم الآيات، وفي مفهوم السنن، وفي مفهوم الأحاديث المختلفة، فيصل إنسانٌ إلى حكمٍ معينٍ في قضيةٍ باستخدام آياتٍ محددةٍ، ويصل إنسانٌ آخر إلى حكمٍ مختلفٍ باستخدام نفس هذه الآيات.
وإذا كانت الاختلافات محدودة، وليست كبيرة، إلا أن تأثيرها كبيرٌ جداً، ويؤدي إلى تداعياتٍ مختلفة ومتعددة، ولا يستطيع إنسان أن يكون واثقاً مائة بالمائة من فهمه، أو من تفسيره، أو من مفهومه لهذه الآيات.
لذلك وربما بدون أن يدري العلماء في السابق تكلموا في هذه القضايا، عن الراجح والمرجوح، وهو يعني أن الإنسان حين ينظر في قضية، وينظر إلى مفردات هذه القضية، قد يصل إلى رأيٍ، وبدلاً من أن يقول أن هذا الرأي هو الحق المطلق، يقول أن هذا الرأي هو الراجح عندنا، وأن الرأي الآخر الذي قد يخالفه هو مرجوحٌ عندنا، بمعنى أنه يعطي الرأيين، ويرجح رأياً على آخر، دون أن يقول أن هذا هو الصواب المطلق، وهذا اتجاهٌ نراه فيه صدقٌ في التعامل.
ولذلك نقول دائماً، وتحدثنا في ذلك كثيراً، أن بدلاً من أن تقول أن هذا هو الصواب المطلق، تقول أن هذا هو الصواب بالنسبة لي، وهو يعني أن هذا هو الرأي الراجح عندي، فإذاً نحن في أي قضيةٍ تعرض علينا، فإنما نقول دائماً أن هذا ما نراه صواباً من جانبنا، وربما يكون خطأً من جهةٍ أخرى، أو عند آخرين.
وهذا أيضاً له أساسٌ نراه في العلوم المادية، ففي كل علمٍ مادي، ليس هناك صورة قاطعة، وليس هناك تفسيرٌ قاطع لهذه القضية، وإنما قد يكون هناك تفسيراتٌ عديدة، فيفضل الإنسان تفسيراً عن تفسيرٍ آخر، ويقول أن هذا التفسير راجحٌ عندي، باحتمالٍ معين.
ونجد أن العلماء الماديين من تجاربهم، ومن رؤيتهم لهذه القضية، أدخلوا نظرية الاحتمالات، ووضعوا لها قواعداً من جانبهم، ليستطيعوا أن يحددوا رقماً محدداً لهذا الاحتمال بصورةٍ أيضاً هي احتمالية.
فيصبح بدلاً من أن يقول أن هذا محتمل فقط، يقول أنه محتمل بنسبة كذا، أو أن يقول هذا التفسير راجحٌ عندي بنسبة كذا، لأنه في ذلك يعدد التفاسير المختلفة، ويضع القواعد التي تعطي لكل تفسير من هذه التفاسير رقماً، بحيث يكون مجموع هذه الأرقام، أو هذه النسب، أو هذه الاحتمالات، هو مائة بالمائة، هذا هو مجموع الاحتمالات لهذه التفاسير.
وهنا ربما يكون خاطئاً، لأن ربما يكون هناك تفسيرٌ لم يضعه هو في الاعتبار، لذلك نقول أيضا أن حتى ولو وصلنا إلى رقمٍ محددٍ في الاحتمال، إلا أنه قد يكون خطأً أيضاً، وهذا أيضاً له قواعد، بحيث إذا قمت بحساب هذا الاحتمال، فإن هناك قواعد تقول أن هذا الاحتمال قد يكون يتأرجح بين قيمةٍ وقيمةٍ أخرى، فيقول أن هذا الاحتمال هو صوابٌ، وهو راجحٌ بنسبة كذا أيضاً.
فهنا نرى أن ما يحدث في العالم المادي هو يعبر عن هذا الحال الذي نعيش فيه على أرضنا، من أننا نعيش في عالمٍ في نوعٍ من الظلام، أو في نوع من عدم التحديد لأي شيء، أو نقول أنه عالم فيه قدرٌ من الإبهام، فيه قدرٌ من الضبابية، فيه قدر من عدم الرؤية الواضحة لكل شيء، من أن هناك احتمال لكل شيء أن يكون خطأً أو صواباً.
فنجد الحديث يعبر عن ذلك [من اجتهد فأخطأ فله أجر، ومن اجتهد فأصاب فله أجران](1)؛ وهو حديثٌ يعبر عن هذا الحال، وليس فقط كما يحصره الفقهاء في قضايا دينية، أو في أحكامٍ في معاملاتٍ أرضية، أو في عباداتٍ يقوم بها الإنسان، وإنما هو في كل شيء، وهو يعبر عن عدم القدرة على اتخاذ أي قرارٍ بصفةٍ مطلقة.
ولذلك فهناك دائماً مساحة للخطأ، وهناك مساحة لما هو راجحٌ، أو صوابٌ، أو ربما يؤدي إلى نتيجةٍ أفضل في الواقع المشهود، إلا أنه قد يكتشف في لاحقٍ أنه ليس كذلك، فالإنسان يعيش في هذا الحال على هذه الأرض، يعيش في هذا الحال الذي لا يستطيع أن يقول بصورةٍ مطلقةٍ ما هو الحق.
وأيضاً نستطيع أن نفسر آيةً أخرى، أو أن نتأمل بمعنى أدق في آيةٍ أخرى في هذا المجال، وهو "أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ"[العنكبوت 2]؛ ويفتنون هنا هو أن لا يكونوا قادرين، بل أن استقامتهم أن يكونوا غير قادرين، وليس استقامتهم أن يكونوا قادرين.
أن يكونوا غير قادرين أن يحددوا بصورةٍ واضحةٍ مطلقة، إنما هم دائما يخشون ربهم، "...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء..."[فاطر 28]؛ لأنهم يعرفون حقاً أنهم لا يملكون الحقيقة المطلقة، نستطيع أن نرى آياتٍ كثيرة توضح هذا الحال الذي نعيشه، الذي يجعلنا أكثر خشيةً لله،، وأكثر استغفاراً لله، وأكثر طلباً للمعرفة، وأكثر طلباً للحقيقة، وأكثر تواضعاً لله، وأكثر افتقاراً إلى الله،. فنحن مهما علمنا، فنحن نجهل الكثير، "...وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً"[الإسراء 85].
عباد الله: إننا نذكر أنفسنا بهذه المعاني حتى لا نغتر بحالنا، وحتى لا نغتر بعلمنا، ولا حتى لا نغتر بمعرفتنا، وحتى لا نغتر بقدرتنا، وإنما نشعر دائماً بافتقارنا إلى الله، وبأننا نخضع لقانونٍ لا نرى منه إلا القليل، ونحاول أن نتلمس طريقنا، وأن نتحسس خطواتنا في كل خطوةٍ نخطوها.
فنحن لا يجب أن نخوض في أمورٍ لا نعرفها، أو أن نطلق أحكاماً لا ندرك أبعادها، وإنما دائماً نخشى الله، ونتجه إليه في أن يعيننا، وأن يساعدنا، وأن يعلمنا، وأن يفقهنا، وأن يكشف الغمامة عن عيوننا، وعن عقولنا، وعن قلوبنا، وعن كل أحوالنا بحيث نكون أكثر صدقاً في معاملاتنا، وأكثر صدقاً في أحكامنا، وأكثر صدقاً فيما نصل إليه من قرارات، وما نخطو به من خطوات، وما نأتي به من أعمال، فنكون حقاً عباداً لله، نخشى الله في كل لحظةٍ وحين.
نسأل الله: أن يحقق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو تأملٌ في حالٍ نعيش فيه جميعاً على هذه الأرض، في أحداثٍ تحيط بنا من خارجنا ومن داخلنا، في مجتمعنا وخارج مجتمعنا، أحداثٌ تأتي بصورٍ ربما لا نستطيع في سابقٍ أن نحكم بحدوثها، أو أن يكون حدوثها عندنا قليل، فنجد أنها تتحقق مع أننا لم نكن نرى ذلك.
