الأربعاء، 20 يوليو، 2016

ما يهمّ أننا نرجع إلى أصلنا، لا نهِيم في فضاءٍ لا نعرف لنا أصلاً ولا نعرف لنا مكاناً ننتمي إليه

حديث الجمعة 
29 رجب 1437هـ الموافق 6 مايو 2016م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من الشيطان الرجيم، نعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، طالبين أن نكون أهلاً لهدايته، فـ "...مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا"[الكهف 17].
فالله يتجلّى علينا بقانونه وبما أودع فينا من سرّه، "...أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى"[طه 50]، "وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ"[البلد 10]، "خَلَقَ فَسَوَّى"[الأعلى 2]، "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا"[الشمس 7]، وخلق كل الكائنات وسوّاها، وخلق القانون وأحكمه، فأوجد هذا التفاعل بين الإنسان وبيئته، وبين الإنسان وطبيعته، وأرسل رسالته، وأظهر آياته، "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ..."[فصلت 53].
ومن آياته أنه "..أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى..."[الإسراء 1].  وهذه الآية نتدبّرها بما فيها من معانٍ، وليس لمجرّد أن نَقُصّها، أو نتحدّث عن وقتها أو عن كيفيّتها، إنما نحن نرى آيةً من آيات الله ورسالةً من رسائل الله، نرى فيها رحلة الإنسان على هذه الأرض وهو يجاهد ليحيا، يذكر ليحيا، يتأمّل ويتفكّر ويتدبّر ليحيا.
وكان رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ قدوةً ومثلاً لمن يطلب الحياة، والذي يطلب الحياة يقدّر الحياة في كل الكائنات، يعيش في حُرمة الحياة، لا يعتدي على حياة، يعيش في عالم الحياة يحيا فيه كلّ كائنٍ بما أودع الله فيه من سرّه. والمسجد الحرام هو عالم الحياة، فيه حُرمة الحياة، فيه تقدير الحياة، ومن قام في المسجد الحرام هو الإنسان الذي يطلب معنى الحياة الحقّة. إن هدفنا في هذه الحياة أن نحقق ذلك.
"..لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ..."[الأحزاب 21]، واقتداؤنا برسول الله لا يعني أن نكون رسول الله، فرسول الله أكبر وأكبر، وإنما أن نكون ما أراد الله لنا بخَلْقنا. فكلّ إنسانٍ له قدراته وإمكاناته، وله سقفٌ لا يتعدّاه إلا بخَلْقٍ جديد وبرحمةٍ من الله، "يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ"[الرحمن 33].
وهذا نستطيع أن نقرأه في حياتنا، في واقعنا. كلّ إنسانٍ على هذه الأرض له قدراته وإمكاناته، قدرته على استيعاب العلم والمعرفة، وقدرته على الذكر والتأمّل والتدبّر، وقدرته على العمل والإبداع والإنتاج، "...هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ..."[الزمر 9]، "...وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ..."[الأنعام 165].
هذا واقعٌ لا نستطيع أن ننكره، والحياة لا تستقيم يوم يكون الناس جميعاً في صورةٍ واحدة، وإنما تستقيم باختلاف الناس وتنوّعهم واختلاف قدراتهم واختلاف إمكاناتهم وطاقاتهم، بما فيهم من خيرٍ وبما فيهم شرٍّ أيضاً.
فاتّباع منهج رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ يكون في أن يحاول الإنسان أن يُخرِج أفضل ما عنده، وأن يقدّم أفضل ما عنده، وأن يخدم الناس بكامل وبكل طريقةٍ ممكنة، بكل طاقاته وإمكاناته، إنه بذلك سوف يحقّق رسالته، وبذلك سوف يكون مخاطَباً بأنه قائمٌ في المسجد الحرام.
إنّنا حين نتكلّم عن المسجد الحرام في حديثنا هذا، لا نتكلّم عن مكان، وإنما نتكلّم عن حالٍ وقيام، لذلك فإن نظرتنا لآية الإسراء ليست نظرة انتقالٍ من مكانٍ إلى مكان، ولكن نظرة انتقالٍ من حالٍ إلى حال، إنها رحلة حياة، رحلة حياة الإنسان منذ مولده إلى انتقاله من هذه الأرض.
حياته كلّها أن يقوم في طلبٍ للحياة، وفي لحظةٍ يرى ما حقّقه في حياته، يُشْهِده الله ما وصل إليه في لمحةٍ، في لفتةٍ. وما كان الإسراء إلا لإشهاد رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ حاله وقيامه، بأن أشهده ما وصل إليه، وبأهليته لأن يعرج في سماء العُلا، وبأنه أصبح مع رسل الله وأنبيائه وحدةً واحدة تكونت لخير هذه البشرية، واكتملت لتواصل على هذه الأرض رسالةٌ دائمة باقيةً ما دامت الأرض والسماء قائمة.
وما كان المسجد الأقصى إلا تعبيراً عن هذا المعنى، اكتمال وارتفاع وعُلوّ، فالكمال نسبيّ والأقصى نسبيّ بالنسبة لهذه الأرض، فالأقصى أيضاً ليس مكاناً، حين نتحدث عنه في نظرتنا وفي تأملنا، وإنما هو حالٌ ومقام، حالٌ بالنسبة للإنسان، وبالنسبة أيضاً لتكوينٍ قائمٍ على هذه الأرض يحمل رسالة السماء.
إنه اكتمال هذا البنيان الذي تكلّم عنه رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ [مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كبناءٍ تنقصه لبنة، كل من ينظر إلى هذا البناء يقول ما أجمله، لولا أنه تنقصه هذه اللبنة، أنا هذه اللبنة](1)، هكذا قال ـ ما معناه ـ رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ .
فاكتمال هذا البناء هو سرّ بقاء الرسالة وتجدّدها في كل من جاء بعد ذلك من علماءٍ ومن أولياءٍ ومن عبادٍ لله صالحين. بهذا السرّ الذي تواجد على هذه الأرض باكتمال هذا البنيان، وهذه الطاقة الباقية السارية، هذا النور الهادي، "...وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ..."[الأنعام 122].
إن كلّ إنسانٍ هو لبنةٌ في بناء، "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي"[الفجر 29:27]، ولبنات البناء هم عباد الله، وكل إنسانٍ في معنى العبودية لله ينتمي إلى بناءٍ يتكوَّن، له دوره في هذه الحياة وما بعد هذه الحياة، وكلّ إنسانٍ يريد أن يعود إلى بنائه وأن ينتمي إلى بنائه.
      لذلك، نقول دائماً أن القضية هي قضية منهجٌ نسير إليه ونسير عليه، حتى نرجع إلى بنائنا، يختلف بناءٌ عن بناء، لا يهمّ، إنما ما يهمّ أننا رجعنا إلى أصلنا، لا نهِيم في فضاءٍ لا نعرف لنا أصلاً ولا نعرف لنا مكاناً ننتمي إليه.
[سر بي إلى حيّهم ودعني ... في أي طورٍ  فلا أبالي
الكلّ عندي جنة خلدٍ ... ما دمت في حضرة الرجال](2)
هو رجوعٌ إلى البناء الذي يمثّله وتمثّله حضرة الرجال.
عباد الله: إنّا نتحدّث هنا على مستوى المعنى والقيام، نريد أن نقرأ آيات الله، وكلّ حدثٍ حدث على هذه الأرض ويحدث على هذه الأرض هو آيةٌ من آيات الله، لعلّنا نذكرها، ولعلّنا نتدبّرها، ولعلّنا نتأمّلها ـ فنستفيد منها ونضيف نوراً إلى وجودنا، يزيل ما فيها من ظلام ويرقى بها إلى أعلى قيام.
نسأل الله: أن يحقّق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم ونحن نقوله دائماً: أن كلّ آيةٍ ظهرت لنا على هذه الأرض علينا أن نقرأها، وأن نتأمّلها، وأن نتدبّرها ـ لا مجرد أن نردّد متى حدثت، ومن الذي قام بها، وكيفيّة حدوثها، وما حدث فيها من أحداثٍ أو من أقوالٍ أو من أي شيءٍ آخر. إنما نجرّدها ونقرأها كرسالةٍ لها دلالة ولها معنى نريد أن نفهمه وأن نتأمّله. وما نتأمّله منها يتناسب مع قدراتنا وإمكاناتنا، وكلّ إنسانٍ يأخذ من الرسالة بقدْره، كلٌّ يأخذ بما هو له أهل، هكذا نتعلّم دائماً، وهكذا نذاكر أنفسنا دائماً.
وما كانت رسالة الإسراء والمعراج كما نقرؤها إلا أنها رسالةٌ تحدّثنا عن رحلة الإنسان على هذه الأرض، من محاولةٍ لأن يقوم الإنسان في معنى الحياة حقّاً. وبتكوينه ذلك وبإعداده لذلك، يكون أهلاً لأن يُرِيَه الله البناء الذي ينتمي إليه ويُشْهِده حاله الذي صار عليه، في لمحةٍ.
هذه اللمحة فيها كسبٌ كبيرٌ له، فهو يمر بمرحلة تحولٍ من حالٍ إلى حال، فإذا واصل حياته بعد ذلك عاش بيننا ولكنه يكون في عالمٍ آخر، [موتوا قبل أن تموتوا](3)، يكون حيّاً في الأرض وفي السماء، يكون على هذه الأرض وهو أيضاً في السماء، هو في الدنيا وفي الآخرة، هو في الحاضر والقادم، هو في الأدنى والأعلى، هو في الأرض وفي السماء.
عباد الله: نسأل الله: أن نقتدي وأن نهتدي بهدي رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فنحقّق رسالتنا، ونرجع إلى بنائنا وإلى أصلنا، فنجتمع على أصولنا، فنكون بناءاً صالحاً، وبيتاً صالحاً.
بيتٌ في بيوت، بيتٌ في مدينة، مدينة العلم، مدينة الحياة، [أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها](4)، كما قال رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ نكون في سفينة، سفينة تحقَّق فيها من ركبوها، وكل من ركبها هو ينتمي إلى بيتٍ وإلى بناءٍ وإلى كيانٍ تكامل، [مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك](5).
وأهل بيت رسول الله هم معانٍ وليسوا أفراداً، إنهم من ترك رسول الله على هذه الأرض بنوره وبطاقته وبكماله واكتماله، إنه البناء الذي اكتمل فأصبح نوراً سارياً، وأصبح وجوداً هادياً، وأصبح طريقاً لكلّ سالكٍ يهتدي بما فيه من علاماتٍ ومن إشارات.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون كذلك، وأن نكون في سفينة رسول الله وآل بيت رسول الله، وأن نكون في مدينة رسول الله، وأن نكون جميعاً مجتمعين على ذكره وعلى طلبه وعلى مقصود وجهه.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، وعندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه .
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا همّاً إلا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.
________________________

(1)  حديث شريف نصه: "مَثَلي ومَثَلُ الأنبياءِ مِن قبْلي كمَثَلِ رجُلٍ بنى بُنيانًا فأحسَنه وكمَّله إلَّا موضعَ لَبِنَةٍ مِن زاويةٍ مِن زواياه فجعَل النَّاسُ يطوفونَ به ويعجَبونَ ويقولونَ : هلَّا وضَعْتَ هذه اللَّبِنةَ ؟ قال : فأنا تلك اللَّبِنةُ وأنا خاتَمُ النَّبيِّينَ صلواتُ اللهِ عليهم". الراوي: أبو هريرة، المحدث: ابن حبان، أخرجه في صحيحه.

(2)  من أشعار الصوفية.

إذا رَضُوا بِي أَهْلُ الوصالِ ... فَكُلُّ حالي عينُ الجمالِ
سِرْ بي إلي حَيِّهِمْ وَدَعْنِي ... فِي أي طَوْرٍ فلا أُبَالِي
إن عَذَّبوني أو رَحَمُونِي ... فالعَبْدُ عَبْدٌ في كلِّ حالِ
مَوْتِي حَيَاتِي مَحْوِي ثَبَاتِي ... ذُلِّي عِزِّي فَقْرِي كَمَالِي
الكلُّ عِنْدِي جنَّاتُ خُلْديٍ ... ما دُمْتُ فِي حَضْرَةِ الرِّجَالِ

(3)   من أقوال الصوفية.

(4)   حديث شريف، المحدث: الزركشي (البدر)، المصدر: اللآلئ المنثورة، خلاصة حكم المحدث: حسن.

(5)   حديث شريف أخرجه الحاكم في المستدرك بنص: " مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق".




إذا تُرِكت لحالك بحالك فإنك ستتقاذفك قوى الحياة على هذه الأرض

حديث الجمعة 
15 رجب 1437هـ الموافق 22 أبريل 2016م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشكر دائماً لله، والصلاة والسلام دائماً على رسول الله.
عباد الله: ما نُذكِّر أنفسنا به دائماً، وما جاءت به آيات الله لتعلّمنا عن أنفسنا، "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا"[الشمس 10:7]، وتصف لنا ما ستقوم به هذه النفس على هذه الأرض، "فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى،  فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى، وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى"[الليل 11:5].
آياتٌ كثيرة تتكلّم عن الإنسان، ونفسه، وصفاته، وأعماله، تُذكِّرنا أيضاً، "فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ"[الفجر 16،15]، آياتٌ وآيات، تصف لنا حال نفوسنا، وتصف لنا كيف نعالج هذه النفوس.
النفس فيها الخير وفيها الشرّ، فيها الحقّ وفيها الباطل، فيها النور وفيها الظلام، وهناك درجاتٌ في كلّ إنسان من هذه الصفات، فتجيئ الآيات لتعبر عما يجب أن يفعله الإنسان، "قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا"[الشمس 9]، تزكية النفس. ثم يجيئ تفصيلٌ في تزكية النفس، "فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى"، العطاء والتقوى.
والعطاء هو إحساس الإنسان بانتمائه إلى عالمه، وأن كلّ كائنٍ على هذا العالم هو مرتبطٌ به بصورةٍ أو بأخرى. لذلك، فإن واجب الإنسان أن يقوم بما يستطيع ليساعد أي كائنٍ على هذه الأرض ـ ليساعد أخاه الإنسان، ليساعد النبات والحيوان، ليساعد كلّ كيانٍ وكلّ شيءٍ يستطيع أن يساعده وأن يعطيه، وأن يشعر بأن هذا العطاء هو من الله.
فلا يمُنّ على من يعطيه، "...لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى..."[البقرة 264]، لا تبطلوا أي عطاءٍ بمَنٍّ أو أذى. هذا دور الإنسان تجاه الآخرين، وهناك دورٌ للآخرين تجاهه، [عاملوا الناس كما تحبوا أن يعاملوكم به](1)، فإن أعطيت استقبلت، وإن استقبلت أعطيت، وفي عطائك واستقبالك تتعامل مع الله.
وهذا معنى "مَن أَعْطَى وَاتَّقَى"، فالتقوى هنا هي خشية الله، "...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء..."[فاطر 28]، وهذا هو الأسلوب الذي تكون فيه مزكياً لنفسك. إن السلوك في الطريق ليس أمراً خاصاً بالصوفية، وإنما هو أساس الدين، وأساس السلوك الذي يُمَكِّنك من أن تُغلِّب ما فيك من خيرٍ، وأن تُعلي ما فيك من حقٍّ، وأن تكسب الحياة.
إنا نستطيع أن نعدد أموراً كثيرة من آياتٍ بينات توضح وتبين كيف يكون سلوك الإنسان، وقد تعطيك التوجيه بأن تُظهِر لك ما فيك من سوء، كما الآية التي ذكرناها، "فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ".
هذه الآية توضح للإنسان سلوكاً يجب أن يتنبه إليه، فيكون دائماً شاعراً بكرم الله في كلّ صورةٍ وفي كلّ حال، وأن يكون شاعراً في كلّ حالٍ أيضاً بنتيجة عمله، وأن ما يحدث له في الحياة إنما هو تنبيهٌ له ليرجع إلى الطريق القويم. فإذا شعر بضيقٍ، أو بتقتير رزقٍ، أو بمرضٍ، أو بصعوبةٍ أياً كانت في حياته ـ لا يشعر بأن ذلك إهانةٌ من الله له لمجرد الإهانة.
وهذا هو الفارق بين أن تتذكر وتتأمل فيما يصيبك، وتربط بينه وبين علاقتك بالله، إنما يُذكِّرك ذلك بأن عليك أن تتفكّر فيما تفعله وفيما تقوم به، وأن تراجع نفسك، وأن تتوب إلى الله، وأن تستغفر الله، وأن تدعو الله أن يرفع هذه الغمة. ربما يكون ذلك حتى تنشغل بذكر الله، "...فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ"[الأنعام 42]، "أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ"[العنكبوت 2].
فشعورك إذاً حين تكون في هذا الحال من الضيق ومن صعاب الحياة بصورها المختلفة، تذكر الله أكثر، وتدعو الله أكثر، وتلجأ إلى الله أكثر، وتجأر إلى الله أكثر ـ وهذا سلوكٌ يطهّرك، ويزكّيك، ويُعليك، ويطوّرك إلى أفضل وأحسن وأقوم.
وأنك حين تشعر بنعمة الله عليك، لا تعتقد أنك منعمٌ عليك لأنك وصلت أو أحسنت، وإنما هو فضله عليك وكرمه بك. فقولك في الآية "...رَبِّي أَكْرَمَنِ..."، في هذا الإطار وفي هذا السياق، هو أمرٌ يجب ألا تقوم فيه من منطلق أنك تعتقد أنك أهلٌ لهذه النعمة لذاتك، وإنما تشعر برحمة الله وبكرم الله وفضل الله، "...إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ"[لقمان 18]، [من تواضع لله رفعه](2)، ومن افتقر إلى الله أغناه، ومن سأل الله أجابه، "...ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..."[غافر 60].
آياتٌ وآيات لا تنتهي، علينا ونحن نقرأ آيات القرآن أن نتدبرها، وأن نستمع لها وإلى توجيهها وإلى إرشادها، فلا نرددها دون وعيٍ ودون فهم، ولا نقرؤها دون تمَعُّنٍ ودون نظر. إن كلّ آيةٍ مذكورةٍ في القرآن فيها رسالةٌ للقارئ وللتالي وللمردد.
حتى إذا كان الحديث عن قصص الأولين، إنه حديثٌ موجّهٌ إليك، أو كان عما وراء هذه الأرض، إنه حديثٌ موجّهٌ لك لتشعر دائماً بأن الله يحدّثك، يخبرك عن القديم ويخبرك عن القادم، يخبرك عن قديمك ويخبرك عن قادمك، كما يخبرك عن حاضرك فيما يجب أن تقوم به على أرضك، ويحفّزك دائماً لتفعل ذلك، وألا تقنط من رحمة الله، "...لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ"[يوسف 87].
لا تيأس من رحمة الله، ومن مغفرة الله، "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا..."[الزمر 53]، "إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء..."[النساء 48].
والشرك بالله هو استغناؤك عن الله، فإذا استغنيت عن الله بما فيك، تُرِكت لما فيك، "وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى". والبخل هو عدم العطاء، والاستغناء هو عدم الافتقار وعدم التقوى. فإذا تُرِكت لحالك بحالك فإنك ستتقاذفك قوى الحياة على هذه الأرض، فإما أن تقذف بك على الظلام فتزداد ظلاماً على ظلام، أو أن تقذفك على النور فتفيق إلى هذه الحال الذي تشعر فيه بمعنى الافتقار وبمعنى الاحتياج وبمعنى السؤال، وهذا هو حال "...فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ".
فأنت على هذه الأرض، وأنت في هذا التقاذف، وقد تُرِكت لقوى الحياة بظلامها ونورها، فقد يزداد الظلام عليك، فلا تجد ملجأً إلا أن ترجع إلى الله. وإذا تقاذفتك قوى النور، فأنت إن لم تتقِ الله، فقد يكون النور هذا سبباً في غفلتك، "أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ"، فتنة الإنسان في النور هي أن يفتقد إلى تقوى الله، "...رَبِّي أَكْرَمَنِ..."، ربي أعطاني لأنني أهلٌ لذلك، ويعيش في هذا الحال دون أن يراقب نفسه وهي تأخذه بعيداً عن النور الحقّ.
والإنسان وهو في ظلام، وما يحدث له على هذه الحياة، ربما يشتد به الظلام، فيشعر من كثرة هذا الظلام باحتياجٍ إلى قوةٍ تُخرِجه منه، فتكون هذه نقطة نجاته وخروجه، وهذا كله بفضل ما أقام الله في الإنسان من نورٍ وظلام، من فجورٍ وتقوى، من خيرٍ وشرّ.
هذا الخير الموجود في الإنسان يظلّ معه، قد يَضعف، ولكن في لحظةٍ قد يظهر مرةً أخرى فيقوده إلى الخير. والظلام قد يخفت، ولكن لا يزال موجوداً، وقد يخرج مرةً أخرى فيقوده إلى الشرّ. فتقوى الله هي ما يساعد الإنسان على أن يكون في دعاءٍ دائم، وفي استغفارٍ دائم، وفي ذكرٍ دائم، وفي تجمّعٍ على ذكر الله دائم، حتى يخرج من هذه الأرض وهو من أهل النور، وهو من أهل الخير، وهو من أهل الحقّ.
عباد الله: نسأل الله: أن يحقّق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن الإنسان على هذه الأرض كما وصفه الحقّ، يحمل بين جوانحه الخير والشر، النور والظلام، الحقّ والباطل، آياتٌ كثيرة وصفت لنا ذلك، كما وصفت لنا آيات الله صفات الإنسان في الخير وفي الشرّ، في الفرج وفي الضيق.
وعلّمتنا حال من هو غافلٌ عن الحقيقة. كما وصفت لنا حال عباد الله الصالحين، "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..."[آل عمران 191]، كما وصفت لنا كيف نتعامل مع نفوسنا، وكيف نزكّيها، فعلّمتنا معنى العطاء، ومعنى التقوى.
علّمتنا أموراً كثيرة. علّمتنا أن نكون من "..الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ..."[البقرة 25]، وعلّمتنا ألا نغترّ بما أعطانا الله، وعلّمتنا ألا نجحد إذا مررنا بضيقٍ أو بأزمةٍ أو بأي صعابٍ في حياتنا، لا نيأس، وإنما نطمع في رحمة الله، علّمتنا أن ندعو، وأن نحمد الله، وأن نستغفر الله.
ندعو الله في كلّ حالٍ أن يساعدنا في حياتنا وفي سلوكنا وفي معاملتنا، وأن نحمده في عطائنا يوم يعطينا ويوم نشعر بعطائه، وأن نحمده يوم نشعر بضيقٍ أو بتقتيرٍ في عطائه ـ بظنٍّ منا أنه كذلك ـ نحمده لأنه يعلّمنا في عطائه وفي منعه، نحمده في كلّ حال، ونستغفره في كلّ حال.
لا ننسى أن نستغفره ونحن في عطاء، ولا ننسى أن نستغفره أيضاً ونحن في ضيق ـ بهذا نُهذِّب أنفسنا ونُقَوِّمها ونزكّيها، فنكون من الفالحين، "قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا"، ولا نكون من الخائبين، "وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا"، وهذا يعني أن نبخل وأن نستغني، أن ننسى أن نحمد الله، وأن نستغفر الله، أن ننسى أن ندعو الله، "...وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا"[الكهف 28]، هذا من دسَّاها، من غفل عن ذكر الله.
هكذا نتعلّم لعلّنا ننفّذ ما نتعلّمه، وما نقرؤه، وما نتلوه ليل نهار، وما نردده في صلواتنا، وما نردده في أحاديثنا ـ لعلّنا نقوم فيه حقّاً ونقوم فيه صدقاً، فنكون من الفالحين .
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
"رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ"[آل عمران 193].        
________________________

(1)  مقولة للسيد المسيح ـ عليه السلام ـ : "عاملوا الناس بمثل ما تريدون أن يعاملوكم. إن كنتم تحبون من يحبكم، فهل لكم فضل في هذا؟ حتى الأشرار يحبون من يحبهم". (بشارة لوقا 6 :32،31)

(2)    حديث شريف نصه: "من تواضع لله رفعه الله". الراوي: أبو هريرة، المحدث: الألباني.



الثلاثاء، 7 يونيو، 2016

إيماننا بالغيب يقودنا إلى كيف نقوم في الشهادة، وقيامنا في الشهادة يزيدنا أكثر إيماناً بالغيب

حديث الجمعة
8 رجب 1437هـ الموافق 15 أبريل 2016م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من الشيطان الرجيم، نعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، نسأله رحمةً ومغفرةً وقوةً نستعين بها على ظلام نفوسنا وغفلة قلوبنا وتفريطنا في أمرنا، نتوب إليه، ونرجع إليه، ونستغفره، ونطمع في رحمته وفي كرمه وجوده ونعمته ـ لنكون أهلاً لرحماته ونفحاته.
عباد الله: إن ما جاء به ديننا هو لإيقاظ قلوبنا، ولمساعدتنا على أن نتواصل مع فطرتنا ومع سرّ الله فينا ومع أمانة الحياة التي حمّلنا الله إيّاها. علّمنا أن الحق لا نهائيّ، متعالٍ، لا نستطيع أن نحيط به.
فهو أولٌ ليس قبله شيء، وهو آخرٌ ليس بعده شيء، وهو ظاهرٌ ليس فوقه شيء، وهو باطنٌ ليس دونه شيء، هو أحدٌ صمدٌ، "لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ"[الإخلاص 4،3]، ليس كمثله شيء، وتعالى عن كل شيء وعن كل تصوُّرٍ، هو غيبٌ لا نستطيع أن ندركه، "لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ"[الأنعام 103]، أودع في كل قلبٍ ما أشغله، "...أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى"[طه 50]، "..خَلَقَ فَسَوَّى"[الأعلى 2].
علّمنا أن الإيمان به هو إيمانٌ بالغيب، "ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ..."[البقرة 3]، علّمنا أن الإيمان بالغيب هو الذي يجعلنا نحيا على هذه الأرض، علّمنا أن نكون صادقين مع ما أوجد فينا من عقل، وما أوجد فينا من قلب، وما أوجد فينا من ضمير.
وأول ما يدركه العقل أنه لا يستطيع أن يدرك كل شيء، بل أنه لا يستطيع أن يعرف ما وراء هذا الكون، وأن كل ما هو ظاهرٌ له هو خَلْق، وأن الله وإن كان قد تجلّى في مخلوقاته وفي آلائه إلا أننا لا نستطيع أن ندركه، فهو فوق كل هذا الظاهر الذي نشهده. بل أن الإنسان حين يتساءل عن حياته في حاضرها وفي مستقبلها، فمستقبلها غيبٌ لا يعلمه إلا الله، وحِكمة خَلْقِه غيبٌ لا يعلمه إلا الله.
ما يعلمه هو، أنه قائمٌ على هذه الأرض وأنه يتحرك عليها، وأنه يريد كذا ولا يريد كذا، وأنه يستطيع أن يفعل كذا ولا يستطيع أن يفعل شيئاً آخر، وأنه يستطيع أن يدرك أمراً ولا يستطيع أن يدرك أمراً آخر، وأنه يستطيع أن يدعو الله كغيب ويستطيع ألا يدعوه، ويستطيع أن ينفق مما أعطاه الله ويستطيع ألا ينفق مما أعطاه الله ـ هذه الرؤية لما هو عليه هي ما هو مسئولٌ عنه، [كلكم راعٍ، وكلكم مسئولٌ عن رعيته](1)، "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ..."[البقرة 286]، "بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ"[القيامة 14].
لذلك، فإنّا نقول دائماً أن البدء في الفهم عن الحياة يبدأ من الإنسان، يبدأ من أن يتجه الإنسان إلى داخله ويسأل نفسه ماذا يريد أن يفعل وماذا يريد أن يعلم؟ إنه ـ كما قلنا ـ يستطيع إن شعر بضعفٍ أو وهنٍ أو ضيقٍ، أن يتجه إلى خالقه كغيب. من الناس من سيفعل ذلك ويتّجه، ومن الناس من سوف ينكر ذلك ويتوقّف.
ماذا يريد أن يعلم؟ من الناس من سوف يتجه إلى أن ينظر في خلق الله، ويتعلم مما خلق الله، مدركاً قوله: "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..."[العنكبوت 20]، ولقوله: "...وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..."[آل عمران 191]، فيتّجه بكلّه أن يتعلّم مما حوله ليفيد الناس وليخدمهم وليقوم بدورٍ في حياتهم الأرضية، أو حتى ليساعدهم في معرفتهم عن أنفسهم وتوجيههم أن يهتموا بحياتهم التي هم عليها، ولا يكونوا في فراغ.
ومن الناس من سوف لا يرغب في أن يتعلّم شيئاً، فيظل هائماً على وجهه، لا يريد أن يفكر، ولا يريد أن يتدبر، ولا يريد أن يسير في الأرض فيتعلّم، ولا يريد أن يحلّل ما يحدث له وما يحدث حوله، لا يريد أن يعلم إلا عن ذاته وشهواته ورغباته، لا يفكّر إلا في نفسه، لا يفكّر أن يكون أداة خيرٍ للناس ولمن حوله، بل أنه يريد أن يعلم أو يظن أنه يعلم عن أمورٍ غيبية. فيحدّث الناس بظنونٍ وخرافاتٍ وظنٍ في دينٍ وظنٍ في علمٍ، دون أن يتّبع أسلوباً صادقاً ليتعلّم به.
يتّبع الظن، يتّبع الخيال، يتّبع الوهم، يتّبع ما يخدع به الناس، بقصدٍ أو بدون قصد؛ لأن الإنسان يوم يخبر أحداً دون أن يكون هو واثقٌ مما يقوله ومما يدعو إليه، فإنه بذلك يُضِلّ الناس دون أن يدري أو يكون قاصداً أن يخدعهم، هناك من الناس من هو كذلك، وهناك من الناس من ليس كذلك.
لذلك، فإن الإيمان بالغيب يُحتّم علينا أن نُخلِص في الشهادة وأن نَصدُق في الشهادة، وكيفما نكون يكون الله علينا، [أنا عند ظن عبدي بي، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر](2)، [كن كيف شئت، فإني كيفما تكون أكون](3)، "...وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"[النحل 118].
إن هذا الاتجاه الذي نتحدث به هو ما نعتقده، قد يكون صواباً وقد يكون خطأً، نحن لا نُلزِم أحداً بأي شيء؛ لأننا نقول للإنسان فكّر بما أعطاك الله من عقل واتبع ما يهديك إليه قلبك، هذا ما نقوله، واستمع لكلمات الله وتدبّرها وتفهّمها، واعلم أنك بوجودك على هذه الأرض مقيد، وأن أي مفهومٍ هو مفهومٌ نسبيّ، وأنك قد تخطئ وقد تصيب، فلا تغترّ، ولا تتكبّر.
وهذا يُمْكِنك أن تصل إليه بفطرتك؛ لأنك تعلم أنك محدود، وأن ما يمكن أن تفهمه هو يتناسب مع هذه الحدود التي تملكها من علمٍ، أو في علمٍ، أو معرفةٍ، وأن إحاطتك بكل جوانب أي قضية هو محدود، لذلك فإن حكمك لا يمكن أن يكون مطلقاً، وكلمات الله ترشدك إلى ذلك.
كل كلمات الله يوم تستمع إليها بصدق، سوف تجد أنها تتناغم مع ما فيك من معرفةٍ وعلم وصدق، معرفةٍ صادقة، "...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء..."[فاطر 28]، خشية الله، ورسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ يعلّمك خشية الله، [ها أنا رسول الله بينكم، ولا أدري ما يفعل بي غدا](4)، [لا يدخل الجنة أحدكم بعمله، حتى أنت يا رسول الله؟ حتى أنا ما لم يتغمدني الله برحمته](5)، هذا لتكون في خشية.
هكذا، نذاكر دائماً أنفسنا، لنكون صادقين مع فطرتنا، مع عقولنا، مع قلوبنا، لنتعلّم أن كل ما نقرأه ونشهده من آيات الله في الآفاق وفي أنفسنا، ما سنصل إليه يتناسب مع محدودية علمنا ومعرفتنا، ولذلك فنحن دائماً في حاجةٍ أن نتجه إلى الله، وأن نسأل رحمة الله، وأن نسأل توفيق الله.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن إيماننا بالغيب يقودنا إلى كيف نقوم في الشهادة، وأن قيامنا في الشهادة يزيدنا أكثر إيماناً بالغيب، وهكذا إيماننا بالغيب يزيدنا استقامةً في الشهادة، واستقامتنا في الشهادة، تزيدنا إيماناً بالغيب.
فإيماننا بالغيب يجعلنا ندرك أن ما نستطيع أن نفعله في حياتنا يرجع إلى أن نسأل قلوبنا وعقولنا فيما يجب أن نقوم عليه، هل نتجه بالدعاء إلى الغيب الذي خلقنا والذي أوجدنا، طالبين قوةً ورحمةً ونوراً؟ أم أننا لسنا في حاجةٍ إليه؟ هل نحن في افتقارٍ إلى الله لأن يمدّ سرّ الحياة فينا بقوةٍ مستمرة، تساعدنا وترشدنا من داخلنا؟ أم أننا استغنينا عن هذا الفضل وعن هذا الكرم وعن هذا العطاء؟ وأننا باختيارنا سنكون كما نختار؟ إذا استكفينا بما لدينا، فسوف نُترك إلى حالنا، وهذا معنى،"...وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا"[الكهف 28]، القانون سيترك الإنسان إلى ما يريد، وهذا معنى، "...أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا...".
ولذلك، كانت الآية "...ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..."[غافر 60]، فالبدء من الإنسان، وكذلك اختيارنا فيما نستطيع أن نفعله في ماديّ وجودنا، أن ننفق مما أعطانا الله، فنبذل كل طاقاتنا وقدراتنا، فهذا هو عطاء الله، والرزق هنا والعطاء هنا هو كل ما أعطى الله للإنسان من قدرةٍ على الفعل وقدرةٍ على العلم.
فإنسانٌ سوف يعطي مما أعطاه الله، وإنسانٌ سوف لا ينظر إلا إلى نفسه فلا يعطي مما أعطاه الله، وهذا أيضاً اختيار الإنسان، "فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى، وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى"[الليل 11:5]، توجيهٌ يكشف للإنسان قانون الحياة.
فإذا استقام الإنسان في اختياراته، فإن ذلك سوف يقوده إلى الإيمان بالغيب أكثر؛ لأنه مهما وصل من علمٍ واختار ما يرى أنه الحق بالنسبة له، يعلم أن اختياره محدود بمعرفته وبعلمه وبفعله، فسوف يقوده ذلك إلى الاتجاه إلى الغيب، وإلى خشية الغيب، وإلى سؤال الغيب، وإلى إقامة صلةٍ مع الغيب ـ حتى يساعده الغيب على أن يستقيم في حياته أفضل وأحسن.
عباد الله: هذا ما أردنا أن نقوله اليوم لعلنا نستفيد بذلك، وكلٌّ عليه أن يفكّر فيه، وأن يتدبّر، يقبل أو يرفض، هذا اختياره.
عباد الله: نسأل الله: أن يهدينا سواء السبيل، وأن يرحمنا برحمته، وأن يغفر لنا بواسع مغفرته، وأن يتقبّلنا، وأن يجعلنا دائماً أهلاً لرحماته ونفحاته.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.      
________________________

(1)    جاء بسنن الترمذي: ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم أنه‏ ‏قال ‏" ‏ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه ، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"‏.

(2)    يقول الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن خيراً فله، وإن ظن شراً فله". أخرجه أحمد بن حنبل الجامع الصغير للسيوطي.   

(3)    هذه العبارة تتوافق مع الحديث القدسي في الملحوظة السابقة.

(4)    حديث شريف، نصه (قال صلى الله عليه وسلم: "هذا أنا رسول الله، والله ما أدرى ما يصنع بي")، وفى رواية أخرى: "قال صلى الله عليه وسلم: ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل بى ولا بكم". (أخرجه احمد ابن حنبل - مسند احمد بن حنبل).

(5)    "لا يُدخل أحدكم الجنة عمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة وفضل" حديث شريف رواه أحمد بهذا اللفظ ورواه البخاري ومسلم هكذا "سددوا وقاربوا وابشروا فإنه لن يُدخل الجنة أحدكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمه ".