السبت، 17 فبراير 2018

هل عرفنا حقّاً ما هو معنى التّجمع على ذكر الله؟ وما هو ذكر الله أوّلاً؟


حديث الجمعة 
30 جمادى الأول 1439هـ الموافق 16 فبراير 2018م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
عباد الله: يا من ترجون لقاء الله، ويا من تجتمعون على ذكر الله، حديث الحقّ موجّهٌ إليكم، ليس موجّها للذين غفلوا عن ذكر الله، والذين جعلوا الدّنيا ربَّهم والعاجلة إلههم، موجّهٌ لـ "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ ..."[آل عمران 191]، موجّهٌ لـ "...الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ..."[الأنعام 52]. هكذا نقول ونردّد دائماً.
هل عرفنا حقّاً ما هو معنى التّجمع على ذكر الله؟ وما هو ذكر الله أوّلاً؟ هل ذكر الله في أن تسبّح بأسمائه، أو باستغفاره، أو بالصّلوات والسّلام على رسوله؟ هل ذكر الله هو في إقامة الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، وصوم رمضان، والحجّ إلى بيت الله؟ إنّه كلّ ذلك وأكثر. إنّه كلّ ذلك يوم تقوم في كلّ أمرٍ وفي كلّ شعيرةٍ وأنت تتدبّر فيها، وتتأمّل في القيام بها. إنّه أيضاً في كلّ معاملاتك، وفي كلّ أحوال حياتك، يوم تكون ذاكراً الله فيها.
ذكر الله، هو أن تستحضر معنى علاقتك بالغيب في كلّ لحظةٍ وحين، إنّه الإحساس بالغيب دائماً، إنّه القيام في معنى: "... إن لم تكن تراه، فإنّه يراك ..."(1). إنّ قيامك في معنى: "إن لم تكن تراه، فإنّه يراك"، هو أنّك تراه، فرؤيتك له هي رؤية غيب، الإيمان بالغيب، فهو مع أنّه غيبٌ، فإنّك تؤمن به، فإذا آمنت به، أصبح شهادةً، حتّى وإن كنت لا تراه.
لذلك، قال من قال: [كيف أعبد ما لا أرى؟](2)، فقد رآه منعكساً في الشّهادة، رآه في كلّ ما يحدث له وفي كلّ ما يصدر عنه، رآه في نفسه الزّكيّة، ورآه في نفسه الأمّارة بالسّوء، رآه في رحمانه وفي شيطانه، رآه فيما يصيبه من خيرٍ وما يصيبه من شرّ.
وأصبح برؤيته له في كلّ أمرٍ، مُكبِراً إيّاه عن أيّ صورةٍ يحبّها أو يكرهها، وقد أدرك أنّ الحبّ والكُره ـ من وجهة نظره ـ لا يعنيان شيئاً بالنّسبة لعلاقته بالله، إنّهما فقط مقياسٌ ليستطيع أن يتحرك على هذه الأرض وليعيش عليها، أمّا الله فهو أكبر ممّا يحبّ وأكبر مما يكره، وهو يعلّمه ذلك في قوله: "...عَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ..."[البقرة 216].
إستحضار معنى الغيب، إستحضار معنى أنّك لا تعرف، إستحضار معنى أنّك لا تستطيع أن تحكم، إستحضار معنى الافتقار إلى الله، الافتقار إلى الغيب، إستحضار معنى: "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ..."[البقرة 3].
"إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا"[النصر2،1]، جاء أمرٌ كنت تراه بعيداً، كنت ترى النّاس وهم في غفلةٍ عمّا بين أيديهم من نعمة، ثم جاء ما أيقظهم ـ "فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ..."[النصر 3]، وهنا نجد إضافة الاستغفار للحمد ـ كما نتدبّر دائماً ـ من أنّ كلّ أمرٍ وأنت ترى فيه فتحاً وتغييراً إلى الأفضل ـ بمقياسك ـ فأنت تحمد الله عليه، وفي نفس الوقت تستغفر الله.
تستغفر الله من حمدك له، وتحمد الله على استغفارك له. فحمدك لله على رؤيةٍ رأيتها أنّها الأفضل، هو أمرٌ يجب أن تستغفر عنه، فماذا لو لم يحدث ذلك؟ واستغفارك عن أمرٍ استقبحته، هو أمرٌ يجب أن تحمد الله عليه، أن جعلك كذلك، أن جعلك تتغيّر إلى الأفضل، وأن تحاول أن تكون مع الأفضل كما تراه، فاستغفارك هنا، هو أمرٌ تحمد الله عليه، أن جعلك كذلك.
فذكر الله، هو أن تكون في هذا الحال، الذي يحمد ويستغفر في نفس الوقت، الذي لا يحكم أحكاماً مطلقة، الذي يشعر بافتقاره إلى العلم والمعرفة، وبافتقاره إلى توفيق الغيب له. وأي قيامٍ يساعدك على فهم ذلك، وعلى القيام في هذا الحال الذي هو حال الافتقار إلى الله، يكون ذكراً لله. وأيّ حالٍ يجعلك شاعراً بعظمةٍ وكبرٍ وإحساسٍ بالإحاطة، هو بعدٌ عن أن تكون ذاكراً لله.
لذلك، فإنّا يوم نجتمع على التّواصي بالحقّ والصّبر بيننا، يوم نجتمع على أن نذكّر أنفسنا بذلك، يوم نجتمع على الدّعاء والطّلب والرّجاء، يوم نجتمع على طلب الصّلة وإقامة الصّلاة، يوم نتواصى بالحقّ والصّبر بيننا؛ لأنّ كلّ فردٍ منّا يريد أن يتعلّم من الآخر، في غير تكبّرٍ، بل في تواضعٍ وافتقارٍ ـ يوم نقوم في كلّ ذلك، أو في أيٍّ من هذه الأحوال، فإنّنا نكون مجتمعين على ذكر الله.
فالاجتماع هنا، هو اجتماعٌ على حالٍ وليس اجتماعاً لأجسادٍ، وذكر الله هو حالٌ وليس فعلاً بذاته، فقد تكون مسبّحاً ولكنّك لست ذاكراً، قد تكون مؤدّياً لشعائر الصّلاة ولكنّك لست ذاكراً، قد تكون متواجداً بجسدك مع إخوانٍ لك في الله، أو على تحدّثٍ في أمورٍ لها علاقةٌ بوجودك المعنويّ، ولكنّك لا تكون ذاكراً.