وهذا واقعٌ يعلمنا خشية الله، ويعلمنا أننا مفتقرين إلى الله، ويعلمنا أن نكون أكثر تواضعاً فيما نعرفه، وفيما نعلمه، هكذا نرى الحياة، ونرى أن هذا يجعلنا أكثر قرباً من مفهوم أننا نعيش على هذه الأرض في حجابٍ من ظلام، ومن نسبية الحقيقة، وعدم إطلاقها، لنكون أكثر صدقاً مع واقعنا، وأكثر صدقاً مع حالنا، وأكثر صدقاً مع أدوات معرفتنا، فلا نطلق الأحكام الجزافية، وإنما نكون أكثر تحفظاً في إطلاقنا للأحكام.
وهذا يتناسب مع ما نتعلمه في علومنا الأرضية التي تعلمنا أن كل شيءٍ هو أمرٌ نسبي، وليس أمراً مطلقاً، بل أن العلماء حاولوا بقدر استطاعتهم أن يقننوا ذلك بنظرياتٍ من مشاهداتهم، ومن تفكيرهم، ومن قدرتهم على التحليل والوصول إلى نتائج، ليضعوا بعض القواعد التي تساعدهم على ترجيح أمرٍ عن أمر، وعن ترجيح فكرٍ عن فكر، وعن ترجيح تفسيرٍ عن تفسير، في إطارٍ من الإدراك أن هذا محكومٌ بما علموه، وربما هناك ما لم يعلموه.
فهم قننوا ما رأوه، وما شهدوه، ولكن لا يعني هذا أن الذي رأوه وشهدوه هو كل شيء، فربما هناك شيءٌ لم يروه، ولم يعلموه، ولم يعرفوه.
وهذا أيضاً مرتبطٌ بتفسيرنا، أو بمفهومنا، أو بتأملنا في آيات الله، وفي أحاديث رسول الله، وفي سنن رسول الله، وفي أحاديث كل الأنبياء، والرسل، وفي أحاديث كل الأولياء، وكل عباد الله الصالحين، فإننا نفهم من كل هذا القليل، وإذا فهمناه كله، ففهمنا أيضاً هو جانبٌ من جوانب كثيرة، وهو مفهومٌ من مفاهيم كثيرة، وهو تفسيرٌ من تفسيراتٍ كثيرة، لا نستطيع أن نجعل من تفسيرٍ، أو من فهمٍ أنه التفسير المطلق، أو الفهم المطلق.
وكذلك فلا نستطيع أن نحيط بتداعيات أي أمرٍ، أو أي حكمٍ، إحاطةً مطلقة، إنما علينا أن نجرب ونرى النتائج، فنحن نستطيع أن نفسر النتائج أكثر من أن نحدد من البداية ما يمكن أن نفعله، لذلك نجد في كثيرٍ من الأحيان أن بعد انتهاء الأمر، وظهور النتيجة، يتبارى الكثيرون في تفسير هذه النتيجة، ويرجعونها إلى كذا وكذا وكذا.
ولكن قبل ظهور النتيجة لا يستطيعون أن يحددوا ماذا سوف تكون النتيجة، فتفسير النتيجة أسهل من التنبؤ بها، فعلينا أيضاً أن نتفهم هذه النتائج، ونحاول أن نفسرها، ولا يعني أن تفسيرنا لها سوف يكون مطلقاً، وإنما هي آراءٌ أيضاً قد تساعدنا في حياتنا المستقبلية في أمرٍ مماثل، ولكن أيضاً تفسيراتنا وإن كانت أسهل من تنبؤنا، لا تعني أن تفسيراتنا ـ أياً كانت ـ هي تفسيراتٌ مطلقة.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون أكثر صدقاً في أحوالنا، وفي علمنا، وفي أحكامنا، وأن نكون عباداً له خالصين، ولوجهه قاصدين، ومعه متعاملين.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم اكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها .
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
"...رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا..."[البقرة 286].
"...رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ"[آل عمران 193].
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.        
__________________________

(1)    حديث شريف نصه :" إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" المحدث: ابن تيمية.