السبت، 12 أكتوبر 2019

معالم السُّلوك في طريق الله، وبعض الأدوات التي يجب أن يتحلَّى بها السَّالك


حديث الجمعة 
12 صفر 1441هـ الموافق 11 أكتوبر 2019م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
عباد الله: إنَّا حين نتدبَّر آيات الله في الآفاق وفي أنفسنا، نجد أنَّ الحقَّ قد كشف لنا عن طريق الحياة، فيما علَّمنا عن قانونه وأسبابه.
علَّمنا عن خَلْق الإنسان، "... إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ..."[البقرة 30]، "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ"[التين 4]، "خَلَقَ الْإِنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ"[الرحمن 4،3].
وهذا أوَّل درسٍ علينا أن نتعلَّمه، وأنَّ كلًّا منّا كإنسانٍ فيه ما يُمَكَّنه من أن يقرأ ما حوله، وأن يؤثِّر فيما حوله، وأنَّ هناك ما يمكن أن يقرأه، "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ..."[فصلت 53].
"... وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً"[الإسراء 15]، فالتَّبليغ هو أمرٌ دائمٌ في آيات الله في الآفاق وفي أنفسنا، والتَّأثير في أنفسنا وفي مجتمعنا هو قدرةٌ أعطاها الله لنا، "... إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ..."[الرعد 11]، و"مَا بِأَنْفُسِهِمْ"، تعود هنا على الإنسان وعلى مجتمعه، فأنت قادرٌ على أن تستشعر آيات الله من حولك، وقادرٌ أن تُغيِّر ما بنفسك وما فيه مجتمعك.
وكذلك، علَّمتنا آيات الله ماذا نفعل حين نشعر بعجزٍ، أو بضعفٍ، أو بوهنٍ، "... ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ..."[غافر 60]، "... فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ..."[البقرة 186]، وكلُّ العبادات هي دعاءٌ، وهي استعانةٌ، وهي جهادٌ، "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ..."[العنكبوت 69]، وهي محاولةٌ للقرب من مصدر الحقِّ، وهي محاولةٌ للتَّواصل مع الله في النَّاس، بالتَّكافل والتَّعاون معهم.
لذلك، نجد كلَّ عبادةٍ وهي أساسها دعاءٌ، إلَّا أنَّ كلًّا منها يرمز إلى معنى من هذه المعاني التي ذكرناها، والتي هي الوسيلة للسُّلوك في طريق الله.
فالصَّلاة دعاء، وهي طلب صلةٍ بالحقِّ، بغيبه ومشهوده. والصَّوم جهادٌ في سبيل الله، في مجاهدة الإنسان لنفسه المتثاقلة إلى هذه الأرض. والزَّكاة هي تعاملٌ مع الله في النَّاس، في أن يكون الإنسان أداة خيرٍ لمن حوله، وهي تعبيرٌ شاملٌ عن كلِّ المعاملات مع النَّاس جميعًا في كلِّ صورهم. والحَجُّ هو محاولتك للقرب من مصدر الحقِّ على هذه الأرض، فحِجُّك هو محاولتك للبحث في أيِّ أمرٍ تقوم به عمَّا فيه من حقٍّ، وتقترب إليه. هذه أدواتك في سلوكك في طريق الله، أو هذه بعضٌ من الأدوات التي يمكنك أن تستخدمها.
ولكنَّ هناك الكثير من الصِّفات التي يجب أن تحاول أن تتحلَّى بها، من هذه الصِّفات التَّواضع لله، "من تواضع لله رفعه"(1)، "... وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ..."[الإسراء 24]، "وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً"[الإسراء 37]، "وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ..."[الإسراء 36]، ولا تُطلِق أحكامًا مطلقة، وإنَّما تعرف قدر نفسك.
وهناك أمورٌ عليك أن تُحدِّث بها نفسك دائمًا، فالنَّفس الأمَّارة بالسُّوء تحاول أن تجعل الدُّنيا كلَّ همِّك، وما فيها كلَّ علمك، تُحدِّث نفسك بأنَّ "... الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ..."[العنكبوت 64]، وأنَّ حياتك مستمرَّةٌ، وآيات الحقِّ تُبشِّرك بذلك، "وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ"[آل عمران 169].
وتضيف الإيمان باليوم الآخر إلى الإيمان بالله، "... مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ..."[البقرة 62]، وآيات الله في الكون تُبشِّرك بذلك دائمًا، كما بَشَّرتك في الرِّسالات السَّماويَّة، فالبشرى قائمةٌ دائمًا في الظَّواهر الرُّوحيَّة التي ظهرت حديثًا نسبيًّا، مصداقًا لقوله: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ ...".
فظهرت ظاهرة الاتِّصال الرُّوحيّ، وما بَشَّرت به الأرواح المُتَّصلة عن حياة الرُّوح، وما يلاقيه الإنسان بعد انتقاله، كما بَشَّرت وسائل أخرى بذلك في محاولات البعض للرُّجوع بذاكرتهم إلى ما قبل وجودهم الأرضيّ، وما تحدَّث البعض منهم عن ذلك، آياتٌ في الشَّرق، وفي الغرب، لتُبشِّر الإنسان بحياةٍ أفضل بعد انتقاله، فلا يخشى ظاهرة الموت، ويعلم أنَّها حقيقةٌ، وأن الحياة مستمرَّةٌ دائمة في صورٍ مختلفة، "فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ"[الإنفطار 8].
كما تعلَّمنا من آيات الله، ومن حديثه المستمرّ فيما يظهر لنا من آياتٍ وظواهر، أنَّ الإنسان بعمله، "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ"[الزلزلة 8،7]، [لا فضل لعربيٍّ على أعجميٍّ إلَّا بالتَّقوى](2)، فالنَّاس جميعًا في الشَّرق والغرب، في الشَّمال والجنوب، الأبيض والأسود والأصفر، كلُّ الأجناس، وكلُّ الأشكال، وكلُّ الملل والنِّحل، كلُّ الأديان، وكلُّ المعتقدات، القضيَّة في النِّهاية هي قضيَّة الإنسان، وجوهر الإنسان، وعمل الإنسان، وإيمان الإنسان بحياته ووجوده.
الله أكبر عن أيِّ صورةٍ وعن أيِّ شكل، "... غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ"[آل عمران 97]، وضع قانونه الذي يحكم كلَّ شيء، "... مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ..."[الأنعام 38]، والكتاب هنا، هو القانون الإلهيّ، الكلُّ سواسيةٌ أمام هذا القانون.
من يتعلَّم من آيات الله في القديم، وفي الحاضر، وفي المستقبل، هو الإنسان السَّالك في طريق الله، المجاهد في سبيل الله، هو الشَّهيد الذي هو حيٌّ عند الله.
 إنَّ كلَّ إنسانٍ يحاول ويجاهد أن يلتزم بقوانين الحياة في معاملاته، وفي أفكاره، وفي سلوكه، وفي إعماله لما أعطاه الله من طاقات، وفي تغييره لنفسه ولمجتمعه، ولا ييأس من رحمة الله، ولا من فضل الله ـ يأمل بذلك أن يكون في معنى الشَّهيد، وفي معنى الشَّهادة، يأمل في ذلك، ولا يوقن بذلك، فهو لا يستطيع أن يوقن بشيء، [ها أنا رسول الله بينكم ولا أدري ما يُفعَل بي غدا](3)، يطمع بعد كلِّ ذلك في رحمة الله، وفي فضل الله، وفي كرم الله.
نسأل الله: أن نكون ممَّن يسلكون طريق الله، ويطمعون في رحمة الله، ويسألون الله فضلًا، وكرمًا، ومغفرةً، في كلِّ لحظةٍ وحين.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
______________________
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم، وحديثنا اليوم: هو عن معالم السُّلوك في طريق الله، وعن بعضٍ من الأدوات التي يجب أن يتحلَّى بها السَّالك فيما يقوم به، وفيما يفعله، وفيما يتعامل به مع كلِّ الكائنات.
فنحن نأمل جميعًا أن نكون من السَّالكين في طريق الله، وأن نكون متحلِّين بصفات عباد الله، وأن نكون بعد كلِّ ذلك طامعين في رحمة الله، وأن تكون أفعالنا مطابقةً لمفاهيمنا ولأقوالنا، فإذا وجدنا أنَّنا نفعل غير الذي نتكلَّم به، اتَّجهنا إلى الله أن يعيننا على نفوسنا، وعلى ظلامها، وجاهدنا لنتوافق مع ما نؤمن به وما نقوله.
فالتَّوافق بين ما نفعله وبين ما نفهمه، هو العمل الصَّالح، وهذا من رحمة الله بالإنسان، فـ "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ..."[البقرة 286].
عباد الله: نسأل الله: أن يحقِّق لنا ذلك، وأن يجعلنا أهلًا لرحمته، وأهلًا لنعمته، وأهلًا لفضله وعلمه وحكمته.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النَّاس حولنا.
اللهم فاكشف الغمَّة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنَّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السَّاعة ذنبًا إلَّا غفرته، ولا همًّا إلَّا فرَّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلَّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.
___________________

(1)    حديث شريف نصه: "من تواضع لله رفعه الله". الراوي: أبو هريرة، المحدث: الألباني.

(2)    نص الحديث كما أخرجه أحمد بن حنبل: " يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى".

(3)    حديث شريف، نصه (قال صلى الله عليه وسلم: "هذا أنا رسول الله، والله ما أدرى ما يصنع بي")، وفى رواية أخرى "قال صلى الله عليه وسلم: ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل بى ولا بكم". (أخرجه احمد ابن حنبل - مسند احمد بن حنبل).




السبت، 5 أكتوبر 2019

ماذا نفعل ونحن لا ندرك الفعل الذي يؤدِّي بنا إلى التَّوافق والتَّناغم مع إرادة الله؟


حديث الجمعة 
5 صفر 1441هـ الموافق 4 أكتوبر 2019م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
   "... الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ ..."[الأعراف 43]. الفضل من الله، والتَّوفيق من الله، فلا حول ولا قوَّة إلَّا بالله.
ندرك هذا المعنى تجريدًا، وإكبارًا، وإطلاقًا، للقدرة اللانهائيَّة التي وراء هذا الكون والتي في هذا الكون، وندرك أنَّنا بتوافقنا وتناغمنا مع هذه الإرادة، نكسب أكثر في الله، وهذا أيضًا إيمانٌ مجرَّد، لا نستطيع أن نقول أنَّ فعلًا مَّا متوافقٌ مع إرادة الله أو غير متوافقٍ مع إرادة الله، وإنَّما فهمنا هذا، هو فهم ٌ لقانون الحياة. والتَّساؤل هو: ماذا نفعل ونحن لا ندرك الفعل الذي يؤدِّي بنا إلى التَّوافق والتَّناغم مع إرادة الله؟
هذه مُعْضِلةٌ في كلِّ أمور حياتنا، فنحن لا نعرف الغيب، ولا نطَّلع على الغيب، بل أنَّنا في حياتنا المادِّيَّة وفي علمنا المادِّيّ لا نعرف الكثير، وهو بذلك يكون غيبًا علينا، ولكنَّ الإنسان وَجد من خلال تجاربه ومشاهداته وسيلةً للتَّعامل مع هذه المُعْضِلة، وهذه الوسيلة هي المحاولة، وهي الاكتشاف، وهي المشاهدة، وهي أن يضع فرضًا ويحاول أن يحقِّقه، يُكوِّن له صورةً عمَّا لا يعرفه، ويُجرِّب، ويُغيِّر، ويُعدِّل.
بالنِّسبة لإرادة الله الكليَّة، لا نستطيع أن نضع لها فرضًا، ولكنَّنا نستطيع أن نضع فروضًا لأمورٍ نرى فيها الصَّلاح في حياتنا، هذه الفروض لها علاقةٌ بحياتنا الأرضيَّة، لها علاقةٌ بنظامنا الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ، لها علاقةٌ بحياة الإنسان المادِّيَّة ومستقبله على هذه الأرض.
وإن كانت حياة الإنسان هي غيبٌ عليه، إلَّا أنَّها تقع تحت معنى: "فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ ..."[الجن 27،26]، فأنت قد تفترض أنَّه لمعيشتك على هذه الأرض، عليك أن تُنشِئ مشروعًا، أو أن تُنتِج مُنتَجًا، أو أن تزرع أرضًا، أو أن تتعلَّم عِلمًا ـ وتحاول في حاضرك أن تستكشف ما تريد، وما تستطيع أن تُحقِّقه.
نريد هنا أن نُفرِّق بين ما لا نستطيع وما نستطيع، وهذا ما نذاكر به دائمًا في معنى الفهم المُجرَّد، والعمل والفهم المُقيَّد. وما قلناه الآن، هو مثالٌ لذلك، فأنت لا تعرف ما يريد الله بك، وما يريد الله لك، وهذا فهمٌ مُجرَّد، ولكن لا يمنعك ذلك عن أن تحاول في واقعك أن تُغيِّر، وأن تُبدِّل، وأن تختار، وأن تحاول، وأن تُجرِّب، وأن تطرق الأبواب، وأن تبحث في العلوم، وأن تبحث فيما يحيط بك من طرقٍ ووسائل، لتُغيِّر بها حالك إلى الأفضل والأحسن والأقوم.
وأنت في كلِّ ذلك، عليك أن تقوم في معنى تقوى الله، فأنت تبذل كلَّ جهدك بقدر علمك وبقدر معرفتك، وتحاول أن تُقدِّم أحسن ما لديك وأفضل ما تدرك، وهذا من تقوى الله، "إنَّ الله يُحِبُّ إذا عمل أحدكم عملًا أن يُتقنه"(1)، وهذا من تقوى الله.
إنَّ كلَّ إنسانٍ عليه أن يعرف قدراته، وألَّا يتعدَّى قدراته، فلا يتكلَّم بما ليس له به علم، "... وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ..."[البقرة 285]، هذا من تقوى الله، فالإدراك لما هو مُجرَّدٌ ولما هو مقيَّدٌ، والتقوى في قيامك فيما هو مُقيَّد ـ هو طريقك للصَّلاح والفلاح.
ويُعبَّر في بعض الآيات عن المُجرَّد بالإيمان بالله واليوم الآخر، ويُعبَّر عن المُقيَّد بالعمل الصَّالح، "... مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً ..."[البقرة 62]. لذلك، نتحدَّث دائمًا، أنَّ الإسلام وأنَّ المسلم هو من آمن بالله مُجرَّدا، أسلم وجهه لله، وأنَّ المؤمن هو من عمل صالِحًا بما هو مشهودٌ له في مادِّيِّ قيامه ووجوده.
وهذه المعاني، هي معاني فوقيَّة، فوق أيِّ شكلٍ، وأيِّ صورةٍ، وأيِّ دينٍ، وأيِّ رسمٍ، وأيِّ شريعةٍ يظنُّها النَّاس ويتَّبعونها، إنَّها قوانين روحيَّة، فطريَّة، معنويَّة، إلهيَّة ـ وكلُّ إنسانٍ بفطرته يستطيع أن يصل إليها، وأن يتعلَّمها؛ لأنَّها صدقٌ مع الواقع، ومع الحياة، ومع العلم. وهذا ما نتأمَّله في معنى: "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ..."[آل عمران 19].
عباد الله: نسأل الله: أن نكون مسلمين حقًّا، وأن نكون مؤمنين حقًّا، وأن نكون من الذين آمنوا بالله واليوم الآخر وعملوا صالِحًا، وأن نجتمع دائمًا على ذكره وعلى طلبه وعلى مقصود وجهه.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نُوضِّحه اليوم: هو كيف أنَّ مفهوم التَّوافق مع إرادة الله، هو مفهومٌ مجرَّد؛ لأنَّنا قد نستعمله في بعض الأحيان في غير موضعه، كما لو أنَّنا نعرف إرادة الله، فيجب علينا أن نتوافق معها.
ونحن ـ كواقعٍ ـ لا نستطيع أن نعرف إرادة الله، فإرادة الله قائمة، سواء فيما نُحِبُّ أو نكره، فيما نراه خيرًا أو نراه شرَّا، فإرادة الله قائمةٌ بلا شكل، وبلا رسم، وبلا صفة، ويجب علينا ألَّا نصفها بصفة، فهي فوق الصِّفات والأشكال.
        وإنَّما ما نراه، هي رؤيتنا، ورؤيتنا محدودةٌ بإرادتنا، وبفهمنا، وبقيامنا، وبوقتنا، وبمكاننا. فعلينا أن نبحث عمَّا يجب أن نقوم فيه، من خلال ما نستطيع أن نحيط به ولو بِقدْر، وتكون هذه دائرتنا التي نتحرَّك فيها، وندرك أنَّ قيامنا بذلك في صدقٍ هو ما نستطيع، وما نستطيعه هو متوافقٌ بالفطرة وبالقانون مع إرادة الله الكليَّة، "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ..."[البقرة 286].
فهذا توافقٌ حُكْمِيّ؛ لأنَّنا لا نستطيع أن نقوم في غيره، وهذا من أسرار خَلْقنا، أودع في كلِّ إنسانٍ ما يشغله، وما يعرفه، وما يُقدِّره، وجعل لكلِّ إنسانٍ قدراته وإمكاناته، وهذا ما يستطيع أن يقوم فيه الإنسان.
ومع كلِّ ذلك، فعلى الإنسان دائمًا أن يُكبِر الله وإرادته عن كلِّ صورةٍ وشكل، حتَّى إذا كان هذا هو الحال الوحيد الذي يستطيع أن يقوم فيه، ربَّما هو لا يعرف إلَّا ذلك، وربَّما يتَّسع إدراكه ليقوم في صورةٍ أخرى، فمفهومه في توافقه، هو توافقٌ نسبيّ، وليس توافقًا مطلقًا.
عباد الله: نسأل الله: أن يوفِّقنا لما فيه صلاحنا، ولما فيه نجاتنا، ولما فيه خيرنا، نتَّجه إليه، ونتوكَّل عليه، ونوكل ظهورنا إليه، ونسلم وجوهنا إليه، لا ملجأ ولا منجى منه إلَّا إليه.
اللهم فاكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنَّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم فتولَّنا فيمن تولَّيت، وأكرمنا فيمن أكرمت، واعف عنا فيمن عفوت.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السَّاعة ذنبًا إلَّا غفرته، ولا همًّا إلَّا فرَّجته، ولا حاجةً فيها رضاك إلَّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.
___________________
(1)   حديث شريف أخرجه أبو يعلي والطبراني (كتاب المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة للإمام السخاوي).




الجمعة، 27 سبتمبر 2019

رؤيتنا تنبع من مقدار صفائنا ورقينا وعلمنا


حديث الجمعة 
28 محرم 1441هـ الموافق 27 سبتمير 2019م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
الحمد لله الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.
الحمد لله الذي جعل لنا بيننا، حديثًا متَّصلًا نتواصى فيه بالحقِّ والصَّبر بيننا.
"... الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ..."[الأعراف 43].
هدانا الله إلى فهمٍ في الحياة وقانونها، هدانا إلى "... كَلَمَةٍ سَوَاء ..."[آل عمران 64] نتواصى بها، هدانا إلى عملٍ صالحٍ نقوم به، هدانا إلى طريقٍ نسلكه، وإلى بابٍ نطرقه، وإلى قبلةٍ نتوجَّه إليها، وإلى وجهٍ نقصده، هدانا إلى أن نفهم ديننا فهمًا يُقرِّبنا إلى الحقِّ في وجودنا، وإلى الحقِّ حولنا.
نذكر نعمة الله علينا دائمًا فيما هدانا إليه، ونطلبه أن يوفِّقنا دائمًا إلى ما هو أقوم وأحسن، مدركين أنَّ [طريق الله لا نهاية له](1)، وأنَّ [ما من كمالٍ إلَّا وعند الله أكمل منه](2).
حين ننظر حولنا، وحين ننظر إلى تاريخنا، ونجد النَّاس وقد فهموا رسالات الله لهم بصورةٍ مختلفةٍ عمَّا فهمناها، نشعر أكثر بنعمة الله علينا، وفي نفس الوقت نشعر أكثر بخشية الله. فنحن نرى الدِّين في جماله، وفي صفائه، وفي تناغمه مع قوانين الحياة، ومع كلِّ المعاني الجميلة من محبَّةٍ، وتسامحٍ، وصفاءٍ، من إخلاصٍ في كلِّ شيء، في العمل، وفي المعاملة، وفي التَّعامل، وفي العبادة، وفي الدُّعاء، وفي التَّجمُّع، في كلِّ مناحي الحياة، نرى الدِّين في رحمة الله، وفي كرم الله، وفي نعمة الله.
وفي نفس الوقت، نرى النَّاس الذين لم يروا في الدِّين إلَّا كلماتٍ جوفاء ردَّدوها، وإلَّا معاني شكليَّةٍ عبدوها، وإلَّا أصنامًا خلقوها.
كيف حدث ذلك، ولماذا رأوا ذلك، ولماذا رأينا نحن غير ذلك؟
حين نتأمَّل في أحوال النَّاس في الماضي والحاضر، نتعلَّم دائمًا أنَّ الإنسان لا يرى إلَّا بأهليَّته، وإلّا بمشيئته، وإلّا بفطرته، وإلَّا بقدرته وسعته، "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ..."[البقرة 286]، وسعة الإنسان تتغيَّر، لذلك فسيظلُّ الأمر كذلك؛ لأنَّه سيظلُّ النَّاس كذلك، فالنَّاس درجاتٌ ومراتب، وكلٌّ يرى بما هو له أهل.
لذلك، فإنَّ علينا ألَّا نتعجَّب ممَّا نرى، وأن نحاول أن نكون أكثر صدقًا مع أنفسنا، ومع عقولنا، ومع قلوبنا؛ لأنَّ رؤيتنا تنبع من مقدار صفائنا، ومن مقدار رقيِّنا، ومن مقدار علمنا، فعلينا أن نتَّجه أكثر إلى داخلنا، أن نذكر أكثر، وأن نتأمَّل أكثر، وأن نتدبَّر أكثر، وأن نجاهد أنفسنا أكثر، متَّجهين إلى الله بالدُّعاء والرّجاء في أن يجعلنا أهلًا لرحمته، وأهلًا لنعمته، وأهلًا لعلمه وحكمته.
عباد الله: نسأل الله: أن يُحقِّق لنا ذلك، وأن يجعلنا دائمًا أهلًا لرحماته، وأن يجعلنا من الذين يقصدون وجهه، والذين يتوكَّلون عليه، والذين يجتمعون على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.
نسأل الله: أن يجمعنا دائمًا على الخير، وأن يوفِّقنا إلى الخير.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
________________________
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نُوضِّحه اليوم: هو الفارق في الرُّؤى بين أناسٍ وأناس ـ رؤاهم لدينهم وما يحمله من رسائل لهم ـ وأنَّ هذه الرُّؤى تختلف بحسب كلِّ إنسانٍ وسعته، وعلمه، وقدرته، وصفائه، ونقائه.
فهناك من لا يرى إلَّا القشور، وهناك من ينظر إلى الجوهر، رؤيته تتعدَّى الظَّاهر، وآخرٌ لا يستطيع أن يرى إلَّا الظَّاهر، وأنَّ هذا ما حدث ويحدث في متابعي كلِّ الدِّيانات، وكلِّ الرِّسالات، وكلِّ الطُّرق. فهناك من لا يأخذ من الأمر إلَّا ظاهره، وإلَّا شكله، وإلّا رسمه، وهناك من تتعدَّى رؤيته هذه الصُّور والأشكال، إلى العمق الذي تهدف إليه هذه الصُّور والأشكال.
وفي كلِّ مجالٍ، أو في كلِّ فريقٍ درجات، فالجمود درجات، والتَّغيُّر والتَّفكُّر والتَّدبُّر درجات، وهذا حال البشر من قديم، وسيظلُّ حال البشر كذلك، وسيظلُّ كلٌّ يدعو إلى ما يراه، ولن يتوقَّف ذلك، فهذه هي الحياة. وعلى كلِّ إنسانٍ أن يدرك هذا المعنى، فيظلَّ مدافعًا عن رسالته، وعن مفهومه، وعن رؤيته، وهو يعلم تمامًا أنَّ هناك آخرٌ يدفع في الطَّريق العكسيّ.
ولكنَّ هكذا هي الحياة، ما بين اتِّجاهٍ واتجاه، تتكاثر وتتوالد أفكارٌ جديدة ومعانٍ كثيرة لا نهاية لها، وعلى الإنسان أن يستغفر الله دائمًا، وأن يخشى الله دائمًا أن يظن أو أن يعتقد أن ما يراه هو الحقُّ المطلق، فكلُّ ما يراه هو حقٌّ نسبيٌّ لما هو موجودٌ فيه من قدرةٍ وعلم، يتغيَّر مع الوقت، [فما من كمالٍ إلَّا وعند الله أكمل منه].
هكذا نتعلَّم دائمًا فيما نقوله، وفيما نراه، وفيما نفعله.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النَّاس حولنا.
اللهم ونحن نتَّجه إليك، ونتوكَّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلَّا إليك.
اللهم فاكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنَّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السَّاعة ذنبًا إلَّا غفرته، ولا همًّا إلا فرَّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلَّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.
______________________

(1)  مقولة صوفية: [إنَّ طريق الإنسان إلى الله له نهاية، وإنَّ طريق الإنسان في الله لا نهاية له].

(2)    مقولة للإمام الجنيد.



السبت، 14 سبتمبر 2019

هل يُغيِّرك دعاؤك إلى أن تكون أفضل في تعاملك مع من حولك، أم أنَّه لا يُؤثِّر فيك؟


حديث الجمعة 
14 محرم 1441هـ الموافق 13 سبتمبر 2019م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
عباد الله: إنَّا حين نرجع إلى كتاب الله، وإلى عترة رسول الله، وننظر إلى ما صار إليه حالنا، وما أصبح عليه ديننا، من معتقداتٍ ومفاهيم يتداولها النَّاس، ويُكرِّرها من يقولون على أنفسهم أنَّهم علماء الدِّين، الذين يعرفون الدِّين، نجد أنَّ هناك فرقًا كبيرًا بين ما نستطيع أن نفهمه من كتاب الله، وما نراه واقعًا في حياتنا.
هناك تعدُّدٌ في واقعنا بين فرقٍ مختلفة، وكلُّ فريقٍ وقف عند لحظةٍ في التَّاريخ، وأراد أن يثبِّتها، وأن يجعل الدِّين هو ما وصل إليه علماء هذه الفترة، والذين أعطوا لأنفسهم حقًّا ليس لهم في أن يُثبِّتوا ما لا يُثبَّت، وأن يُجمِّدوا ما لا يُجمَّد، وأن يُوحِّدوا ما لا يُوحَّد.
فالتَّعدُّد والاختلاف، هو من سِمَة خَلْق الله على هذه الأرض، "... لَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ..."[المائدة 48]، "... جَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ..."[الحجرات 13]، والتَّقوى هي خشية الله، وخشية الله تجعل الإنسان لا ينسب شيئًا لله، ولا يجعل رأيه وحكمه هو حكم الله، فهو دائمًا يُكبِر الله عن أيِّ صورةٍ، وعن أيِّ حكمٍ هو يراه.
وآيات الله تكشف لنا هذا في تكليف الإنسان، وفي معنى أنَّ الإنسان هو خليفة الله على الأرض، "... إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ..."[البقرة 30]، فمشيئة الإنسان هي ما يُحرِّكه، "... فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ..."[الكهف 29]، "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ"[الزلزلة 8،7]، [كن كيف شئت فإنِّي كيفما تكون أكون](1)، "قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا، أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ..."[الإسراء 51،50]، "الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ"[الرحمن 4:1]، "وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ..."[البقرة 31]، "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ..."[الأحزاب 72].  
فالإنسان مسئولٌ عن حياته وعن وجوده، والرِّسالات السَّماويَّة تُوضِّح له مفاهيم كليَّة، وقوانين عامَّة، وكلٌّ يقرؤها بأهليَّته، "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ..."[البقرة 286]، وكلُّ إنسانٍ يأخذ بسعته.
ولكنَّنا حين ننظر في تاريخنا، نجد أنَّ مجموعةً من البشر أرادوا أن يفرضوا رؤيتهم على الجميع بمقولة أنَّهم من يعلمون، وأنَّهم من يعرفون، وانساق النَّاس لهم، وعبدوهم، وساروا وراءهم، إلَّا من رحم الله، وإلَّا من عَلَّم الله، وإلَّا من فتح الله عليه وجعل له نورًا، فاتَّجه إلى قلبه، وسأل قلبه، وقرأ رسائل الله له، وآيات الله له، وعرف أنَّ القضيَّة قضيَّته، وأنَّ الطَّريق طريقه، وأنَّ الحياة حياته، وأنَّ المسئوليَّة مسئوليَّته، فقرأ ليُعلِّم نفسه وليوجِّهها إلى الطَّريق الذي يرى أنَّه الخير وأنَّه الحقُّ.
إنَّ الدِّين الذي نراه اليوم، والذي عليه أغلب النَّاس، هو شكلٌ وصورة، هو رسمٌ وكسم، هو أفعالٌ تُفعَل، وحركاتٌ تُؤدَّى، وكلماتٌ تُقال، دون وعيٍ ودون فهمٍ لما يُؤدَّى ولما يُقال.
بإدراكنا لذلك، تَوَجَّهنا كما تَوَجَّه السَّابقون إلى أن نقرأ قراءتنا، وأن نحاول أن نتعمَّق في الكلمات وفي الآيات، وأن نربط بين المقاصد الكليَّة، وبين الأفعال والأقوال، وتواصَيْنا بيننا بذلك، غير فارضين رؤيةً معيَّنة، وإنَّما نُذاكر دائمًا بأنَّ كلَّ إنسانٍ عليه أن يتفاعل مع آيات الله، وأن يتعمَّق في مفهومها، وأن يتدبَّر ما وراء الكلمات، فأيُّ فعلٍ يُؤمَر به له أثرٌ، فلا يقف عند الفعل ولا يعرف أثره، إنَّما عليه أن يتعلَّم الفعل، وأثره، ونتيجته.
فالمناسك ليست شكلًا يُؤدَّي ولا يُعطِي أثرًا، ويُعبِّر رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ عن ذلك: [من لم تنهه صلاته فلا صلاة له](2)، [ومن لم ينهه صومه عن قول زورٍ فلا معنى لصيامه، لا معنى لجوعه وعطشه](3)، وهو توجيهٌ لنا لنتعلَّم أثر المناسك علينا، وأثر الذِّكر علينا، فنحاسب أنفسنا، [حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا](4).
والإنسان يمكن أن يراقب نفسه وأثر عبادته على أحواله، فيما يقوم به من أعمال، في تعاملاته، في انفعالاته. والمعاملات، هي ميزانٌ يقيس الإنسان به حاله الذي هو عليه، وقد يكون هو أوضح ميزان. والآية التي تُوضِّح لنا ذلك، ونتأمَّلها، "وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ"[المطففين 3:1]، أنظر إلى تعاملك مع الآخر في أيِّ تعاملٍ، ليس مجرَّد بيعٍ وشراء، وإنَّما في إحساسك تجاهه. والحديث يعلمنا ذلك، [لا يؤمن أحدكم حتَّى يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه](5).
حين تدعو الله في كلِّ صلاةٍ، وفي كلِّ منسكٍ، فكلُّ المناسك هي وسائل للدُّعاء ـ هل يُغيِّرك دعاؤك إلى أن تكون أفضل في تعاملك مع من حولك، أم أنَّه لا يُؤثِّر فيك؟
من هنا كانت آيات الدِّين، هي آياتٌ ملهمة لما يجب أن يكون عليه الإنسان، وتفسيرها بالنِّسبة للإنسان هو بقدر سعته وبقدر فهمه. ونجد أنَّ ما بين أيدينا من تأمُّلاتٍ وتدبُّراتٍ في كلِّ هذه المعاني قليل، وما بين أيدينا من وصفٍ للفعل وللقول كثير، كما لو أنَّ قيامك في استقامةٍ في ظاهر الفعل تكفيك مما تقوم به. لذلك، نقول أنَّ الدِّين أصبح بالنِّسبة للكثيرين منَّا هو أشكالٌ وصور، وهو كلماتٌ تُردَّد دون أن يكون لها أثرٌ في حياتنا وفي وجودنا.
عباد الله: نسأل الله أن يجعلنا من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ..."[الزمر 18]، ومن الذين يقرأون آيات الله بقلوبهم وبعقولهم، ويتفكَّرون ويتأمَّلون في كلِّ ما يُقال لهم، وأن يحاولوا أن يُغيِّروا ما بأنفسهم إلى الأفضل، وأن يكونوا دائمًا في دعاءٍ مستمرٍّ لله في كلِّ صلواتهم، وفي كلِّ مناسكهم، وفي كلِّ ذكرهم.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
______________________
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نُوضِّحه اليوم: هو كيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه من فهمٍ في الدِّين، ومن ممارساتٍ للدِّين، نتيجة التَّراكمات التي حدثت منذ تبليغ الرِّسالة إلى يومنا اليوم، من أناسٍ فرضوا رأيهم، وأوهموا الجميع أنَّ رأيهم هو الصَّواب، وظلَّ رأيهم هو في مسائل شكليَّة حرفيَّة، لا قيمة لها إذا لم ترتبط بأثرها ونتائجها.
فظنَّ النَّاس أنَّ الدِّين هو التزامٌ حرفيّ بصورٍ وأشكال، دون وعيٍ لما تحمله هذه الصُّور والأشكال، وأصبح النَّاس يردِّدون هذه المعاني، وبترديد الكثيرين لها، أصبح الدِّين على ما هو عليه الآن.
قليلٌ هم الذين حاولوا أن يبحثوا بعقولهم وقلوبهم في آيات الله، وفيما ترك رسول الله من عترةٍ، ليتفهَّموا ما جاءت به الآيات، وما هو أثرها، وأنَّ على كلِّ إنسانٍ أن يقرأها ويتفهَّمها بقدره، وأنَّ الدِّين هو قضيَّة الإنسان، قضيَّة وجوده، قضيَّة حياته، قضيَّة عمله الصَّالح.
فالإنسان لا يعرف هدفًا إلَّا ذلك من وجوده، أن يكون أداة خيرٍ لنفسه ولمن حوله، وأن يُغيِّر ما بنفسه إلى الأفضل، وأنَّ هذا هو الدِّين، ليس مجرَّد القيام في مناسك، أو في صورٍ، أو في أشكالٍ، أو في ترديدٍ لكلماتٍ ـ وإنَّما أن يكون أداة خير.
الذين يخدمون إخوانهم في البشريَّة، ويساعدونهم بكلِّ الطُّرق، [أقربكم منازل منِّي يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، الذين يألفون ويُؤلفون](6)، "فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ"[الماعون 7:4].
وما جاء الدِّين بآياته إلَّا ليُلهمنا بهذه المعاني التي تتحوَّل في داخلنا إلى فعلٍ نفعله، وإلى عملٍ نقوم به، وإلى كلماتٍ نقولها، ونتذاكر بها بيننا، "... فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ"[الذاريات 55]، والإنسان في حاجةٍ إلى تذكيرٍ دائم، "فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى، سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى"[الأعلى 10،9].
وما كانت الرِّسالات السَّماويَّة إلَّا ذكرى وتذكير، ولتكتمل الرِّسالة، على الإنسان أن يتذكَّر من الآيات، وأن يتدبَّرها، وأن يتأمَّلها، وأن يقومها، وأن يفهمها، بقدر سعته وبقدر فهمه.
نتحدَّث هنا في هذا الحديث، عن الإنسان كقيامٍ منفرد، مسئولٍ عن وجوده، أمَّا الحديث عن الجماعة، وعن المجتمع، وعن الأمَّة، فهو حديثٌ آخر.
فالأمَّة أيضًا يجب أن تتحمَّل مسئوليَّتها، وأن تأخذ قرارها، وأن تكون الآيات ملهمةً لها لما هو أفضل وأحسن، وليست مُقيِّدةً لها عن فعل الأصلح والأفضل والأقوم.
عباد الله: نسأل الله: أن يوفِّقنا لما فيه خيرنا، ولما فيه صلاحنا، ولما فيه حياتنا.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النَّاس حولنا.
اللهم ونحن نتَّجه إليك، ونتوكَّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلَّا إليك.
اللهم فاكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنَّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السَّاعة ذنبًا إلَّا غفرته، ولا همًّا إلَّا فرَّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلَّا قضيتها
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.
_______________________

(1)  هذه العبارة تتوافق مع الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن خيراً فله، وإن ظن شراً فله ". أخرجه أحمد بن  حنبل الجامع الصغير للسيوطي.          

(2)  أخرجه الطبراني الجامع الصغير للسيوطي بنص:"من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً ".

(3)  حديث شريف نصه: "رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر". الراوي: عبد الله بن عمر، المحدث: الألباني.

(4)  مقولة عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - نصها: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أخف عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم وتزينوا للعرض الأكبر، كذا الأكبر {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية}"..

(5)  حديث شريف الراوي: أنس بن مالك المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري.

(6) - حديث شريف: " أكمل المؤمنين إيماناً أحسانهم أخلاقاً الموطئون أكنافاً ، الذين يألفون ويؤلفون ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف". أخرجه الطبراني ـ الجامع الصغير للطبراني- صحيح.

- " إن أحبكم إلي أحسانكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون وإن أبغضكم إلي المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الملتمسون للبراء العيب " الراوي: أبو هريرة المحدث: المنذري - المصدر: الترغيب والترهيب.