الذّكر، هو أن تُخلي وجودك كلّه من أيّ فكرةٍ مسبّقة، ومن أيّ حالٍ مسبّق، أو فكرةٍ، أو عقيدةٍ، أو إحساسٍ، أو قرارٍ، أو مفهومٍ. إنّه حال تَقبُّلٍ واستقبال، حال تَخلٍّ عن أيّ صورةٍ أو شكل، طلب الحقّ دون أن نحدّد له صورةً، طلب الاستقامة دون أن نحدّد لها شكلاً.
هكذا نقوم ونجتمع على ذكر الله ـ كما نتأمّل ونتدبّر ـ وأيضاً نقول: أنّ هذا في حدّ ذاته هو محاولة، وقد لا يكون كذلك؛ لأنّنا نعرف دائماً، أنّ أيّ صورةٍ مهما وصلنا إليها أو تصوّرناها، فالحقّ أكبر من أيّ صورة.
فالصّمت قد يكون أبلغ من الكلام في ذلك، الصّمت تعبيرٌ أفضل عن حال الإنسان في ذكره لله عن أيّ كلامٍ يصف ذلك، فإذا وصلنا لهذا الحدّ من التّأمّل والتّفكّر، فعلينا أن نصمت، وأن نرجع بصمتٍ إلى داخلنا.
نسأل الله: أن يجعلنا من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ..."[الزمر 18]، وأن نعرف أنّ التّأمّل والحديث بالقلب من الدّاخل، قد يكون أبلغ كثيراً من أيّ حديثٍ باللسان.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم في معنى ذكر الله: هو أنّ ذكر الله في مفهومنا، في لحظتنا هذه، وفي موقفنا هذا، هو إحساس الإنسان بالتّخلّي عن أيّ صورةٍ أو شكل، وأنّ هذا الإحساس لا يمكن وصفه بالكلام، وإنّما هو حالٌ يشعر به الإنسان. وإذا كنّا نتكلّم عن هذا الحال؛ فلأنّ الكلام هو الوسيلة الوحيدة التي نتواصل بها في ظاهر وجودنا، وإن كان ليس الوسيلة الوحيدة للتّواصل في باطن وجودنا. ونحن في حاجةٍ للتّواصل بظاهرنا وباطننا.
وفي الظّاهر ليس لنا إلّا أن نتحدّث، وإنّما ما يحمله الحديث هو أكبر من الكلمات، إنّه قد يكون انتقال حالٍ إلى حال، وقيامٍ إلى قيام، ومفهومٍ مجرّد إلى مفهومٍ مجرّد ـ من إنسانٍ لإنسان، من قلبٍ لقلب، من عقلٍ لعقل، من روحٍ لروح، من نورٍ لنور، من حقٍّ لحقّ.
فعلينا أن ندرك ذلك، وأن نتدبّر ذلك، وأن نفتح قلوبنا لنتلقّى ولنستقبل فيوضات الله التي يرسلها لنا بأدواتٍ كثيرة، من استماعٍ لكلمات، ومن آياتٍ تتجلّى في أحداث، ومن رسائل قديمة، ومن رسائل حديثة، ومن رسائل من كلّ مكانٍ في عالمنا، نستقبلها بعقولنا وقلوبنا وأرواحنا. 
عباد الله: نسأل الله: أن نكون في دائم ذكرٍ له، وأن نكون في دوام اجتماعٍ على ذلك.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.    
________________

(1)     بينما نحن عند رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم ذاتَ يومٍ، إذ طلع علينا رجلٌ شديدُ بياضِ الثيابِ شديدُ سوادِ الشعرِ، لا نرَى عليه أثرَ السفرِ ولا نعرفُه، حتَّى جلس إلى رسولِ اللهِ ــ صلَّى اللهُ عليه وسلم ــ فأسند ركبتَه إلى ركبتِه ووضع كفَّيهِ على فخذِه ثمَّ قال: يا محمدُ أخبرْني عن الإسلامِ، ما الإسلامُ؟ قال: أنْ تشهدَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهَ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، وتقيمَ الصلاةِ، وتؤتيَ الزكاةَ، وتصومَ رمضانَ، وتحجَّ البيتَ إنِ استطعتَ إليه سبيلًا. قال: صدقتَ: قال عمرُ: فعجِبنا له يسألهُ ويصدقُه. فقال: يا محمدُ أخبرني عن الإيمانِ ما الإيمانُ؟ قال: الإيمانُ أنْ تؤمنَ باللهِ، وملائكتِه وكتبِه ورسلِه واليومِ الآخرِ، والقدرِ كلِّه خيرِه وشرِّه. قال: صدقتَ. قال : فأخبرني عن الإحسانِ ما الإحسانُ؟ قال: أنْ تعبدَ اللهَ كأنك تراهُ فإن لم تكنْ تراهُ فإنه يراكَ. فقال: أخبرني عن الساعةِ متى الساعةُ؟ قال : ما المسئولُ عنها بأعلمَ من السائلِ. فقال: أخبرني عن أماراتِها. قال: أنْ تلدَ الأمةُ ربَّتها وأنْ ترَى الحفاةَ العراةَ العالةَ رعاءَ الشَّاءِ يتطاولونَ في البناءِ، قال: ثمَّ انطلقَ الرجلُ، قال عمرُ: فلبثتُ ثلاثًا ثمَّ قال رسولُ اللهِ ــ صلَّى اللهُ عليه وسلم ــ : يا عمرُ أتدري من السائلُ؟ قلتُ : اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: فإنه جبريلُ عليه السلامُ أتاكم يعلِّمَكم دينَكم.

(2)             جاء في كتاب شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد عن الإمام علي كرم الله وجهه: " و من كلام له ع وقَدْ سَأَلَهُ ذِعْلِبُ اَلْيَمَانِيُّ فَقَالَ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: أَ فَأَعْبُدُ مَا لاَ أَرَى، فَقَالَ: وَكَيْفَ تَرَاهُ، قَالَ: لاَ تُدْرِكُهُ اَلْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ اَلْعِيَانِ: وَلَكِنْ تُدْرِكُهُ اَلْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ اَلْإِيمَانِ، قَرِيبٌ مِنَ اَلْأَشْيَاءِ غَيْرَ مُلاَمِسٍ مُلاَبِسٍ، بَعِيدٌ مِنْهَا غَيْرَ مُبَايِنٍ، مُتَكَلِّمٌ بِلاَ رَوِيَّةٍ لاَ بِرَوِيَّةٍ، مَرِيدٌ لاَ بِهِمَّةٍ، صَانِعٌ لاَ بِجَارِحَةٍ، لَطِيفٌ لاَ يُوصَفُ بِالْخَفَاءِ، كَبِيرٌ لاَ يُوصَفُ بِالْجَفَاءِ، بَصِيرٌ لاَ يُوصَفُ بِالْحَاسَّةِ، رَحِيمٌ لاَ يُوصَفُ بِالرِّقَّةِ، تَعْنُو اَلْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ، وَتَجِبُ اَلْقُلُوبُ مِنْ مَخَافَتِهِ".



