السبت، 20 أكتوبر 2018

هل يستطيع أحدٌ أن يحدّد ما هي الآيات المحكمات، وما هي الآيات المتشابهات؟


حديث الجمعة 
10 صفر 1440هـ الموافق 19 أكتوبر 2018م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، نعوذ به من الشّيطان الرّجيم، نعوذ به من سيّئات أعمالنا، مستغفرينه دائمًا، طالبين رحمته، راجعين إليه، متوكّلين عليه، لا حول ولا قوّة لنا إلّا به.
عباد الله: إنّ كتاب الله الذي أرسل، كتاب الله الذي جاء به رسل الله، والذي يكشف عن قوانين الله في الأرض وفي السّماء ـ إذا تأمّلنا في آياته، لأدركنا كثيرًا من القضايا التي نتحاور حولها، وندرك أنّنا في النّهاية، لا نستطيع أن نحكم على أيّ شيءٍ حكمًا مطلقًا.
"هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ..."[آل عمران 7]، هنا نقف ونتساءل بيننا وبين أنفسنا، هل يستطيع أحدٌ ـ  وإن كان كثيرون ادّعوا ذلك ـ أن يحدّد ما هي الآيات المحكمات، وما هي الآيات المتشابهات؟ وهل معنى أنّها آياتٌ محكمات، يعني أنّها لها تفسيرٌ واحد، أو فهمٌ واحد، أو أنّه ربّما يكون لنا مفاهيم كثيرة؟
نحن لن نحكم بشيءٍ، وإنّما سوف ننظر إلى الواقع الذي نراه. إنّك حين تنظر في كتب التّفاسير، سوف تجد تفسيراتٍ كثيرة للآية الواحدة، وهذا بغضّ النّظر عن كونها مصنّفةٌ أنّها آيةٌ محكمة أو آيةٌ متشابهة. إذًا، ماذا نفعل حيال ذلك؟
علينا أن نفهم أنّ آيات الله ليست مجرّد كلماتٍ، إنّما هي كلماتٌ محمّلةٌ بطاقةٍ روحيّة، وأنّ الإنسان حين يقرؤها بصدقٍ وبطُهرٍ، سوف تصل له معانٍ روحيّة، "لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ"[الواقعة 79]، وهذا تعبيرٌ مطلق. إذا كان النّاس قد حصروا المعنى في الطّهارة الذّاتيّة، إلّا أنّه يمكن أن يحتمل الطّهارة الرّوحيّة، والصدق، والإخلاص، والتّدبّر بعمق.
إذًا، فالقضيّة، ليست أن يجيئ إنسانٌ بفهمٍ واحدٍ، ويقول هذا هو فهم هذه الآية، هذا هو تفسير هذه الآية، هذا هو تأويل هذه الآية.
"... فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ..."[آل عمران 7]. وكما أشرنا، حين نتأمّل في هذه الآية، أنّنا لا نستطيع أن نضع أصابعنا على آيةٍ مّا، ونقول أنّ "الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ"، ويحدّدون الآية التي يتّبعونها، إنّما القضيّة ما تعتقده أنت، هل تعتقد أنّها متشابهةٌ، وأنّك يُمكنك أن تخرج منها بمعنىً تريده أنت؟
"فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ"، فيفسّرون الآية كما يريدون، وكما يحلو لهم، وكما يساعدهم للوصول لمآرب مادّيّة، أو ليأتوا بتفسيرٍ يرضى عنه حكّامهم وطواغيتهم.
فنجد في بدايات الفتنة في التّاريخ الإسلاميّ، حدث ذلك في الآية: "... وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ..."[الإسراء 33]، فحين قُتِل عثمان ـ الخليفة في ذلك الوقت ـ قال من ينتمون إليه بصلة القرابة والقربى، أنّهم أولياؤه، وأنّه قُتِل مظلومًا، وأنّ عليهم أن يأخذوا بثأره، وأن يقتلوا قاتليه، وأن تكون لهم الولاية حتّى يُمَكّنوا من ذلك.
"فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ"، فجعلوا هذه الآية متشابهةً، وأخذوا المعنى الذي يريدونه، ولم ينظروا إلى ما قد تشير إليه هذه الآية من معانٍ أخرى، يبتغون الفتنة، هكذا تقول الآية: "... فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ..."[آل عمران 7]، تأويله لأغراضهم، أو لأن يثيروا فتنةً في مجتمعهم حتّى يصلوا لمرادهم.
"... وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ..."[آل عمران 7]. لذلك، الإنسان الصّادق، لا يستطيع أن يأخذ معنىً تميل إليه نفسه، ويكسب منه مآرب دنيويّة، وينسب هذا التّفسير إلى آيةٍ، بل يقول بكلّ تبجّحٍ: هذا كلام الله، وهذا ما أراد الله، وهذا حكم الله. لا يستطيع أن يقول ذلك أبدًا؛ لأنّه "وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ".
"... وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ..."[آل عمران 7]، ماذا يقولون؟ "... يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ..."[آل عمران 7]، هم لا يفرّقون ويقولون هذا متشابهٌ وهذا محكمٌ، ويضعون المحكم كما يريدون، ويضعون المتشابه كما يريدون؛ لأنّه "وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ"، فلا يستطيع أحدٌ أن يقول: أنّ هذا محكمٌ وأنّ هذا متشابه، في واقع الأمر، لذلك "يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا"، وهذه صفة الرّاسخين في العلم.
فهنا نرى، أنّ الكثيرين ممّن يدّعون العلم، حاولوا بمفهومهم لهذه الآية، أن يصنّفوا الآيات، فيقولوا هذه آياتٌ لا تقبل أن يكون لها إلّا تفسيرٌ واحد، وهذه آيةٌ يمكن أن تقبل تفاسير كثيرة. وفي واقع الأمر، لا يستطيع إنسانٌ أن يقول ذلك؛ لأنّ "وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ"، ولا يعلم المحكم من المتشابه إلّا الله.
وجاءت الآية لتحلّ هذه المشكلة، بضربها المثل للرّاسخين في العلم؛ لأنّهم لا يفرّقون بين آيةٍ وآية، "يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا".
فأنت، عليك أن تتأمّل في كلّ آيةٍ وتتدبّر فيها، ويكون لك فهمك في هذه الآية، ولا يعني أنّ فهمك هو الصّحيح المطلق، إنّما أنت تتواصل وتسأل الله أن يجعل من قراءتك هدايةً لك، ونورًا لك، يساعدك في طريقك، وأن تتّخذ طريقًا سويًّا، وألّا تستخدم آيات الله لأغراضٍ مادّيّةٍ بحتة، تميل إليها بشهواتك، وبرغباتك، وبمادّيّ وجودك. تُكبِر آيات الله عن أن تجعل من فهمك لها، وسيلةً لاستخدامها لهدفٍ مادّيّ تريد أن تحقّقه.
إذا رأيت في هدفٍ مادّيّ أنّه فيه الصّلاح والفلاح، فهذا يكفي لأن تدافع عنه؛ لأنّ هناك حججٌ كثيرة، من واقع حياتك ومن واقع وجودك، تُمكّنك من الدّفاع عن هذا الهدف. وهذا، هو استخدامك لآيات الله، بما جعلت لك من طاقةٍ على أن ترى الأمور كما يجب أن تراها عليه.
فالدّين، إذا استُخدِم لصلاح الدّنيا، فهو من خلال الإنسان بإصلاحه، بحيث يرى الإنسان ما هو صالحٌ وما هو طالحٌ، وليس بأن تأخذ فهمًا أو قولًا قاله السّلف، أو قاله أيّ إنسانٍ وتردّده، بأنّ هذا مراد الله. مراد الله، هو أن تكون إنسانًا صالحًا تبتغي مصلحة العباد، وما هو أفضل، وما هو أحسن، وما هو أقوم.
هكذا نتدبّر في آيات الله، ونُكبِرها عن أيّ صورةٍ أو شكل، ونقول أيضًا ونحن نُعرِّف عن ذلك، بأنّ هذا تأمّلٌ فيه إكبارٌ لآيات الله عن أيّ شكلٍ وعن أيّ صورة، وأنّ هذا هو تأمّلنا وتدبّرنا، ولا نستطيع أن نحجر على أيّ تأمّلٍ وتدبّرٍ آخر.
إنّما نُذكّر بما نرى أنّه الأفضل، ونحاول أن نكون أهلًا لذلك، وأن نُعلّم عن ذلك، وأن نُعرِّف عن ذلك. وكلّ إنسانٍ عليه أن يتأمّل بدوره، فلا يأخذ كلامنا أو أيّ كلامٍ آخر على أنّه حقيقةٌ مطلقة، وإنّما يتأمّل ويتدبّر فيه، وما يطمئنّ له قلبه، يقوم فيه ويتعامل معه.
عباد الله: نسأل الله: أن يوفّقنا لما فيه خيرنا، ولما فيه صلاحنا.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أنّ علينا أن نتدبّر في آيات الله، وألّا نأخذ الأمور بسطحيّةٍ، وإنّما نحاول أن نتدبّر أكثر في المعاني.
وقد ضربنا مثلًا اليوم، بالآية التي تتحدّث عن الآيات المحكمات وعن الآيات المتشابهات، وأوضحنا تأمّلنا وتفكّرنا في هذه الآية، لنصل إلى أنّ محاولة البعض، أن يصنّف آيات القرآن إلى محكماتٍ ومتشابهات، هي محاولةٌ لا يستطيع أن يقوم بها إنسان؛ لأنّ كلّ آيات القرآن لها تفاسير مختلفة، ومن ثَمّ لا يستطيع أحدٌ أن يُجزِم بمراد الله، "وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ".
إذًا، فإخطار ربّنا لنا، بأنّ هناك آياتٌ محكماتٌ وآيات متشابهات، هو لنعرف أنّنا لا نستطيع أن نفرّق بينهم، وإنّما نقول: "كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا"، وعلينا أن نفهم نحن، ونتأمّل في كلّ الآيات، "كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا"، لنتعلّم منها ما يهدينا إلى طريق الحياة، ويجعلنا أهلًا لنور الله، ولفيض الله، ولهداية الله.
وقد نجد ـ بالنّسبة لنا ـ أنّ هناك فهمًا نستريح إليه وتطمئنّ له قلوبنا، فهذا هو فهمٌ محكمٌ ـ بالنّسبة لنا ـ أمّا إذا وجدنا أنّ الآية ـ بالنّسبة لنا ـ يمكن أن يكون لها أكثر من دلالة، فهي ـ بالنّسبة للقارئ أو للتّالي أو للمتدبّر ـ متشابهة. فإذًا، القضيّة ترجع إلى ما يراه الإنسان.
وقد يرى إنسانٌ آخر، فهمًا بصورةٍ مختلفة، قد يرى أنّ الدّلالة لها عنده فهمٌ ـ وبالنّسبة له أيضًا ـ أنّه محكمٌ، ولكنّه مختلفٌ عن إنسانٍ آخر، لا يعني هنا، أنّنا نتكلّم عن الآية، وإنّما نتكلّم عن تلقّي الإنسان للآية.
نقول ذلك، حتّى لا يخرج علينا أحدٌ ويقول: هذه إرادة الله، وهذا حكم الله، وهذا قول الله ـ وهو لا يقول إلّا فهمه أو إدراكه. فلا يستطيع أحدٌ أن يتكلّم باسم الله، إنّما يستطيع أن يقول أنّ هذه الآية قد وردت في القرآن، وأنّ فهمي لها هو كذا وكذا، وأنّ هذا الفهم ليس فهمًا مطلقًا. ومن ثَمّ، فإنّ أيّ أمرٍ دنيويّ، المرجعيّة فيه إلى الأمّة التي تتواصل بينها، وتتواصى بالحقّ والصّبر، حتّى تجد مرادها.
عباد الله: نسأل الله: أن يوفّقنا لما فيه خيرنا، ولما فيه صلاحنا، وأن يكشف عنّا الغمّة، وأن يجعلنا أهلًا لرحمته، وأهلًا لعلمه وحكمته.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنبًا إلّا غفرته، ولا همًّا إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.
  
 




الجمعة، 12 أكتوبر 2018

الإنسان الذي يَخْشَىٰ هو الذي سيكون قادرًا على أن يستمع إلى التّذكير

حديث الجمعة 
3 صفر 1440ه الموافق 12 أكتوبر 2018م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائمًا لله، والشّكر دائمًا لله، والصّلاة والسّلام دائمًا على رسول الله.
عباد الله: إنّ كلّ إنسانٍ مسئولٌ عن أن يُذكّر بما يرى أنّه الحقّ، وفي نفس الوقت عليه أن يتقبّل أيّ تذكيرٍ آخر، غير متكبّرٍ أو رافضٍ لأن ينظر فيما يُذكَّر به.
هذا التّواصل بين إنسانٍ وإنسان، أو بين النّاس جميعًا، هو ما أُمِرنا به بأن نتواصى بالحقّ، وأن نتواصى بالصّبر، وهو ما أُمِرنا به أيضًا: "فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ، سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ، ويتجنبها الأشقى"[الأعلى 9 ـ 11].
وإذا تأمّلنا في هذه الآية: "سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ"، من هو الذي يخشى؟ وكيف سوف يستفيد من التّذكير؟ وما علاقة الخشية بالنّفع من التّذكير؟. كلّ هذه التّساؤلات تحتاج إلى أن يتأمّل الإنسان في دلالة هذه الآية، وهي توضيحٌ لما بدأنا به الحديث، عن العلاقة بين المذكّر والمتذكّر.
وإذا كان المتلقّي في معنى الخشية، والخشية هنا تعني، أنّه يخشى أن يكون متكبّرًا، أن يكون لنفسه عابدًا، أن يكون متجمّدًا، أن يكون معتقدًا أنّه الأعلى. الذي يخشى، هو الذي لا يكون لنفسه عابدًا، ولا معتقدًا أنّه الأعلى، ولا متكبّرًا، ولا للنّصح رافضًا.
إنّه الذي يرغب في أن يكون متذكّرًا من أيّ رسالةٍ تأتيه، ومن أيّ تذكيرٍ يتلقّاه؛ لأنّه يتعامل مع الله في كلّ أمرٍ، ويرى رسالته في كلّ توجيهٍ، ويرى رسالته في كلّ تذكيرٍ، ويرى رسالته في كلّ إشارةٍ، وفي كلّ حادثةٍ، وفي كلّ أمرٍ، وفي كلّ تعاملٍ ـ تركيب هذا الإنسان، وسلوك هذا الإنسان الذي يخشى، يجعله قابلًا للتّذكير.
أمّا "الأشقى"، فهو الذي ليس كذلك، إنّه يرى نفسه ربًّا، يتكبّر، ويرفض التّوجيه، ولا يسمع الرّسائل الموجهة إليه، لا يسمع رسائل الله إليه، إنّه منغلقٌ على ذاته، لا ينتظر إشارةً، ولا تذكيرًا، ولا رسالةً.
وهذا ما نراه في حياتنا الدّنيا، حتّى في الأمور الدّنيويّة، حتّى في العلم المادّيّ، الإنسان المنفتح على العلم، ينهل من العلم أيًّا كان مصدره، ويقرأ آيات الله في كونه، فيتأمّل فيما يحدث حوله من ظواهر كونيّة، ومن ظواهر طبيعيّة، ومن ظواهر بيئيّة، ومن ظواهر اجتماعيّة، وسياسيّة، واقتصاديّة، وإنسانيّة.
عنده طلبٌ للعلم، من أيّ مكانٍ ومن أيّ مصدر، لا علاقة للعلم عنده بنوعيّة المصدر، [أطلب العلم من المهد إلى اللحد](1)، فإذا وجد من هو أصغر منه سنًّا أو مقامًا، ولكن عنده علمًا فإنّه يتقبّله، لا يظن أنّه بمقامه أو بعمره أفضل من الآخرين، وإنّما يقبل الحكمة أيًّا كان مصدرها، يتأمّل فيها، حتّى ولو كانت بالنّسبة له خاطئة، إلّا أنّه يتقبّل أن يتفكّر فيها، وأن يقيسها بمعاييرٍ موضوعيّة، بذلك يُغيّر نفسه دائمًا، ويُغيّر فكره دائمًا، ويُغيّر معتقده دائمًا.
وكذلك، إن كان مصدر العلم من بيئةٍ أخرى، أو من دينٍ آخر، فإنّه يتقبّل أن يقرأه، وأن يفحصه، وأن يتعلّم منه، [أطلبوا العلم ولو في الصّين](2)، هي تعبيرٌ عن ذلك، بغضّ النّظر إن كانت تُعتبر حديثًا أو ليست كذلك، إلّا أنّها مقولةٌ صحيحة، أنّ العلم يُطلب من أيّ مكانٍ، ومن أيّ مصدرٍ.
أمّا الذين يتكبّرون، ويظنّون أنّ كلّ العلم فيما يعرفون، حتّى ولو كانوا يظنّون أنّ كلّ العلم في دينهم، أو في كتاب الله لهم، فهذه المقولة تجعلهم على أنفسهم منغلقين، بظنّ إيمانٍ ويقين، وفي كتابهم، وفي كتاب الحقّ لهم، آياتٌ ترشدهم أن يبحثوا عن الحقيقة من مصادر الحياة، "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ..."[العنكبوت 20]، أنظر "... مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ..."[الملك 3].
فآيات الحقّ، تحثّهم على طلب العلم من مصادر مختلفة، "... وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ..."[الحجرات 13]، فهذه قوانينٌ كونيّة، تجعل البشر جميعًا يتعاونون، ويتكاملون، ويتعارفون، ويأخذون من بعضهم البعض، باحثين عن الأفضل، والأحسن، والأقوم، "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..."[العنكبوت 46].
وهكذا، ندرك أنّ ما نفهمه كسلوكٍ في طريق الله، وفي تعاملٍ مع النّاس ومع أنفسنا، وفي طلب المعرفة الخاصّة برقيّنا الرّوحيّ والمعنويّ، تتماثل مع طلب المعرفة في حياتنا الأرضيّة، وفي علومنا المادّيّة، وفي معاملاتنا الإنسانيّة. إنّها قوانينٌ شاملة، تُطبّق في حياتنا الأرضيّة، وفي حياتنا الرّوحيّة، وعلينا أن نتعلّم ذلك ـ بهذا، نُغيّر أنفسنا فيغيّر الله ما بنا، "... إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ..."[الرعد11]. 
عباد الله: نسأل الله: أن يجعلنا من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ..." [الزمر 18]، ومن الذين يُذكّرون فيتذكّرون، ويقرأون رسائل الحقّ في كلّ رسالةٍ، وفي كلّ إشارةٍ، وفي كلّ آيةٍ، وفي كلّ حادثةٍ، حتّى يكونوا عبادًا لله خالصين، ورجالًا في طريقه سالكين، ولوجهه قاصدين.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أنّ الإنسان الذي "يَخْشَىٰ"، سوف يكون قادرًا على أن يستمع إلى التّذكير، أمّا الإنسان المتكبّر فلن يستطيع أن يفعل ذلك.
وهذا، هو معنى الخشية في الآيات: "فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ، سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ، ويتجنبها الأشقى". و"الأشقى"، هو الذي لا يرى إلّا نفسه، ولا يرى إلّا عقله، لا يستمع لتذكيرٍ، ولا يقتنع إلّا بما هو قائمٌ فيه، لا يستمع إلى الذّكرى التي ربما تُغيّر له تفكيره، والتي قد تُثبّت له ما يعتقده، يرفضها من البداية، وهذا ما يجعل الإنسان في معنى "الأشقى".
و"الأشقى"، هو الذي يكون في حالٍ لا يعرف أن يخرج منه إلى أيّ حالٍ آخر، سواء بالإيجاب أو السّلب، "الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ، ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ"[الأعلى 12، 13]، فالموت قد يكون أفضل من هذا الحال، والحياة بالقطع هي أفضل من هذا الحال، إنّما ما بين الحالين هو أصعب حالٍ.
وكلّ هذا، نراه في حياتنا الأرضيّة، وفي معاملاتنا المادّيّة، فالذي يقبل التّذكير في حياتنا الأرضيّة، سوف يُصوّب طريقه إذا كان طريقه خاطئًا، وسوف يُثبّت طريقه إذا كان طريقه صحيحًا، باستماعه للإشارات من حوله وللآخرين، دون استعلاءٍ ودون تكبّر.
أمّا الذي لا يرى إلّا نفسه، فسيكون أيضًا في هذا الحال الذي لا يعرف طريقه، ولا يعرف كيف يكون حيًّا، أو ميّتًا، ناجحًا، أو فاشلًا.
عباد الله: نسأل الله: أن يوفّقنا لما فيه صلاحنا، ولما فيه نجاتنا.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن أرضنا، وعن بلدنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنبًا إلّا غفرته، ولا همًّا إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنبًا إلّا غفرته، ولا همًّا إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.
_______________________________
(1)   من الأحاديث التي اشتهرت على ألسنة الناس ولم ينسب لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
(2)   المحدث: ابن باز - المصدر: مجموع فتاوى ابن باز - خلاصة حكم المحدث: جمهور أهل العلم بالحديث قد حكموا على هذا الحديث بأنه ضعيف من جميع طرقه.



الأحد، 7 أكتوبر 2018

علينا ونحن نستمع أو نتحدّث أن ندرك الأبعاد المختلفة لكلّ كلمةٍ وألّا نربط مفرداتٍ معيّنة في أذهاننا ببعدٍ واحدٍ لها.


حديث الجمعة 
25 محرم 1440هـ الموافق 5 أكتوبر 2018م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائمًا لله، والشّكر دائمًا لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: إنّ الحديث في الله، وفيما جاء به كتاب الله، وفيما جاء في سنّة رسول الله، وفي كلّ ما قاله الحكماء، والأولياء، وعباد الله الصّالحون، عن أيّ أمرٍ، أو عن أيّ قضيّةٍ، والكلمات التي استخدموها تحمل معانٍ كثيرة ومتعدّدة ـ لذلك، نحبّ دائمًا ونحن نستخدم أيّ مصطلحٍ، أو أيّ كلمةٍ، أن نوضّح ما نريده منها.
فحين نذكر رسول الله، فإنّ الذّهن يتّجه مباشرةً إلى الذّات المحمّديّة، التي جاءت بالرّسالة الإسلاميّة في الصّورة التي نتعارف عليها باسم الإسلام.
        وفي مواقع أخرى، ومواضع أخرىِ، فإنّ كلمة رسول الله، تحمل معنى كلّ رسولٍ لله، "... وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ..."[البقرة 285].
        وقد يستخدمها بعض الحكماء، في أنّها معنى، وليست إشارة إلى ذات، في كلّ حدثٍ أو في كلّ تأمّلٍ يحمل رسالةً من الله، فهذا المعنى يشير أيضًا إلى أنّ هذه الآية، لعبت دورًا في توصيل رسالةٍ من الله إلى الإنسان، فهي معنى رسول الله. فهنا الإشارة، ليست إلى ذاتٍ أو إلى ذوات، وإنما هي إشارة إلى وظيفةٍ معيّنة قامت بها آية، أو قام بها حدثٌ، أو قام بها اكتشافٌ لقانونٍ من قوانين الحياة.
وهكذا، يمكن أيضًا أن يستخدمها البعض، على معنى دوام الصّلة بين الإنسان وتجلٍّ لله على الأرض، في صورةٍ يتعلّم منها الإنسان، كما قال الصّوفيّة: [فكان غيبًا من غيبك وبدلًا من سرّ ربوبيّتك حتّى صار بذلك مظهرًا نستدلّ به عليك](1)، هم يخاطبون بذلك معنى رسول الله، معنى الذّات المحمّديّة في واقع الأمر.
وقد يُفهم منها أنّها إشارة لاستمراريّة هذه الصّلة بين الإنسان وبين تجلّي الله بآلائه، وبعباده، وبأوليائه على هذه الأرض، ليس في صورة إنسانٍ واحد، ولكن كقانونٍ دائمٍ على هذه الأرض، أنّ هناك من يتجلّى عليها، ويكون بتجلّيه أداةً لتوصيل رسالةٍ من الله إلى الإنسان.
ولذلك، ليس من السّهل أو من اليُسْر أن يتكلّم أيّ إنسانٍ عن معنى صلته برسول الله؛ لأنّه عن أيّ معنىً، وأيّ تجلٍّ، وأيّ زاويةٍ، وأيّ تجلٍّ لهذه الكلمة؟ فواجبٌ على كلّ إنسانٍ أن يحاول أن يوضّح الزّاوية التي يتكلّم منها؛ لأنّ استخدام المصطلح دون تحديد الزّاوية، سوف يُوصِل رسالةً خاطئةً للآخر، وهكذا في معانٍ كثيرة.
فإذا تكلّمنا عن الله، فمن أيّ زاويةٍ نتكلّم، فالله غيبٌ، والله شهادة، فهل نتكلّم عنه كغيب، أم نتكلم عنه كشهادة؟ لا نستطيع أن نتكلّم عنه كغيب بأن نصفه، أو أن نحدّده، أو أن نرسم له صورةً، فـ "... لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..."[الشورى 11]، "وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ"[الإخلاص 4]، وهو أكبر دائمًا، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، وهو "لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ..."[الأنعام 103]، وهو وراء كلّ شيء، ودون كلّ شيء، وفوق كلّ شيء، وتحت كلّ شيء، محيطٌ بكلّ شيء، وموجودٌ في كلّ شيء، و"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ".
كلامنا عن الله كغيب، هو أنّه غيب، وأنّه لا يمكننا أن نتكلّم عن هذا الغيب، فإذا قلنا، قلنا: "... هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ"[الإخلاص 4:1]، وهكذا، نجد هذه الآيات الجامعة الشّاملة، هي إجابةٌ عن أيّ تساؤلٍ من إنسانٍ عن الله، وكان التّوجيه الإلهيّ لرسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أن "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ"، هذا كلّ ما يمكنك أن تقوله، وكلّ صفةٍ وكلّ وصفٍ من هذه الصّفات، هو وصفٌ مطلق، هو الأحد المطلق، وهو الصّمد المطلق، لا نستطيع أن نتكلّم عن معنى الأحد، ولا عن معنى الصّمد، فإذا تحدّثنا فإنّنا سوف نتحدّث بما نعرفه كلغةٍ في هذا اللفظ، وهو "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ"، فأحديّته ليس مثلها شيء، وصمديّته ليس كمثلها شيء.
فإذا تكلّمنا عن الله بمعنى تجلّيه في الخلق، فنحن نتكلّم عن قوانينه المشهودة لنا في خَلْقنا، وفي وجودنا، وقد أُمِرنا بأن نبحث عنها، وأن نتعلّم عنها، "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا..."[العنكبوت 20] كيف خلق الخلق، و "...كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ..."[العنكبوت 20]. تَعلّموا، وعَلِّموا، وابحثوا، واستفيدوا مما تصلون إليه، إستعملوا ما سخّر الله لكم من أدواتٍ على هذه الأرض.
        وهنا حين نتحدّث عمّا سخّر الله لنا على هذه الأرض، فهذا حديثٌ في الله، حديثٌ في الله عن تجلّي الله في هذه الأرض، وفي أنفسنا، "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ..."[فصلت 53]، وسنريهم هنا، لا تعني في قادمٍ، وإنّما هي تعني استمراريّة هذه الآية وهذا القانون، وهي تعبيرٌ عن أنّ الإنسان قد يكون في غفلةٍ، فسنُخرِجه من هذه الغفلة، وسنريه آياتنا، في الآفاق وفي نفسه، حتّى يتبيّن له أنّه الحقّ.
        هكذا نتعلّم دائمًا، أنّنا في كلّ كلمةٍ، وفي كلّ مصطلحٍ، وفي كلّ لفظٍ، في ديننا، في عقيدتنا، في حديثنا، في أيّ قضيّةٍ، حتّى على أرضنا، يجب أن نحدّد الزّاوية التي نتحدّث عنها، والتي يحملها هذا اللفظ وهذه الكلمة.
كلمة: عبد الله، لها أبعادٌ كثيرة. ماذا نعني بعبد الله؟ أوّل ما يخطر إلى ذهننا، هو أنّنا كلّنا عبيد الله، وأنّنا خاضعون لإرادته ولمشيئته، وأنّنا لا نملك من أمر نفسنا شيئًا، وهذا حقّ، ومعنى، وجانب، تحمله الآية: "إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا"[مريم 93].
فكلّنا لا نستطيع أن نخرج عن قانون الحياة، "إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا"، "يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ"[الرحمن 33]، "وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ ..."[الإنسان 30]، فهذا معنىً شاملٍ لكلّ إنسانٍ على هذه الأرض، يعبّر عن واقعٍ، وعن حقيقةٍ قائمة.
ولكن هناك عباد الله الصّالحين، "... عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا ..."[الكهف 65]، فهناك الجانب الذي يميّز إنسانًا عن إنسانٍ بأنّه عبدٌ لله صالح، وهناك عبدٌ لله غير صالح، فكلّ النّاس عبادٌ لله بالمعنى المطلق؛ لأنّ هذه صفةٌ في كلّ إنسان، ففي بعض الأحيان نستخدم عبد الله بالمعنى الصّالح، فمن هو عبد الله الصّالح؟
من أحد المفاهيم التي تعبّر عنها الآية: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"[الذاريات 56] ـ وهنا ندخل في بعد وصف العبد، أو وصف الإنسان بالعبد؛ لأنّه يعبد، فماذا تعني كلمة أنّه يعبد؟ لها أبعادٌ كثيرة، فيعبد بمعنى أنّه يحترم قانون الحياة، فيبحث عن قانون الحياة في كلّ أمرٍ، حتّى يقوم بعمله في إطار هذا القانون، فيكون عمله مثمرًا.
يعرف أنّ الماء هو الحياة، فيعطي النّبات ماءً ليُحيي هذا النّبات؛ لأنّه يريد هذا النّبات لحياته هو أيضًا. يعرف أنّ عليه ألّا يستجيب لنفسه الأمّارة بالسّوء، حتّى لا تأخذه في هاويةٍ من بعد هاوية. ويعرف أنّ قانون الحياة يتفاعل مع كلّ إنسانٍ بعمله، وأن كلّ عملٍ له نتيجة، وأنّ كلّ نتيجة لها تأثيرٌ عليه، فيحاول أن يتعامل بذلك، "إنّ الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه"(2)، يراقب نفسه فيما يعمله، ويتقنه، ولا يستجيب لنفسه الأمّارة بالسّوء، الأمّارة بالتّكاسل، الأمّارة بالإهمال، الأمّارة باللامبالاة فيما تعمل.
وهكذا، في معاملاته مع النّاس، لا يكون من المطفّفين، "الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ"[المطففين 3،2]، يعلم أنّ هذا الفعل له تأثيرٌ سلبيٌّ عليه، فقوانين الحياة ليست قوانين مادّيّة فقط، ولكن لها جانبٌ معنويّ، فالعبادة هنا، هي احترام قوانين الحياة، فهذا معنى من معاني عبد الله.
وهناك معنى آخر كذلك، الذي عرف: [أنّ القلوب لتصدأ، وأنّ جلاءها لذكر الله](3)، فذكر الله كثيرًا، وسبّحه بكرةً وأصيلا، فالذي يفعل ذلك، ويواظب على ذلك، هو معنى من معاني العبوديّة لله.
وقد يجتمع في إنسانٍ كلّ هذه المعاني، وقد يجتمع بعضٌ منها، وهذا معنى: "... وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ..."[الأنعام 165]، فكلّ إنسانٍ له قدْرُه، وله إمكاناته، وله سعته، و"لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا..."[البقرة 286].
عباد الله: أردنا أن نوضّح بعض الأمثلة في المفردات المستخدمة، والتي حين يتكلّم أيّ إنسانٍ، عليه أن يضع في ذهنه الزّاوية التي يريد أن يتكلّم عنها في معنى كلمةٍ معيّنة، أو مصطلحٍ معيّن، حتى لا يختلط الأمر على من يستمع إليه.
نسأل الله: أن يوفّقنا لما فيه خيرنا، ولما فيه صلاحنا.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عباد الله: نحمد الله كثيرًا، ونسبّحه بكرةً وأصيلا.
ما أردنا أن نوضّحه اليوم: هو ألّا نربط مفرداتٍ معيّنة في أذهاننا ببعدٍ واحدٍ لها، وإنّما علينا ونحن نستمع، أو نتحدّث، أن ندرك الأبعاد المختلفة لكلّ كلمةٍ. فإذا قرأنا أو استمعنا، علينا أن نتفهّم المعنى المرتبط بالكلمة في الحديث الذي نسمعه أو نقرؤه. وإذا تحدّثنا، أن نحدّد المعنى الذي نريد أن نتكلّم عنه، أو الزّاوية التي نتكلّم منها. ولقد وضّحنا في حديثنا اليوم أمثلةً على ذلك، في كلمة الله بمعناها الغيبيّ، وبمعناها في الشّهادة، وأبعاد كلّ معنىً من المعنيين.
وكذلك، عن معنى رسول الله، حين نقول: رسول الله، ما هي المعاني المختلفة؟ وهذا ليس على سبيل الحصر، وإنّما نحن أعطينا أمثلةً فقط، وربّما، بل بالضّرورة، هناك أبعادٌ أخرى لم نتناولها، وإنّما هذا ما ورد إلى ذهننا ونحن نُلقي هذا الحديث، بأبعاد كلمة رسول الله المختلفة.
وتكلّمنا أيضًا، عن معنى العبوديّة لله بزواياها المتعدّدة، ووضّحنا أنّ معنى، أو كلمة عبد الله، يُعنى بها معانٍ كثيرة، علينا ألّا نخلط بين كلّ زاويةٍ، وإن كانت كلّ الزّوايا تتكامل، ويمكن أن يحمل إنسانٌ كل هذه الزوايا في وجوده وفي قيامه، وقد لا يحمل إنسانٌ إلّا زاويةً واحدة، وهي وجوده على هذه الأرض، وخضوعه لقانون الله بمعنى: "إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا".
عباد الله: نسأل الله: أن نتأمّل دائمًا فيما يُقدّم إلينا، وفيما نقرؤه، ونقوله ـ لنكون أهلًا لأن نتحدّث في معانٍ حقيّة، وأن نكون مدركين لمقدرتنا، ولقدراتنا، ولضعفنا، ولافتقارنا إلى أن نحسّن دائمًا من إدراكنا، ومن معرفتنا، ومن افتقارنا، وأن نكون دائمًا طالبين ما هو أفضل، وما هو أحسن، وما هو أقوم.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن أرضنا، وعن بلدنا
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم كن لنا في الصّغير والكبير من شأننا.
اللهم كن لنا فيما نعلم، وفيما لا نعلم، وفيما أنت به أعلم.
اللهم اجعلنا على ذكرك مجتمعين، ولوجهك قاصدين، ومعك متعاملين، وعندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.   





                                           
________________

(1) "فكان غيبا مِن غيبك، وبدلا ًمن سرّ ربوبيتك حتى صار بذلك مظهرا ً نستدل به عليك، وكيف لا يكون كذلك وقد أخبرتنا بذلك في مُحكَم كتابك بقولك: {إنّ الذينَ يُبـَايِعونَكَ إنّما يُبـَاِيُعونَ اللهَ}". الياقوتة، من أوراد السيد أبو الحسن الشاذلي.

(2)    حديث شريف أخرجه أبو يعلي والطبراني (كتاب المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة للإمام السخاوي).

(3)    حديث شريف أخرجه الطبراني بنص :"إن للقلوب صدأ كصدأ الحديد وجلاؤها الاستغفار".  

 



السبت، 29 سبتمبر 2018

المعراج في الله لا نهاية له، وما أودع الله في الإنسان من ظلام هو لنفس الهدف الذي أوجد فيه من النور


حديث الجمعة 
18 محرم 1440هـ الموافق 28 سبتمبر  2018م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من الشّيطان الرّجيم، نعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا، ونستعين بما وهبنا من نعمة الحياة، فكان فضله علينا عظيما، أن جعل لنا عقولًا نفكّر بها، وقلوبًا نذكر بها، وقوّةً نستعين بها على شرور أنفسنا وظلامها.
فالإنسان فيه ما يُحييه، وفيه ما يُميته، فيه ما يعلو به إلى أعلى علّيّين، وفيه ما يجعله يرتدّ إلى أسفل سافلين، وما أوجد الله في الإنسان من ظلامٍ إلّا لهدفٍ، وما أوجد فيه من نورٍ إلّا لهدفٍ، هو هدفٌ واحد في واقع الأمر، وهو مساعدة الإنسان أن يعرج إلى أعلى. 
قد نفهم نعمة ما أودع الله في الإنسان من نور، ولكنّنا كثيرًا ما نقف متسائلين أمام ما هو موجودٌ في الإنسان من ظلام، وهذه قضيّة الإنسان في وجوده، وأيضًا في مجتمعه، بل في الكون كلّه.
ونجد في الآيات القرآنيّة، حين يرسل إلينا الحقّ رسالةً كونيّةً قانونيّةً إلهيّة، في خلق آدم وإبليس، أنْ "...اهْبِطَا مِنْهَا..."[طه 123]، من الجنّة إلى هذه الأرض "...بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ..."[طه 123]، هي قضيّة النّور والظّلام، قضيّة الحقّ والباطل، قضيّة الخير والشّرّ، الموجود في الدّنيا، والموجود في الإنسان.
إنّ وجود الظّلام في الإنسان، هو ليذكّره دائمًا أنّه لم يصل إلى أعلى علّيّين، وهذا ـ في حدّ ذاته ـ أمرٌ أساسيّ، وهذه هي رسالة الظّلام في واقع الأمر، ومشكلة الإنسان، أنّه قد لا يستمع إلى هذه الرّسالة، ويظنّ نفسه في أحسن تقويم، وفي أعلى علّيّين.
هذا الإنسان، الذي لا يستمع لرسالة الظّلام فيه، هو كجسد إنسانٍ فقد قدرته على أن يميّز بين ما هو فيه خيرٌ له، وما فيه شّرٌّ له، جهازه المناعيّ فقد القدرة على التّمييز، وهذا ما نراه فيما يصيب الإنسان من أمراضٍ مستعصية، هو ضعف الجهاز المناعيّ، هذا لا يعني أنّ هذا الضّعف في الجسد، هو شيءٌ يَصِم الإنسان بشيء، فهذا قانون الخلق. وإنّما ممكن أن نقرأ منه، ما يصيب الإنسان من النّاحية المعنويّة.
فالجهاز المناعيّ الأساسيّ في الإنسان، هو جهازه الرّوحي المعنويّ، الذي يستمع إلى ما يصيبه من ظلام، ويتعرّف عليه أنّه الظّلام، ويجتهد أن يقاوم هذا الظّلام، فيَقوَى أكثر، وينطلق إلى أعلى أكثر.
وجود هذا المُكَوَّن الظّلاميّ في الإنسان، هو ما نفهمه في حديث رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ [كان لي شيطان، ولكنّ الله أعانني عليه فأسلم، فهو لا يأمرني إلّا بخير](1)،  فيوم يكون وجود الإنسان مستعدًّا لمجابهة الظّلام، فإنّ الظّلام يكون حافزًا لأن يَقوَى الجهاز المناعيّ أكثر.
فهذا المعنى، له علاقةٌ أيضًا بمعنى رقيّ الإنسان اللا نهائيّ، وأنّ [ما من كمالٍ إلّا وعند الله أكمل منه](2)، وما نراه في أحاديث رسول الله عن خشية الله، وعن أنْ [لا يدخل الجنّة أحدكم بعمله، حتّى أنت يا رسول الله؟ حتّى أنا، ما لم يتغمدن الله برحمته](3)، وعن معنى: [أنا أقربكم من الله وأخوفكم منه](4).
بل أنّ الآيات التي تشير إلى حال الذين مع رسول الله، "مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ..."[الفتح 29]، من يكون أفضل من أن يكون مع رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ؟ وهو يصفهم "... تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ..."[الفتح 29]، ويصفهم بالزّرع الذي "... أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ..."[الفتح 29].
والزّراع هنا، هم الذين أدركوا معنى الإنسان، وكيف يزرعون كلمة الله في أرض ناسوتهم، وكيف يُحيون قلوبهم بذكر الله، [إنّ القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد، وإنّ جلاءها لذكر الله](5)، هؤلاء الزّراع حين نظروا إلى من مع رسول الله، وجدوا فيهم معنى الذين يذكرون الله، و"... الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ..."[الأنعام 52]، الذين يصبر رسول الله نفسه معهم.
والكفّار هنا في التّشبيه البلاغيّ، أنّهم من يحاولون الزّراعة بتغطية البذور، فكلمة كفّار ـ  كما نرى في اللغة ـ أنّها تُستخدم على الذين يغطّون شيئًا، الذين لا يريدون أن يُظهِروا الحقيقة، وهم في تغطيتهم للحقيقة، يظنون أنّهم سوف يكونون أفضل، وسوف يكون زرعهم أفضل، فيجدون زرعًا أفضل من زرعهم، وهذا تعبيرٌ نفهمه، "لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ".
في الحياة، قد يرى البعض من النّاس في أنّ هؤلاء "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ ..."[عمران 191]، في أنّ هؤلاء الذين يؤمنون بربّهم ويعملون عملًا صالحًا، أنّ هؤلاء الذين يراقبون الله في أعمالهم، ولا يجعلون الدّنيا همّهم وربّهم ـ هؤلاء الكفّار، الذين لا يرون في هؤلاء المجتهدين أنّهم أفضل.
بل يرون أنّ في وجودهم الذي يعبد الدّنيا، والذي لا يتورّع عن فعل أيّ شيءٍ ليكسب الدّنيا، والذي لا يُعطي أيّ اعتبارٍ للغيب، ولا للتّعامل مع الغيب، ولا مراقبة الغيب، هم يحجبون الحقيقة، لا يريدون أن ينظروا إلى الحقيقة في وجودهم، يحجبونها بحيث يستطيعون أن يفعلوا مثل هذه الأفعال ـ حين يروا أنّ الذين زرعوا بحقّ، والذين جاهدوا في الله بحقّ، أفضل حالًا، وأفضل قيامًا، وأفضل كسبًا، وأن حِيَلهم وعدم مراقبتهم لربّهم، لم تؤدّ بهم إلى شيء.
مع كلّ هذا التّصوير والتّعبير والتّوضيح، عن حال الذين هم مع رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ نجد أنّ هناك تخصيصًا لبعضٍ من هؤلاء وليس كلّهم، "... وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا"[الفتح 29].
هنا تعبيرٌ نقف عنده، "الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم"، إذًا، ليس كلّ الذين هم مع رسول الله في هذا المعنى المشار إليه بـ "الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم"، إذًا، هناك بعضٌ من هذه الصّحبة لهم وضعٌ مُميّز، وما هو الوعد الذي وُعِدوا به؟ "مَّغْفِرَةً".
فهنا، المغفرة تعني وجود شيءٍ مظلمٍ أو ذنب، ولكن يتحوّل هذا الذّنب إلى طاقةٍ حقيّةٍ نورانيّة بمغفرة الله، [أتبع السّيّئة بالحسنة تمحها](6)، "... فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ..."[الفرقان 70]؛ لأنّه ـ كما نتكّلم دائمًا في هذا المعنى ـ أنّ السّيّئة يوم تدفعك إلى أن تكون أكثر قدرةً، وأكثر قوّةً، فلا تتمكّن منك، ولا تستمرّ معك، تكون بذلك قد ساعدتك على أن تكون أفضل، وهذا ما نشاهده في الظّاهر، يوم يتغلّب الإنسان على مرضٍ مّا، فإنّه يكتسب مناعةً ضدّ هذا المرض بعد ذلك، في بعض الأحيان، وهذا مكسبٌ للإنسان.
فهؤلاء الذين هم في هذا الحال، لهم مغفرةٌ وأجرٌ عظيم، ممّا يعني أنّ هناك دائمًا مجالًا للتّطور وللمعراج، وأنّ الإنسان قد يكون في حالٍ جميلٍ وكريم، إلّا أنّه ليس أهلًا لأن يكون من "الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ"، في مقامهم الذي يُوصف في هذه الآيات.
يُعطي هذا الأمل للإنسان، أن يرغب في أن يكون من هؤلاء، ويجعله يعلم أنّ هذا هو حال الإنسان في دوام، أنّه يرنو إلى الأعلى، وإلى أن يعرج في الله أكبر، وأنّ المعراج في الله لا نهاية له، وأنّ الكمال في الله لا نهاية له، وأنّ هذه الصّحبة  التي هيّأت البعض لأن يكونوا في هذا المعنى، سوف تُهيّئهم في قادم، وأنّ هذه هي البداية التي قال عنها القوم: [الطّريق إلى الله له نهاية، والطّريق في الله لا نهاية له].
فالطّريق إلى الله، هو بدايةٌ للطّريق في الله، وهؤلاء الذين صاحبوا رسول الله، وكانوا في معنى: "وَالَّذِينَ مَعَهُ"، هذه هي البداية، ولكن هذه ليست نهاية، وليست هناك نهاية في طريق الله، بل أنّ كلّ نهايةٍ لمرحلةٍ هي بدايةٌ لمرحلةٍ أخرى، وإذا تكلّمنا، فإنّ هناك دائمًا بدايات، وأنّ أيّ نهايةٍ لا توصف بالمطلق بالنّهاية، ولكنّها بدايةٌ لمرحلةٍ أخرى.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون من الذين مع رسول الله، وأن نكون من "الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ"، وأن نطلب ذلك دائمًا، وأن نطلب رقيًّا دائمًا، ومعراجًا دائمًا.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو أنّ المعراج في الله لا نهاية له، وأنّ ما أودع الله في الإنسان من ظلامٍ، هو لنفس الهدف الذي أوجد فيه من النّور، وأن للنّور رسالة، وأن للظّلام رسالة.
وكما نرى الليل والنّهار وتعاقبهما، وأنّ هكذا تكون الحياة، فلا حياة لك إن لم يكن هناك النّور والظّلام، إن لم يكن هناك الليل والنّهار. وفي الحقّ أيضًا، لن تكون لك حياة كإنسانٍ إلّا بما فيك من نورٍ ومن ظلام، وأن يلعب الظّلام دوره، وأن يلعب النّور دوره.
وبهذا، يحيا الإنسان، ويرقى الإنسان، ويتعلّم أنّه في أيّ مرحلةٍ من مراحل حياته، هو في نهاية مرحلةٍ وبداية مرحلةٍ أخرى، وأنّه دائمًا سيكون في بدايةٍ؛ لأنّ أيّ نهايةٍ هي بداية، ومن يتصوّر أنّه في نهاية النّهاية، وأنّه [ليس في الإمكان أبدع ممّا كان](7)، وأنّه لن يرقى أكثر من ذلك، وأنّه وصل إلى أقصى ما يمكنه أن يصل إليه، فهو لم يعرف معنى الإنسان، ولا قانون الإنسان، ولا معنى حياة الإنسان. إنّنا في طريقٍ لا نهائيّ، وفي معراجٍ لا نهائيّ.
نسأل الله: أن يوفّقنا أن نعرج فيه، وأن نسلك طريق الحقّ والحياة.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا .
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنبًا إلّا غفرته، ولا همًّا إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.    
________________

(1)     جاء الحديث في مسند أحمد بن حنبل بصيغ متعددة منها " ليس منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الشياطين قالوا وأنت يا رسول الله قال نعم ولكن الله أعانني عليه فأسلم " . وأيضاً " ما منكم من أحد إلا ومعه قرينه من الملائكة ومن الجن قالوا وأنت يا رسول الله قال وأنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم ولا يأمرني إلا بخير" وكذلك : " فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم قلنا ومنك يا رسول الله قال ومني ولكن الله أعانني عليه فأسلم " كذلك جاء بصيغ مختلفة عند مسلم والترمذي والنسائي والدرامي .

(2)     مقولة الامام الجنيد.

(3)     "لا يُدخل أحدكم الجنة عمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة وفضل" حديث شريف رواه أحمد بهذا اللفظ ورواه البخاري ومسلم هكذا "سددوا وقاربوا وابشروا فإنه لن يُدخل الجنة أحدكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمه ".

(4)     حديث شريف: "إني أتقاكم لله وأخشاكم له". أخرجه مسلم في صحيحه، كما ورد في موطأ مالك ومسند أحمد بصيغ مختلفة.

(5)   حديث شريف أخرجه الطبراني بنص :"إن للقلوب صدأ كصدأ الحديد وجلاؤها الاستغفار".  

(6)     حديث شريف نصه: " اتق الله حيث كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن". الراوي: أبو ذر الغفاري، المحدث: ابن العربي، صحيح .

(7)     مقولة منسوبة للإمام أبي حامد الغزالي.