الجمعة، 13 ديسمبر 2019

ستظل دائما باحثا عن الحقيقة، المهم أن تكون في اتجاهها ولا تفقد بوصلتك التي ترشدك


حديث الجمعة 
16 ربيع الثاني 1441هـ الموافق 13 ديسمبر 2019م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاة وسلامًا عليك يا رسول الله.
"... الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ ..."[الأعراف 43]، ونستغفر الله طلبًا لأعلى، وأملًا في أن نكون دائمًا في طريقه سالكين، طمعنا في الله لا نهاية له، فمهما حمدنا الله على ما هدانا إليه لا يزيدنا ذلك إلَّا طلبًا له، وإلَّا افتقارًا إليه، وإلَّا طمعًا في رحمته، وإلَّا خشيةً أن نكون مغرورين، [فما من كمالٍ إلَّا وعند الله أكمل منه](1)، وما من علمٍ إلَّا وهناك علمٌ أكبر.
هكذا نرجو أن نكون، أن نكون من المتَّقين، أن نكون من الذين يخشون ربَّهم، أن نكون من العلماء الذين يخشون الله، "... إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ..."[فاطر 28]، والعلماء هنا لا تعني أنَّ العَالِم يحيط بكلِّ شيء، وإنَّما هو من عَلِم شيئًا، أو عرف شيئًا، أو قام في شيءٍ، فالعلم لا نهاية له، "... وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ"[يوسف 76].
لذلك، فحين نقرأ الآية: "ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ"[البقرة 2]، كلُّ كلمةٍ لها دلالةٌ ولها قضيَّةٌ، "الْكِتَابُ" قضيَّة، و"لاَ رَيْبَ فِيهِ" قضيَّةٌ أخرى، و"هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ" قضيَّةٌ ثالثة، كلُّ كلمةٍ في الكتاب لها دلالاتٌ عميقة.
فـ"الْكِتَابُ" ـ كما نشرح دائمًا ـ في مفهومنا هو قضيَّة الكون، وقانون الكون، هو القانون الذي يحكم كلَّ الخلائق، هو كلُّ ما تنزَّل على الرُّسل والأنبياء والأولياء، هو كلُّ آيات الكون، "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ..."[فصلت 53]، إنَّه كلُّ ما يحدث للإنسان، إنَّه كلُّ ما يحدث لكلِّ إنسان، ولكلِّ كائنٍ، ولكلِّ أمةٍ.
فكلُّ الذي يحدث سُطِر بالقلم، "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ"[العلق 5:1]، "الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ"[الرحمن 4:1]، علَّمه كيف يقرأ.
"ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ"، ما يحدث في الكون "لاَ رَيْبَ فِيهِ"، آيات الله في كلِّ صورها لا ريب فيها؛ لأنَّها ما كانت لتحدث لولا أنَّها آيات الله. فإذا وسوست لك نفسك أنَّ هذا من الله، وهذا من عند غير الله، فاذكر لها أنَّ "ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ". إذا قرأت آياتٍ فوجدت فيها ما يُريب، بسوء علمك وسوء فهمك، فاتَّجه إلى الله؛ لأنَّ هذا "الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ"، تعمَّق في معانيها، وتأمَّل في مبانيها.
واعلم أنَّك مهما فهمت فإنَّ هناك فهمٌ أعمق، وفهمك مهما كان فهناك ريبٌ فيه، لأنَّك أنت الذي تفهم بسعتك وبقدرتك، أمَّا الآيات في محكمها وفي عمقها فلا ريب فيها، وسيظلُّ فهمك دائمًا أنت، فيه ريبٌ، وفيه شكٌ، لذلك يختلف النَّاس في مفاهيمهم، وفي رؤيتهم لمعاني الآيات ودلالاتها.
"... وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ..."[آل عمران 7]، يؤمنون به كغيبٍ له طاقةٌ وله نور، يعلمون أنَّهم بقراءتهم للآيات يُعرِّضون أنفسهم لنورٍ ولطاقةٍ من الله، ولفضلٍ من الله، ولرحمةٍ من الله.
"ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ"، كما ذكرنا في بداية الحديث عن ماهيَّة المتَّقين الذين يخشون ربَّهم، الذين يُكبِرون آيات الله لهم عن أيِّ مفهومٍ يفهمونه، فهناك مفهومٌ أكبر، لا يقولون كما يقول الكثيرون من المتكلِّمين باسم الدين هذا ما أراد الله ولا يقبلون برؤيةٍ أخرى، هذا حكم الله ويعتقدون أنَّ ما فهموه هو حكم الله المطلق، هذه إرادة الله ويعتقدون أنَّ ما فهموه من إرادةٍ حدثت أنَّها إرادة الله، بما رأوها، وبما عرفوها.
المتَّقون يُكبِرون حكم الله، ويُكبِرون إرادة الله، ويُكبِرون كلام الله عن أن يكون صورةً أو أن يكون شكلًا، المتَّقون يقولون هذا ما فهمناه، وهذا ما أدركناه بقدر سعتنا والله أعلم، فحين يريدون أن يُطبِّقوا شيئًا في حياتهم، يُطبِّقون ما فهموه كفهمٍ إنسانيّ، بحيث يفتحون الباب دائمًا لأن يُغيِّروا ما يُطبِّقونه إذا وجدوا ما هو أفضل.
أمَّا إذا حصروا أنفسهم وظنُّوا أنَّ ما يُطبِّقونه هو حكم الله، فمعنى ذلك أنَّهم لا يستطيعون أن يُغيِّروه، وهذه هي المشكلة التي يقع فيها الكثيرون؛ لأنَّهم غير متَّقين؛ لأنَّ المتَّقين ستكون آيات الله هدىً لهم، والهدى هو دلالةٌ لهم، إرشادٌ لهم، توجيهٌ لهم في اتِّجاه، لا يعني أنَّ مفهومهم هو مفهومٌ مطلق الصِّحة، وإنَّما هو هدىً لهم، يسترشدون به، يرون فيه الطَّريق الذي يتّجهون إليه.
وهذا الطَّريق له مراحل كثيرة، وله مستوياتٌ كثيرة، وله أبعادٌ كثيرة، فإذا عرفت الاتِّجاه فإنَّك تسير في هذا الاتِّجاه، لكن لا يعني أنَّك بدأت المسير، أنَّك وصلت إلى النِّهاية، وفي الواقع فلا نهاية للحقِّ، ولا نهاية للأفضل، فما من علمٍ ندركه نرى فيه أنَّه الحقُّ إلَّا وهناك علمٌ أكبر، وما من حقيقةٍ نعتقد أنَّنا وصلنا إليها إلَّا وهناك حقيقةٌ أكبر، المهمُّ أن تعرف الاتِّجاه، والاتِّجاه لا يعرفه إلَّا المتَّقون، "هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ"، ومن هم المتَّقون؟ "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ..."[البقرة 3].
والغيب هو ما أشرنا إليه أنَّك لا تستطيع أن تحيط بالحقيقة، تعلم أنَّ هناك ما لا تعلمه، وتعلم أنَّ هناك أفضل لا تعلمه، فتظلُّ الحقيقة غيبًا دائمًا عليك تطلبها، تطلبها بلا كللٍ ولا ملل، وما تطبيقك لما تراه أو تعتقده اليوم، إلَّا طلبًا لها.
وما تقوم به على هذه الأرض، هو دعاءٌ دائمٌ لأن تعلم أكثر، ولأن تفهم أكثر، ولأن تُطبِّق أفضل، وهذا هو معنى الذين "... يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ..."[البقرة 3]، يقيمون الدُّعاء، يدعون دائمًا، يصبح دعاؤهم في كلِّ ما يُطبِّقون، وفي كلِّ ما يفعلون، وفي كلِّ ما يُرزقون، "... مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"[البقرة 3]، وما إنفاقهم إلَّا دعاء، وما ذكرهم بقلوبهم وعقولهم وأجسادهم إلَّا دعاء.
فهم يدعون فيما يفعلون بأجسادهم وقلوبهم وعقولهم، فهذا الذي يفعلونه بوجودهم هو الصَّلاة، وما يفعلونه بمعاملاتهم مع غيرهم هو الإنفاق، فالذِّكر والدُّعاء هو فيما يقوم الإنسان بجوارحه وقلبه وعقله، وفيما يتعامل به مع من يحيطون به من عطاءٍ وإنفاقٍ بكلِّ الصُّور، والإنفاق عطاءٌ في العلم، وعطاءٌ في العمل، وعطاءٌ في الخدمة، وعطاءٌ في المال، وعطاءٌ في كلِّ شيء، "فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى"[الليل 7:5].
فأنت في وجودك وقيامك المشهود تكون في دعاءٍ دائم، وفي مفهومك وإدراكك تكون دائمًا طالبًا للغيب، ففي اتِّجاهك إلى الغيب دعاء، وفي فعلك المشهود دعاء، فأنت في دعاءٍ دائم سواء اتَّجهت إلى الغيب أو اتَّجهت إلى الشَّهادة، وهذا معنى من معاني العبوديَّة لله والافتقار إلى الله.
هكذا نتعلَّم من آية، نتعلَّم الكثير والكثير في كلِّ آيةٍ نقرؤها، يمكننا أن نفهم قضيَّةٌ كاملة، قضيَّةً من قضايا وجودنا، ومن قضايا سلوكنا، ومن قضايا استقامتنا. فلنقرأ آيات الله دائمًا بتعمُّقٍ وتأمُّلٍ وتدبُّر، ولا ننسى أيضًا أنَّنا مهما فهمنا، فإنَّنا ندرك أنَّ هناك ما هو أعلى وما هو أقوم، فنستغفر الله دائمًا أن نقول زورا، أو نغشى فجورا، أو أن نكون به مغرورين.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاة وسلامًا عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نُوضِّحه اليوم: هو تأمُّلٌ في آيةٍ من آيات الله التي تُحدِّثنا عن الكتاب، "ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"[البقرة 3،2].
وهي آيةٌ ترشدنا ـ في العموم ـ إلى ما يجب أن يكون عليه الإنسان في علاقته بالغيب، وفي علاقته بالشَّهادة، وهي السُّؤال الدَّائم للإنسان، ماذا أفعل؟ كيف أقوم في استقامةٍ على هذه الأرض؟
فهذه الآية هي إجابةٌ لهذا السُّؤال، وهي إجابةٌ مفتوحةٌ وليست مغلقة؛ لأنَّها تهديك إلى الطَّريق، ولكن تظلُّ النِّهاية مفتوحةً أمامك، وحياتنا كلُّها على هذه الأرض لا نهاية لها، فكلُّ النِّهايات مفتوحة، لا تعرف كيف ستُنهي حياتك على هذه الأرض؛ لأنَّ حياتك مستمرَّةٌ بعدها؛ ولأنَّك في اللحظة التي أنت عليها اليوم، لا تعرف ما سيحدث لك غدًا، "... وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ..."[لقمان 34].
فالذي يتصوَّر أنَّه يريد أن يمسك الحقيقة بيديه فإنه واهمٌ، فالحقيقة لا تُمسك، ستظلَّ دائمًا باحثًا عنها، المهمُّ أن تكون في طريقها، وفي اتِّجاهها، لا أن تضلَّ الاتّجاه، أو أن تفقد بوصلتك التي ترشدك إلى الوُجهة وإلى القبلة.
والقبلة ما هي إلَّا معنى لهذا، فأنت باتِّجاهك إلى قبلةٍ وُضِعت لك، هي رمزٌ لذلك، وما اتِّجاهك بجسدك إليها إلَّا تعبيرًا عن طلبك الدَّائم أن تُصوَّب قبلتك، وأن تكون مستقبلًا إيَّاها بحقٍّ، فاستقبالك لها كمكانٍ لا يعني أنَّك مستقبلٌ لها كحقيقة، وما اتِّجاهك بجسدك إليها إلَّا تعبيرًا عن طلبك أن يوجِّهك الله إلى قبلتك بحقٍّ، وما كلُّ محاولات الإنسان للتَّفهُّم والتَّفُّكر والتَّدبُّر، إلَّا ليكون بذلك في الوُجهة وفي الاتِّجاه الذي يقوده إلى ما هو أعلى.
وعلامات الاتّجاه إلى الأعلى وإلى الحقيقة هي الإيمان بالغيب، والافتقار إليه في دوام، فإذا فقدت هذه العلامات فقدت بوصلتك، وفقدت وجهتك. فلتُذكِّر نفسك دائمًا بذلك، أن تكون مفتقرًا إلى الله، طالبًا الله، داعيًا الله في كلِّ حالٍ وفي كلِّ قيام.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النَّاس حولنا.
اللهم ونحن نتَّجه إليك، ونتوكَّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلَّا إليك.
اللهم فاكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السَّاعة ذنبًا إلَّا غفرته، ولا همًّا إلَّا فرَّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلَّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا،
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.   
  
____________________

(1)  مقولة للإمام الجنيد.


يعيش الإنسان ويسعى في هذه الحياة بين صوتٍ من خارجه وصوتٍ من داخله


حديث الجمعة 
9 ربيع الثاني 1441هـ الموافق 6 د يسمبر 2019م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من الشَّيطان الرَّجيم، نعوذ به أن نقول زورا، أو نغشى فجورا، أو أن نكون مغرورين. نسأله رحمةً ومغفرةً وقوَّةً تُعيننا على أنفسنا وظلامها، وتُرشدنا إلى الطَّريق القويم، وإلى الصِّراط المستقيم.
عباد الله: إنَّ بداية دورة الإنسان ليكسب وجوده، هي في أن يدرك ما هو عليه في لحظته، في حاضره، في قائمه، وأن يستمع إلى صوت الحقِّ يخاطبه من داخله ومن خارجه، ليُعلِمه عن حاله وقيامه.
فإذا استمع لقول الحقِّ: "إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ"[العاديات 6]، عكس البصر داخله فوجد كنوده، وإذا استمع لآية الحقِّ تخاطبه: "إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا"[المعارج 21:19]، عكس البصر لداخله فوجد ما فيه من عجلةٍ، ومن جزعٍ، ومن امتناعٍ عن تقديم ما لديه من خير.
وإذا جاء له صوتٌ من داخله يقول له ماذا تفعل الآن؟ من أنت؟ ما هو حالك، وما هو قيامك؟ ومن هو ربُّك؟ وما هو هدفك؟ وكيف تتعامل مع إخوانك؟ وكيف تصنع في دنياك، وكيف تسعى فيها؟ وكيف تعامل من هم عليها؟ كيف تعامل أهلك؟ وكيف تعامل صحبك؟ وكيف تتعامل مع كلِّ الكائنات؟ ماذا تفعل اليوم؟ فيتَّجه إلى ربِّه سائلًا له ماذا يفعل، ماذا يُقدِّم، كيف يكون، وكيف يقوم؟.
صوتٌ من خارجه يجعله يتَّجه إلى داخله، وصوتٌ من داخله يجعله يتَّجه إلى خارجه، وبين صوتٍ من خارجه وصوتٍ من داخله يعيش الإنسان، ويسعى الإنسان في هذه الحياة.
تساؤلاتٌ الإنسان لا حصر ولا حدَّ لها، فهو إن كان يتساءل عمَّا يفعل اليوم إلَّا أنَّه يتساءل أيضًا عن قادمه، وعن قديمه. "يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ، أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً"[النازعات 11،10]، "... قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ"[يس 78]، ما هي حياتنا بعد هذه الأرض، وماذا كنا قبل أن نجيء إليها، من أين جئنا؟ هذا التَّساؤل موجود.
لذلك، نجد الآيات التي تُحدِّثنا عن قديمنا وعن قادمنا، "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى ..."[الأعراف 172]. وحين يُحدِّثنا عن خَلْق آدم، تُحدِّثنا الآيات عن خَلْق آدم فهي تُحدِّثنا عن قديمنا. وحين تُحدِّثنا عن ابني آدم، "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ..."[المائدة 27]، فإنَّها تُحدِّثنا عن قديمنا، وعن حاضرنا أيضًا. وحين تُحدِّثنا الآيات عن "... الْيَوْمِ الآخِرِ ..."[التوبة 18]، فإنَّها تُحدِّثنا عن قادمنا. وحين تُحدِّثنا عن الشُّهداء وأنَّهم "... عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ"[آل عمران 169]، تُحدِّثنا عن قادمنا. وكلُّ الآيات التي تَتحدَّث عمَّا بعد هذه الأرض هي حديثٌ عن قادمنا.  
فإذا أردنا وصف الإنسان في لحظةٍ مَّا، فإنَّنا سوف نُعبِّر عنه بتساؤلاته، حال الإنسان يُوصَف بما يتساءل عنه. يتساءل عن صفاته، فيُجاب. ويتساءل عمَّا يفعل، فيُجاب. ويتساءل عن قديمه، فيُجاب. ويتساءل عن قادمه، فيُجاب.
ولكنَّ السُّؤال الأكبر: هل يستمع إلى الإجابة، هل يتفاعل مع الإجابات، هل تُغيِّره الإجابات؟ أو أنَّه كمن يسأل سؤالًا للسُّؤال، فإذا أُجِيب لا يستمع إلى الإجابة، فهو مصرٌّ على تساؤله، وعلى أن يكون تساؤله بلا إجابة؟
إنَّ الإجابة المُجمَلة لكلِّ التَّساؤلات موجودةٌ في فاتحة الكتاب، في "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"[الفاتحة 5]. "إِيَّاكَ نَعْبُدُ" هي تعبيرٌ عمَّن استمع إلى الإجابات، فوصف حاله بعد استجابته أنَّ حاله أن يكون مدركًا لمعنى العبوديَّة لله. فمعنى العبوديَّة لله هو إجابةٌ لكلِّ تساؤلات الإنسان عن قائمه وما يجب أن يكون عليه، والإقرار بهذا المعنى هو تعبيرٌ عن فهمٍ عميقٍ لمعنى وجود الإنسان في هذه الحياة المادِّيَّة، بل أنَّه قد يمتدُّ إلى ما بعد هذه الحياة.
فالعبوديَّة لله في هذا السِّياق، هي إدراك الإنسان لما أوجد الله فيه من قدراتٍ وإمكانات تجعله قادرًا على التَّعلُّم، والتَّفكُّر، والتَّدبُّر، من الحياة المحيطة به، ومن الحياة المحيط هو بها، فتجعله بذلك متفاعلًا مع ما تَجلَّى الله به عليه من خارجه ومن داخله.
فهو يبحث في أسباب الحياة حوله، ويتفاعل معها، الله ظاهرٌ له في آلائه، وفي تجلِّياته، وفي أسبابه، وفي قوانينه، في عقله، وفي قلبه، وفي ضميره، وفي إحساسه، وفي قدرته على التَّمييز، وفي قدرته على الحكم على ما يستطيع أن يحيط به، إنَّه مسئولٌ، وإنَّه راعٍ لنفسه ولمن يعول.
ماذا تفعل؟ السُّؤال الذي يطرحه الإنسان على نفسه. إذا أردت أن تفعل شيئًا، وأن تُقرِّر أمرًا فعليك أن تتعلَّم، وأن تبحث، وأن تسأل، وأن تُجرِّب. إذا أردت أن تعرف قديمك، فلتنظر إلى نفسك اليوم، فإنَّك اليوم إجابةٌ لما كنت عليه في سابق، وجودك، وحالك، وقيامك، هو نتاج ما كنت عليه، تستطيع أن تستنتج من حالك اليوم ما كنت عليه في الأمس.
فإذا وجدت نفسك في حالٍ مؤلمٍ صعبٍ، فاعلم أنَّك قد كنت سببًا في قديمٍ لأن تُلحِق بإنسانٍ هذا الحال،"أعمالكم تُردُّ إليكم"(1)، وتعلم أنَّ لا نجاة لك من هذا الحال إلَّا بأن تلجأ إلى الذِّكر، وإلى الدُّعاء، وإلى الوُصلة بمصدر هذه الحياة ليساعدك أن تتغلَّب على هذا الحال، فقد أصبحت في حالٍ "لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ"[النجم 58].
وإذا أردت أن تعرف قادمك، وما ستؤول إليه، فاتَّجه إلى مصدر الحياة ليُلهمك ما عليك أن تُقدِّمه اليوم بأن تكون أداة خيرٍ لنفسك ولمن حولك، ولأن تُفعِّل كلَّ طاقاتك في سبيل الخير والحياة.
"إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" وهي ما أشرنا إليه في الكلمات السَّابقة، من أنَّ هناك لحظاتٍ ليس لك فيها إلَّا أن تستعين، إلَّا أن تتَّجه، إلَّا أن تدعو. "إِيَّاكَ نَعْبُدُ" هي في كلِّ ما تستطيع أن تفعله على هذه الأرض لتخرج من الظُّلمات إلى النُّور. "وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" هي كلُّ ما لا تستطيع أن تفعل فيه شيئًا بقدراتك وإمكاناتك، وإنَّما تتَّجه إلى مصدر الحياة، وإلى مصدر الحقِّ، وإلى مصدر القوَّة، ليعينك على أن تواجه حالك، وقيامك، وأحداث الحياة حولك.  
فالإنسان يقوم في أمرين وفي حالين، يقوم في حالٍ يستطيع فيه أن يفعل شيئًا، وأن يُغيِّر شيئًا، وحالٍ آخر لا يستطيع فيه أن يفعل شيئًا، أو أن يُغيِّر شيئًا. والفرق بين إنسانٍ وإنسان هو قدرة التَّمييز بين الحال الذي تستطيع فيه أن تفعل شيئًا، والحال الذي لا تستطيع فيه أن تفعل شيئًا؛ لأنَّ كثيرًا من النَّاس يخلطون بين الحالين، وبين القيامين.
ولذلك، ولأنَّنا لا نعرف هل نحن من هؤلاء، أو من هؤلاء، من هؤلاء الذين لا يخلطون بين الأمرين، أو من هؤلاء الذين يخلطون بينهما. لذلك، فالآيات تتوالى لتُوضِّح لنا ذلك، "اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ..."[الفاتحة 7،6]، أنعمت عليهم بالقدرة على التَّمييز، وعلى أن يعرفوا الفرق بين حالٍ وحال، وبين قيامٍ وقيام، وبين قدرةٍ وتسليم، يعرفون كيف يُميِّزون بين الحقِّ والباطل، والنُّور والظَّلام، والخير والشَّرِّ ـ بالنِّسبة لهم.
"اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ..."[الفاتحة 7،6]، الذين لا يعرفون كيف يُميِّزون بين حالٍ وحال، ويخلطون بين الأحوال، ويتكلَّمون بغير علمٍ وبغير معرفةٍ، يتكلَّمون لمجرَّد الكلام، يُردِّدون دون أن يعوا ما يُردِّدون ولا عمَّا عنه يتكلَّمون، فأصبحوا في ضلال.
والضَّلال، هو أن يظنَّ الإنسان أنَّه في أفضل حال، وهو في أسوأ حال، فأنت تدعو أن لا تكون من الضَّالين، الذين يظنُّون "... أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا"[الكهف 104]، "... كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ ..."[النور 39].
إنَّ في فاتحة الكتاب معانٍ تحمل كلَّ قوانين الحياة، ولذلك قيل عنها أنَّها أمُّ الكتاب، وما الكتاب إلَّا شرحٌ لها، وشرحٌ لما فيها، ونحن نقرؤها في كلِّ صلاة، في كلِّ ركعةٍ من صلاة. فلنتأمَّل في معانيها، ولنجعل من ترديدنا لها دعاءً لنقوم فيها، ولنقوم فيما تحمله من معاني، فنُطبِّقها في مبانينا، فيصبح قيامنا مملوءًا بكلِّ معانيها، وأحوالنا هي تعبيرٌ عمَّا هو فيها، وتعاملنا هو تطبيقٌ لما فهمنا منها، فهذه هي الإجابة لكلِّ تساؤلاتنا ولكلِّ طلباتنا.
عباد الله: نسأل الله: أن يجعل منَّا أداة خيرٍ وسلامٍ ورحمة لأنفسنا، ولأمَّتنا، ولأرضنا، وأن يغفر لنا إن نسينا أو أخطأنا، وأن يجعلنا من الذين يرجعون إلى الحقِّ، فالرُّجوع إلى الحقِّ فضيلة.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نُوضِّحه اليوم، هو حال الإنسان الذي يُعبِّر عنه ما يتساءل حوله وعنه، فتساؤلاته تصف حاله، وتصف قيامه. وتساؤلاته هي عن حاضره، وعن قديمه، وقادمه. وقديمه وقادمه، هما من الأمور الغيبيَّة التي يحتاج فيها أن يتَّجه إلى الغيب ليساعده أن يُصحِّح ما كان في سابق، وليساعده أن يكون في حاضره خيرًا لمستقبله.
أمَّا حاضره الذي يستطيع أن يحيط به، فهو مطالبٌ فيه بأن يبذل كلَّ جهده ليُغيِّر ما يرى فيه باطلًا إلى حقٍّ، وما فيه ظلامٌ إلى نور، يحاول أن يكون أفضل، وأن يكون أحسن، بما علَّمه الله، وأوجد فيه من قدرةٍ على التَّعلُّم، وأن يصاحب ذلك أيضًا ألَّا ينسى في حاضره أنَّه في حاجةٍ دائمةٍ إلى أن يدعو ويذكر. حاضره بالاستقامة فيه، يساعده على أن يُصوِّب ما كان، وأن يُصلِح ما هو قادم.
"إِيَّاكَ نَعْبُدُ" تُعبِّر عن حالٍ يدرك فيه الإنسان أنَّ الله قد تَجلَّى على كونه، وعلى خلائقه، وعلى الإنسان ـ بالذَّات ـ في كلِّ ما هو ظاهر، كما تَجلَّى عليه بما أوجد فيه من قدراتٍ يستطيع بها أن يفعل الكثير، هذه القدرات التي تَجلَّى بها الله على الإنسان.
حين يدرك الإنسان ذلك يُعبِّر عنه بـ "إِيَّاكَ نَعْبُدُ"، فيجد الله في قدراته، ويجد الله في أسباب الحياة، فيحاول أن يتعلَّمها، ويحاول أن يُطبِّقها. وقيام الإنسان في حالٍ يفتقر فيه إلى الغيب هو حالٌ يُعبِّر عنه بـ "إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"، وقدرته على أن يُميِّز بين الحالين هي معنى: "الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ".
فنسأل الله: أن نكون من الذين أنعم الله عليهم، غير الضَّالين، غير المغضوب عليهم، حتَّى نكون عبادًا له صالحين.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النَّاس حولنا.
اللهم ونحن نتَّجه إليك، ونتوكَّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلَّا إليك.
اللهم فاكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنَّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السَّاعة ذنبًا إلَّا غفرته، ولا همًّا إلَّا فرَّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلَّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.   
____________________

(1)  حديث قدسي، قال اللهُ تعالَى: يا عبادي! إنِّي حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي وجعلتُه مُحرَّمًا فلا تَظالموا، يا عبادي! إنَّكم تُخطِئون باللَّيلِ والنَّهارِ وأنا أغفِرُ الذُّنوبَ جميعًا ولا أُبالي فاستغفروني أغفِرْ لكم، يا عبادي! كلُّكم جائعٌ إلَّا من أطعمتُ فاستطعِموني أُطعِمْكم، يا عبادي! لم يبلُغْ ضُرٌّكم أن تضُرُّوني ولم يبلُغْ نفعُكم أن تنفعوني، يا عبادي! لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وجِنَّكم وإِنسَكم اجتمعوا وكانوا على أفجرِ قلبِ رجلٍ منكم لم يُنقِصْ ذلك من مُلكي مثقالَ ذرَّةٍ، ويا عبادي! لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وجِنَّكم وإنسَكم اجتمَعوا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني جميعًا فأعطيتُ كلَّ إنسانٍ منهم مسألتَه لم يُنقِصْ ذلك ممَّا عندي إلَّا كما يُنقِصِ المَخيطُ إذا غُمِس في البحرِ، يا عبادي! إنَّما هي أعمالُكم تُرَدُّ إليكم، فمن وجد خيرًا فليحمَدْني ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلَّا نفسَه". الراوي: أبو ذر الغفاري، المحدث: أبو نعيم، خلاصة حكم المحدث: صحيح ثابت.

 


الخميس، 5 ديسمبر 2019

حين يُوجد في الإنسان طلبٌ للحقِّ، إنَّها نقطة البداية.


حديث الجمعة
 2 ربيع الثاني 1441هـ الموافق 29 نوفمبر 2019م
السيد/علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من الشَّيطان الرَّجيم، نعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، نسأله رحمةً وهدايةً وعزمًا، لنكون أفضل، ولنكون أرحم، ولنكون أقوم، لنكون سالكين "... الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ"[الفاتحة 6]، والطَّريق القويم، قاصدين دائمًا وجهه، متوكِّلين دائمًا عليه، مستعينين دائمًا به.
عباد الله: إن آيات الله تُعلِّمنا وترشدنا إلى ما نطلبه ونسأله، ترشدنا إلى ما يُحيي قلوبنا، ويُهدِّئ نفوسنا، ويُنير عقولنا ـ يوم نقرؤها قراءة طلبٍ، وقراءة دعاءٍ، لأن نحقِّق ما فيها من معانٍ، وما بها من إرشادٍ، وما فيها من توجيهٍ.
ونحن نقرأ في كلِّ صلاةٍ فاتحة الكتاب؛ لأنَّ فيها هدف وجودنا وهدف قيامنا، ما يجعلنا قادرين على مواصلة الحياة التي نعيشها، ومن التَّغلب على العقبات التي نقابلها، ومن الإجابة على التَّساؤلات التي نطرحها.
نبدأ دائمًا "بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"[الفاتحة 1]؛ لأنَّ اسم "الرَّحْمَنِ" هو الرَّحمة بلا نهائيَّتها، هو الرَّحمة بلا محدوديَّة وبلا قيود، هو الرَّحمة التي فوق كلِّ شيء، والتي وسعت كلَّ شيء، والتي تحيط بكلِّ شيء، والتي هي أكبر من أيِّ شيء، هي الحياة، هي الثَّواب، هي الهداية، هي الطَّريق، هي الجنَّة، هي العُلا، هي المأوى، هي كلُّ شيءٍ فيه حياةٌ، وفيه نورٌ، وفيه كسبٌ، هي فوزنا، هي نجاتنا، هي حياتنا.
ونبدأ باسمه "الرَّحِيمِ" أيضًا الذي هو الرَّحمة المشهودة، والرَّحمة الموجودة، والرَّحمة التي تحيط بنا في وجودنا المُقيَّد، فالله رحيمٌ بعباده، و"... لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ ..."[الشورى 19]، فأوجد مع كلِّ عسرٍ يسرا، وأوجد مع كلِّ ضيقٍ مخرجًا وفرجا. فنحن بذلك نُذكِّر أنفسنا بأن نكون على صلةٍ دائمةٍ باسمه "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، والتي عَلَّمنا رسول الله أنْ [لا يدخل الجنة أحدكم بعمله، حتى أنت يا رسول الله؟ حتى أنا، ما لم يتغمدن الله برحمته](1).
إنَّه الافتقار إلى الله، إنَّه خشية الله، وخشية الله لا يعرفها إلَّا من عَلِم، "... إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ..."[فاطر 28]، الذين يخشون الله لا يَدَّعون على الله، ولا يتكلَّمون باسم الله، ولا يفرضون وجودهم على الآخرين بادِّعاء أنَّهم ينوبون عن الله، إذا قرأوا الآيات خشعت قلوبهم، فلا يجرؤون أن يقولوا أنَّ الله يريد كذا وكذا، لا يستطيعون أن يقولوا أنَّهم يفهمون شرع الله، وأنَّهم يعلمون شرع الله، وأنَّهم يريدون أن يُطبِّقوا شرع الله؛ لأنَّ شرع الله هو مُطبَّقٌ وقائمٌ، "... إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ..."[الطلاق 3]، إنَّه لا ينتظرهم ليُطبِّقوه.
إنَّما عليهم أن يخشوا الله فيما يقومون به، وفيما يُطبِّقونه هم، كيف يتوافق ما يريدون أن يُطبِّقوه مع ما هو قائمٌ في فطرتهم من معنى الأفضل والأصلح والأقوم.
إن الله تعالى عن أن يريد شيئًا بعينه؛ لأنَّ إرادته فوق أن نعلمها؛ ولأنَّ إرادته نافذة دائمًا في كلِّ صورةٍ وفي كلِّ شكل، فالقضيَّة قضيَّتنا، ومعنى أنَّ الله خلق آدم خليفةً له على الأرض، معنى الخلافة هنا، هو مسئوليَّة الإنسان عن أرضه وعن وجوده.
فوجب على الإنسان أن يتولَّى هذه المسئوليَّة، [كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسئولٌ عن رعيَّته](2)، ويجب على الأمَّة أن تتولَّى مسئوليَّتها، "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ..."[آل عمران 104].
فكيف تكون خشية الله في أقوامٍ يقولون أنَّهم يريدون أن يُطبِّقوا شرع الله، وكيف يحصرون شرع الله في شكلٍ أو في صورةٍ، ويتصوَّرون أنَّهم بذلك أقاموه، أو طبَّقوه، أو فَعَّلوه. خشية الله هي لـ "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ..."[البقرة 3]، فيتحرَّجون أن يتكلَّموا باسم الله، إنَّما يتكلمون بما يرون هم أنَّه الأفضل لهم على هذه الأرض.
وآيات الله حين يقرؤونها يتلمَّسون فيها ما هو أفضل لهم على هذه الأرض من خلال وجودهم، وليس من النَّظر إلى ما يقرؤون تجسيدًا لشكلٍ أو لصورةٍ، فأيُّ إرادةٍ لله هي أكبر من أيِّ شكلٍ أو أيِّ صورة، إنَّما التَّوجيه للإنسان أن يتأمَّل ويتفكَّر.
"بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، تحمل كلَّ هذه المعاني، فأنت تبدأ بها لتُذكِّر نفسك بأنَّك لا تنقل إرادة الله، ولا المقصود من الآيات بمعناها المطلق، إنَّما تريد أن تتفاعل معك الآيات لتجعلك أفضل، دون صورةٍ ودون شكل، إنَّما الشَّكل والصُّورة ينبع منك أنت يوم تكون أفضل، ويوم تكون أحسن، "لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ"[الواقعة 79]، و"الْمُطَهَّرُونَ" ليسوا هم المُطهَّرون ذاتًا أو جسدًا، وإنَّما هم المُطهَّرون قلبًا وعقلًا وإدراكًا، فيصلون بتَأمُّلهم وتَفكُّرهم إلى ما تحمله الآيات لهم.
فإذا قرأوا "الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"[الفاتحة 2]، حملت لهم هذه الآية معنى "الْحَمْدُ"، ومعنى "رَبِّ الْعَالَمِينَ". فالحمد هو قيامٌ يستطيع الإنسان أن يدركه بتأمُّله، وتفكُّره، وتدبُّره، فقد خُلِق الإنسان في صورةٍ، وفي بيئةٍ، وفي حالٍ، وبقدراتٍ وإمكاناتٍ قد تكون قليلةً وصغيرة، وقد تكون كبيرةً وكثيرة، وهو لا يملك أن يُغيِّر صورته، ولا أن يُغيِّر بيئته، ولا أن يُغيِّر قدراته الأساسيَّة، إنَّما يستطيع أن يُنمِّي هذه القدرات بالتَّدبُّر، والتَّعلُّم، والتَّأمُّل، وبالعمل، وبالذِّكر، وبالاستماع، وبالقراءة.
هذا الحال إذا قام فيه الإنسان، أنَّه عرف إمكانيَّاته وقدراته، ورضى عن هذا الحال الذي هو فيه، وفَعَّل ما فيه من قدرات وطاقات، عرف معنى "الْحَمْد"، سيكون قلبه راضيًا عن وجوده، غير ناقمٍ على حاله، يدرك أنَّ الله "رَبُّ الْعَالَمِينَ"، ليس ربَّه فقط، وإنَّما هو "رَبُّ الْعَالَمِينَ"، ربُّ من يخالفونه في العقيدة، وفي الفهم، وفي الإدراك، وفي السُّلوك، وفي العمل، وفي العلم، في كلِّ شيء، فلا يقول كيف يفعل الله لهؤلاء ذلك وأنا أفضل منهم، وهم أقلُّ منِّي، الله "رَبُّ الْعَالَمِينَ"، لا يحكم على أحدٍ، ولا يَصِم أحدًا بأيِّ نقيصةٍ أو صغيرةٍ، إنَّما يكون دائمًا مدركًا أنَّ الله "رَبُّ الْعَالَمِينَ".
هو يتَّجه إلى وجوده فيحاول أن يُخرِج من وجوده أحسن ما يستطيع، قد لا يكون الإنسان قائمًا في ذلك، ولكنَّه بعقله يدرك أنَّه لا يستطيع أن يكون غير ذلك، إذا أراد أن يحيا حياةً قويمةً، ويستعين على نفسه بـ"الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"[الفاتحة 3]، "الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"، كما بدأ بها يُؤكِّدها بعد إدراكه لمعنى "الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"، فيطلب قوَّةً ورحمةً من "الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"، ليكون في هذا الحال، في حال الحمد الذي يُمَكِّنه من أن يُنجِز، وأن يُغيِّر، وأن يتطوَّر بإمكاناته وقدراته.
ويعلم أنَّه مهما اختلف مع الآخرين، فالله "مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ"[الفاتحة 4]، هكذا نُعلَّم. حين يعتقد البعض أنَّه أفضل من الآخر، فالذين يدركون يقولون: الله يحكم بيننا يوم القيامة، "اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ"[الحج 69]، في كلِّ أمور حياتكم، في كلِّ أهدافكم، في كلّ أفعالكم، في كلِّ صوركم.
عباد الله: إن قراءة الآيات ليست مجرَّد ذكرٍ، وإنَّما هي أيضًا دعاءٌ ـ كما نقول دائمًا ـ فالذّكر دعاء، والدُّعاء ذكر، فإذا قرأنا الآيات فلندعُ بما فيها، ولنتَّجه إلى الله لأن يُعيننا على أن نقوم في معانيها ومبانيها.
فمعانيها هي مفهومٌ يقوم فينا، ومبانيها هي قيامٌ نقوم فيه، هكذا يكون الإنسان في الطَّريق القويم، وعلى الصِّراط المستقيم، وهذا مفهومٌ لنا وليس أمرًا مطلقًا، فكلُّ إنسانٍ له مفهومه، وله إدراكه.
نسأل الله: أن يُحقِّق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
___________________
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نُوضِّحه اليوم من وجهة نظرنا: هو تأمُّلٌ في آياتٍ من فاتحة الكتاب، والتي نقرؤها في كلِّ صلاة، ونقرؤها دعاءً وطلبًا للعون وللرَّحمة، لعلَّنا ونحن نقرؤها في كلِّ مناسبةٍ، وفي كلِّ عبادةٍ أن نتذكَّر معانيها، وأن نحاول أن نقوم في مبانيها، [فقد جُمِع القرآن في فاتحته، وجُمعَت الفاتحة في البسملة، وجُمعَت البسملة في بداية الباء، التي نبدأ بها البسملة، "بِسْمِ اللّهِ"، كما قال البعض](3).
وهذا تعبيرٌ مجازيّ عن أنَّ الحقيقة كلُّها تكمن في نقطة الحقِّ، في أن يُوجد في الإنسان طلبٌ للحقِّ، إنَّها نقطة البداية، إنَّها نقطة الطَّلب، أنَّك تطلب، أنَّك تدعو، أنَّك تفتقر، أنَّك لا تغترُّ بنفسك، ولا تتكبَّر بذاتك، ولا تَدَّعي علمًا بما يريد الله ـ إنَّما أنت مفتقرٌ إلى الله، مُتَّجهٌ إليه.
تعلم أنَّ كلَّ ما تقول وما تفعل، وما هو موجودٌ فيك بقدرتك، بفطرتك، بما حصَّلت من علمٍ، والعلم الذي حصلت عليه هو مفهومك أنت، هو إدراكك أنت، ليس كلُّ ما تعلم هو الحقُّ المطلق، إنَّما هو علمٌ تَعلَّمته، هو أمرٌ أدركته، هو أمرٌ عَقِلته، ورأيت فيه أنَّه ما يُحييك، وما يُخرِجك من حالٍ إلى حال.
عباد الله: علينا أن نقرأ آيات الله قراءة دعاءٍ وطلبٍ ورجاء، أن نقوم في معانيها، وأن يكون سلوكنا، وحالنا، وتصرُّفاتنا، هي تعبيرٌ عن هذا المفهوم الذي قام فينا.
نسأل الله: أن يُحقِّق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النَّاس حولنا.
اللهم ونحن نتَّجه إليك، ونتوكَّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلَّا إليك.
اللهم اكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنَّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.  
____________________

(1)    "لا يُدخل أحدكم الجنة عمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة وفضل" حديث شريف رواه أحمد بهذا اللفظ ورواه البخاري ومسلم هكذا "سددوا وقاربوا وابشروا فإنه لن يُدخل الجنة أحدكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمه ".

(2)    جاء بسنن الترمذي: ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم أنه‏ ‏قال ‏" ‏ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه ، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"‏. 

(3)    روى الشعراني: عن الإمام علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه وكرّم وجهه أنّه كان يقول: لو شئت لأوقرت لكم ثمانين بعيراً من معنى (الباء) .. لطائف المنن 1: 171، طبعة مصر..

وروى القندوزي الحنفي في (ينابيع المودّة) ما لفظه: وفي الدرّ المنظم: إعلم أنّ جميع أسرار الكتب السماوية في القرآن، وجميع ما في القرآن في الفاتحة، وجميع ما في الفاتحة في البسملة، وجميع ما في البسملة في باء البسملة، وجميع ما في باء البسملة في النقطة التي تحت الباء، قال الإمام علي كرّم اللّه وجهه: أنا النقطة التي تحت الباء.

وقال أيضاً: "العلم نقطة كثّرها الجاهلون، والألف وحدة عرفها الراسخون" .. ينابيع المودّة: 69 و 408، طبعة إسلامبول.