الأربعاء، 20 مارس 2019

علينا أن نتعامل مع الله فيما هو مشهودٌ لنا، فلا ننسب له ما لا نعرفه، ولا نُصوِّره من صورةٍ في خيالنا.


حديث الجمعة 
1 رجب 1440هـ الموافق 8 مارس 2019م
السيد/علي رافع
حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائمًا لله، والشُّكر دائمًا لله، والصَّلاة والسَّلام دائمًا على رسول الله.
عباد الله: إنَّ الإنسان من قديم الأزل، وهو يبحث عمَّا وراء هذا الكون، مستخدمًا في ذلك ما يملكه من أدوات، بما يستطيع أن يراه وأن يسمعه، وكلُّ ما يمكنه أن يفكر فيه ويتصوَّره، فخلق صورًا من خياله، فرسم رسمًا، وصنع صنمًا، ونسب كلَّ ما يحدث له، إلى هذا التَّصوُّر الذي تصوَّره، وبظنٍّ منه، جعل إيمانه وسيلةً ليتكاسل وليتقاعس عن أن يبحث، وأن يعمل، وأن يُغيِّر.
وظلَّت هذه الصُّورة في أعماق الإنسان، حتَّى بعد الرِّسالات السَّماويَّة وما جاءت به من كشفٍ لحقائق عن هذه الحياة، ولا زلنا نرى هذه الصُّورة في حياتنا، والتي يعتبرها البعض، هي الصُّورة المُثلى للمؤمن.
فهو الذي لا يفعل شيئًا؛ لأنَّ الله يفعل كلَّ شيء؛ ولأنَّه لا يسأل عن شيءٍ؛ لأنَّه قد أُمِر بكلِّ شيء، وأنَّه الذي لا يُغيِّر ظلامًا؛ لأنَّ الله أراد هذا الظَّلام، وأنَّ الذي يتساءل، يخرج عن الإيمان، وأنَّ الذي يبحث ويُغيِّر في الكون، يخرج عن هذا الإيمان، وأنَّ الذي يحاول أن يتأمَّل فيما يحدث له من أمورٍ تصيبه في حياته، أو تصيب أممًا وشعوبًا، يُخرِجه ذلك عن الإيمان.
فيتحوَّل الإنسان إلى كيانٍ لا يُفكِّر، ولا يعمل، ولا يُغيِّر، وإنَّما هو كائنٌ سلبيّ، ويتصوَّر الإنسان أنَّ هذا هو الإيمان. وإن كان في بعض هذه التَّصوُّرات أو الأفكار جزءٌ من الحقيقة، إلَّا أنَّ تنفيذها على أرض الواقع، يؤثِّر سلبًا على الإنسان.
إن حقائق الحياة التي نتعلَّمها، والتي هي ـ كما نقول دائمًا ـ حقائق نسبيَّةٌ، وليست حقائق مطلقة، هي ما تشهده عيوننا، وما تسمعه آذاننا، وما تعقله عقولنا، وما تستريح إليه ضمائرنا، وما تُفتِي به قلوبنا.
حقائق الحياة، هي كلُّ ما هو أحسن بالنِّسبة لنا، "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..."[العنكبوت 46]، فلا تقولوا لهم مثلًا: إنَّ صلاتنا خيرٌ من صلاتكم، وأنَّ إيماننا خيرٌ من إيمانكم؛ لأنَّكم لا تعلمون إيمانكم ولا تعلمون إيمانهم؛ لأنَّ الإيمان هو أمرٌ مجرَّد، لا نستطيع أن نتَّفق عليه، أو نرسمه، أو نُصوِّره، كما أنَّنا لا نستطيع أن نُصورِّ الله، أو نُجسِّده، أو نقول: أنَّ الله هو كذا وكذا، ويقول آخر أمرًا مختلفًا.
إذا دخلنا في هذا، فنحن ندخل في متاهاتٍ لا نهاية لها، إنَّما ما هو أحسن، هو الحقُّ بالنِّسبة للإنسان، وما هو أحسن، هو ما نتِّفق عليه بعقولنا كبشر، وهو في حدِّ ذاته، قد يكون بين التَّقييد وبين التَّجريد، فقد نختلف أيضًا عليه، ولكن نستطيع أن نقيسه أو نحدِّده إلى حدٍّ مَّا، وهو أيضًا متغيِّرٌ بالنِّسبة للظُّروف والأحوال التي يمرُّ بها الإنسان.
إنَّما في لحظةٍ مَّا، وفي مكانٍ مَّا، وبالنِّسبة لأمَّةٍ مَّا، تستطيع هذه الأمَّة أن تُعرِّف ما هو الحقُّ بالنِّسبة لها. ولذلك، كان التَّوجيه الإلهيّ: "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ..."[آل عمران 104]، والخير نسبيّ، والمعروف نسبيّ، والمنكر نسبيّ، ولكن هذه الأمَّة، في لحظةٍ مَّا، وفي مكانٍ مَّا ـ كما أشرنا ـ تُعرِّف الخير بالنِّسبة لها، وتُعرِّف المعروف بالنِّسبة لها، وتُعرِّف المنكر بالنِّسبة لها.
وحين نجد الآية التي تُعبِّر عن معنى من هذه المعاني، وسنقرأ آيتين لنعرف الفرق. حين نقرأ الآية: "... أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ..."[النساء 59]، ونقرأ الآية: "... وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ..."[آل عمران 159]. هنا، قد نجد معنيين مختلفين، أو متضادَّين.
فالذين يحاولون أن يتكلَّموا باسم الله، ويحكموا باسم الله، يستخدمون الآية: "أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ"، ويُعرِّفون أولي الأمر بالحُكَّام، أو العلماء الذين يعرفون الدِّين، والذين يتكلَّمون باسم الله وباسم الرَّسول، فهم العلماء الذين عرفوا ما يريد الله وما يريد الرَّسول، وهذا ـ طبعًا ـ تعريفٌ فيه قصورٌ شديد؛ لأنَّه لا يستطيع إنسانٌ أن ينسب لنفسه ذلك، إنَّما هذا ما يقولونه.
فإذا كان، وقد قيل في حقِّ الرَّسول: "أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ"، وهو أمرٌ، لو أخذناه في الزَّمان الذي كان وعاش فيه رسول الله بذاته المحمَّديَّة، كان واضحًا جليًّا وله تفسيرٌ مباشر، ولو أخذنا الآية الأخرى: "وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ، إذًا، نرى هنا، أنَّه في الآية الأولى، الحديث موجَّهٌ للأمَّة وللجماعة وللمؤمنين الذين يحيطون برسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، وفي الآية الثَّانية، الحديث مُوجَّهٌ لرسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ.
وهنا، نرى أنَّ التَّوجيه إلى الرَّسول، مع أنَّه عَلِم وعَرِف معنى الآية الأولى: "أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ"، إلَّا أنَّ التَّوجيه إليه، هو أن يشاورهم في الأمر، ليكون ذلك تعليمًا لنا مستمرًّا، أنَّه لا يستطيع أيُّ إنسانٍ بعد ذلك، أن يجيء على هذه الأرض ويقول: أنا ربُّكم الأعلى، أنا آمر فأُطاع، ولا آخذ رأي أحدٍ آخر.
والسُّنَّة الفعليَّة، التي قام بها محمَّدٌ رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ هو أنَّه كان يشاور أصحابه في الرَّأي، والقصص كثيرة في ذلك. وحين خاطب أصحابه بما ينفعهم في علاقتهم معه، لم يقل لهم: أطيعوني، وإنَّما قال لعمر: [لن تؤمن يا عمر حتَّى أكون أحبَّ إليك من مالك وولدك ونفسك التي بين جنبيك](1)، فالقضيَّة هنا، محبَّة، هي قضيَّة حبِّ الحياة، حبِّ النُّور، حبِّ الحقِّ، حبِّ أن تكون في مقامٍ أفضل.
فحبُّ الإنسان لرسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ليس حبًّا لذات، وليس حبَّا لأيِّ صورةٍ أو شكل، وإنَّما هو حبٌّ لما هو أفضل، وأحسن، وأقوم، وأعلى، وأرقى، هو للخُلُقِ العظيم، هو للخُلُقِ الكريم، هو للصِّراط المستقيم، هو للعلم والمعرفة، هو للذِّكر والتَّأمُّل والتَّدبر، هو في التَّواضع والافتقار، هو في الدُّعاء والخشية ـ حبٌّ لكلِّ هذه الصِّفات.
فيجيء شخصٌ مَّا، في بلدٍ مَّا، في زمنٍ مّا، ويقول للنَّاس: إعملوا ما أقوله لكم، ولا تستمعوا لقولٍ آخر أو لرأيٍ آخر، فالرَّأي ما أرى، والأمر ما آمر به، والحقُّ ما أعلمه أنا، وما قاله الله هو ما أقوله، وما قاله رسول الله هو ما أقوله. كيف يجرؤ إنسانٌ مَّا أن يقول ذلك؟
والتَّعامل والخطاب المُوجَّه لرسول الله، ليكون تعليمًا لكلِّ إنسانٍ تُسوِّل له نفسه أن يعتقد أنِّه الأفضل والأحسن والأقوم، يقول لرسوله: "...وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ"[الحجر 88]، "وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ".
لذلك، فأيُّ أمَّةٍ، ما تبحث عنه ليس حقًّا مطلقًا، وليست صورةً مطلقة، وإنَّما هو ما تراه أنَّه الأفضل والأحسن والأقوم، بمقاييس عقليَّة، وإدراكيَّة، وحسيَّة، تُقاس وتُعتَبر ـ وهذا ما نطلق عليه، أنَّه الحقُّ بالنِّسبة لها.
والإنسان كذلك، حين يريد أن يتَّبع الحقِّ، فالحقُّ بالنِّسبة له، هو ما يعقله، وما يدركه، وما يرى فيه أنَّه الأفضل والأحسن والأقوم له ولغيره، لا يعتدي، ولا يأخذ ما ليس له، إنَّما هو في إحساسه بمسئوليَّته تجاه نفسه وتجاه الآخرين.
فإذا أصابه ضرٌّ، حاول بكلِّ طاقته أن يدفع هذا الضُرّ، وإن أصابه خيرٌ حاول بكلِّ قدرته أن يحافظ على هذا الخير، وأن يكون به أهلًا للخير له ولمن حوله، هذه قيمٌ فطريَّة طبيعيَّة، قد يشذُّ عنها البعض، ولكن الأغلبيَّة العظمى من النَّاس، قد يكون فيها هذا المعنى.
عباد الله: إنَّنا نقول دائمًا: أنَّنا إذا أردنا الاستقامة، علينا أن نتعامل مع الله فيما هو مشهودٌ لنا، فلا ننسب له ما لا نعرفه، ولا نُصوِّره من صورةٍ في خيالنا، وإنَّما نؤمن به غيبًا تعالى عن أن نحيط به، ونعلم أنَّه تجلَّى علينا بآلائه، وبأحداث الحياة التي نراها، حُلوِها ومُرِّها بالنِّسبة لنا.
وفي نهاية الأمر، كلُّنا مغادرون، فالمُرُّ لن يبقى إلى الأبد بالنِّسبة لأيِّ إنسانٍ على هذه الأرض، ومفارقة الأرض، هي الحقيقة الوحيدة التي نستطيع أن نجتمع عليها، أنَّنا جميعنا مغادرون، وأنَّ ما نراه من أزماتٍ، ومن كوارث، ومن أمورٍ مختلفة، آخرها بالنِّسبة لأيِّ إنسان، هو أنَّه سيغادر هذه الأرض، وهو مغادرها إن لم يكن اليوم فغدًا.
المشكلة الكبرى، هي في المعاناة التي يعانيها البشر على هذه الأرض، ولكنَّها في نفس الوقت، هي تجارب إنسانيَّة، وهي محاولةٌ للرُّقيّ بالإنسان من داخله، ولا يعني هذا، أنَّنا إن كنَّا نستطيع أن نرفع هذه الغمَّة، وهذا الفقر، وهذه المعاناة، وهذا الجهل ـ ألَّا نفعل ذلك، بظنِّ أنَّ الله أراد ذلك، فكيف نُغيِّر في الأرض؟ وجب علينا أن نُغيِّر في الأرض، ما نرى أنَّه فيه معاناة وفيه شرٌّ للإنسان في أيِّ مكانٍ وفي أيِّ زمان، وهذا لا يتعارض مع إيماننا بأنَّ الله من وراء كلِّ شيءٍ بإحاطته.
فحدودنا، هي حدود مقدرتنا، وهذا معنى الآية: "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا..."[البقرة 286]، لا ينبغي أن تغضب وتقول: كيف يكون ذلك؟ لماذا هذا الظُّلم؟ وإنَّما عليك أن تحاول أن ترفع هذا الظُّلم بقدر ما تستطيع، لا تَلم الله أنَّه أقام هذا الظُّلم، ولكن حاول أنت أن تُقوِّم وأن ترفع هذا الظُّلم في حدود قدراتك وإمكاناتك، وإذا استمرَّ، فهذا أمرٌ طبيعيّ، أن يكون على هذه الأرض دائمًا عدلٌ وظلم، خيرٌ وشرّ، نورٌ وظلام ـ كلُّ المتناقضات موجودةٌ بدرجاتٍ مختلفة.
فلنحاول جميعًا أن نتوافق مع هذه المتقلِّبات، وهذه المتغيِّرات، وهذه المتناقضات، بحيث نسأل أنفسنا: ما نستطيع أن نُقدِّمه لنرفع ما نرى أنَّه فيه ظلم، وأن نساعد بكلِّ طاقاتنا ما نرى أنَّه فيه عدل؟
نسأل الله: أن يوفِّقنا لما فيه خيرنا، ولما فيه صلاحنا.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو تأمُّلٌ في واقع حياتنا، وفي واقع أمرنا، وفيما هو الحقُّ بالنِّسبة لنا، وكيف نتعامل مع ما على هذه الأرض من متناقضاتٍ ومن اختلافات، وكيف تكون علاقتنا بالله مُنَزَّهةً عن أيِّ صورةٍ وعن أيِّ شكل، وأنَّ تعاملنا مع ما يظهر لنا، هو برؤيتنا وبعقلنا وبقلبنا، تجاه ما يحدث حولنا.
فإذا رأينا شرًّا، حاولنا بكلِّ الطُّرق أن نرفعه بأيدينا، وبكلامنا، وبقلوبنا، بدعائنا، بكلِّ ما نملك من أدوات. وطاقاتنا محدودة، لذلك، فلا نيأس إن لم نستطع أن نُغيِّر ما نراه أمامنا، وإنَّما نظلُّ نحاول دائمًا.
وننظر إلى أنفسنا، وهي مملكتنا ووجودنا، ونحاول أيضًا أن نُغيِّر فيها ما نستطيع أن نُغيِّره، إلى ما هو أفضل وأحسن وأقوم، وقد نستطيع وقد لا نستطيع، فإذا لم نستطع، لا نيأس من رحمة الله، وإنَّما نتَّجه إليه دائمًا بالدُّعاء، محاولين أوَّلا بإرادتنا وبأدوات وجودنا، أن نُغيِّر ما نحن عليه، وفي نفس الوقت، متلازمًا مع ذلك، ندعو الله دائمًا.
ولذلك، كانت كلُّ العبادات، هي وسيلةٌ لممارسة الدُّعاء، والاستمراريَّة فيها، في توقيتاتٍ متتالية، سواء على مستوى اليوم، أو مستوى العام، أو مستوى العمر، هي محاولاتٌ من الإنسان، أن يكون في صلةٍ دائمةٍ بالله، حتَّى يُغيِّر بهذا الدُّعاء وبهذا المدد الذي يتلقَّاه، ما هو شرٌّ فيه، وأن يُثبِّت كل ما هو خيرٌ فيه، ولا يَأْس من رحمة الله.
لذلك، نقول دائمًا: أنَّنا علينا المواظبة على ذلك، مهما فعلنا، ومهما حدث منَّا، فهذه مجاهدةٌ في الله. ومن ظلَّ على ذلك، غير مستسلمٍ لما فيه من ظلام، يكون في معنى الجهاد وفي معنى الشَّهادة، "وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ"[آل عمران 169]. فالمهمُّ أن نحفظ علينا جهادنا وطلبنا ودعاءنا، دائمًا وأبدًا.
نسأل الله: أن يحقِّق لنا ذلك، وأن يجعلنا دائمًا في دعاء، وفي رجاء، وفي طلب، وفي عملٍ أيضًا، وفي محاولةٍ دائمة لأن نُغيِّر ما هو ظلام، إلى ما هو نور.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النَّاس حولنا.
اللهم ونحن نتَّجه إليك، ونتوكَّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلَّا إليك.
اللهم فاكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنَّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السَّاعة ذنبًا إلَّا غفرته، ولا همًّا إلَّا فرَّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلَّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنَّا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.
_______________________
(1)  كُنَّا مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو آخِذٌ بيَدِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فَقالَ له عُمَرُ: يا رَسولَ اللَّهِ، لَأَنْتَ أحَبُّ إلَيَّ مِن كُلِّ شيءٍ إلَّا مِن نَفْسِي، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "لَا، والذي نَفْسِي بيَدِهِ، حتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْكَ مِن نَفْسِكَ فَقالَ له عُمَرُ: فإنَّه الآنَ، واللَّهِ، لَأَنْتَ أحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسِي، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: الآنَ يا عُمَرُ." الراوي: عبدالله بن هشام، المحدث: البخاري، المصدر : صحيح البخاري، خلاصة حكم المحدث: صحيح




الاثنين، 18 مارس 2019

الغفلة تجعل الإنسان يتَّبع هواه، يتَّبع ظنَّه، يتَّبع رؤيته، دون النَّظر إلى الحقائق القائمة.


حديث الجمعة
 24 جمادى الثاني 1440هـ الموافق 1 مارس 2019 م
السيد/علي رافع

حمدًا لله، وشكرا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائمًا لله، والشُّكر دائمًا لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: إنَّ الإنسان على هذه الأرض، يغفل في كثيرٍ من الأحيان، عن أن يرى حقيقةً واضحةً أمامه. وما نقصد بالحقيقة هنا، هو أمرٌ قائمٌ في حاضر، وكان قائمًا في ماضٍ، فهو بالنِّسبة لهذا المدى الزَّمنيّ الذي يستطيع أن يعلمه، لا يتغيَّر، فهي حقيقةٌ نسبيَّةٌ أخرى، ولكنَّ النِّسبية هنا، ليست نتيجةً لقدرة الإنسان فقط، ولكن للمدَّة الزَّمنيَّة التي نتحدَّث عنها. فعلى سبيل المثال، سوف نجد أنَّ اختلاف النَّاس على هذه الأرض، هو من تلك الحقائق النِّسبيَّة.
حين ننظر في تاريخنا المكتوب، نجد أنَّ الأرض دائمًا، كانت في اختلافاتٍ بين النَّاس فيها. وحين ننظر إلى التَّاريخ الغير مكتوب، والذي حدَّثتنا عنه الآيات، نجد أنَّ الاختلاف قائمٌ في دوام، "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ..."[المائدة 27].
وكلُّ قصص الأنبياء التي أُخبِرنا عنها في آيات الكتاب الحكيم، أو في الكتب السَّماويَّة الأخرى، تتحدَّث عن اختلاف النَّاس، وإن كانت تُركِّز على ظهور الرِّسالات، واختلاف الأنبياء مع أقوامهم.
إلَّا أنَّنا في تاريخنا الذي نتناقله من قرونٍ عديدة، نجد أنَّ الاختلافات موجودةٌ في البيئة الواحدة، وفي الدِّين الواحد، وفي الثَّقافة الواحدة. والتَّعدُّد هنا والاختلاف، ليس فقط في علاقة الإنسان بربِّه، أو في العبادات التي يقوم بها، أو في المعاملات التي يؤدِّيها، وإنَّما أيضًا في مواضع كثيرة، سواء كان ذلك في أمورٍ اقتصاديَّة، أو اجتماعيَّة، أو سياسيَّة.
فنحن نسمِّي هنا، أنَّ الاختلاف بين البشر، هو حقيقةٌ بالنِّسبة لكلِّ إنسانٍ ينظر فيما هو متاحٌ له من معلوماتٍ، عن سلوك البشر على هذه الأرض. فإذا جاء إنسانٌ ولم ير ذلك، وتصوَّر أنَّه يستطيع أن يُغيِّر كلَّ الناَّس ليفهموا فهمًا واحدًا، وليسلكوا سلوكًا واحدًا، وليعتقدوا عقيدةً واحدة ـ فهذا الإنسان غافلٌ عن هذه الحقيقة، التي يمكن أن يراها كلُّ إنسانٍ على هذه الأرض.
ونحن بذلك، نضرب مثلًا عن معنى الغفلة، ما هو المقصود بالغفلة؟ ما هو المقصود بمعنى: "... أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا"[الكهف 28]؟ ويسبق في هذه الآية: "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا"[الكهف 28].
فإذا أخذنا في اعتبارنا معنى الغفلة ـ كما ضربنا مثلًا لها ـ في ألَّا يرى الإنسان ما هو واضحٌ على هذه الأرض، ما هو حقيقةٌ بالنِّسبة له، قائمة ومُتكرِّرة على مدىً طويل، فإنَّه بذلك يكون غافلًا. هذه الغفلة عمَّا هو واضحٌ، تجعل الإنسان يتَّبع هواه، يتَّبع ظنَّه، يتَّبع رؤيته، دون النَّظر إلى الحقائق القائمة، ويُصِرُّ على رأيه.
وهذا ما نراه في كثيرٍ من الأحيان، مِنَ الذي لا يستفيد من خطئه، فيكرِّره، يعرف أنَّ عمله في اتِّجاهٍ مَّا لم ينجح في سابق، ولكنَّه يُكرِّر خطأه مرَّةً أخرى، بظنِّ أنَّه سوف ينجح، مع أنَّه ثبت له أنَّه لن ينجح.
وهذا سلوكٌ، علينا أن نعتبره، وأن نتجنَّبه، بأن نسمع قول من حولنا، ونشهد ما يحدث لنا، فلا نُكرِّر نفس أخطائنا بظنِّ أنَّنا سوف ننجح هذه المرَّة.
ويمكننا أن نرى ذلك، حين نجد الأحاديث التي تُحدِّثنا عن الذَّنب والمغفرة، [إن لم تذنبوا وتستغفروا لأتى بقومٍ آخرين يذنبون ويستغفرون، فيغفر الله لهم](1)، فهنا الذَّنب والاستغفار هما أمران ضروريَّان. والذَّنب هنا، أن تعمل فتخطئ فتتعلَّم، العمل والخطأ هو الذَّنب، والإفاقة من هذا الذَّنب هو الاستغفار.
فالعمل يكشف لك ما هو مختبئٌ عنك، بأن تقوم بتجربةٍ مَّا، بعملٍ مَّا، لا تعرف أنت سابقًا نتيجة هذا العمل، أو هذه التَّجربة، ولكن حين تكتشفها، تصبح بالنِّسبة لك حقيقة، فإذا أصبحت كذلك، أن تغفل عن هذه الحقيقة سوف يؤدِّي بك إلى طريقٍ مظلم.
والتَّجارب البشريَّة كلُّها تكشف عن حقائق، عليك أن تتعلَّم من تجارب الآخرين، [فالعاقل من اتَّعظ بغيره، والشَّقيّ من اتَّعظ بنفسه](2)، وإن لم تكن تعلم شيئًا مع أنَّه موجود، وجرَّبته، فسوف يصبح معلومًا لك، فالجانب الإنسانيّ والشَّخصيّ في العمل مطلوبٌ، ولكن يجب أن يكون الإنسان متيقِّظًا لنتائج عمله وتجربته. هذا المعنى، هو معنى الشَّهادة في واقع الأمر، معنى ما هو مشهودٌ لك، هو تجلِّي الله في خَلْقِه، وفي كلِّ ما تراه في هذا الكون، إنَّها الحقيقة بالنِّسبة لك.
والقانون الإلهيّ، له علاقةٌ بقيام الإنسان، وسلوكه، وإدراكه، وذكره. لذلك، قد يتساءل إنسانٌ في المعنى، أو في الآية التي ذكرناها، "لَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا"، ويقول: ما هو ذنب الإنسان في ذلك، والحقُّ يقول: "أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا"؟ إذًا، هو لم يغفل، ولكنَّ الحقَّ قد أغفله عن ذكره، قد يفهم إنسانٌ ذلك ويتساءل، ونحن نتساءل أيضًا، ونتأمَّل في ذلك.  
وهذه قضيةٌ كثيرًا ما تُثار في آياتٍ كثيرة، كما في قوله: "... مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا"[الكهف 17]، لنفهم مثل هذه الآيات، علينا أن نتعلَّم أنَّ القانون الإلهيّ ـ كما نقول دائمًا ـ هو وراء كلِّ شيء، ففي المطلق المجرَّد، لا يفعل أيُّ إنسانٍ عملًا إلَّا بإذن الله، وإلَّا بإرادة الله.
فإذًا، إذا تحدَّثنا بلغة التَّجريد المطلق، "أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا"، " وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا"، هنا، الحديث بلسان التَّجريد، ولكن في واقع الأمر، وأنت ترى على هذه الأرض الحقيقة بالنِّسبة لك، فيما هو ظاهرٌ ومشهودٌ لك، تجد إنسانًا غافلًا، تجده غافلًا، فهو بالنِّسبة لك، هو الغافل.
حين يتصوَّر إنسانٌ أنَّه سيغيِّر النَّاس جميعًا بالقوَّة إلى معتقده، ويبدأ في فعل ذلك، فيقتل كلَّ معارضيه، ويحارب كلَّ من يختلف معه، ويَصِم الكلَّ الذين يختلفون معه بالكفر، وأنَّه سوف يحارب حتَّى ينشر كلمة الله في الأرض بالقوَّة والعنف، هو غافلٌ عن حقيقةٍ قائمةٍ على هذه الأرض، كما أشرنا.
فقد حاول كثيرون من قبل أن يفعلوا ذلك، ولم يُغيِّر فريقٌ ـ أيًّا كان ـ الكلَّ إلى معتقده. فأنت تراه أمامك، ترى مثل هؤلاء في مجتمعاتنا، وفي مجتمعات غيرنا، إنَّه سلوكٌ بشريّ، موجودٌ في بعض النَّاس الذين لا يرون الحقائق أمامهم.
"أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا"، أمرٌ تجريديّ، ولكنَّ الواقع المشهود، نرى إنسانًا غافلًا عن ذكر الله، ووجه الله. وذكر الله، ووجه الله، وآلاء الله، ونور الله، وكلمات الله ـ كلُّها تجليَّاتٌ لله على خَلْقِه، فيما هو مشهودٌ لهم، وما تَرسَّخ عندهم من حقائق نسبيَّةٍ، ولكنَّهم يشهدونها كلَّ يوم، في كلِّ مكان، فتصبح بالنِّسبة لهم، هي الحقيقة.
ولماذا نُصرُّ ونُكرِّر أنَّ مع أنَّ هذه حقائق بالنِّسبة لنا، نراها في حياتنا، لماذا نُكرِّر أنها حقائق نسبيَّة؟ لأنَّها مرتبطة بأرضنا، وبزماننا، وبما استطعنا أن نتعلَّمه عن حياتنا، وعن وجودنا، عن هذه الأرض ـ فكلُّ هذا مرتبطٌ أيضًا بكيانٍ نسبيّ، وليس بكيانٍ مطلق، فالأرض والسَّماوات، وكلُّ شيءٍ نراه حولنا، بقدراتنا، هو أمرٌ نسبيّ، "يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ"[الأنبياء 104]، "... مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ ..."[هود 107].
هناك دوراتٌ لكلِّ شيء، وهناك حياةٌ لكلِّ شيء، ومماتٌ لكلِّ شيء، ولا يعلم هذه الدَّورات إلَّا الله. لذلك، فإنَّ الحديث عن القيامة، والسَّاعة، والفصل حين أُخبِرنا به ـ لنتعلَّم مفهوم الموت والحياة، والتَّواجد في خَلْقٍ آخر، وفي عالمٍ آخر، وفي حالٍ آخر، "فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ"[الإنفطار ].
فأنت تخرج من صورتك على هذه الأرض، إلى صورةٍ أخرى بعد انتقالك، كما كنت في صورةٍ قبل وجودك على هذه الأرض، وجئت لها، ونحن في وجودنا لا نعلم ماذا كنَّا، وماذا سنكون، ولا نعلم كيف كان هذا الكون، وكيف سيكون، ووجودنا على هذه الأرض، هو لحظةٌ خاطفة في عمر هذا الكون في البعد الزَّمنيّ، وهو كيانٌ متناهي في الصِّغر في البعد المكانيّ، فالأرض ومن عليها، كلُّهم جميعًا، هم ذرة في هذا الكون المتناهي في الكِبَر.
ولهذا، حين يرى هذه الحقائق الإنسان، يدرك افتقاره إلى الله، ويدرك أنَّه لا وجود له، ولا إرادة له، ولا قدرة له، ولا حول له، ولا قوَّة له، فلا حول ولا قوَّة إلَّا بالله. وفي نفس الوقت، يرى في منظوره الصَّغير، في دائرته الصَّغيرة، في وجوده المشهود، في إمكاناته التي أعطاها الله له، أنَّه قد يستطيع أن يُغيِّر شيئًا، وهذا يفعله الإنسان بطبيعته في محيطه الذي يحيط به، وفي بيئته التي يعيش فيها.
فالإنسان، منذ بداية وجوده المعروف لنا، حاول الكثير حتَّى يستطيع الاستمرار على هذه الأرض، حتَّى يستطيع البقاء على هذه الأرض، فزرع، وحصد، وطوَّر أدواته، وظلَّ هكذا ينتقل من عصرٍ إلى عصر، ومن حالٍ إلى حال، وظلَّ قرونًا عديدة ليُطوِّر شيئًا بسيطًا، ثم وجدنانا في هذا العصر، وفي هذا القرن والقرن الذي قبله، يتغيَّر حال الإنسان بصورةٍ غير مسبوقةٍ عمَّا نعرفه في قديم وجوده، ولا نعرف في المستقبل كيف سيكون حال الإنسان.
كلَّما تأمَّلنا أكثر، كلَّما شعرنا بجهلنا، وبافتقارنا، وبأنَّنا لا نعلم إلَّا القليل، وقليل القليل، "... لاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء ..."[البقرة 255].
عباد الله: نسأل الله أن نعمل بهذا القليل الذي تعلَّمناه، حتَّى لا نكون من الغافلين.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
_______________________
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أنَّنا في وجودنا على هذه الأرض، نتعلَّم كلَّ يومٍ شيئًا، من تاريخنا، ومن حاضرنا، ومن تجاربنا، ومن تجارب غيرنا، فما أصبحنا نراه بصورةٍ مستمرَّةٍ ومتكرِّرة، يَرسَخ في أذهاننا كحقيقةٍ بالنِّسبة لأرضنا، وبالنِّسبة لوجودنا.
ولكن من النَّاس من لا يفعلون ذلك، ولا يَرسَخ ذلك في أذهانهم، فيكرِّرون أخطاء الآخرين، ويكرِّرون أخطاء الأمم من قبلهم، ولا يرون الواقع الذي حولهم، ويعيشون في أوهامهم، ويتَّبعون أهواءهم، غافلين عن ذكر الله. وذكر الله، هو كلُّ ما يتجلَّى علينا في هذه الأرض من حقائق، كلمات الله، هي كلُّ ما يتجلَّى علينا في هذه الأرض من حقائق. يغفلون عن ذكر الله، وعن كلمات الله، ويتَّبعون أهواءهم.
حين يرى الإنسان هؤلاء، فعليه ألَّا يتَّبعهم، ولا يسير وراءهم. والحقُّ يعلِّمنا ذلك في قوله: "لَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا"، فإذا كان الأمر واضحًا بالنِّسبة لك، وترى إنسانًا آخر يفعل عكس الواقع، وعكس الواضح الذي تراه أنت، فعليك ألَّا تتَّبع هذا الإنسان.
وهكذا، تتعدَّد أنواع الغفلة في أمورٍ كثيرة في حياتنا، في تكرارنا لأخطائنا دون أن نتعلَّم منها، وقد نتعلَّم أخيرًا بعد عدة محاولات، فإذا تعلَّمنا، يكون هذا كشفًا لنا، ومغفرةً لنا، وتغييرًا لوجودنا إلى أفضل.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ..."[الزمر 18]، ومن الذين يُغيِّرون ما بأنفسهم، ليساعدهم الله أن يغيروا ما بهم، وتغييرهم لأنفسهم، هو في محاولة تذكيرها بقوانين الحياة الفطريَّة، في التَّأمُّل، والتَّفكُّر، والتَّعلُّم من الأخطاء ـ ليرجع الإنسان إلى داخله، وينظر، هل يتعلَّم من أخطائه، هل يتعلَّم من ذنوبه، هل يتعلَّم من نتائج أعماله، هل يتعلَّم من نتائج أعمال النَّاس حوله، هل يتعلَّم من تاريخ الأمم قبله، هل يتعلَّم من المجتمعات حوله.
كلُّ هذا، على الإنسان أن يسأل نفسه، ويحاول أن يُغيِّرها، لأنْ تصبح قادرةً على التَّعلُّم، فإذا تعلَّمت، وتكوَّنت عندها هذه القدرة، يكون هذا تغيير الله له، يجعله عالمًا بعد جهل، ومنيرًا بعد ظلام، وذاكرًا بعد غفلة، يتغيَّر من حالٍ إلى حال، ومن قيامٍ إلى قيام.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النَّاس حولنا.
اللهم ونحن نتَّجه إليك، ونتوكَّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلَّا إليك.
اللهم فاكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنَّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السَّاعة ذنبًا إلَّا غفرته، ولا همًّا إلَّا فرَّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلَّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.
____________________

(1)     "إن لم تذنبوا وتستغفروا لأتى الله بقوم آخرين يذنبون ويستغفرون فيغفر الله لهم" حديث شريف أخرجه مسلم.

(2)  من كتاب "زاد المعاد" لابن القيم الجوزية: فصل في خطبته صلى الله عليه وسلم بتبوك وصلاته: ذكر البيهقي في "الدلائل"، والحاكم من حديث عقبة بن عامر قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، فاسترقد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة لما كان منها على ليلة، فلم يستيقظ فيها حتى كانت الشمس قيد رمح قال: ألم أقل لك يا بلال اكلأ لنا الفجر، فقال: يا رسول الله ذهب بي من النوم الذي ذهب بك، فانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك المنزل غير بعيد ثم صلى، ثم ذهب بقية يومه وليلته [ ص: 474 ] فأصبح بتبوك، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد! فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله ، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عوازمها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدي هدي الأنبياء ، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت ، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا، ومنهم من لا يذكر الله إلا هجرا ، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذاب، وخير الغنى غنى النفس ، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكم مخافة الله عز وجل ، وخير ما وقر في القلوب اليقين، والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من جثا جهنم ، والسكر كي من النار، والشعر من إبليس، والخمر جماع الإثم، وشر المأكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، والأمر إلى الآخرة، وملاك العمل خواتمه، وشر الروايا روايا الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق وقتاله كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتأل على الله يكذبه، ومن يغفر يغفر له، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يبتغ السمعة يسمع الله به، ومن يتصبر يضعف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله، ثم استغفر ثلاثا).


أن تؤمن بالغيب، أمرٌ مجرَّدٌ؛ لأنَّه محجوبٌ عليك، ولكن تعلم أنَّ وراء هذا الحجاب معنىً وقوًّة وطاقةً لا تستطيع أن تتصوَّرها.


حديث الجمعة
17 جمادى الثاني 1440هـ الموافق 22 فبراير 2019م
السيد/علي رافع
حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائمًا لله، والشُّكر دائمًا لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: إنَّنا حين نتأمَّل في آيات الله، نجد كثيرًا من الآيات تخاطبنا عن أمورٍ في حياتنا، وفي سلوكنا، وفي علاقتنا بربِّنا. ونجد آياتٍ أخرى تحدِّثنا عن أمورٍ غيبيَّة، لا نستطيع أن نُجسِّدها، وفي نفس الوقت، قد نجد صعوبةً في الرِّسالة التي تحملها لنا. هذه الآيات التي تحدِّثنا عن وجودنا وعن قيامنا، هي آياتٌ محكماتٌ بالنِّسبة لكلِّ إنسانٍ وما يفهمه منها.
فحين نقرأ في الفاتحة، "الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"[الفاتحة 2]، تُحدِّثنا عن علاقتنا بربِّ العالمين، قد يفهمها كلُّ إنسانٍ بعمق مَّا، وبفهمٍ مَّا، إنَّما هي تتكلَّم عن علاقةٍ بين العبد وربِّه، وأنَّ الحمد هو لربِّ العالمين.
قد يفهمها إنسانٌ على أنَّها مكافئٌ للشُّكر، وقد يفرِّق إنسانٌ بين الحمد وبين الشُّكر. وقد يفهمها إنسانٌ على أنَّها ذكرٌ وتسبيحٌ يقوم به، وقد يفهمها إنسانٌ على أنَّها حقيقة، أنَّ الحمد فقط لله ربِّ العالمين. وقد يمرُّ عليها إنسانٌ مرَّ الكرام. وقد يرى إنسانٌ أنَّ ما نقوله هو أمرٌ واحد، وقد يرى إنسانٌ آخر أن الفروق كبيرةٌ بين كلِّ مفهومٍ والآخر. ولكن في كلِّ الأحوال، يستطيع الإنسان أن يُعبِّر عن مفهومه بلغته، وبإدراكه، وبقدرته.
آياتٌ أخرى، يقف الإنسان أمامها، "وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ..."[الزمر 75]، آيةٌ من الآيات، إذا أردنا أن نُجسِّد الكلمات، فسوف نرسم صورةً لا تليق بإكبارنا لله عن أيِّ صورة، فقد نقف أمام هذه الآية، مجرِّدينها عن أيِّ صورةٍ وعن أيِّ شكل، وحين نردِّدها فلا نجعل أيَّ شكلٍ يُرسَم في عقولنا، وإنَّما نقرؤها تجريدًا.
وقد يقول قائلٌ: إنِّي أريد أن أفهم منها فهمًا، أو أتعلَّم منها علمًا، فيحاول أن يتأمَّل فيها كمعانٍ مجرَّدة. فنحن نذاكر دائمًا، أنَّ علاقتنا بالله في الأساس، هي علاقة غيب، فحين ننطق بلفظ الجلالة، فإنَّه تعبيرٌ عن الغيب. وكذلك، حين نؤمن "... بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ..."[البقرة 285]، فإنَّ إيماننا بالله وملائكته، هو إيمانٌ بغيب، فالملائكة هي غيبٌ علينا أيضًا.
وأن تؤمن بالغيب، هو أمرٌ مجرَّدٌ؛ لأنَّه محجوبٌ عليك، ولكن تعلم بأنَّ وراء هذا الحجاب، معنىً، وقوًّة، وطاقةً لا تستطيع أن تتصوَّرها. وكذلك، أنت لا تستطيع أن تتصوَّر ما وراء هذا الحجاب من أسبابٍ غيبيَّة.
فلذلك، في تأمُّلٍ سابقٍ تذاكرناه، أنَّ الملائكة هي وسائلٌ غيبيَّة، تربط بين الغيب والشَّهادة، بصورةٍ لا تستطيع أنت أيضًا أن تُجسِّدها. والكون بلا نهائيَّته، الله قائمٌ عليه بإحاطته، "اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ..."[البقرة 255]، "... وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ"[البقرة 255].
والملائكة، هي وسائلٌ غيبيَّة، بين عرش الله بلا نهائيَّته، وبين الأكوان بمحدوديَّتها. فالكائنات محدودة في ظاهرها، فالإنسان له حدوده، والأرض لها حدودها، وما نراه كلَّه محدود مهما أُعطِينا من قدراتٍ تُمكِّننا من رؤية ما هو موجودٌ حولنا في الكون، فكلُّ ذلك محدود.
لذلك، قد نفهم من هذه الآية التي توضِّح لنا أنَّ الملائكة الحافِّين بالعرش، هم أسبابٌ وأدوات تواصلٍ بين الغيب وبين الشَّهادة، نرى ذلك في الرِّسالات السَّماوية، وجبريل ـ عليه السَّلام ـ يبلِّغ الرِّسالات، نرى ذلك في الآيات التي تحدَّثت عن بعض الملائكة وعلاقتهم بالإنسان، رموزٌ لمعانٍ أخرى كثيرة.
آياتٌ كثيرة، تتحدَّث عن أمورٍ غيبيَّة فيما بعد هذه الحياة، وما يحدث للإنسان في هذه الحياة الآخرة ـ وكما نذاكر ونتأمَّل دائمًا ـ أنَّ كلَّ هذه الآيات، بها رموزٌ كثيرة، وفهمك لها، يجب أن يقوم على أنَّها ترمز لقضايا حقيَّة مرتبطة بالإنسان، مثل الإنسان ونتيجة عمله في الدُّنيا وفي الآخرة، هذه قضيَّةٌ فيها آياتٌ كثيرة، "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ"[الزلزلة 8،7]، "وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ..."[التوبة 105].
فأنت تفهم هذه القضيَّة، وتستطيع أن تجد لها في حياتك الظَّاهرة صورًا واضحة، تُعبِّر عنها، فالإنسان الذي يجتهد ويعمل، سوف يجد نتيجة عمله، والإنسان الذي يتكاسل ويتباطأ ويتغافل، سوف أيضًا يجد نتيجة عمله، قانونٌ ظاهرٌ في الحياة المادِّيَّة. وكلُّ قانونٍ في الحياة المادِّيَّة، يقابله قانونٌ في الحياة الرُّوحيَّة.
ومن هنا، تدرك وتتعلَّم من الآيات التي تُعبِّر عن ذلك في الحياة الآخرة، من ثوابٍ أو عقابٍ، وكلّها نتيجة أعمالٍ. لذلك، تجد الآية تقول: "غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ..."[غافر 3]، تعبيرًا عن قانونٍ فيه الرَّحمة، وفيه القوَّة، فيه العدل، فيه العقاب، كلُّها نتيجة أعمال الإنسان، "... إنَّما هي أعمالكم تردُّ إليكم ..."(1).
الإنسان، مُنِح بقانون الحياة، المغفرة، والتَّوبة، والتَّعلُّم من أخطائه، "إن لم تذنبوا وتستغفروا لأتى الله بقومٍ آخرين يذنبون ويستغفرون فيغفر الله لهم"(2)، "غَافِرِ الذَّنبِ"؛ لأنَّك إن تعلَّمت من خطئك أو من ذنبك، فقد غُفِر لك، فالمغفرة تكمن في التَّعلُّم، وهذا قانونٌ يُعبِّر عنه، "غَافِرِ الذَّنبِ".
وإن أدركت ما فعلت، وما فيه أخطأت، وإلى الله رجعت، فهذا قانون التَّوبة، "قَابِلِ التَّوْبِ". أمَّا إذا إلى النَّاس أسأت، وحقوقهم أخذت، وحَكَمتهم فتسلَّطت، فهذا قانون "شَدِيدِ الْعِقَابِ"؛ لأنَّك لم ترجع عمَّا فعلت، ولم تُصلِح ما آذيت، ولم تَبْنِ ما هدمت، ولم تُصلِح ما أفسدت ـ فبذلك فسدت، وأصبحت غير قابلٍ لأن يُغفَر لك، وأن يُتاب عليك.
ولذلك، حين نتأمَّل في المعاني التي تُعبِّر عن العقاب من معنى النَّار، "... نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ..."[التحريم 6]، هذه النَّار، هي لمن أصبح غير صالحٍ لمواصلة الحياة، بما أفسد من وجوده، فأصبح لا يستطيع أن يبقى حيًّا، يدخل في طورٍ آخر من التَّغيير والتَّعديل.
أما الذي حَيِيَ، فيبقى حيًّا عند ربِّه يُرزق. "وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ"[آل عمران 169].
عباد الله: نسأل الله: أن نتعلَّم من آياته، وأن نتدبَّر فيما جاء به إلينا، وأن نعلم أنَّ كلَّ ما نفهمه، هو قطرةٌ من بحرٍ كبير ليس له نهاية، فنتَّجه إلى الله دائمًا بالدُّعاء أن يغفر لنا، وأن يتوب علينا.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصَّلاة، والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أنَّ هناك آياتٌ كثيرة، تحمل معانٍ نستطيع أن نجد لها واقعًا في حياتنا، قد نختلف أيضًا في فهمها وفي عمقها، إلَّا أنَّ لكلٍّ منَّا فهمه فيها. وأنَّ هناك من الآيات، ما هو مجرَّدٌ، لا يمكن أن نُجسِّده فقط في صورةٍ من خيالنا، ونرسم له شكلًا من حياتنا المادِّيَّة لمقابلٍ له؛ لأنَّ هذا فيه قصورٌ في الفهم؛ لأنَّ الله تعالى عن أيِّ صورةٍ نصفها، وعن أيِّ شكلٍ نرسمه.
وكذلك، كلُّ ما بعد هذه الحياة، من آياتٍ تصفها، هي تعبيرٌ عن قانونٍ نستطيع أن نلمسه في حياتنا، وأنَّه ممتدٌّ ما بعد حياتنا، ولكن أدوات تنفيذه، تتعالى كثيرًا عن قدرتنا عن أن نحيط به وأن نتصوَّره، وأنَّنا بوجودنا في هذه الشَّهادة، لنا علاقةٌ ـ مع كلِّ ذلك ـ بالغيب، ولكن هذه العلاقة قائمةٌ على الدُّعاء، وعلى الذِّكر، وعلى الطَّلب للوصلة والاتِّصال.
وأنَّ لله أدواته في الظَّاهر والباطن. فأدواته في الظَّاهر، ما كشف لنا من علمٍ، وما سيكشف لنا من علمٍ مادِّيّ. وأدواته في الباطن، رَمَز إليها في آياته بالملائكة، وأعطانا صورًا لهذه العلاقة، ولكن في واقع الأمر، لا نستطيع أن نحدَّها أو نحصرها فيما قيل، أو فيما فهمنا، فهناك أدواتٌ كثيرة في عالم الباطن، لا نستطيع أن نحيط بها، أو أن نتصوَّرها.
عباد الله: نسأل الله: أن نقوم أمرًا وسطًا، بين ما نستطيع أن ندركه وبين ما لا نستطيع أن ندركه إدراكًا كاملًا، وأن نكون متعاملين مع الله غيبًا، وأن نكون قائمين في الشَّهادة، فيما نرى أنَّه الحقُّ والخير والصَّواب.
اللهم وهذا حالنا وهذا قيامنا، نتَّجه إليك، ونتوكَّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلَّا إليك.
اللهم فاكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنَّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقَّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السَّاعة ذنبًا إلَّا غفرته، ولا همَّا إلَّا فرَّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلَّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.    
____________________
(1)    حديث قدسي: "قال اللهُ تعالَى: يا عبادي! إنِّي حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي وجعلتُه مُحرَّمًا فلا تَظالموا، يا عبادي! إنَّكم تُخطِئون باللَّيلِ والنَّهارِ وأنا أغفِرُ الذُّنوبَ جميعًا ولا أُبالي فاستغفروني أغفِرْ لكم، يا عبادي! كلُّكم جائعٌ إلَّا من أطعمتُ فاستطعِموني أُطعِمْكم ، يا عبادي! لم يبلُغْ ضُرٌّكم أن تضُرُّوني ولم يبلُغْ نفعُكم أن تنفعوني، يا عبادي! لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وجِنَّكم وإِنسَكم اجتمعوا وكانوا على أفجرِ قلبِ رجلٍ منكم لم يُنقِصْ ذلك من مُلكي مثقالَ ذرَّةٍ، ويا عبادي ! لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وجِنَّكم وإنسَكم اجتمَعوا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني جميعًا فأعطيتُ كلَّ إنسانٍ منهم مسألتَه لم يُنقِصْ ذلك ممَّا عندي إلَّا كما يُنقِصِ المَخيطُ إذا غُمِس في البحرِ، يا عبادي! إنَّما هي أعمالُكم تُرَدُّ إليكم، فمن وجد خيرًا فليحمَدْني ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلَّا نفسَه". الراوي: أبو ذر الغفاري، المحدث: أبو نعيم، المصدر: حلية الأولياء، خلاصة حكم المحدث: صحيح ثابت.
(2)    "إن لم تذنبوا وتستغفروا لأتى الله بقوم آخرين يذنبون ويستغفرون فيغفر الله لهم". حديث شريف أخرجه مسلم.