السبت، 16 نوفمبر 2019

"لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ"


حديث الجمعة 
18 ربيع الأول 1441هـ الموافق 15 نوفمبر 2019م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
نحمد الله كثيرًا، ونُصلِّي ونُسلِّم على رسوله تسليما، نذكر نعمته علينا، ونذكر فضله، وكان فضله عظيما.
عباد الله: إنَّ آيات الله حدَّثتنا في ماضٍ، وتُحدِّثنا في حاضرٍ، وستحدِّثنا في مستقبلٍ. آيات الله فيها ذكرٌ وتذكيرٌ في حاضرنا، تُعلِّمنا أنَّ الإنسان على هذه الأرض في كلِّ لحظةٍ عليه أن يُحاسب نفسه، وأن يكون متيقِّظا لكلِّ ما يصدر عنه، ولكلِّ ما يُبلَّغ به.
"اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ"[الأنبياء 1]، يُذَكَّرون دائمًا ولكن لا يتذكَّرون، "مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ"[الأنبياء 2].  "ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ" قد نفهم ذلك، أنَّه ما جاء في عصر النُّبوَّة، وهذا صحيح، ولكن ما معنى هذه الآية لنا، ونحن نقرؤها اليوم، ونستمع إليها اليوم؟
ذكر الله، ماذا يعني ذكر الله؟ ماذا يعني: "ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم"؟ إنَّ الذِّكر هنا، هو العلم الدَّائم المتجدِّد، "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ  ..."[ فصلت 53]،  فذكر الله لا ينتهي، وعلم الله لا ينتهي، وكلمات الله لا تنتهي، "قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا"[الكهف 109].
وحين ينبِّهنا الحقُّ إلى ذلك: "لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ"[الأنبياء 10]، "ذِكْرُكُمْ" هنا، تحتاج أن نتوقَّف عندها، فحين تقرأ ماذا قال الذين يفسرون هذه الآية، سوف تجد أنَّهم فسَّروا "ذِكْرُكُمْ" بمعانٍ كثيرة، وكلٌّ أوَّلها بصورةٍ مَّا، فبعضهم قال حديثكم، وبعضهم قال شرفكم، وبعضهم قال دينكم.
"فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ"، كيف يعقل الإنسان؟ حين نقول أنَّه شيءٌ معقول، هو أن يتوافق هذا الشَّيء مع ما نستحسنه، ومع المبادئ الأساسيَّة التي نتَّفق عليها، والتي تُؤدِّي إلى هذا الشَّيء المعقول، إنَّه الشَّيء الذي يتَّفق مع العلم والمعرفة، مع الإدراك والفهم، مع أسباب الحياة التي عَلِمناها، مع القيم التي عشناها، مع الأفضل والأحسن الذي تَعلَّمناه والذي هو موجودٌ في وجداننا وفي ضمائرنا، ما تستريح له قلوبنا، وما تستريح له عقولنا.
"فِيهِ ذِكْرُكُمْ"، فيه علمكم، فيه ما تعقلون، فيه ما ترتضون، فيه ما يُصلِحكم، فيه ما يُطوِّركم، فيه ما يجمعكم، فيه ما فطرناكم عليه وما أوجدناكم فيه، "وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ"[الذاريات 21]، أنظروا إلى داخلكم، ستجدون كتاب الله، "فِيهِ ذِكْرُكُمْ"، فيه حياتكم، فيه نجاتكم.
إنَّا حين نتكلَّم عن كيف نُحسِّن من خطابنا عن ديننا، ومن تعريفنا عن ديننا، لا يكون ذلك بترديد كلام السَّابقين فقط، فهناك كثيرٌ من هذا الكلام وهذا الحديث يعكس واقعًا مختلفًا كان، وعلمًا مرتبطًا بأوانه وزمانه ومكانه، علمًا مرتبطًا بقديمٍ كان، ونحن نعلم ما في التُّراث من أمورٍ كثيرةٍ دُسَّت واختُلِقَت لأسبابٍ سياسيَّة، واجتماعيَّة، واقتصاديَّة، وعِرقيَّة، ونفسيَّة، وأشياء كثيرة أخرى.
وقد بنى السَّابقون كثيرًا آراءهم على ما عرفوه في وقتهم، وما ظنُّوا فيه أنَّه من مصدرٍ حقِّيّ من حديثٍ لرسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، أو من سيرته، أو من صحابته، وأحسنوا بصحابته الظنَّ، مع أنَّ الكثيرين يعلمون أو يفتون أنَّ كلَّ إنسانٍ أيَّا كانت صلة قُربه، أو صحابته، أو اتِّباعه، ما يقوله هو رأيٌ يُردُّ عليه، وكثيرٌ ممَّا يُردَّد اليوم هو ترديدٌ لآراءٍ، وليس لأنَّ مصدره مُنْزَلٌ أو مُقدَّسٌ.
حتَّى التَّنزيل المُقدَّس، فإنَّه يُقرأ بقراءاتٍ كثيرة وبمفاهيم كثيرة، وهذا ليس شيئًا سيِّئًا، إنَّما هو يفتح المجال لأن نتفهَّم معنى: "كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ"، فيه علمكم، فيه ما تستحسنون وما تحبُّون، وما تجدون فيه أنَّه الأفضل والأقوم والأحسن، فافهموه كذلك، واقرؤوه كذلك، لا تقرؤوه بعيدًا عن ضمائركم، وعن قلوبكم، وعن عقولكم، اقرأوه قريبًا من قلوبكم، ومن عقولكم، ومن ضمائركم، ومن أحاسيسكم.
إذا قرأتم أيَّ آيةٍ قد تظنُّون فيها أنَّها دعوةٌ إلى كراهية، فلا تقرؤوها كذلك، وإنما اقرؤوها بما فيها من حبٍّ، ومعرفةٍ، وإدراكٍ، وتعاطفٍ. حين يقرأ البعض: "وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ..."[البقرة 120]، يقرؤوها قراءة كراهية، والدِّين لا يدعو إلى الكراهية، بل أنَّ آياتٍ كثيرةٍ أخرى في أهل الكتاب تقول: "لَيْسُوا سَوَاءً ..."[أل عمران 113].
بل أنَّ الرَّسول ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ حين دخل المدينة وكتب أوَّل دستورٍ في التَّاريخ، الذي يُوضِّح الحقوق والواجبات، وكان في المدينة اليهود، عاملهم بأنَّ: [لهم ما لنا وعليهم ما علينا](1)، فالمعاملة هي معاملة إنسانٍ لإنسان، ليست هناك كراهيةٌ لأيِّ كائنٍ كان.
إنَّما هذا واقعٌ، النَّاس كذلك، يتعصَّبون لدينهم، ويتعصَّبون لظنِّهم بأنَّ هذا هو الحقُّ، فيدعون الكلَّ لاتِّباع ملَّتهم، وأنت تدعو النَّاس أيضًا أن يتَّبعوا ملَّتك. الدَّعوة هنا، يجب أن تكون تذكيرًا بالذي هو أحسن والذي هو أفضل، "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ..." [أل عمران 64]. 
هم يدعون ويطلبون ويقولون، فليقولوا، ونحن نقول، وليكن هدفنا أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا".
هل إذا استمعنا إلى مثل هذه الآية، نقتلهم، نحاربهم، أم أنَّنا ندعوهم إلى الكلمة السَّواء، لا بأن يُغيِّروا دينهم، أو ما هم عليه، وإنَّما "إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ"، "أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ"، أي لا يفرض فريقٌ على الفريق الآخر رأية، أو اعتقاده. نقول دائمًا: أنَّ كلَّ ما جاء هو من عند الله، وأنَّنا جميعًا نتَّجه إلى الله، وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ".
لا يدعو ذلك ـ لو فهمناه بحقٍّ ـ إلى كراهيةٍ أو إلى قتالٍ أو إلى كلِّ هذه الأمور التي تؤدِّي بنا في النِّهاية أن نكون قَتَلَة، نقتل من نظنُّ أنَّه كافرٌ بالظنِّ، بالوصف، بالكلمة، ونحن لا نعرف ماذا يعني الكافر بالمعنى المطلق.
إنَّ النَّاس جميعًا يدخلون حروبًا، وهي أمرٌ خاطئٌ، وكلُّ فريقٍ بالنِّسبة للآخر هو كافرٌ، فالذين يتحاربون هم كُفَّار، كلٌّ يُكفِّر الآخر، ليس تكفيرًا بمعنى تكفيرٍ دينيّ فقط، وإنَّما يظنُّ أنَّ الحقَّ معه، وأنَّ هذه الأرض ملكه، وأنَّ عليه أن يقاتل من أجلها، وهكذا هذا يحدث.
فإذا جاءت الآيات التي تتحدَّث عن هذا الجهاد البدنيّ الحربيّ، فهو ليس لسببٍ دينيّ أو عقائديّ، وإنَّما هو دفاعٌ عن أرضٍ، وعن نفسٍ، وعن حريَّةٍ، ليس غير ذلك. "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ..." [البقرة 216]، "وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ..." [البقرة 216].
إذًا، فأيُّ قتالٍ، وأيُّ آياتٍ تتحدَّث عن قتالٍ، فهي تتحدَّث عن واقعٍ بشريٍّ يحدث نتيجة اختلاف وجهات نظرٍ، أو إحساسٍ بملكيَّةٍ أو بمصلحةٍ أو بواقعٍ يُحتِّم ذلك، وليس لأنَّ هذا يعتقد أمرًا غير ما أعتقد فأقتله، لا توجد آيةٌ بمثل هذا المعنى.
فإذا كان البعض وهم يحاولون أن يُحسِّنوا الخطاب الدِّينيّ، أو أن يطلبوا مثلًا ألَّا تُدرَّس مثل هذه الآيات، هذا خطأٌ، إنَّما الصَّحيح هو أن يُوضَّح معناها بالمعنى الذي ليس فيه اعتداءٌ على أيِّ إنسانٍ لسببٍ دينيّ، أو عقائديّ، أو جنسٍ مختلف، أو عرقٍ مختلف، أو أيِّ صورةٍ من الصُّور التي رأيناها في التَّاريخ، التي تحدث فيها حروب إبادة لجنسٍ، أو لعرقٍ، أو لدينٍ ـ فكلُّها حروبٌ لا تقوم على أساسٍ صحيح.
طبيعة البشر، أنَّه قد يحدث مثل هذه الحروب، ولكن الأفضل أن يُسوِّي النَّاس بعضهم ببعض مشاكلهم بالتَّفاهم، والتَّفاوض، والسَّلام، والفهم، والإدراك للحقائق، والتَّحكيم بينهم من أناسٍ عقلاء، وهذا ما جنحت إليه البشريَّة، وتجنح دائمًا، وتحاول بما فيها من ذكرٍ، "فِيهِ ذِكْرُكُمْ"، أن تفعل ذلك.
نحن نضرب هذه الأمثلة، لا نتكلَّم عن موضوعٍ بذاته اليوم، وإنَّما نضرب هذه الأمثلة لنُوضِّح معنى: "كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ"، وأنَّ قراءة الآيات يجب أن تنبع من ذلك.
ولكن للأسف، فإنَّ هذه الرُّؤية رغم وضوحها، ورغم بساطتها، ورغم أنَّها تحلُّ كثيرًا من الإشكالات، إلَّا أنَّنا لا نزال نرى البعض متمسِّكًا برؤيةٍ قديمةٍ حرفيَّة، يُكرِّر كلامًا لا يفهمه، ويقول كلامًا لا يدركه، ويظنُّ بذلك أنَّه يدافع عن الدِّين، وأنَّ الدِّين سوف يُهدَم إذا لم يُنفَّذ ما يراه السَّابقون، وما قاله بعض المُفسِّرين، أو بعض المنظِّرين، أو بعض الذين يتصوَّرون أنَّ الدِّين بشكله الذي فهموه من كتاب الله، وسُنَّة رسول الله، ومن المتابعين الذين فسَّروا في عصورٍ قديمة ـ يجب أن يُنفَّذ كما فهمه السَّابقون، كما فهمه السَّلف، كما فهمه الصَّحابة، كما فهمه التَّابعون، كما فهمه تابعو التَّابعين، إلى لحظةٍ يقفون عندها ولا يتحرَّكون منها، وهذا ما أدَّى بنا إلى ما نحن عليه اليوم، نريد أن نُكرِّر السَّابق دون فهمٍ ودون وعي.   
"مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ"، لا يريدون هذا المُحدَث، يريدون قديمًا، يريدون كلامًا يردِّدونه كما ردَّده السَّابقون، لا يريدون تغييرًا، لا يريدون إصلاحًا، لا يريدون أن يُعمِلوا عقولهم وأن يتدبَّروا أمرهم، وأن ينظروا نظرةً عميقةً إلى دينهم، هذا هو حالنا؛ لأنَّنا لا نريد أن يكون كتابنا هو ذِكرنا.
نسأل الله: أن يرفع الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نُوضِّحه اليوم: هي قضيَّةٌ أساسيَّة في قراءتنا لكتابنا ولقرآننا، وهي أن نقرأه بما أودع الله فينا من نعمته، ومن رحمته، ومن عقلٍ، ومن إحساسٍ، ومن ضميرٍ، ومن محبَّةٍ، ومن تعاطفٍ، ومن سلامٍ، ومن خيرٍ، وحبٍّ للخير لنا وللبشريَّة جمعاء.
لا نقرؤه كتابًا طائفيًّا مُتعصِّبًا، لا نقرؤه كتابًا يدعو إلى أمورٍ ليست موجودةً في ضمائرنا، ولا في عقلنا الجمعيّ، ولا إحساسنا الفطريّ، فهو كتابٌ فيه ذكرنا، فيه علمنا، فيه فطرتنا، فيه ما عَلَّم الله آدم من أسماء، ونحن أبناء آدم، تَعلَّمنا هذه الأسماء في وُجداننا، وفي أرواحنا، وفي نفوسنا، وفي عقولنا، وفي قلوبنا.
قد يغفل البعض منَّا عن هذه الأسماء فيه، لا يُحاسبون أنفسهم، ولا يُميِّزون بين الطَّيِّب والخبيث فيهم، "اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ"، وحسابهم هنا هو أنَّهم أُعطُوا القدرة أن يحاسبوا أنفسهم، "بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ"[القيامة 14]، قدرتهم على محاسبة أنفسهم قريبةٌ جدًّا منهم؛ لأنَّها في وجودهم، هم غافلون عن هذا المعنى في وجودهم، هم مُعرِضون عن هذا المعنى في وجودهم، لا يريدون أن يُوقِظوا هذا المعنى في وجدانهم، كلَّما وجدوا في أنفسهم عيبًا تركوه ولم يلتفتوا إليه، وأغمضوا عيونهم عنه، لا يريدون أن يحاسبوا أنفسهم، وكلَّما ذُكِّروا بذكرٍ مُحدثٍ لم يسمعوه وابتعدوا عنه لاعبين.
هكذا تُحدِّثنا الآيات، ولكنَّنا لا نقرؤها، نقرؤها كتاريخٍ قديم، حدث، قِيل. كيف نقرؤه اليوم؟ لا نقرؤه اليوم. كيف نستفيد منه اليوم؟ لا نستفيد منه اليوم.
لذلك، فإنَّا نُذكِّر أنفسنا دائمًا، بأن نقرأ كتابنا وقرآننا بقلوبنا، وعقولنا، وأحاسيسنا، وبمعنى المحبَّة فينا التي أودع الله بنا، وبمعنى الأفضل الذي أوجد الله في ضمائرنا، وبمعنى الخير للنَّاس جميعا، بمعنى الخير الذي فطرنا الله عليه.
هكذا نسأل الله: أن نكون، وأن نتعلَّم، وأن نكون أهلًا لرحمته، وأهلًا دائمًا لعلمه وحكمته، وأن نحاسب أنفسنا دائمًا، وأن نرجع إلى الله دائمًا، وأن نستغفر الله دائمًا، نستغفر الله كثيرًا، ونعوذ برحمته، ونعوذ بمغفرته، نتَّجه إلىه، ونتوكَّل دائمًا عليه.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا وتعلم ما عليه النَّاس حولنا.
اللهم ونحن نلجأ إليك، ونقترَّب إليك، وندعوك في كلِّ دعاء، ونرجوك في كلِّ رجاء، ونطلبك في كلِّ طلب، ونسألك في كلِّ سؤال.
اللهم فاكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنَّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السَّاعة ذنبًا إلَّا غفرته، ولا همَّا إلَّا فرَّجته، ولا حاجةً فيها رضاك إلَّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.

____________________

(1) بنود المعاهدة (الوثيقة) التي عقدها الرسول مع يهود المدينة في العام الأول للهجرة:

1- إن يهود بني عوف أُمَّة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم.  2- وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم‏. 3- وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة‏. 4- وإن بينهم النُّصح والنصيحة، والبرَّ دون الإثم‏.  5- وإنه لا يأثم امرؤُ بحليفه‏. 6- وإن النصر للمظلوم‏. 7- وإن اليهود يُنفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين‏. 8- وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة‏. 9- وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مردَّه إلى الله –عز وجل، وإلى محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم‏. 10- وإنه لا تُجَارُ قريشٌ ولا مَنْ نَصَرَهَا‏. 11- وإن بينهم النصر على من دهم يثرب‏.‏‏.‏ على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قِبَلَهُمْ‏. 12-  وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم‏.

وقد اختلف العلماء والمؤرخون على هذه الوثيقة ومدى صحَّتها؛ فأثبتها البعض ونفاها آخرون.

الثلاثاء، 12 نوفمبر 2019

مَوْلِد الحقِّ في الإنسان هو موجودٌ بفطرته، ولكنَّه يحتاج أن يظهر على وجوده


حديث الجمعة 
11 ربيع الأول 1441هـ الموافق 8 نوفمبر 2019م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
"إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"[الأحزاب 56].
عباد الله: كما تعوَّدنا دائمًا أن نتأمَّل في كلِّ مناسبةٍ نتذكُّرها، لنعرف ما فيها من رسائل لنا في حياتنا، في سلوكنا، في معاملاتنا، في عباداتنا ـ نقرأ هذه الرَّسائل لنقوم فيها، ولنحيا بها في طريقنا، وفي معراجنا في الله بلا نهاية.
ومَوْلِد سيِّدنا محمَّدٍ، هو رسالةٌ بكلِّ ما توافق حدوثه مع هذا المَوْلِد، مَوْلِده، وكلِّ الأحداث التي توافقت مع هذا المَوْلِد، هي رسائلٌ لنا. "لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ"[التوبة 128]، "... وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً"[الإسراء 15]، فكان مَوْلِد محمَّدٍ ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ هو رسالةٌ، وتطبيقٌ، وتنفيذٌ للوعد الإلهيّ: "مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً".
في نفس الوقت، فإنَّ كلَّ إنسانٍ بفطرته فيه سرٌّ من الله، وفيه رسولٌ من الله، وهذا هو المعنى الأشمل لمعنى: "مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً". فكلُّ إنسانٍ منذ بدء الخليقة يحمل رسولًا في وجوده، إنَّها فطرته، وسرُّ الله فيه.
ولكنَّ الإنسان بمجيئه إلى هذه الأرض، جاء معه شيطانه وإبليسه، "... اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ..."[طه 123]،  تعبيرٌ عن قانون الحياة، وأنَّ الإنسان يحمل في داخله معنى الرَّحمن ومعنى الشَّيطان، معنى الحقِّ ومعنى الباطل، معنى النُّور ومعنى الظَّلام، هكذا خُلِق.
كما أنَّه حين تواجد على هذه الأرض، أصبحت له احتياجاتٌ ومتطلَّبات حتَّى يستمرَّ في العيش عليها، فاتَّجه إلى تحقيق هذه المتطلَّبات، وأصبح طلبه للمحافظة على حياته أمرًا أساسيًّا بالنِّسبة له، فتوجَّه بكلِّه لهذا المعنى.
وحين صادفته مشاكل الوجود والتَّواجد، والأحداث التي لا يقدر عليها، اتَّجه بفطرته إلى غيبٍ لا يراه، وتصوَّره بصورٍ مختلفة، وأراد أن يتقرَّب إليه، "... وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ ..."[المائدة 27]، وهذا تعبيرٌ عن اختلاف النَّاس، وعن اختلاف مشاربهم واتِّجاهاتهم ومستوياتهم، من ناحية ما فيهم من حقٍّ وما فيهم من باطل.
فإذا كان معنى الرَّسول على مستوى الإنسان بفطرة الله فيه، موجودٌ في كلِّ إنسان، إلَّا أنَّ ظهور هذا المعنى واختفاءه في داخل الإنسان، يختلف من إنسانٍ لإنسان، وهذا ما جعل النَّاس تختلف في معتقداتها وفي متطلَّباتها، من النَّاحية الرُّوحيَّة والمعنويَّة، ومن ناحية إقامة الصِّلة بالغيب. فكان هناك احتياجٌ لأن يظهر رسولٌ من أنفس النَّاس، فكانت الرَّسالات السَّماويَّة، جاء الرُّسل لينِّبهوا النَّاس لما فيهم من حقٍّ، ويُعْلِمُوهم أنَّهم ما خُلِقوا هباءً، وما خُلِقوا باطلًا.
ظهرت الرُّسل بالرِّسالات لتنتصر لمن أدركوا ذلك بفطرتهم، ففي كلِّ المجتمعات كان هناك من يدركون هذا بفطرتهم. فحين ظهر محمَّدٌ ابن عبد الله في الجزيرة العربية، كان هناك من يدينون بدين الفطرة الحنيفيَّة، بالدّين الحنيف، وكانوا يدركون أنَّ خَلْقهم ووجودهم ليس باطلًا.
فحين نقرأ الآية: "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"[آل عمران 191]، هي تعبيرٌ عن هؤلاء الموجودين دائمًا على هذه الأرض، وهؤلاء موجودون في كلِّ زمانٍ ومكان، ولكنَّهم قلَّة.
والكثرة تحتاج إلى توجيهٍ مباشر، وهذه كانت وظيفة الرُّسل في الرِّسالات السَّماويَّة، جاءت لتساعد الذين يطلبون الهداية ولا يعرفونها، يطلبون مددًا، ويطلبون قوَّةً تساعدهم أن يُغيِّروا طريقهم إلى طريقٍ أفضل، وإلى قيامٍ أكمل وأقوم.
"فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى، سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى، وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى"[الأعلى 11:9]، "فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى"، هناك من يخشى، وهو الذي يطلب الهداية، سيستمع إلى القول، وسيساعده هذا القول على أن يتغيَّر إلى الأفضل. أمَّا الذي لن يستمع إلى هذا القول فهو الأشقى، الذي غلب في وجوده الظَّلام، فأصبح لا يسمع ولا يفقه، "... صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ"[البقرة 171].
والذين يستمعون للذِّكرى، هم الذين سيستفيدون من الحديث الموجَّه إليهم، فيساعدهم هذا الذِّكر وهذا التَّذكير، إلى أن يظهر فيهم معنى الحقِّ، وأن يُولد فيهم معنى الحقِّ، وأن يُولد فيهم رسول الحقِّ. ونعني هنا قلوبهم التي تحيا، [إنَّ القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد، وإنَّ جلاءها لذكر الله](1)، و [إنَّ في الجسد مضغة لو صلحت لصلح البدن كلُّه، ألا وهي القلب](2).
فهكذا تكون الذِّكرى مؤثِّرةً في الإنسان، فيصبح الإنسان فيه قلبٌ سليم، وفيه فطرةٌ سليمة، "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"[الحجر 9]، والذِّكر المحفوظ، هو فطرة الإنسان وقابليتها على أن تحيا، إنَّها ليست في كتبٍ مسطورة.
فنحن نرى كثيرًا من اللغط، ومن الأشياء، ومن الأحاديث التي لا يقبلها قلبٌ سليم. وحين حاول من نطلق عليهم الفقهاء أن ينقُّوا هذه الأحاديث الموروثة، اعتمدوا فيها فقط على النَّقل لحدٍّ كبير. والنَّقل في أحسن الأحوال في صدق من ينقل مرتبطٌ بفهمه وإدراكه وصياغته، حتَّى لو كان قادرًا على الحفظ والنَّقل بشكلٍ تامّ، إلَّا أنَّ اللغة نفسها معروفٌ أنَّها تحتمل معانٍ كثيرة، فوجب الاعتماد على المُستقبِل وما فيه من فطرةٍ سليمة، يستطيع بها أن يُميِّز بين الحقِّ والباطل.  
عباد الله: إنَّا نُذكِّر أنفسنا في هذا اليوم بمعنى مَوْلِد النِّبيّ، بأن نتَّجه إلى الله أن يساعدنا أن نكون أهلًا لنفحاته ونوره، من خارجنا ومن داخلنا، لنكون قادرين أن نُميِّز بين ما يُحيينا، وبين ما يُميتنا، بين أن نكون في طريق الحقِّ، وبين أن نكون في طريق الباطل.
وطمعنا في الله كبير، وإدراكنا لرحمته الواسعة التي وسعت كلَّ شيءٍ، إدراكنا لهذه الرَّحمة راسخٌ في وجداننا، وقد عُلِّمنا أنَّ على الإنسان أن يجتهد، وأن يحاول، وأن يُعمِل كلَّ طاقاته، والخطأ والصَّواب أمران نسبيَّان.
        فليس هناك خطأٌ مطلق، وليس هناك صوابٌ مطلق، بل أنَّ الخطأ يوم تدرك ما فيه من عيبٍ هو صوابٌ كبير؛ لأنَّك تكون قد تَعلَّمت منه، والصَّواب يوم يجعلك تغترَّ بنفسك، وبوجودك، هو خطأٌ كبير؛ لأنَّه يجعلك لا تسمع ولا ترى.
عباد الله: نسأل الله: أن نسمع ونرى، وأن ندرك معنى الحقِّ في وجودنا، ومعنى الحقِّ في كوننا، وأن نكون أهلًا لرحمات الله من خارجنا ومن داخلنا، حتَّى نكون عبادًا له خالصين، ولوجهه قاصدين، ومعه متعاملين، وعنده محتسبين، ولوجودنا مُطهِّرين، ولقلوبنا مُحيين، ولعقولنا منيرين.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاة وسلامًا عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نُوضِّحه اليوم: هو ما نتأمَّله في مَوْلِد النَّبيّ ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وكيف أنَّ مَوْلِد الحقِّ في الإنسان هو موجودٌ بفطرته، ولكنَّه يحتاج أن يظهر على وجوده، فينتشر الحقُّ في كلِّ كيانه، "وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا"[الإسراء 81].
أنَّه بهذا المعنى، فإنَّ كلَّ إنسانٍ فيه رسول الله كمعنى، [إستفت قلبك وإن أفتوك، وإن أفتوك، وإن أفتوك](3)، فالقلب هنا هو معنىً يجعل الإنسان يتَّجه إلى الطَّريق القويم، نريد أن نُحيي هذا القلب، فعلينا أن نذكر كثيرًا، وأن نستمع إلى الذِّكرى والتَّذكير، حتَّى نكون أهلًا لمَوْلِد الحقِّ وانتشاره في وجودنا.
أما في مجتمعاتنا، فقد أرسل الحقُّ رسله بالبيِّنات، وجعل حديثهم باقيًا، ليس بالكتب وسَطْرِها، ليس بهذه الكتب فقط، وإنَّما ببقاء كلماتهم في أثير هذه الأرض، يستقبلها من قلبه طاهرٌ، يستقبلها من هو أهلٌ لها.
عباد الله: تدبَّروا في آيات الله، واستمعوا إلى ذكر الله، وتفكَّروا في كلِّ كلمةٍ، وفي كلِّ آيةٍ في كتاب الله، وفي الآفاق وفي أنفسكم حتَّى يتبيَّن لكم الحقَّ.  واعلموا أنَّ ما تصلون إليه في أيِّ حالٍ، هو أفضل من ألَّا تفعلوا شيئًا، أفضل من ألَّا تفكِّروا، فكِّروا وتأمَّلوا، وإن أخطأتم سوف يرسل الله لكم من يُصحِّح خطأكم، فارجعوا إلى الصَّواب متى اقتنعتم به، واعلموا أن الرجوع إلى الحقِّ فضيلة.
وأنَّ ما ترجعون إليه هو قابلٌ أيضًا أن يكون خطأً، فاستمرُّوا في الاستماع، واستمرُّوا في التَّدبُّر، واستمرُّوا في التَّفكُّر، واتَّجهوا إلى الله أن يوفِّقكم، وأن يساعدكم، وأن يرشدكم، حتَّى تكونوا عبادًا له خالصين، ولوجهه قاصدين.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النَّاس حولنا.
اللهم ونحن نتَّجه إليك، ونتوكَّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلَّا إليك.
اللهم فاكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنَّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السَّاعة ذنبًا إلَّا غفرته، ولا همًّا إلَّا فرَّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلَّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.
____________________

(1)    حديث شريف أخرجه الطبراني بنص: "إن للقلوب صدأ كصدأ الحديد وجلاؤها الاستغفار".

(2)    "...ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب. من حديث لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه، صحيح البخاري.

(3)     حديث شريف جاء نصه: "استفت قلبك واستفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك" قالها الرسول ثلاث مرات. أخرجه أحمد والدرامي.



رسول الله هو معنىً دائم نستطيع أن نستحضره وإن ابتعدت ذواتنا عن عصر النُّبوَّة لأنَّ معناه وروحه ونوره دائمًا موجود


حديث الجمعة 
4 ربيع الأول 1441هـ الموافق 1 نوفمبر 2019م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من الشَّيطان الرَّجيم، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، نسأله هدايةً، وتوفيقًا ورحمة.
"... وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً"[الإسراء 15]، "وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ"[الذاريات 21]، "... إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا"[الأحزاب 46،45]، "لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ "[التوبة  128].
إنَّا حين نتحدَّث عن رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ يجول في أذهان الكثيرين أنَّ الحديث يدور حول الذَّات المُحمَّديَّة التي ظهرت على هذه الأرض منذ أربعة عشر قرنًا، وهذا هو واقعٌ وحقيقة، وإن كان معنى رسول الله يتَّسع لمعانٍ أكبر.
والآيات التي تخاطبنا وتُحدِّثنا عن رسول الله، هي آياتٌ دائمة؛ لأنَّ معنى رسول الله وامتداده هو رحمةٌ الله، هو قانون رحمة الله، هو اسم الله الرَّحمن الرَّحيم، هو كلُّ آيةٍ تُبلِّغ الإنسان رسالة، هو كلُّ ظاهرةٍ تفتح للبشريَّة بابًا، هو كلُّ نورٍ يُضيء ظلامًا، هو كلُّ توفيقٍ يُوفَّق فيه الإنسان، هو كلُّ وصلةٍ بغيبٍ، هو كلُّ مددٍ من الغيب، هو كلُّ استجابةٍ لدعاء، هو كلُّ عنايةٍ ورعاية.
فـ "النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ..."[الأحزاب 6]، هو معنىً دائم. "... وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ..."[الأنعام 122]، هو معنىً دائم. "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً"، هو معنىً دائم. و[يبعث الله على رأس كل قرنٍ من يجدد لأمَّتي أمور دينها](1)، هو أمرٌ دائم. وأن نقتدي بما جاءت به الذَّات المُحمَّديَّة ـ صلوات الله وسلامه عليها ـ هو أمرٌ دائم.
من هذه التَّعاليم، خشية الله، [أنا أقربكم من الله وأخوفكم منه](2)، [لا يدخل الجنَّة أحدكم بعمله، حتَّى أنت يا رسول الله، حتى أنا ما لم يتغمدن الله برحمته](3)، "... اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ"[آل عمران 102]. فما معنى خشية الله، وتقوى الله؟
إنَّها إدراك الإنسان أنَّه لا يعلم إلَّا القليل، وأنَّ عليه وهو يعمل بما يعلم ألَّا يغترَّ بعمله، وألَّا يغترَّ بقوله، فلا يُسرع ويَتسرَّع في حكمٍ، لا يحكم على من يعارضه فكرًا أو قولًا أو عملًا، إنَّما يدرك أنَّنا في الدُّنيا نسير في حجابٍ من ظلام، وأنَّه مع ذلك، جعل الله لنا نورًا في قلوبنا نستطيع أن نتَّجه إليه، وأن نهتدي به، "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ..."[البقرة 286].
أصبحت مرجعيَّتك هي ما فيك من نورٍ، وما فيك من فطرة، [إستفت قلبك وإن أفتوك، وإن أفتوك، وإن أفتوك](4)، وتعلم أنَّ كلَّ إنسانٍ عنده هذا النُّور بقدره، وأنَّ الاختلاف واردٌ.
ومن هنا، كان الأمر أن نتواصى بالحقِّ وأن نتواصى بالصَّبر، أن يُعبِّر كلُّ إنسانٍ عن النُّور فيه بقدره، وأن يستمع للآخر، وأن يبحثا معًا عمَّا هو أفضل لهما، فإن لم يجدا ما يتَّفقان عليه، فليفعل كلٌّ ما يرى أنَّه الخير، دون صراعٍ، ودون كراهيةٍ، ودون حكمٍ من أحدٍ على أحد.
سيظلُّ الإنسان في الدُّنيا كذلك، وستظلُّ هناك الرُّؤى المختلفة، وكانت هذه الرُّؤى موجودةً في قديم، في الحياة الظَّاهرة للذَّات المُحمَّديَّة، وفيما حدث بعد انتقاله إلى الرَّفيق الأعلى.
بعض النَّاس ينظرون إلى اختلاف الصَّحابة بعد انتقال رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ على أنَّه كيف يحدث ذلك؟ ولكن ما حدث ذلك إلَّا ليُبيِّن لنا أنَّ الاختلاف واردٌ، سواء كان عهد النَّاس في اقترابٍ أو في قربٍ من عصر النُّبوَّة بظاهرها، أو ما بعد ذلك. المشكلة لم تكن ـ في تاريخنا ـ في الاختلاف، فهو أمرٌ وظاهرةٌ صحيَّة، إنَّما المشكلة كانت في أن يُكفِّر كلُّ فريقٍ الفريق الآخر، وأن يتصارع معه، وأن يتقاتل معه.
وهذا ليس تاريخ المسلمين فقط، إنَّما هو تاريخ البشريَّة في كلُّ المجتمعات، كانت هذه النَّظرة التَّفاضليَّة والأحاديَّة التي لا تريد لأحدٍ أن يخالفها، هي السِّمة الواردة والقائمة في تلك العصور، بل حتَّى عصرنا هذا، لا زلنا نرى هذا الحال في كلِّ البلدان بصورٍ متفاوتة.
ومع تطوُّر البشريَّة، وتَعلُّمها، وإدراكها أنَّه لا بد أن يكون هناك اختلافٌ في النَّظر إلى الأمور، وأنَّ على النَّاس، وعلى المجتمع، بكلِّ فئاته وبكلِّ نظراته، أن يتواصى، وأن يتناقش، وأن يبحث عمَّا هو أفضل، هو السِّمة والأسلوب الذي يجب أن يسود.
إلَّا أنَّ هذا قد ينساه البعض، ويرجعون إلى عصورٍ قديمة، لا يرون فيها ما جنته البشريَّة من هذه النَّظرة الأحاديَّة، ومن هذه الأفكار التي تريد أن تسيطر على الجميع بفكرةٍ واحدة، وبأفكار إنسانٍ واحد، يقول وقوله الحقُّ، ويفعل وفعله الخير، وما دون ذلك باطلٌ، وما دون ذلك شرٌّ.
هذا التَّوجيه من محمدٍ ـ عليه صلوات الله وسلامه ـ بتقوى الله، وبخشية الله، وأن يضرب بنفسه مثلًا، فيه خيرٌ كثير، ولكنَّ النَّاس لم يروا في هذا التَّوجيه إلَّا أن خشية الله هي مجرَّد تمسُّكٍ بعباداتٍ ومناسك، أو بصورٍ شكليَّة، وأنَّ هذه هي صفات تقوى الله وخشية الله.
ولم يعلموا أن خشية الله هي في مراقبتهم لأنفسهم في أفكارهم، وفي أحكامهم، وفي أفعالهم، وفي أفهامهم، وفي اختلافهم مع غيرهم، ومع إكبار الحقِّ عن أيِّ صورةٍ وعن أيِّ شكل، إنَّها ليست في أشكالٍ وصور، ومناسك تؤدَّى، وأقوالٍ تُقال. إنَّها حال الإنسان في إدراكه لضعفه، وفي إدراكه لنقصه، وفي إدراكه لافتقاره إلى الله، وفي إدراكه أنَّ هناك الكثير الذي لا يعلمه، ولا يعرفه.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون متقبِّلين آيات الله، مستمعين لها، قارئين لها، فهي قول رسول الله الدَّائم، هي رحمة الله الدَّائمة، هي نور الله الذي يكشف الظّلام، هي الحقُّ الذي يعيننا على الباطل، هي النُّور، هي الحياة، هي كلُّ ما يُمكِّننا من أن نصبح أحياءً، ونصبح شهداءً، فنكون عند ربِّنا نُرزق، ونكون دائمًا في معراجٍ دائمٍ في الله.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
______________________
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نُوضِّحه اليوم، ونحن نتذكَّر مَوْلِد محمدٍ ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ على هذه الأرض: هو أن يكون تذكُّرنا هو تذكُّرٌ لما يحمله هذا المَوْلِد، ولما تحمله كلُّ الآيات التي تتحدَّث عن رسول الله.
كيف نتعامل معها اليوم؟ هل نقرؤها كتاريخ، أنَّه حدث في قديم؟ هل نقرأ: "... لَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا"[النساء 64]، هل نتذكَّرها ونتفكَّر فيها على أنَّ هذا يعود إلى أيام صحابته ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ.؟  أم أنَّها آيةٌ موجَّهةٌ للنَّاس جميعًا في كلَّ وقتٍ وحين؟
وأنَّ معنى رسول الله في هذه الآية، وإن كان متوافقًا مع ما كان في عصر النُّبوَّة، وعصر محمدٍ ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ إلَّا أنَّها تحمل معنىً مستمرًّا، وهو أنَّ رحمة الله المُهداة، وهي صفةٌ من صفات رسول الله، هي صفةٌ قائمةٌ بمعنى رحمة الله الدَّائمة، وأنَّ استحضار هذا المعنى، وهذه الصِّفة كصفةٍ دائمة، وأنت تستغفر الله، هو معنى: "لَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا".
فحين تقرأ الآية: "لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ"[التوبة 128]، فإنَّك تستحضر هذا المعنى، وتعلم أنَّ الله أودع فيك من سرِّه، وأنَّ سرَّه فيك هو معنىً من معاني رسول الله لك، فما فيك من ضميرٍ، وما فيك من إحساسٍ بالخير وبالحقِّ وبالحياة، هو معنى من معاني رسول الله لك.
"لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ"، في هذا المعنى، وإن كان في عصر النُّبوَّة قد يُحمَل، ويُفهَم، وله واقعٌ في وجود محمدٍ ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ بين صحابته، إلَّا أنَّه اليوم يعني استحضار معنى رحمة الله، ومعنى فطرة الله فيك، التي هي سرٌّ من أسراره، ومعنى من معنى رسوله لك.
فالقضيَّة ليست قضيَّة ذواتٍ جاءت وانتقلت، وإنَّما هي قضيَّةٌ دائمةٌ على هذه الأرض، ويُمكننا أن نستحضر هذا المفهوم ونحن نُصلِّي ونُسلِّم على رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ونستحضر معنى: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"[الأحزاب 56].
هكذا نتدبَّر في معنى مَوْلِد محمدٍ ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ ونتدبَّر في معناه كرسول الله، وفي معنى الرَّسول كمعنىً دائم، نستطيع أن نستحضر هذا المعنى وإن ابتعدت ذواتنا اليوم عن عصر النُّبوَّة في قديم، إلا أنَّ معناه وروحه ونوره دائمًا موجود، "وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ"، في قديمٍ، وفي حاضرٍ، وفي قادمٍ. فلنستحضر معنى هذا النُّور، ومعنى الرَّحمة، ومعنى الحياة، ونحن نُصلِّي ونُسلِّم على رسول الله.
عباد الله: نسأل الله: أن يُحقِّق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النَّاس حولنا.
اللهم ونحن نتَّجه إليك، ونتوكَّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلَّا إليك.
اللهم فاكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنَّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.
____________________

(1)    حديث شريف أخرجه أبو داود والحاكم بنص :" إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها". 

(2)    حديث شريف، نصه: "قال صلى الله عليه وسلم: "هذا أنا رسول الله، والله ما أدرى ما يصنع بي""، وفى رواية أخرى: "قال صلى الله عليه وسلم: ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل بى ولا بكم". أخرجه احمد ابن حنبل - مسند احمد بن حنبل.

(3)    "لا يُدخل أحدكم الجنة عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة وفضل" حديث شريف رواه أحمد بهذا اللفظ، ورواه البخاري ومسلم هكذا "سددوا وقاربوا وابشروا فإنه لن يُدخل الجنة أحدكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمه ".

(4)     حديث شريف جاء نصه: "استفت قلبك واستفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك" قالها الرسول ثلاث مرات. أخرجه أحمد والدرامي.