الثلاثاء، 30 يناير 2018

علاقتك بالله أكبر من أن تقول: أنّ الله أكرمني في حالٍ وأهانني في آخر

حديث الجمعة 
10 جمادى الأول 1439هـ الموافق 26 يناير 2018م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشّكر دائماً لله، والصّلاة والسّلام دائماً على رسول الله.
حمدُ الله هو تعبيرٌ عن العبوديّة لله، التي ليس لها صورةٌ ولا شكلٌ يمكن للإنسان أن يحدّده، إنّها العبوديّة للمطلق الذي "... لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..."[الشورى 11]، إنّه الإحساس بأنّ الإنسان لم يُخلق باطلاً، وأنّ هناك ما هو أعلى لا يدركه الإنسان، وأنّ هذا الأعلى الذي لا يدركه الإنسان، هو معنىً لا يمكن للإنسان أن يحيط به، ولكن إيمان الإنسان بهذا المطلق "الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ"[الأعلى 2]، يجعله حامداً شاكراً على هذا الوجود الذي وُجِد فيه، وعن هذا القيام الذي قام فيه.
وحديث الله لنا عن أممنا ومجتمعاتنا وما حدث على أرضنا وما سيحدث عليها، وحديثه لنا عن وجودنا وعن حالنا وعمّا نحن عليه وعمّا سنؤول إليه ـ هو حديثٌ متّصلٌ في آياتٍ كثيرة.
فإذا نظرنا إلى أرضنا اليوم، ونظرنا إلى مجتمعاتنا، وإلى ما عليه النّاس في هذه المجتمعات والأمم، وقرأنا آيات الله وهي تحدّثنا عن ذلك، لأدركنا قانون الحياة، "وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْر، وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ، هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ، أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ، وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ، وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ"[الفجر 1 ـ 14].
تتحدّث هذه الآيات عن أحوال المجتمعات وعمّا تصل إليه، فالمجتمعات تنتشر وتزدهر، وتبني وتعمّر، وتعتقد أنّ الأرض هي كلّ شيء، فيكون كلّ تركيزها في هذا البنيان الأرضيّ المادّيّ، والذي يتمثّل اليوم فيما تفعله المجتمعات من استخدام العلوم الأرضيّة في البنيان المادّيّ، وهذا أمرٌ لا غبار عليه، إذا اقترن بفهمٍ لقضيّة الإنسان، ولوجود الإنسان، ولخدمة الإنسان والإنسانيّة.
أمّا إذا اقترن هذا العلم بالدّمار، والحروب، وإهلاك البشريّة، وسيطرة مجموعةٍ على العالم بقوّتها وجبروتها، وهذا ما حدث في قديم ويحدث في حاضر، "وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ"، يحدث هذا في مجتمعاتٍ كثيرة ـ ويكون طغيانهم وفسادهم سبباً في فنائهم، وهذا قانونٌ إلهيّ، "فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ".
وتتحدّث آياتٌ أخرى عن هذا القانون، تعبّر عن أنّ الإعمار، والبنيان، والعلم، والبحث ـ هي أدواتٌ لخير الإنسان على أرضه وما بعد أرضه، وأنّ هناك جانبٌ مظلمٌ في الإنسان، وحين يتجمّع هذا الظّلام في أفراد المجتمع، يؤدّي إلى طغيانٍ وإلى حبٍّ للسّيطرة والتّحكم في مصائر الخلق، وهذا يتجلّى في حاضرنا فيما نراه من تحكّمٍ لبلدانٍ ولأممٍ تقدّمت في علومها، وحوّلت هذا العلم إلى قدراتٍ تستطيع بها أن تسيطر على البلدان الأخرى.
فالآيات تعبّر عن ذلك وتوضّح ذلك، وأنّ القانون الإلهيّ كما سرى في قديم، سوف يسري في حاضر، وإذا كنّا لا نرى ذلك اليوم، فهو قادمٌ؛ لأنّ سنن الله في خلقه دائمةٌ ومستمرّة.
والإنسان كفردٍ ـ أيضاً ـ مخاطبٌ؛ لأنّ المجتمعات مكوّنة من أفراد، وصلاح الأفراد هو صلاح المجتمع، وفساد الأفراد هو فساد المجتمع. وإذا كان الإنسان في مجتمعٍ صالحٍ إلّا أنّه يمكن أن يكون هو قيامٌ فاسدٌ مظلمٌ، وأنّ الإنسان في مجتمعٍ فاسدٍ ربّما يكون هو قيامٌ صالحٌ مُصْلِحٌ.
فالخطاب للإنسان، هو الأساس الذي يتّجه إليه حديث الحقّ، حتّى حين يحدّثه عن الأمم والمجتمعات، ففي النّهاية المتلقّي هو إنسان، ويأمر هذا الإنسان بأن يتأمّل في حال الأمم والمجتمعات، وأن يتأمّل أيضاً في حاله.
لذلك، فإنّ الآيات تأتي بعد ذلك في هذه السّورة لتخاطب الإنسان: "فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ"[الفجر 15، 16]، يتحدّث هنا عن الإنسان.
ويتساءل القارئ والمستمع لهذه الآيات، أليس من الطّبيعي أن الإنسان الذي أكرمه ربّه ونعّمه أن يقول: "رَبِّي أَكْرَمَنِ"؟ وأليس من الطّبيعي أن يقول الإنسان الذي قدر ربّه عليه رزقه: أنّ "رَبِّي أَهَانَنِ"؟
في الظّاهر، قد نجد أنّ هذا أمرٌ طبيعيٌّ، ولكن السّياق هنا، يعطينا أنّ هناك شيئاً غير مستقيمٍ في هذا الحال، فإذا تأمّلنا وتفكّرنا وتدبّرنا، فربمّا نصل إلى هذا الحال الذي توجّهنا هذه الآيات ألّا نكون عليه. هذا الحال، هو أنّ الله أكبر من أن تعرف نعمته عليك، أو أن تقول في حالٍ: أنّ "رَبِّي أَكْرَمَنِ"؛ لأنّك لا تستطيع أن تتحدّث باسم الله، ولا عندك توكيلٌ أن تتحدّث باسم الله.
إنّما أنت حين ترى كرماً ونعمةً قد حلّت بك، فلا تستطيع أن تقول إلّا أنّ هذه نعمةٌ، وأنت تعرف أنّ مصدر كلّ شيءٍ هو الله، فهي من الله، ولكن تقول: الحمد لله، وتقول الحمد لله بمعناها الشّامل ـ كما بدأنا هذا الحديث ـ الحمد لله الذي جعل لي من الأسباب ما يمكّنني من أن أكون أفضل، ومن أن أكون أحسن.
ولذلك، فستقول أيضاً: الحمد لله، يوم يقدر عليك رزقك، سوف تقول: الحمد لله، أيضاً؛ لأنّه جعلك تمرّ بضائقةٍ، ربّما بها تفيق إلى حالك وإلى أن تكون أفضل وأحسن.
فيجب ألّا يكون الحمد لله مقروناً بظاهر نعمة، أو أن يكون الإحساس بغضب الله عليك مقروناً بنقمة، فربّما تكون النّعمة نقمةً عليك، وربّما تكون النّقمة نعمةً لك. ولذلك، نجد الآية: "... وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ..."[البقرة 216].
فهنا، القضيّة ليست في أنّك ترى أنّ الله أكرمك، فالله من وراء كلّ شيء، ولكن الصّفة مع الله هي الحمد، الحمد لله في كلّ حالٍ، وفي كلّ صورةٍ، وفي كلّ شكل؛ لأنّ علاقتك بالله هي أكبر من أن تعرفها أنت، أو أن تصفها أنت، أو أن تقول: أنّ الله أكرمني في حالٍ وأهانني في حالٍ آخر، الله أكبر من ذلك.
فهنا، حال الإنسان هو الذي تعبّر عنه الآيات في سورة الفاتحة: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ"[الفاتحة 2 ـ 4]، هذا ما عليك أن تدعو الله به، مُنزِّها في دعائك الله عن أيّ صورةٍ أو شكل.
ثم توضّح الآيات أكثر، حال الإنسان، لتعلّمه كيف يكون في حال النّعمة، وتنبّهه أنّه وإن كان يقول: "رَبِّي أَكْرَمَنِ"، إلّا أنّه لم يتعامل بالقدر الذي يجب أن يكون عليه، "كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيم، وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ"[الفجر 17، 18].
فأنت وقد أكرمك الله وقلت: أكرمني ربّي، هل كنت مستقيماً فيما أكرمك به؟ ماذا فعلت بكرمه عليك؟ هل أعطيت مما أعطاك الله؟ هل أكرمت بما أكرمك الله، وأنت تقول: أكرمني ربّي؟ تأمّل في حالك بعد أن قلت: أكرمني ربّي، ماذا فعلت أنت بهذا الكرم؟ هل لتستحوذ أنت على ما أنعم به عليك، ولا تكون أداة خيرٍ لغيرك؟ أنظر إلى ما تفعله.
"كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيم، وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا، وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا"[الفجر 17 ـ 20]، فهل إذا كنتم كذلك، تستطيعون أن تقولوا: أنّ هذا حال كرمٍ؟ أم أنّكم لستم أهل كرمٍ، وأنّ ما ترونه من كرمٍ ونعمةٍ ظاهريّة هو ليس كذلك؛ لأنّه لم يؤدّ بكم لأن تكونوا ممّن يعطون اليتيم، ويحضّون على طعام المسكين، ولا يأكلون التّراث أكلاً لمّا، ولا يحبّون المال حبّا جمّا؟ وكلّها، وكلّ وسائل العطاء للإنسان، يجب أن يكون الإنسان مدركاً أنّ عليه أن يُعمِلها في الطّريق السّليم، والطّريق القويم.
وهنا، يبدأ في هذه الآيات التي تلي هذا الوصف للإنسان على هذه الأرض، تعطيه نتيجة ما يفعله على هذه الأرض في مستقبل حياته، وهو أمرٌ يوضّح العلاقة بين عمل الإنسان على أرضه، وبين حياته المستقبليّة. والصّورة هنا، هي صورةٌ تعبيريّة، تعطي المعنى، ومحمّلةٌ بالمعنى، دون أن ننظر إلى الكلمات بتشبيهٍ مادّيّ دنيويّ، وإنّما ننظر إليها على أنّها آياتٌ موحية.
"كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا، وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا، وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ، يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي، فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ، وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ"[الفجر 21 ـ 26]، آياتٌ تعطي إيحاءً بما سيلاقيه الإنسان من صعاب في حياته الأخرويّة نتيجة أعماله الدنيويّة، وهذه الصورة مجرّد تعبير، أمّا الحال الحقيقيّ فنحن لا نستطيع أن نتصوّره، أو أن نحدّده، أو أن نقول: أنّه سوف يكون بهذا الشّكل أو بذاك الشّكل.
"يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي"[الفجر 27 ـ 30]، هذه صورةٌ أخرى مجرّدة، تعبّر عن حال الإنسان الذي استقام كما أُمِر، والذي حمد الله حقّاً، والذي عبد الله حقّاً، والذي أحسن في حياته حقّاً، الإنسان الذي "... أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ"[الليل 5، 6]، الإنسان الذي "..ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ"[الأعلى 15]، الإنسان الذي تَذكّر يوم ذُكِّر، "فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ، سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ"[الأعلى 9، 10]، الإنسان الذي يخشى الله، "... إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ..."[فاطر 28].
هذه الآيات توضّح لنا حال المجتمعات وحال الإنسان على هذه الأرض، نقرؤها لنتأمّل في ماضينا ولنتأمّل في حاضرنا، ولنحاول أن نتعلّم كيف نكون حامدين لله حقّاً، وكيف نكون عباداً لله حقّاً، سائلينه رحمةً، ومغفرةً، وقوّةً تعيننا على أنفسنا وظلامها، وتجعلنا أهلاً لرحمته، وأهلاً لنعمته، وأهلاً لعلمه وحكمته.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أنّ على الإنسان أن يتأمّل في آيات الله ويتدبّرها، وأن يتعلّم منها حال الأمم السّابقة وحال الأمم الحاضرة، ما تكون عليه وما ستكون عليه، وأنّ الحديث موجّهٌ للإنسان قبل كلّ شيء، فهو المتلقّي لآيات الله، "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ..."[فصلت 53]، فهذا هو المراد من التّوجيه الإلهيّ، توجيهٌ للإنسان.
والخطاب وإن كان للجميع، إلّا أنّ المتلقّي للحديث هم أفراد هذا الجمع. وكلّ إنسانٍ له مفهومه وله إدراكه، وعليه أن يطوّر هذا الإدراك بالقراءة الصّادقة، وبالقلب الطّاهر، وبالعقل المنير.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون أهلاً لنعمته، وأهلاً لعلمه وحكمته، وأن ندرك حقّاً معنى الحمد لله، ومعنى العبوديّة لله، وكيف تكون علاقتنا بالله منزّهةً عن الصّورة والشّكل، فالحمد لله في كلّ حال، والشّكر له في كلّ حال، وهو أعلم بنا منّا، لا نستطيع أن نعرف أو أن ندرك حكمته، فحكمته أكبر، وكرمه أكبر، ورحمته أكبر، وإنّما نحمده حمداً مجرّداً، ونشكره شكراً مجرّداً، وندرك أنّنا مهما أوتينا من علمٍ فهو ذرّةٌ في بحارٍ وبحار، "قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا"[الكهف 109].
عباد الله: نسأل الله: أن يجعلنا دائماً على ذكره مجتمعين، ولوجهه قاصدين.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.       




القراءة ليست فقط هي علمٌ مادّيّ، وإنّما هناك القراءة التي تؤدّي بالإنسان إلى إدراك أنّ هناك غيباً يلجأ إليه

حديث الجمعة 
3 جمادى الأول 1439هـ الموافق 19 يناير 2018م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشّكر دائماً لله، والصّلاة والسّلام دائماً على رسول الله.
عباد الله: إنّ آيات الله تخاطبنا، لتؤكّد لنا ما هو قائمٌ فينا من فطرة الله التي فطرنا عليها، تخاطبنا بكلّ ما هو أحسن وأفضل وأقوم، كما نرى بقلوبنا الطّاهرة، وبعقولنا المنيرة، وبنفوسنا الزكيّة. لذلك، نجد الآيات كلّها تؤكّد ذلك وتوضّحه.
فالإنسان في سلوكه على هذه الأرض، منذ خِلْقته، يحاول أن يتعلّم من الطّبيعة حوله. وقصّة الإنسان على هذه الأرض، تؤكّد ذلك. وقد بدأ الإنسان ككائناتٍ أخرى، بغريزته، يحاول أن يبحث عمّا يجعله يستمرّ في معيشته وفي حياته على هذه الأرض. وهذا موجودٌ في كلّ الكائنات، ففيها هذه الغريزة التي تجعله يستمرّ في حياته، باحثاً عن طعامه وشرابه وعن مأوىً له.
ولكنّ الإنسان تميزّ بأنّه يبحث عن أدواتٍ جديدة من خلال مشاهدته، ومن خلال قراءته للطّبيعة حوله، ومن خلال ملاحظته لأحواله. وظلّ الإنسان كذلك، وتطوّرت مشاهداته، وتطوّرت أدواته، وتطوّرت قدراته، نتيجةً لهذه القدرة على المشاهدة، وعلى تحليل ما يشاهده، وعلى إنتاج ما يمكّنه من أن يكون أكثر قدرةً على المشاهدة والمراقبة.
لذلك، فبداية التّنزيل الإلهيّ كانت إقرأ، "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ"[العلق 1]. والقراءة هنا، هي تأكيدٌ لهذا المعنى الموجود في الإنسان، والقراءة بما في الإنسان من معنى سرّ الله، من معنى اسم الله، فباسم الله فيه وبسرّ الله فيه يستطيع أن يقرأ، بأمانة الحياة فيه يستطيع أن يقرأ، "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ..."[البقرة 31]، والأسماء ليست مجرّد كلماتٍ، وإنّما هي قدراتٌ وإمكانات، فهذه القدرة التي أودع الله في الإنسان، هي التي تمكّنه من أن يقرأ وأن يستوعب ما يقرؤه.
فحين تجيئ الآيات، فإنّها ـ كما قلنا ـ تؤكّد على ما هو موجودٌ في الإنسان. لقد فعل الإنسان ذلك بفطرته من قبل أيّ تنزيلٍ إلهيٍّ موثّق؛ لأنّ التّنزيل الإلهيّ كان موجوداً في خِلْقته، وكان موجوداً في أمانة الحياة التي حملها الإنسان.
فالتّنزيل الرّبّاني الإلهيّ في الإنسان، هو موجودٌ فيه منذ خُلِق. التّنزيل الإلهيّ في الإنسان، هو الأسماء التي علّمها الله لآدم، وما كان آدم إلّا تعبيراً عن الإنسان، فكلّ إنسانٍ هو آدمٌ، يحمل صفات آدم. "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ..."[الإسراء 70]، بأن جعلناهم أوادم، وجعلنا فيهم سرّ أبيهم.
نجد الآيات بعد ذلك توضّح المعنى أكثر، "خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ"[العلق 2]، الإنسان لم يدرك هذه الآية بعمقها إلّا حديثاً ـ بالنّسبة لعمر هذه الأرض ـ وهو لم يكن يعرف كيف يحدث خَلْق هذا الوجود المادّيّ على هذه الأرض، إنّما يعرف كيف يتكاثر بغريزته. فهنا، كان أمراً غيبيّاً حين يقرأه الذين تلقّوا هذه الآيات، لم يكونوا يعرفون كيف يتكوّن الجنين من بداياته، ولذلك فإنّ هناك أشياءً لا نستطيع أن ندركها في لحظةٍ مّا، وإنّما قد ندركها في قادمٍ.
فهذا يؤكّد أنّ ما يعلمه الإنسان يتطوّر، وأنّ حديث الحقّ يتحدّث بما هو واضحٌ للإنسان في لحظته الرّاهنة، أو في أيّ لحظةٍ راهنة، وبأشياءٍ قد لا يستطيع أن يدركها الإنسان إلّا في قادم، هذا من النّاحية الواقعيّة المادّيّة.
ومن النّاحية الرّوحية المعنويّة، فإنّ إدراك الإنسان لهذه القضايا الغيبيّة، هو في تطوّرٍ دائمٍ مع الإنسان. فعلاقة الإنسان بربّه في معنى الصّلاة وفي كلّ العبادات، هي مفهومٌ معنويّ، تطوّره لا نهاية له؛ لأنّه ليس أمراً محسوساً ولا مرئيّاً، وإنّما هو إدراكٌ غيبيٌّ مجرّد، له وجودٌ مجرّدٌ في الإنسان، بقدرة الإنسان على فهم العلاقات المجرّدة.
فعلاقة الإنسان بربّه، هي علاقةٌ مجرّدة، لا نستطيع أن نصفها بشكلٍ محدّد؛ لأنّ هذه العلاقة مرتبطةٌ بمفهوم الإنسان عن ربّه، ومفهوم الإنسان عن ربّه، هو أمرٌ مجرّدٌ؛ لأنّك لا تستطيع أن تتصوّر ربّك، "... سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ"[الأنعام 100].
لذلك، نجد هذا المعنى في الآيات، يوضّح لنا: "خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ"، مفهوماً نتأمّل فيه اليوم، فنعرف كيف أنّه كان غيباً علينا، وأنّه اليوم تطوّر؛ لأنّنا عرفنا عن هذا المعنى أكثر.
في الآيات التي تلي ذلك، "أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ، عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ، أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىٰ، أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَىٰ"[العلق 9 ـ 12]، هنا، ندرك هذا البعد الغيبيّ الذي نتحدّث عنه في المفاهيم التي تعلو عن الإحاطة المادّيّة. وفي الواقع، أنّ كلّ مفهومٍ، أو كلّ ظاهرةٍ وإن كانت مشهودةً لنا، إلّا أنّ أبعادها المختلفة تعلو أيضاً عن مداركنا الأرضيّة.
إذا كنا ـ حتّى ـ ندرك كيف تتكوّن العلقة، وكيف ينمو الجنين، فإنّنا لا نعرف السرّ الذي وراء ذلك، وكيف يكون هذا الإنسان بجانبه الرّوحي والمعنويّ، كيف تُعطَى الحياة لهذا الجنين، وكيف ينمو، وكيف يتطوّر.
وهذا معروفٌ للجميع، أنّ ما أدركه الإنسان ـ حتّى عن جسده ـ هو قليلٌ من كثير، وإنّما الرؤية فيه متطوّرةٌ واضحة. كلّما علمت شيئاً، وجدت له دليلاً في وجودك، وفي حالك، وفي أحوالك، وفيما يحدث لك من مرضٍ ومن تطبيبٍ لهذا المرض، وما إلى ذلك.
ولكنّ النّاحية الأخرى وهي النّاحية المجرّدة، هي هذه النّاحية الإيمانيّة التي تعلو عن الشّكل وعن الصّورة، فـ "أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ، عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ"، ماذا تريد أن تقول لنا هذه الآية؟ هل نستطيع أن نتأمّلها بعمق؟ ولماذا يُشار إلى ذلك في هذا الإطار، وفي هذا السّياق؟ قد يقول البعض: أنّ في هذا إشارة لما حدث في تاريخ الرّسالة، حين كان البعض لا يقبلها ويعترض على ما فيها من قيمٍ ومن أوامر ومن توجيهات.
ولكن إذا رأينا المعنى الأشمل والأعمّ، نراه في يومنا هذا، في كلّ إنسانٍ يرفض الجانب الرّوحيّ والعلاقة الرّوحيّة بين الإنسان وربّه، فأنت حين تقول: أنّ الصّلاة هي علاقةٌ بين العبد وربّه، فقد ينظر إليك إنسانٌ ساخراً ويقول: ماذا تكسب من قيامك وركوعك وسجودك، أو من أن تذكر بلسانك وقلبك، أو أن تكون لك علاقةٌ بالغيب؟ وهل هذا الغيب حقّاً موجود؟ ما هذا الذي تقول؟
"أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ، عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ"، فالصّلاة هنا، هي علاقةٌ بين العبد وربّه، قد يرى إنسانٌ آخر أنّه لا قيمة لهذه الصّلاة، ولا قيمة للدّعاء، ولا قيمة للذّكر؛ لأنّه لا يرى هذا المعنى المجرّد، لا يرى أنّ الإنسان بتأمّله وتفكّره ـ يوم يقرأ آيات الله حوله ـ سوف يدرك دائماً أنّ هناك غيباً، وأنّ هناك ما لا يستطيع أن يدركه، وأنّ الحياة ليست هي كلّ ما يراه ظاهراً أمامه، وإنّما هناك جانبٌ آخر منها، وهذا هو معنى الإيمان بالغيب، فالذي يؤمن بالغيب، سوف يقيم الصّلاة، "ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ..."[البقرة 2، 3].
        فهناك ارتباطٌ بين القراءة التي سوف تقودك إلى معرفةٍ لأمورٍ مادّيّة أرضيّة، وقراءةٍ أيضاً سوف تقودك إلى معانٍ غيبيّة روحيّة.
فالقراءة ليست فقط هي علمٌ مادّيّ يقوم على المشاهدة والتّحليل والاستنتاج بعد ذلك، وتطوير هذا الاستنتاج إلى أمرٍ أو إلى آلةٍ أو إلى منتجٍ ينفع الإنسان أيّاً كان، وإنّما هناك القراءة التي تؤدّي بالإنسان إلى إدراك أنّ هناك غيباً، وبإدراك أنّ لا ملجأ للإنسان إلّا أن يلجأ لهذا الغيب، ليقوم في الجانب الرّوحيّ، ليُقوِّم حياته الرّوحيّة والمعنويّة.
وأنّه على الأرض من النّاس من لا يستطيعون أن يقرأوا إلّا القراءة الظّاهريّة، بل أنّ هناك من النّاس من لا يستطيعون أن يقرأوا قراءةً ظاهريّةً أو قراءةً تشير إلى الغيب، وهؤلاء هم من تشير إليهم الآيات "... صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ"[البقرة 171].
ونجد هذا في أرضنا، فنجد شعوباً لا تقرأ الحياة الظّاهريّة حولها، ولا تؤمن بالعلم المادّي،ّ ولا تحاول أن تتعلّم، ولا تحاول أن تتقن شيئاً، ولا تحاول أن تعرف علماً، فنجد حالهم في أدنى حالٍ، وفي أسوأ حال.
ونجد من الشّعوب من يعرف كيف يقرأ حياته الظّاهريّة وعلومه المادّيّة، ونجد حاله على هذه الأرض، في أحسن حالٍ، وفي أفضل حال.
وهناك من النّاس ومن الشّعوب ومن الأفراد من لا يقرؤون حياتهم الرّوحية والمعنويّة والغيبيّة، فنجد أنّ هذا الجانب مفقودٌ عندهم.
ونجد من النّاس من يستطيعون أن يقرؤوا هذا الجانب الغيبيّ في حياتهم، فيلجأون إلى الغيب بالدّعاء والرّجاء، فيكون حالهم الدّاخلي أفضل وأقوم.
هناك كلّ نوعٍ من الأنواع على هذه الأرض، النّاس تختلف وتتنوّع، وهناك كلّ المستويات، كلٌّ موجودٌ، وكلّ يعمل بما هو له أهل.
ما نريد أن نصل إليه، هو أنّنا بوجودنا لنا قدراتٌ وهبها الله لنا، فعلينا أن نفعّلها وأن نطوّرها، حتّى نكسب في الله أكثر. كلّ نفسٍ لها سعة، وكلّ إنسانٍ يستطيع أن يجعل سعته أكبر وعلمه أكبر، وهذه سنّة الحياة، التطوّر الدّائم، والعلوّ الدّائم، والمعراج الدّائم، ومحاولة الكمال الدّائمة، من كمالٍ إلى كمال، ومن حالٍ إلى حالٍ أفضل، ومن وجودٍ إلى وجودٍ أقوم.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ..."[الزمر 18]، ومن الذين يستقبلون آيات الله، ويقرأونها، ويتفهّمونها، ويتطوّرون بقراءتها، ليكونوا أفضل وأحسن وأقوم.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: إنّا نحاول دائماً، أن نقرأ آيات الله ونطبّقها على حالنا وعلى وجودنا، لنستطيع أن نصل إلى معانٍ تمكّننا من فهمها أكثر، ومن القيام فيها بصورةٍ أعمق، لا ننظر إلى ظاهر الكلمات فقط، وإنّما نربطها بواقعنا وبواقع الحياة، سواء في القديم أو في الحاضر، وندرك أنّ قادمنا سوف يكون أفضل بذلك، وأنّنا سوف نستطيع أن نقرأها أفضل في قادمنا، لو أنّنا صدقنا في رؤيتنا، وفي تفهّمنا لها، وفي النّظر حولنا، وفي أن تكون لنا نظرةٌ متكاملة في الحياة، وفي علاقتنا بربّنا، وفي علاقتنا بوجودنا.
هكذا نتذاكر بيننا، لا لنضيف معلومةً على معلوماتنا، وإنّما لندّرب أنفسنا أكثر على أن نتعلّم، وأن نتفهّم، وأن نقرأ بصورةٍ أعمق.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّا إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.        


الاثنين، 29 يناير 2018

الاتّزان بين الغيب والشّهادة يساعد الإنسان في حياته، وفي معاملاته، وفي كلّ أحواله

حديث الجمعة 
25 ربيع الآخر 1439هـ الموافق 12 يناير 2018م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من الشّيطان الرجيم، نعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، طالبين هدياً وهدايةً ورحمةً ومغفرةً، "... مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا"[الكهف 17].
عباد الله: تدبّروا آيات الله من خلال واقعكم، ومن خلال أن تعكسوا البصر إلى داخلكم، واعلموا أنّ كلّ فهمٍ تفهمونه، هو فهمٌ من مفاهيم، وهو إدراكٌ من مدارك، وهو نقطةٌ في بحر، "قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا"[الكهف 109].
لذلك، فإنّ أيّ فهمٍ يفهمه الإنسان من أيّ آيةٍ، لا يمثّل الآية، ولا يحدّ الآية في هذا الفهم الذي فهمه، إنّما هي أكبر من ذلك بكثير، وهذا ما نفهمه من معنى: "ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ..."[البقرة 2، 3]، فالآية دائماً هي غيب، ومفهومك لها هو ما ظهر منها.
لا نقول أنّ معنى ذلك، هو أن تقف أمام الآيات ولا تحاول أن تفهم منها شيئاً، بأن تقول أنّها غيبٌ لا أستطيع أن أفهمه، وإنّما تحاول أن تفهم فهماً، وفي نفس الوقت، تدرك أنّ هناك مفاهيم كثيرة لهذه الآية.
هذا منهج الإيمان بالغيب، والذي ينعكس أيضاً في معاملاتك على هذه الأرض، وفيما تتّخذه من قرارات. فكلّ عملٍ تعمله، وكلّ قرارٍ تتّخذه، لا يعني أنّك على إحاطةٍ كاملة بنتائج هذا العمل أو هذا القرار، إنّما هو ما تظنّه اليوم أنّه الأفضل الأحسن والأقوم، فإدراكك لأنّ هناك ما لا تدركه، لا يجب أن يوقفك عن فعل ما ترى بإدراكك أنّه الحقّ في هذه اللحظة، وبأنّه الصّواب في هذه اللحظة.
هذا السّلوك المتّزن بين ما هو مشهودٌ لك وبين ما هو غيبٌ عليك، هو الأمر الوسط، هو الاتّزان، هو الميزان، "أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ"[الرحمن 8، 9]، فالميزان هنا في هذا الموقف الذي نتحدث عنه، هو الميزان بين ما تدرك وبين ما لا تدرك.
فعدم إدراكك، لا يجب أن يؤثّر على فعلك فيما تستطيع أن تدركه. وما تستطيع أن تدركه، لا يجب أن يجعلك مغروراً بإدراكك بأنّه الحق المطلق، وأنّه الصّواب المطلق ـ فهناك بعدٌ آخر لا تدركه في هذه اللحظة، وإذا ظهر لك من هذا الغيب أمراً جديداً، غيّرت اتّجاهك إلى الصّواب الذي رأيته.
وهذا هو معنى عدم الكبر وعدم التّكبّر، وهذا معنى: "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ..."[الزمر 18]، وهذا هو حال الإنسان الذي يخشى الله، "... إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ..."[فاطر 28].
عباد الله: إنّنا نتحدّث كثيراً عن الغيب والشّهادة، عن الباطن وعن الظّاهر، وهذا المعنى موجودٌ في أمورٍ كثيرة في حياتنا، موجودٌ في ذكرنا، وموجودٌ في معاملاتنا على أرضنا، وموجودٌ في تعاملنا مع بعضنا البعض، موجودٌ في القوانين التي نسنّها، وفي القواعد التي نضعها، وفي العلوم التي نبحث فيها.
فالإنسان دائماً هو قيامٌ يدرك ولا يدرك، يرى ولا يرى، يعمل ولا يعمل، يبحث فيما يرى ويعلم أنّ هناك ما لا يرى، وهكذا في كلّ حالٍ، وفي كلّ عملٍ، وفي كلّ سلوكٍ، وفي كلّ ذكرٍ، هكذا حال الإنسان. والاستقامة، هي ما نطلب في هذا الحال، "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ..."[الفاتحة 6، 7].
وهذا أيضاً يتّضح في الآيات: "فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ"[الليل 5 ـ 7]، واليسرى، هي الاستقامة بين الظّاهر والباطن. "وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ"[الليل 8 ـ 10]، والعسرى، هي عدم الاتّزان بين الظّاهر والباطن.
وعدم الاتّزان بين الظّاهر والباطن، يتمثّل في التّواكل بظنّ أنّ الإنسان لا يعرف شيئاً، ولا يدرك شيئاً، ولا يستطيع أن يفعل شيئاً ـ هذا نوعٌ من عدم الاتّزان. والواقع الذي أمامه، أنّه يستطيع أن يفعل كذا ولا يفعل كذا.
والإسراف في الاعتزاز بالنّفس، واعتقاد أنّه يملك كلّ الخيوط في يده ـ هو عدم اتّزانٍ في الاتّجاه الآخر، حيث يتصوّر قدرته، وقدرته محدودة في واقع الأمر، ولا يستطيع أن يحيط بكلّ شيء، وهذا يتمثّل في حال الإنسان الذي "قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ..."[القصص 78]، يعتزّ بعلمه، ويعتقد أنّ علمه هو كلّ شيء.
وكلّ إنسانٍ في سلوكه، فيه نوعٌ من عدم الاتّزان. والسّلوك في الطّريق، هو المحاولة للاقتراب من الاتّزان. وكلّ فعلٍ فيه اتّزانٌ، هو كسبٌ للإنسان في طريقه الحقيّ. وأيّ سلوكٍ فيه عدم اتّزانٍ، هو اكتسابٌ للإنسان في طريقه الحقيّ. والفرق بين الكسب والاكتساب ،هو بين الفعل والافتعال.
فالفعل، هو أن يأتي عن طريقٍ سليمٍ في تأديتك له، تفعل بفطرتك، وبصدقك، وبما ترى أنّه الصّواب، بدون تكلّف وبدون انحياز، وإنّما باتّزانٍ وعدل، هذا هو الفعل الطّبيعيّ الحقّيّ، الذي يصدر منك بطبيعتك وفطرتك.
أمّا إذا حاولت أن تفتعل أمراً ـ بظنّك، وبسوء فعلك، وبسوء ظنّك ـ أن تفتعل الكرم، أو أن تفتعل العطاء، أو أن تفتعل أيّ صورةٍ وأيّ شكل، لا ينبع ذلك من داخلك، وإنّما ترجو من النّاس مديحاً، أو أن يضعوك في صورةٍ معيّنة.
وهذا هو معنى الحديث القدسيّ، أو ما نفهمه بمعنى أدقّ من الحديث القدسيّ، من [أنّ الإنسان يجيئ ويقول لربّه: إنّي أعطيت فلاناً، أو إنّي علّمت فلاناً، فيقول له: ما علّمته إلّا لأن يقولوا عنك عالماً، وما أعطيته إلّا ليقولوا عنك كريماً](1)، فهنا، هو معنى الافتعال. الافتعال عليك، والفعل لك، وهذا معنى: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ..."[البقرة 286].
عباد الله: إنّ ما نقوله، هو فهمٌ. فإذا قلنا أنّ هذا هو معنى كذا، فهذا هو فهمنا، نظنّ ذلك، وإنّما كما بدأنا حديثنا، فإنّ كلّ فهمٍ في آيةٍ ،هو فهمٌ من مفاهيم، وهو معرفةٌ من معارف، وأنّا لن نحيط بشيءٍ إلّا بإذن الله، وإلّا بعطاء الله، وإلّا بمشيئة الله، "... وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ..."[البقرة 255].
عباد الله: نسأل الله: أن يوفّقنا لما فيه خيرنا، ولما فيه صلاحنا.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو فهمٌ في الاتّزان بين الغيب والشّهادة، وكيف أنّ هذا الاتّزان يساعد الإنسان في حياته، وفي معاملاته، وفي كلّ أحواله. وأنّ هذا الاتّزان هو هدايةٌ من الله، لذلك، "... مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا"، هذا هو القانون المجرّد.
ولكن بوجودنا المقيّد، فإنّ علينا أن نسعى لذلك بما نستطيع، وهذا في حدّ ذاته، هو اتّزانٌ بين الغيب والشّهادة، بأن ندعو الله، وأن نتّجه إلى الله، كما ندعوه في كلّ صلاةٍ في الفاتحة، "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ".
إذا كان الإنسان بإدراكه يستطيع أن يغّير في تصرفاته بألّا تكون مفتعلة، وإنّما تكون نابعةً من قلبه، ومن فطرته، وممّا يرى أنّه الحقّ ـ فهذا يكون له تأثيرٌ طيب على سلوكه. وإذا كان الإنسان بعقله يستطيع أن يسيطر على أفعاله، فلا يجعلها مفتعلة، فهذا أيضاً سلوكٌ طيب.
وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يفعل ذلك، فعليه أيضاً أن يتّجه إلى الله، وأن يدعو الله، وأن يحاول مرّةً ومرّةً ومرّة، لا ييأس من رحمة الله، ولا ييأس من روح الله، ولا ييأس من دعاء الله، وإنّما يطلب دائماً، ويدعو دائماً، ويذكر دائماً.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون متّزنين في حياتنا، وأن نكون دائماً طالبين داعين، وأن نكون دائماً محاولين مجتهدين.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
.يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.    
______________ 

(1)    حديث شريف نصه: "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه، رجل استشهد. فأتى به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال : كذبت. ولكنك قاتلت لأن يقال جريء. فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن. فأتي به. فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم. وقرأت القرآن ليقال هو قارئ. فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله. فأتى به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت. ولكنك فعلت ليقال هو جواد . فقد قيل . ثم أمر به فسحب على وجهه. ثم ألقي في النار." الراوي: أبو هريرة - المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم.