الأحد، 26 فبراير، 2017

تعلمنا من كل خير أو شر يصيبنا هو الهدف

حديث الجمعة 
27 جمادى الأول 1438هـ الموافق 24 فبراير 2017م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله الذي جمعنا على ذكره وعلى طلبه وعلى مقصود وجهه.
الحمد لله الذي جعل لنا بيننا حديثاً متّصلاً نتواصى فيه بالحقّ والصّبر بيننا.
عباد الله: إنّ آيات الله تخاطبنا في كلّ ما يخصّنا كأفراد، وفيما يخصّنا كمجتمع. علينا أن نتفهّم هذه الرّسائل بقلوبٍ مفتوحةٍ وعقولٍ منيرة. كلّ ما يخصّ الإنسان كفردٍ من معاملاتٍ مع نفسه، ومن سلوكٍ في حياته، جاءت به آياتٌ لتجعله يتفكّر فيما يجب أن يقوم به، "يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ"[الإنفطار 8:6]، خطابٌ مباشرٌ لكلّ إنسانٍ على هذه الأرض، يبدأ بتحفيزه أن يفكّر فيما يظنّ في الله، "...مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ"؟
علينا أن نتفكّر في هذا التّساؤل الذي يكشف عن حال الإنسان، في مواجهته لنفسه ولوجوده كلّه، فيما يظنّ بربّه الكريم. وتجيئ آيةٌ أخرى لترشدنا في تفكيرنا، "فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ"[الفجر  16،15]. إذاً، هذا هو حال الإنسان.
وإذا نظر كلّ إنسانٍ إلى نفسه، لوجد أنّه في هذا الحال بدرجاتٍ متفاوتة، فكلّ إنسانٍ حين يسترجع حياته وما قابله من أحداثٍ، ومن عثراتٍ، ومن كرمٍ، ومن عطاءٍ، إذا استرجع ماذا يقول، حين نسمع بعضنا البعض، نجد أنّ الكلّ حين يتذكّر أمراً جيّداً حدث له فيقول: أنظروا كيف رحمني الله، وكيف أخذ بيدي، وكيف وفّقني. وحين يتذكر حدثاً سيّئاً يقول: لا أعرف لماذا فعل الله بي ذلك، إنّي لم أفعل شيئاً يستحقّ ذلك.
وقد يكون أكثر أدباً فيقول: إنّي لا أعرف لماذا فعل بي ربّي ذلك، وإن كنت أعتقد أنّ هناك ما أستحقّ أن يحدث لي ولا أعرفه. وإذا كان أكثر أدباً فيقول: إنّه قد حدث لي ذلك وأنا أستحقّه، سواء عرفت أو لم أعرف.
إذا كان أقلّ أدباً كثيراً فيقول: لماذا يفعل الله ذلك،؟ لماذا يفعل في عباده ذلك؟ وقد يصل به الحدّ إلى أن يكفر بالله وبعدالته وبحكمه. وهذا هو الحال أيضاً في حال الشّكر، أو في حال الاعتراف بالنّعمة، فيقول ـ كما قلنا ـ: أنّ الله قد أنعم عليّ وحدث لي ذلك، أو أن يقول: أنّ الله أنعم عليّ لأنّي أستحقّ ذلك، وقد يقول: أنّني قطعاً أستحقّ ذلك، فأنا لا يمكن أن يحدث لي شيءٌ لأنّي أعبد الله.
وهذا الذي يقوله الإنسان في هذا الحال أو ذاك، هو درجاتٌ من فهم الإنسان لحياته، ومن فهم الإنسان لقانون الحياة. والآية تحدّثنا عن المغالاة في اتّجاهٍ والمغالاة في اتّجاهٍ آخر، فالمغالاة في الاتّجاه الإيجابي من نظر الإنسان هو أنّه يعتقد أنّه على حقّ؛ لأنّ الله وفّقه.
نجد في تاريخنا ما يعبّر عن هذا الحال، حين وقف أحد الحكّام وقال: طالما أن الله مكّنني من الحكم فأنا الذي على حقّ. قالها معاوية ونسى أنّه "...عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ"[القيامة 14]، وأنّه يعرف ما فعله، وأنّ كلّ ما فعله هو أمرٌ نفسيّ، وحبٌّ دنيويّ للسّلطة والجاه، وهكذا قد يفعل أيّ إنسانٍ، قد يجعله ذلك يغترّ بحاله.
لذلك عبّر الصّوفيّة عن ذلك بقولهم: [ربّ معصيةٍ أورثت ذلّاً وانكساراً، خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزّاً واستكباراً](1)، فأنت وأنت تذكر نعمة الله عليك هي طاعة، ولكن قد يقترن بها إحساسٌ بالكبر وبالعزّة، وبأنّك أفضل من النّاس؛ لأنّ الله فعل لك ذلك. والحالة الأخرى والمغالاة في حال العسرة أيضاً يرجع إلى أنّ الإنسان يغترّ ويتكبّر ويقارن نفسه بالآخرين، فحين تصبه مصيبةٌ يقول لماذا أنا؟ ولماذا أصبت أنا وأنا أفضل من كثيرين؟ فهو أيضاً إحساسٌ بالذّات وبالنّفس.
ولو أنّ الإنسان كان قائماً أمراً وسطاً ما غالى في شكره بأن يقرنه بحاله، وإنّما يكون مفتقراً إلى الله، مستغفراً الله مع حمده، وأن يكون الإنسان كذلك في حال العسرة، حيث يدرك أنّ ما أصابه من مصيبةٍ فإن ذلك عليه أن يتفكّر فيه ليتعلّم منه "الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ"[البقرة 156].
وأن يقولوا: "...إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ"، تعني أنّهم يطلبون من الله أن يفقّههم، وأن يعلّمهم برجعوهم إليه وطلبهم مساندته وعفوه، وفي نفس الوقت وهم يستغفرون يحمدون الله أنّ ذلك ربّما ليتعلّموا فيكونوا أفضل، ويخرجوا من العسرة وقد تعلّموا درساً وتحوّلوا من حالٍ إلى حالٍ أفضل.
لذلك فإنّ "...مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ"؟ تعني أن يتأمّل الإنسان في كلّ ذلك، وأن يراجع تاريخه وأحواله ليرى أين هو من ذلك، ليعرف الإجابة وليجيب على نفسه بنفسه، وقد سأل نفسه "...مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ"؟ إنّه حين يسمع هذه الآية إنّما يجعله ذلك يتساءل أكثر عن ماهيّة حاله، وعن أين هو من ذلك.
وهنا حين نستكمل الآية لنتعلّم منها أيضاً، "الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ"، وهنا يمكننا أن نتأمّل في هذه الكلمات في ضوء التساؤل "...مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ"؟ كلّ إنسانٍ وُجِد في حال، صوّره الله في صورة، وأوجد فيه إمكاناتٍ، وطاقاتٍ، وقدرات، هناك أشياءٌ في وجود الإنسان لا يملك أن يغيّرها، في تركيبه الوراثيّ الأساسيّ، في شكله، في بيئته، في أسرته، في الزّمان الذي خُلِق فيه، في البيئة التي تواجد بها، في أبويه، في أخوته، في قدراته.
فإنسانٌ يستطيع أن يحلّل وأن يحلّ مسائل كثيرة، وإنسانٌ قادرٌ على أن يتصوّر وأن يبدع وأن يرسم وأن يؤلّف موسيقى وأن ينتج فنّاً، وإنسانٌ آخر غير قادرٍ على ذلك، هناك أشياءٌ تواجد فيها الإنسان ولا يستطيع أن يغيّرها.
وإن كان النّاس اليوم بجراحاتٍ معيّنة يستطيعون أن يغيّروا في أشكالهم، إنّما لا يستطيعون أن يغيّروا في قدراتهم. وتغييرهم في أشكالهم ـ حتّى ـ هو في حدٍّ معيّن. وهناك الإنسان الذي عنده عيبٌ خلقي، أو أصيب بحادثةٍ ما، فأورثته علّةً لا يستطيع أن يعالجها. وهناك من يعانون من خللٍ في توازنهم العقليّ والنفسيّ، "فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ".
وهناك من عنده حبّ الخير، وهناك من عنده حبّ الشّرّ، "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ..."[الكهف 28]، هناك من يدعو ربّه بالغداة والعشيّ، وهناك من قيل فيهم "...وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا "[الكهف 28]، فٍالمجتمع الذي نعيشه مليءٌ بكلّ هذه الصّور.
وجانبٌ آخر من "...مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ"؟ أن ينظر الإنسان حوله ويقارن بينه وبين الآخرين، لماذا أكون مثل هذا؟ ولماذا هذا الإنسان أعلم مني، أو أقدر مني، أو أقوى مني؟ وأن ينظر إلى آخرين وقد خُلِقوا بهذا العيب الخلقي، أو أصابهم ما يعجزهم، ويقول لماذا فعل الله بهم ذلك؟
وهذا أيضاً حالٌ يقوم فيه الإنسان فيتغالى في أيّ اتجاه، يرفض ما خلقه الله عليه، ويشعر دائماً بأنّه ظُلِم في خلق الله له، وقد يشعر بالعكس أيضاً، كلاهما في هذا الحال. حين ينظر إلى نفسه قد يُعجب بحاله، ويقول أنا أكثر علماً، وأكثر فضلاً، وأكثر قوّةً، "..إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي..."[القصص 78]، كلتا الحالتين فيهما نوعٌ من عدم الاتّزان.
وحين ينظر إلى الآخرين ـ أيضاً ـ قد يأخذ طرفاً متطرّفاً فيقول: هؤلاء يستحقّون ما يحدث لهم، ولا شفقة عليهم، ولا محاولة لمساعدتهم، لقد خُلِقوا كذلك، بظنّ إيمانٍ. وقد يصل إلى الجانب الآخر فيخاطب ربّه ويقول: لماذا فعلت بهم ذلك؟ ـ كما أشرنا ـ فهو أيضاً في حالٍ غير متّزن.
والإتّزان هو محور الحياة، "وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ"[الرحمن 9:7]، أنّ محاولة الإنسان للاتّزان في كلّ حالٍ هو الذي يجعله يسير خطوةً إلى الأمام في طريقه الرّوحيّ والمعنويّ. والاتّزان هو صدقٌ مع الواقع وإدراكٌ له، فيعلم الإنسان أنّ عليه أن يتعامل مع حاضر وجوده.
ويعلم أنّ ما هو الحال عليه هو حالٌ قائم، إن استطاع أن يضيف فيه بالإيجاب فيساعد من هو في حاجةٍ إلى المساعدة، فعل. فهذا أمرٌ حين ينظر الإنسان إلى داخله يجد أنّه محمودٌ في فطرته، وإذا وجد حالاً لا يستطيع أن يقدّم فيه شيئاً، سأل الله العفو والعافية له وللآخرين، وأن يجد أسباباً لمساعدة كلّ محتاجٍ وكلّ عاجزٍ، ليستطيع أن يُكمل حياته على هذه الأرض.
وهو يدرك أنّ هذا واقع، وأنّ هذا الواقع له بعدٌ غيبيّ هو لا يستطيع أن يدركه، وإنّما يعلم أنّ هناك حكمةً وراء كلّ شيء، لا يجعله إيمانه بهذه الحكمة أن يكون متخاذلاً تجاه من يحتاج إليه، ولا تجعله أيضاً رافضاً لهذه الحكمة بأن يقول أو ينسب إليها أنّها أمرٌ ما كان يجب أن يكون كذلك.
بل إنّنا نستطيع أن نرى في أمورٍ كثيرة أنّ الإنسان يوم يتصوّر أنّه يريد أن يغيّر دفع الله النّاس بعضهم ببعض، فيحاول أن يوجد ما سمّاه يوتوبيا أو المدينة الفاضلة، بقوانينه هو، وبفهمه هو، ما أدّت هذه المدينة الفاضلة إلّا إلى فسادٍ من نوعٍ آخر، ورجع النّاس من كلّ هذه التّجارب إلى حكمة الوجود في مجتمعٍ يدفع كلُّ فردٍ فيه بما يرى أنّه الخير، وتدافعهم يخلق اتّزاناً.
ولذلك، فإن السّر في محاولة الإنسان لأن يكسب حياته، هو أن يقيم هذا الاتّزان. ونحن في هذا الحال كميزانٍ له كفّتان، كلّما وضعت ثقلاً في كفّةٍ أثّرت على الأخرى، فتحاول أن توزنها بثقلٍ آخر، فتزداد أيضاً، فتحاول أن تعادل هذا بقوّةٍ في الجانب الآخر، وهكذا.
إنّنا نحاول أن نزن هذا الميزان في حياتنا، وهذه المحاولات قد تجعلنا نقترب من الاتّزان، ولكن لا نعرف على وجه اليقين أنّنا قد وصلنا إلى اتّزانٍ كاملٍ، وسيظلّ الإنسان كذلك في وجوده على هذه الأرض؛ لأنّ الميزان المتّزن تماماً هو أمرٌ مطلقٌ، لا نصل إليه بوجودنا المقيّد.
هكذا نتعلّم من آيةٍ قصيرة أشياءً كثيرة، نتعلّم حياتنا، ونتعلّم وجودنا، ونتعلّم كيف نتعامل مع هذه الحياة ومع هذا الوجود.
نسأل الله: أن يوفّقنا لنكون في اتّزانٍ، أو في قرب اتزانٍ، نوازن فيه بين كلّ ما يحدث لنا من خيرٍ في نظرنا أو شرٍّ في نظرنا، نحاول أن نفهم رسالة الله في كلّ خيرٍ وفي كلّ شرٍّ يصيبنا، ونحن نكون في إدراكٍ لهذه الرّسالة، ونعلم أنّ تعلّمنا من هذه الرّسالة هو الهدف، ليس المطلوب أو لا يطلب الحقّ منّا أن نُعَذَّب في حياتنا أو نُنَعَّم في حياتنا، بقدر ما أن نتعلّم في حياتنا، وأن نكون أكثر استقامةً وأكثر إدراكاً لهذه الحياة.
نسأل الله: أن يوفّقنا لذلك، وأن يجعلنا أهلاً لذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو أنّ الحقّ يخاطبنا كأفرادٍ لنتعلّم كيف نتلقّى رسائله، وأن ننظر إلى أنفسنا ونقارن بين حالنا وبين تفاعلنا مع أحداث الحياة حولنا، وبين ما يُقدّم لنا من حكمةٍ ومن معرفةٍ عن خلقنا، وأن نكون صادقين في تفاعلنا.
فنحن لا نستطيع أن نعرف إرادة الغيب بنا معرفةً كاملة مطلقة، وإنّما نستطيع أن نقرأ ممّا يحدث لنا رسالةً نتعلّم منها، ونرجع في تعلّمنا إلى قدراتنا فيما نستطيع وفيما لا نستطيع، لا نطلق أحكاماً مطلقة، فنحن لسنا أهلاً لذلك، بل علينا أن نُرجِع الأمور إلى داخلنا لنرى في كلّ موقفٍ ما يجب أن نكون عليه وما يجب أن نفعله، سواء كان فعلنا إيجابيّاً بأنّنا نغيّر شيئاً بأيدينا، أو كان فعلنا في ظاهره سلبيّاً، بأنّنا لا نستطيع أن نفعل شيئاً بأيدينا، وإنما نستطيع أن نفعل شيئاً بقلوبنا.
وبين هذا وذاك، هناك التّواصي بالحقّ، والتّواصي بالصّبر، وهذا ما نفهمه من حديث: [من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وهذا أضعف الإيمان](2)، وأضعف الإيمان هنا لا ينقص من قدر الفعل، أو الدّعوة بالقلب؛ لأنّ الحديث منصبٌّ على واقعٍ.
هناك من الأمور ما لا تستطيع أن تغيّرها بيدك أو بقولك، لا تستطيع ذلك إطلاقاً، فإذا كان الحال كذلك فهل هذا يعني أن تتوقّف عن طلب التّغيير لما ترى أنّه الحقّ؟ عليك أن تُكمِل محاولتك بالدّعاء والرّجاء، وبقوّة قلبك وذكرك، وهنا لا يكون أضعف الإيمان.
إنّما يكون أضعف الإيمان حين يكون هناك شيءٌ تستطيع أن تغيّره بيدك فلا تفعل، وأن تصيّره بقولك فلا تفعل، خوفاً أو رهبةً، أو لأيّ سببٍ آخر، وتقول أنّك سوف تدعو. هذا الحال إن قمت فيه بهذا الشّكل فهذا أضعف الإيمان.
إنّما إذا كنت صادقاً في أنّك لا تستطيع أن تغيّر بيدك، حاولت وفشلت، وإنّك لا تستطيع أن تغيّر بقولك، حاولت وفشلت، فهل تستسلم لذلك؟ أم تدعو الله أن يغيّر ما لا تحبّ أن تراه، إلى ما ترى أنت أنّه الخير؟ ومع ذلك تدرك في قرار نفسك أنّ "...وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ..."[البقرة 216]. فهذا المعنى في خلفيّتك موجودٌ، ولكن إن فعلت، أو قلت، أو دعوت، فعليك أن تفعل ما ترى أنت أنّه الخير، وما تحبّ أنت أن يكون، وترى فيه صلاح نفسك وصلاح غيرك.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم ونحن نفوّض أمورنا إليك، ونتوكّل عليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا مريضاً إلّا شفيته، ولا حاجةً فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.     

____________________

(1)  مقولة لابن عطاء الله السكندري.

(2)    عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. رواه مسلم .




الاثنين، 20 فبراير، 2017

أنتم مسئولون عن أنفسكم ومسئولون عن أرضكم، ومسئوليّتكم تتناسب مع قدراتكم

حديث الجمعة 
20 جمادى الأول 1438هـ الموافق 17 فبراير 2017م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
"... الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ..."[الأعراف 43].
عباد الله: يا من ترجون لقاء الله، ويا من تجتمعون على ذكر الله، حديث الحقّ موجّهٌ إليكم، يرشدكم ويعلّمكم، يهديكم ويقوِّمكم، يحفّز طاقاتكم ويدفعكم إلى العمل الصّالح، يقول لكم في أنفسكم قولاً بليغا، ويحمّلكم المسئوليّة ويحمّلكم الأمانة، "...إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..."[البقرة 30]، "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ..."[الأحزاب 72].
هذا التّكليف الإلهيّ هو تكليفٌ للإنسان أن يكون مسئولاً، [كلّكم راعٍ وكلّكم مسئولٌ عن رعيّته](1)، أنتم مسئولون عن أنفسكم ومسئولون عن أرضكم، ومسئوليّتكم تتناسب مع قدراتكم، "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ..."[البقرة 286].
والنّاس على هذه الأرض يختلفون في قدراتهم وفي أرزاقهم، فهناك من وسّع الله له في رزقه، يكون مسئولاً عن هذا الرّزق الذي رزقه الله له. وهناك من علّمه الله فتعلّم؛ لأنّ قدراته على التعلّم كبيرة، فهو مسئولٌ عن هذا العلم الذي يحمله. وهناك من أعطاه الله قدرةً على ذكره، فهو مسئولٌ عن هذه القدرة التي أعطاها الله له، في أن يكون بذكره أداة خيرٍ وسلامٍ ورحمة له ولمن حوله. وهناك من أعطاه الله قدرةً بدنيّة على العمل الشّاق، فهو مسئولٌ بهذا العطاء أن يبذل هذه الطّاقة فيما ينفع النّاس.
وهكذا، هناك طاقاتٌ وإمكاناتٌ وقدراتٌ وأرزاقٌ كثيرة منحها الله للإنسان، وجعله مسئولاً عن هذه الطّاقات والإمكانات. والمسئوليّة تعني أن يتّخذ قراراً وأن يفكّر فيما ينفع وفيما لا ينفع، ولا يقول إنّي أتّبع ما يُقال إليّ يوم "..تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ..."[البقرة 166]، ويوم يخاطب الشّيطان من اتّبعوه ويقول لهم: "...وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم..."[إبراهيم 22].
لا يستطيع أحدٌ أن يدّعي أنّه يقتل من أجل الدّين، أو من أجل ما قاله الله، أو ما أراده الله، أو ما حكم به الله ـ فهذا يجب أن يكون نابعاً من أنّك فضّلت ذلك، فضّلت هذا الفعل واتّخذت هذا القرار بناءً على فهمٍ عميقٍ لك فيما تقوم به.
لذلك، فإنّ مفهوم ما أراد الله أو ما حكم به الله، مفهوم ما يُقال عنه أنّه الفتوى التي تصدر من عالمٍ دينيّ أو مصدرٍ فقهيّ، لا يعني أنّها صادرةٌ من الله ولكنّها صادرة ممّن أفتى بها، فهي رأيٌ ومفهومٌ في قراءةٍ لما هو موجودٌ بين أيدينا من مصادرٍ حقيّة. وكون أنّنا استقينا هذا الرأي من مصادر حقيّة، لا يعني أنّنا غير مسئولين عنه، وإنّما نحن مسئولون، "...وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"[النحل 118].
وهكذا نعرف أنّ تقدير الإنسان لعقله ولقلبه ولمقدرته على الفعل، هو أساس التّبليغ الدينيّ، وهذا أيضاً ما نعتقده. "وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ..."[الإسراء 13]، "وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى"[النجم 39]، "وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى"[النجم 40].
وقول الذين تفكّروا وتدبّروا وذكروا: "رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ"[آل عمران 194]، هو تعبيرٌ عن هذا المعنى. فقد وعد الله الذين آمنوا أن يجعلهم أحياءً عند ربّهم، "...اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ..."[الأنفال 24].
وما كانت دعوة رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ إلّا أن يكون الإنسان خليفةً له على الأرض، خليفةً لله ولرسوله على الأرض؛ لأنّ رسوله هو ما ظهر لنا، ومن علّمنا، ومن كان قدوةً، وكانت قدوته في أن نكون عباداً لله خالصين.
وقد علّمنا ذلك في كلّ قضايا الحياة التي كان يأخذ فيها رأي أصحابه، تعبيراً عن أنّ تفعيلهم لعقولهم هو المطلوب على هذه الأرض، وأنّه فيما يخصّ المجموع، فإنّ عليهم أن يتواصوا بالحقّ ويتواصوا بالصّبر فيتشاوروا ويتدبّروا ـ كمجموعٍ ـ فيما ينفعهم وفيما يصلحهم.
هكذا نذاكر دائماً، أنّ الإنسان لا يستطيع أن يتخلّى عن مسئوليّته، ولا يستطيع أن يعلّق أفعاله على مصدرٍ آخر، حتّى ولو كان هذا المصدر ـ بقوله ـ أنّه الله. فالله لا يعرف أحدٌ ما يقصده وما يريده، وإنّما حين حدّثنا في رسائله وفي رسالاته وفي كتبه وفي رسله ـ حدّثنا لنفهم، ثمّ نستوعب، ثمّ نقرّر ماذا نفعل.
كان حديثه مصدر إلهامٍ لنا لنتفكّر فيما قال، وأن نتفكّر في واقعنا، ونستفتي قلوبنا ونُعمِل عقولنا، حتّى نصل إلى ما فيه خيرنا وصلاحنا. وقد عُلّمنا أيضاً أنّ هذا مطلوبٌ؛ لأنّ الصّواب والخطأ هما أمران نسبيّان، فأُمِرنا أن نجتهد، وأن نجتهد يعني أن نُعمِل عقولنا، ونُعمِل قلوبنا، ونتدبّر في آيات الله لنا، ونتدبّر في أحوالنا، ونتدبّر في واقعنا.
[من اجتهد فأخطأ فله أجر، ومن اجتهد فأصاب له أجران](2)، لنكون غير راهبين أن نُعمِل هذه العقول، وإنّما نُفَعِّلها ونُعمِلها، ونعلم أنّنا قد نخطئ وقد نصيب، والخطأ والإصابة هنا ليست مطلقة؛ لأنّنا لن نستطيع أن نحكم على الخطأ والصّواب المطلق، ولكن الخطأ والصّواب هنا هما مقيّدان، هما نتيجة قراراتنا على أحوالنا في دنيانا، بمقاييس دنيانا؛ لأنّ هذا ما نستطيع أن ندركه.
ولذلك، فنحن مطالبون إن وجدنا أنّنا أخطأنا ألّا نتكبّر وأن نرجع إلى الحقّ، فالرّجوع إلى الحقّ فضيلة. وهكذا علّمنا رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في آراءٍ قال بها ورجع عنها حين وجدها لا تؤتي بثمارها في أمورٍ دنيويّة.
أما الأمور الأخرويّة فهي غيبيّة، لا نستطيع أن نحكم بأثر فعلٍ على مستقبلنا الروحيّ وبأثر فعلٍ على مستقبلنا المعنويّ، وإنّما نستطيع أن نلاحظ ذلك في حالتنا وفي حالنا الكلّي، من راحةٍ لشيءٍ ومن تعبٍ وإجهادٍ من شيءٍ آخر، وهذا هو معنى: [استفت قلبك وإن أفتوك وإن أفتوك وإن أفتوك](3). جعل الله لنا في قلوبنا وما تستريح إليه وفي ضمائرنا وما تستريح إليه، أدوات استشعارٍ أرضيّة تمكّننا من معرفة ما يؤثّر على مستقبلنا.
وهذا هو المفهوم الأساسيّ في معنى الحرام والحلال، فهما أمران نسبيّان أيضاً لهما علاقةٌ بالإنسان. ومن هنا كان تعاملنا على هذه الأرض هو بمقاييسٍ دنيويّة، نستطيع قياسها ونستطيع الإحساس بها. وقد جعل الله لنا في وجودنا ما نستشعر به ذلك.
وليس المهمّ أن نصل إلى عملٍ نقوم به بشكلٍ ما، وإنّما المهمّ أن نُفَعِّل ما أعطانا الله من أدوات. وقد يصل الإنسان إلى كسبٍ في الله من خلال عملٍ، ويصل إنسانٌ آخر إلى معنىً أكبر من فعلٍ آخر، وهذان الفعلان متناقضان. عبّر الصّوفية عن ذلك بقولهم: [ربّ معصيةٍ أورثت ذلّاً وانكساراً خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزّاً واستكباراً](4).
لذلك، نقول دائماً، إن كلّ فعل ليس هو الحقّ أو الباطل في حدّ ذاته، وإنّما ما ينتج عنه للإنسان وفي الإنسان. كلّ هذا الحديث لنقول: أنّ الإنسان هو خليفة الله على هذه الأرض، وأنّه هو الذي حمل الأمانة، وأنّه هو المسئول عمّا يفعله، وأنّ عليه أن يتحمّل هذه المسئوليّة ولا يفرّط فيها بظنّ أنّه يتّبع ديناً، حتّى. فلن ينفع الإنسان أنّه قال أنّني سمعت فلاناّ ـ وهو عالمٌ ـ يقول افعلوا كذا، ففعلت، فهذا ينطبق عليه حديث يوم "..تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ..."، أو الآية التي تحدّثنا عن ذلك.
عباد الله: نسأل الله: أن يجعلنا من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ..."[الزمر 18]، وأن نتعلّم كيف نكون في معنى الخلفاء على هذه الأرض، وأن نُحسِن فيما أعطانا الله من قدرات وإمكانات، بقدر قدراتنا وبقدر استطاعتنا. نتّجه إليه دوماً أن يغفر لنا إن نسينا أو أخطأنا، وأن يجعلنا من الذين يتوبون إليه، ويرجعون إلى الحقّ دائماً.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو أنّ جوهر الدّين، هو معنى خلافة الإنسان على هذه الأرض. وندرك ذلك من الآية التي أعلن الله فيها ذلك، "...إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..."، هذا ما نفهمه أيضاً، لا نقول أنّ هذا هو فهمٌ مطلق، لنكون متّسقين مع ما قلناه اليوم.
وإنّما مفهومنا في معنى "...إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..."، أنّ يوم وُجِد الإنسان على هذه الأرض وُجِدت فيه القدرات التي تمَكّنه من قيادة وريادة نفسه وأرضه، فكان بذلك في معنى الذي حمل الأمانة، ومن ثمّ لا يمكن أن يتخلّى عن هذه المسئوليّة.
وتخلّيه عن هذه المسئوليّة هو تخلّيه عن إنسانيّته، وإذا تخلّى عن إنسانيّته فهو لا يستطيع أن يكمل طريقه كإنسان، إنّه فيمن قيل فيهم من فرّط في أمرنا*، من فرّط في أمانة الحياة كإنسانٍ رزقه الله رزقاً كبيراً فأنفقه فيما لا يعود عليه بعائد.
في مَثَلِ الذي كانت عنده جنّتان ففقدهما بظنّه أنّه قادرٌ وأنّه فاعلٌ، ولم يتّخذ الأسباب ولم يُفَعِّل الإمكانات التي تجعله يُحسِن في تعامله مع نفسه ومع الآخرين، وأن يُحسِن فهمه في أنّه خليفة على ما يملك ولا يملك أيّ شيء آخر، إنّه مسئولٌ أن يدير ما يملكه، أو ما مُلِّك إيّاه ـ بمعنى أصحّ ـ  حتّى يستطيع أن يكسب وجوده على هذه الأرض. وهذا جوهر الحياة، هو إدارة الإنسان لنفسه، وإدارة الإنسان لما خلّفه الله عليه.
وقد أعطينا كل الإمكانات لنُمَكّن من ذلك، كلٌّ بقدره، فالعقول لا تتساوى، والأرزاق لا تتساوى، والقدرة على الذّكر لا تتساوى، واستفتاء القلب لا يتساوى، ليس هناك تساوياً في هذه القدرات، وإنّما كلٌّ عنده منها بقدره، "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ...".
هذا ما أردنا أن نقوله اليوم، حتّى نتعلّم أن نُفَعِّل ما أعطانا الله إيّاه.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم كن لنا في الصّغير والكبير من شأننا.
اللهم كن لنا فيما نعلم، وفيما لا نعلم، وفيما أنت به أعلم.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم فاغفر لنا ذنوبنا، وكفّر عنّا سيئاتنا، وتوفّنا مع الأبرار.
اللهم ارحمنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.          
____________________

(1)   جاء بسنن الترمذي: ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم أنه‏ ‏قال: ‏"‏ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"‏.

(2)   حديث شريف نصه :" إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" المحدث: ابن تيمية .

(3)  حديث شريف جاء نصه: "استفت قلبك واستفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك" قالها الرسول ثلاث مرات. أخرجه أحمد و الدرامي .  

(4)   مقولة لابن عطاء الله السكندري.

* "أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ"[الزمر 56].


 




الثلاثاء، 14 فبراير، 2017

نذكّر أنفسنا بذلك وكفى: أن يكون تعاملنا كلّه محبّةً في الله، وتعاملاً مع الله، في عبادتنا وفي معاملاتنا

حديث الجمعة 
13 جمادى الأول 1438هـ الموافق 10 فبراير 2017م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.
الحمد لله الذي جعل لنا بيننا حديثاً متّصلاً نتواصى فيه بالحقّ والصّبر بيننا، نتدبّر أمور حياتنا في دنيانا وفي آخرتنا، حياةً متّصلة نرجو فيها أن نكون قاصدين وجه الله.
عباد الله: إنّنا نذاكر أنفسنا دائماً، أنّ كلّ هذه الحياة يمكن أن تكون ذكراً لنا في الله، ويمكن أن تكون غفلةً عن ذكر الله. وذكر الله ليس في العبادة التي نعرفها فقط، من صلاةٍ أو تسبيحٍ أو صومٍ أو حجٍ، إنّما مع كلّ هذا هي ـ أيضاً ـ في كلّ لحظةٍ نعيشها على هذه الأرض، بل أنّ ما نتصوّر أنّه عبادة وذكر قد يكون غفلةً أيضاً، [كم من مصلٍّ لم يزدد بصلاته من الله إلّا بعدا](1).
لذلك، فحين نتكلّم عن حياتنا على هذه الأرض، فإنّنا نتكلّم عن كلّ ما فيها، فيما هو ظاهر عبادة وفيما هو ظاهر عملٍ دنيويّ. كلّ ما نفعله يتحوّل إلى ذكرٍ وإلى كسبٍ وإلى رقيٍّ في الله، يوم نذكر دائماً معنى الله قائماً علينا، الحيّ القيّوم.
يوم نستحضر هذا المعنى بلا صورةٍ ولا شكل، إنّه الرّحمة بلا شكل، إنّه المحبّة بلا شكل، إنّه النّور بلا شكل، إنّه الحياة بلا شكل، إنّه الأسماء الحسنى كلّها بلا شكل، إنّه الغيب، "ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ..." [البقرة3]. تنزيهك لعملك وعبادتك وكلّ أعمالك عن الصّورة والشّكل، هو معنى من معاني الغيب.
لذلك، نجد الآية "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ..."[البقرة3]، هم الذين "...يُقِيمُونَ الصَّلاةَ..."[البقرة 3]، وهم الذين "...مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"[البقرة 3]، وهم أولئك الذين على "...هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ..."[البقرة 5]، هم المتّقون الذين يؤمنون بالغيب.
الغيب هو الحقيقة المطلقة الوحيدة في حياتنا، فما نعلمه حقّاً أنّنا لا نعلم، وما نعلمه حقّاً أنّنا لا نستطيع أن نعلم ما وراء هذه الحياة. وما نستطيع أن نعلم ـ أيضاً ـ أنّنا في حياتنا إن لم يتغمدنا الله برحمته لنكوننّ من الخاسرين، وهذه خشية الله، "...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء..."[فاطر 28]. العلماء هم المتّقون، هم الذين يؤمنون بالغيب؛ لأنّ العالِم حقّاً، هو الذي يدرك أنّه لا يعلم، وهذا هو نوعٌ من الإيمان بالغيب.
حين ننظر حولنا ونجد البعض وهم يتصوّرون أنّهم يتكلّمون باسم الله، ويعرفون ما يريد الله، ويتّخذون قراراتٍ صعبة وفاصلة دون تردّد ودون أن يتّجهوا لله بالدّعاء حقّاً أن يلهمهم الصّواب، فهم قد علموا الصّواب واتّخذوا القرارات المناسبة، وهم الذين على حقّ، وهم الذين يعرفون الحقّ، وهم الذين يحكمون على النّاس، ويقدّرون النّاس، ويقتلون النّاس، ويحيون النّاس. بفهمهم وباعتقادهم وبظنّهم، يُعْلون الكثيرين ويجعلون آخرين في أسفل السّافلين، وهم أربابٌ من دون الله دون أن يشعروا بذلك، ودون أن يخالجهم أيّ شكٍّ في ذلك، فهم أربابٌ بلا شكّ، قالوا هذا أم لم يقولوا، إنّما أفعالهم تدلّ على ذلك.
إنّنا نريد أنّنا حتّى ـ أيضاً ـ ونحن نرى هؤلاء، نحن لا نحكم عليهم بأيّ شيء، إنّما نحن نتأمّل في أنّ علينا أن نكون ممّن يخشون ربّهم، ممّن لا يطلقون الأحكام في كلّ اتّجاه. إذا تكلّمنا هنا عن حالٍ، فإنّنا نتكلّم عن حالٍ نصفه، لا نتكلّم عن أشخاص. فالأشخاص نحن لا نستطيع أن نحكم على أيّ شخص، إنّما نحن نتكلّم عن مفهومٍ لنا، وقد نكون مخطئين في فهمنا، ولكن لا يسعنا إلّا أن نذكّر بما نستطيع أن نفهمه. ونقول دائماً، أنّ ما نذكره ليس مقدّساً، وإنّما هو فهمٌ بشريّ يخطئ ويصيب.
نحن نقول ببساطة أنّ علينا أن نخشى الله، وأن نكون من الذين يؤمنون بالغيب، وأن نكون من الذين يصلّون دون أن يضعوا صوراً لصلاتهم، وإنّما كلّ مطلبهم أن يكونوا في صلةٍ بربّهم، في صلةٍ بالغيب، في صلةٍ بمصدر الحياة، في صلةٍ بنور الله، في صلةٍ بروح الله، في صلةٍ برسول الله، في صلةٍ بخليل الله، في صلةٍ بحبيب الله، في صلةٍ بالله في كلّ وقتٍ وفي كلّ حين. هكذا تكون الصّلاة في مفهومنا،  [لو غاب عنّي رسول الله طرفة عينٍ، ما عددت نفسي من المسلمين](2).
وأن تكون أفعالهم وإنفاقهم في سبيل الله، "...وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"، فهم ينفقون تعاملاً مع الله، وينفقون حبّاً في الله، "... وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ..."[الحشر 9]، يدركون الله في كلّ صورةٍ وفي كلّ شكل، وهو وراء كلّ صورةٍ ووراء كلّ شكل، وما الصّورة والشّكل إلّا تجلّي لإرادته ولحكمته، لنستطيع أن نتعامل، ولنستطيع أن نتّجه، ولنستطيع أن نحبّ،  ولنستطيع أن نكره، ولنستطيع أن نعمل، ولنستطيع أن نغيّر.
نحبّ الله حبّاً لا صورة له ولا شكل له، إنّه حبّ الفرع للأصل، حبّ المخلوق لخالقه، حبّ الموجود لموجده. [والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت ..  إلّا وحبّك مقرونٌ بأنفاسي](3)، هكذا يخاطب عبد الله ربّه، يخاطب موجده، يخاطب خالقه؛ لأنّه لا يملك بوجوده إلّا أن يحبّ موجده، ولا يملك بخِلْقَته إلّا أن يحبّ خالقه، ولا يملك بفطرته إلّا أن يحبّ فاطره، "...فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..." [فاطر 1].
هكذا نتعلّم المعاني التي شعر بها المحبّون، والذين عبّروا عن حبّهم بأشعارهم وبكلامهم، وأدركوا معنى الحبّ في الله، [حبٌّ لأنّك أهلٌ لذلك](4)، [أدين بدين الحبّ أنّى توجّهت ركائبه ..  فالحبّ ديني وإيماني](5).
هكذا نتدبّر في أحوالنا، ونتدبّر في حياتنا، أن تكون علاقتنا بالله هي علاقة غيبٍ، علاقة حبٍّ بلا شكلٍ ولا صورة، علاقة عبادةٍ في كلّ أمرٍ نقوم به، علاقةً نشعر فيها بوجود الله يحيط بنا وبرحمته تتخلّلنا، أرحم بنا من أنفسنا، برسوله وبرحمته المهداة، "النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ..."[الأحزاب 6]، [أأجعل كلّ صلاتي لك يا رسول الله؟ فيكفى همك ويغفر ذنبك يا عمر](6)، لو فعلت ذلك، ولو استطعت ذلك. إنّ القضيّة ليست قضية كلام، إنّما قضية فعلٍ وقيام. فلعلّنا نقوم في ذلك برحمة الله وفضله.
عباد الله: نسأل الله دائماً: أن نكون عباداً له خالصين، وله عن أيّ صورةٍ مكبرين ومنزّهين، له محبّين وعليه متوكّلين وله سائلين داعين، نتوكّل عليه، ونوكل ظهورنا إليه، ونُسلِم وجوهنا إليه، لا ملجأ ولا منجى منه إلّا إليه، اللهم فاجعلنا كذلك، وحقّق لنا ذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله. 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أنّ علاقتنا بالله أكبر من أيّ صورةٍ أو شكل، وأنّ علينا ونحن نقوم بعباداتنا الروحيّة وبعباداتنا الدنيويّة أن نتذكّر ذلك.
أن نكون دائماً سائلين الله توفيقاً، فلا نخطو خطوةً إلّا وقد توكّلنا على الله، ولا نأخذ قراراً إلّا بعد أن نتوكّل على الله، ولا نؤدّي صلاةً إلّا بعد أن ننوي أن نكون على صلةٍ بالله، ولا نؤدّي معاملةً إلّا ونحن نسأل أن نكون متعاملين مع الله، في محبّةٍ خالصة، محبّة موجودٍ بموجده، مخلوقٍ بخالقه، فرعٍ بأصله، هكذا يكون إحساسنا بالغيب الذي هو أرحم بنا من أنفسنا، لا نيأس من رحمته، ولا نيأس من مغفرته.
إذا غفلنا نرجع إليه، وإذا أخطأنا نتوب إليه، وإذا أسأنا نستغفره، وإذا أذنبنا نستغفره، وإذا زلّت قدمنا نناديه باسمه "...الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"[الفاتحة 1]، وإذا أسأنا الأدب فإنّا نتوسّل بجاه رسوله لديه، وبكرامته عليه، هكذا يكون حبّنا حبّاً خالصاً.
وكما قال القوم: [نحبّك حبّين، حبّاً لذاتك، وحبّاً لأنّك أهلٌ لذلك](7)، يكون تعاملنا كلّه محبّةً في الله، وتعاملاً مع الله، في عبادتنا وفي معاملاتنا، نذكّر أنفسنا بذلك وكفى. إذا ذكرنا ذلك فقط من هذا الحديث، وتمسّكنا به، نعتقد ونأمل ونرجو أن نكون من عباد الله الصّالحين.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم نفوسنا إليك، ونفوّض أمورنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
نسألك أن توفّقنا أن نكون من المحبّين حقّاً، من العابدين حقّاً، من المرحومين حقّاً.
نسألك الخير كلّ الخير لنا، ولإخواننا، ولمجتمعنا، ولأرضنا، فعطاؤك يشمل كلّ شيء، ويسع كلّ شيء.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه اللحظة ذنباً إلّا غفرته، ولا مريضاً إلّا شفيته، ولا ديناً إلّا قضيته، ولا مظلوماً إلّا نصرته، ولا ظالماً إلّا كسرته.
اللهم فاجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا. 
____________________

 (1) أخرجه الطبراني الجامع الصغير للسيوطي بنص:"من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً".

(2) مقولة للسيد أبي الحسن الشاذلي.

(3)  من أشعار الحلاج:

والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت           إلا و حبّـك مقـرون بأنفاسـي

ولا خلوتُ إلى قوم أحدّثهــم                إلا و أنت حديثي بين جلاســي

ولا ذكرتك محزوناً و لا فَرِحا              إلا و أنت بقلبي بين وسواســـي

ولا هممت بشرب الماء من عطش       إلا رَأَيْتُ خيالاً منك في الكـــأس

(4) ، (7) من أشعار رابعة العدوية: "أحبّك حبّيْن حُبّ الهوى .. وحُبّاً لأنك أهل لذاك".  

(5) من أشعار محيي الدين بن عربي.

(6)  كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا ذهب ربعُ اللَّيلِ قام فقال يا أيُّها النَّاسُ اذكروا اللهَ اذكروا اللهَ جاءت الرَّاجفةُ تتبعُها الرَّادفةُ جاء الموتُ بما فيه جاء الموتُ بما فيه قال أُبيُّ بنُ كعبٍ فقلتُ يا رسولَ اللهِ إنِّي أُكثِرُ الصَّلاةَ فكم أجعلُ لك من صلاتي قال ما شئتَ قال قلتُ الرُّبعَ قال ما شئتَ وإن زدتَ فهو خيرٌ لك قال فقلتُ فثُلثَيْن قال ما شئتَ فإن زدتَ فهو خيرٌ لك قلتُ النِّصفَ قال ما شئتَ وإن زدتَ فهو خيرٌ لك قال أجعلُ لك صلاتي كلَّها قال إذًا يُكفَى همُّك ويُغفرُ لك ذنبُك". الراوي: أبي بن كعب، المحدث: المنذري، خلاصة حكم المحدث: [إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما].