الاثنين، 17 يوليو، 2017

ليلة القدر متاحةٌ في كلّ ليلةٍ، ولكن القضيّة هي قضيّة الإنسان

حديث الجمعة 
28 رمضان 1438هـ الموافق 23 يونيو 2017م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشّكر دائماً لله، والصّلاة والسّلام دائماً على رسول الله.
عباد الله: إن آيات الله لنا لا تنتهي، تجلّت في كتابه الذي أَنزَل، وفي الآفاق، وفي أنفسنا، "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ..."[فصلت 53]. "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ"[القدر 1]، أنزلنا هذه الآيات في هذا الكتاب لتكشف لنا أسرار هذه الحياة وأسرار وجودنا، كيف جئنا إلى أرضنا وكيف سنغادرها.
وتنزيل الكتاب هو أمرٌ دائمٌ من ناحية المعنى، "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ..."[البقرة 285]؛ لأنّ الرّسول كان أهلاً لتنزيل الكتاب عليه، و"إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ" هي تعبيرٌ عن هذا المعنى، وما كانت ليلة القدر إلّا أنّها الليلة التي أصبح رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بذاته، أهلاً لتنزيل هذا الكتاب.
و [ما أعطيته فلأمّتي](1)، و [لكم من الله ما لي](2)، فكلّ إنسانٍ مؤهّلٌ لأن يكتمل ويصبح أهلاً لتلقّي آيات الله ونفحات الله، ليس بالشّكل الذي جاء به رسول الله، وإنّما بالمعنى، معنى التّأهّل للتّعرّض لنفحات الله، معنى أن يكون الإنسان أهلاً لنفحات الله، ولآيات الله، ولنور الله، ولكتاب الله.
فكتاب الله ليس مجرّد كلماتٍ تُكتب على ورق، وإنّما كتاب الله هو معاني تتلقّاها القلوب، وتتفهّمها العقول، وتنير بها الأجساد والأرواح والنّفوس. فليلة القدر ليست توقيتاً زمنيّاً، وإنّما هي ليلة وصل، هي ليلة اتّصال، هي ليلة تأهيل، هي ليلة تنزيل، هي ليلةٌ يكون الإنسان فيها أهلاً لتلقّي رحمات الله.
إنّ الإنسان إذا تعرّض لهذا الحال أصبح في معنى: "لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ..."[الفتح 2]، "...خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ"[القدر 3]؛ لأنّ ما فيها من نور وما فيها من رحمة، يزيل كلّ ظلام، ويمسح كلّ باطل، ويثبّت النّور والحقّ فيمن كان أهلاً لهذه الليلة ولهذا المعنى.
والآيات توضّح لنا ذلك أكثر، توضّح لنا أنّ أسباب الله الغيبيّة تتنزّل على الإنسان لتغيّره من حالٍ إلى حال، ومن قيامٍ إلى قيام، "تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ"[القدر 4]، ملائكة الله، أسباب الله، أنوار الله، روح الله، نور الله ـ تجيئ وتتنزّل لتزيل ما في الإنسان من سوءٍ ومن ظلام.
إنّها لحظةٌ قد تجيئ للإنسان في أيّ مرحلةٍ من مراحل حياته على هذه الأرض، وقد تكون خاتمته، وقد تكون لحظة انتقاله من هذه الأرض. ونحن ندعو دائماً: اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم لقائك. إنّها لحظة المغفرة الشّاملة والرّحمة الكاملة، إنّها لحظة الحياة التي يكون الإنسان بعدها في سلام، "سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ"[القدر 5]، يكون في سلامٍ، ويرى الحقيقة واضحةً جلية.
ومع أنّ الإنسان في معراجه يخرج من حجابٍ إلى حجاب، فالحقيقة التي يراها لم يكن يراها على أرضه، ولكنّها بالنّسبة لمعراجه هي حجابٌ آخر، [فما من كمالٍ إلّا وعند الله أكمل منه](3). بهذا يكون الإنسان قد دخل طريق الحياة، وطريق الحياة لا نهاية له. وقد عبّر الصّوفيّة عن ذلك بقولهم: [إن الطّريق إلى الله له نهاية، ولكنّ الطّريق في الله لا نهاية له].
عباد الله: إنّا نتدبّر آيات الله لنتفهّم معانيها، ومعاني الآيات لا نهاية لها، وما نفهمه هو ذرّةٌ في بحرٍ لانهائيّ، "قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا"[الكهف 109].  
عباد الله: إنّا نريد أن نخرج من تجسيد كلّ شيءٍ معنويّ، فلا نحصر مفهومنا في ليلة القدر بأنّ نتحدّث عن موعدها الزّمنيّ، أو في أيّ ليلةٍ تكون. فكما أشرنا، أنّ القضيّة هي القيام في معنى الليلة، وليست القضيّة هي توقيتٌ زمنيّ. وما إشارة حديث الرّسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ في أن نترقّبها في العشر الأواخر من رمضان، إلّا تعبيراً عن معنى التأهيل لها.
فأنت في شهر الصّوم تقوم بما يؤهّلك لأن تكون أهلاً لهذا المعنى، وما إشارة رسول الله إلى العشر الأواخر إلّا لتأكيد هذا المعنى، وهو أنّ الإنسان بدعائه، بصلاته، بصومه الذي هو كلّه دعاءٌ لله وتعرُّضٌ لنفحات الله، يريد أن يُؤهَّل ليكون أهلاً لهذه الليلة المباركة، لهذا الحال المبارك، لهذا القيام المبارك. علينا أن نجعل مفهومنا أوسع من أن نحصره في شكلٍ، أو في زمنٍ، أو في مكانٍ.
عباد الله: نسأل الله أن يجعلنا أهلاً لذلك، وأن يوفّقنا لأن نكون لنفحات الله وجودنا معرّضين ولآياته مستقبلين، في كلّ وقتٍ وحين.
فحمداً، لله وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
________________________

الحمد لله، والشّكر لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو أن يكون تفهّمنا للآيات أكبر من الزّمان والمكان، وأن نتفهّم المعنى المصاحب للآية وإن ارتبطت في ظاهر القول بزمنٍ أو بمكانٍ؛ لأنّ القضيّة هي الإنسان، وأن يكون أهلاً لما يجيئ مصاحباً لذكر الزّمان أو المكان.
وليلة القدر مثالٌ على ذلك، فكلّ ما يقوله القائلون عن وقتها، عن أيّ ليلةٍ، ولا يتفهّمون ما جاء مصاحباً لهذه الليلة من معانٍ، وأنّ القضيّة ليست في زمنٍ، فالله يتجلّى على خلقه في كلّ لحظةٍ، في كلّ ثانيةٍ.
ليلة القدر متاحةٌ في كلّ ليلةٍ، ولكن القضيّة هي قضيّة الإنسان، هل هو مؤهّلٌ لتلقّي هذه المعاني، أم غير مؤهّلٍ لها؟ لذلك، فإنّ على الإنسان أن يؤهّل نفسه بالدّعاء الدّائم، بالصّلاة الدّائمة، بالذّكر الدّائم، آملاً أن يكون أهلاً لتلقّي نفحات الله ورحماته.
هذه هي الرّسالة التي نريد أن نوصلها اليوم، أن نتفهّم هذه الرّسالة، وأن تتحوّل عندنا إلى واقعٍ نعيشه، فيكون تعاملنا مع الله، ويكون عملنا في الله، ويكون حديثنا في الله، وتكون كلّ حياتنا لله وكلّ وجودنا لله، سائلينه أن نكون أهلاً لتلقّي نفحاته وتلقّي رحماته ولتنزيل كتابه، وأن نكون أهلاً لملائكته وروحه، وأن نكون عباداً له صالحين.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا .
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.
___________________

(1) لم نجده بهذا اللفظ ولكن قد يقرب من معناه الأحاديث التالية :

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله تعالى أمرني أن أعلمكم مما علمني..." الراوي : أبو هريرة، المحدث: الألباني .

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أنا أبو القاسم ، الله يعطي ، وأنا أقسم " الراوي: أبو هريرة، المحدث: الألباني.

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش، فتعلمونهن وعلموهن نساءكم وأبناءكم فإنهما صلاة وقرآن ودعاء" الراوي: جبير بن نفير (تابعي) المحدث: أبو داود.  

(2) لم نجده بهذا اللفظ ولكن قد يقرب معناه من:

- "وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا"[النساء 69].

- جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال : يا رسولَ اللهِ ! كيف ترى في رجلٍ أحبَّ قومًا ولما يَلحقْ بهم ؟ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ " المرءُ مع من أحبَّ ". وفي روايةٍ : أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رجلٌ. الراوي: عبدالله بن مسعود،  المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم.

(3) مقولة الامام الجنيد.


     



كيف يكون السّعي ذكراً لله، وكسباً في الله، وعبوديّةً لله؟

حديث الجمعة 
21 رمضان 1438هـ الموافق 16 يونيو 2017م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من الشيطان الرجيم، نعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، نسأله هدايةً وتوفيقاً في أعمالنا، وسكينةً وسلاماً في ذكرنا، وإخلاصاً ورجاءً في دعائنا.
نتجه إليه في كلّ أحوالنا سائلينه قوّةً وعزماً، لنستطيع التغلّب على مصاعب الحياة حولنا، وعلى أن نكون عباداً له خالصين في الغيب وفي الشّهادة. عبوديّتنا مع الغيب أن نعدّ أنفسنا بذكره وطلبه، لنكون أهلاً لرحماته ونفحاته. وعبوديّتنا في الشّهادة أن نتعلّم أسباب الحياة وقوانينها، لنكون أداة خيرٍ وسلامٍ ورحمة لأنفسنا ولإخواننا في البشريّة ،في كلّ مناحي الحياة.
ندرك أنّ سعينا على هذه الأرض في اتّجاهاتٍ مختلفة، "وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى، وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى، إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى"[الليل 4:1]، فكيف يكون السّعي ذكراً لله، وكسباً في الله، وعبوديّةً لله؟ "فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى"[الليل 7:5]، وهذا يشمل كلّ عملٍ، وكلّ فعلٍ، وكل معاملةٍ على هذه الأرض ـ معنى العطاء، ومعنى مراقبة الله في العطاء.
لو تذكّر الإنسان ذلك في كلّ معاملةٍ وفي كلّ عملٍ، تذكّر أن يكون باذلاً كلّ جهده، معطياً كلّ ما يستطيع؛ لأنّه يرى أنّ ذلك واجبه، أن يعطي بإخلاصٍ، وأن يكون متعاملاً مع الله، وهذا معنى: "...وَاتَّقَى".
"..مَن أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى"، هو يدرك تماماً أنّ كل ما يفعله على هذه الأرض له صلةٌ بحياته الرّوحيّة وبحياته الأخرويّة، هو يصدّق ذلك، يصدّق أنّ التّعامل مع الله، وأنّ العطاء له من الله، وهذا معنى: "..صَدَّقَ بِالْحُسْنَى"، صدّق بالحياة، صدّق ببقاء الحياة، صدّق باستمرار حياته وباستمرار وجوده، فهو لا ينظر إلى كسبٍ عاجلٍ وإلى دنيا زائلة، إنّما هو يتعامل مع الله.
"فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى"، وطريق الله هو اليسرى، طريق الكسب في الله هو اليسرى، تيسير هذا الطّريق للإنسان هو اليسرى، تمكين الإنسان من أن يكون كذلك هو اليسرى.
ولنتعلّم كيف يكون حال الإنسان إذا كان في الصّورة المضادّة، تحدّثنا الآيات: "وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى"[الليل 10:8]، بخل عكس العطاء، واستغنى عكس التّقوى، من لا يرى أنّه يتعامل مع الله فقد استغنى، وأمّا من امتنع عن العطاء وانتظر الجزاء قبل أن يُعطِي فقد بخل.
وإذا نظرنا في الحياة، وجدنا هذين النّموذجين من إنسانٍ يُعطِي متعاملاً مع الله، ومن إنسانٍ يبخل متعاملاً مع النّاس، والآيات توضّح لنا النّموذجين لنختار أيّهما نحب أن نكون فيه.
قد يتساءل إنسانٌ، وهل يحبّ إنسانٌ أن يكون فيمن "...بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى"؟ نقول نعم، هناك من سيختار هذا الطّريق؛ لأنّنا نجد فعلاً من اختار هذا الطّريق، وهو لا يفكّر إن كان قد بخل واستغنى أو لم يفعل ذلك، إنّ حاله هو كذلك وإنّ فعله هو ذلك، إنّه لن ينتظر حتّى يقرأ هذه الآيات فيختار منها هذا أو ذاك؛ لأنّه لن يقرأها أصلاً. لذلك، فالآيات تصف أحوال النّاس لمن يقرؤها، فيتعلّم من قراءتها.
لينظر الإنسان إلى داخله، وليسأل نفسه: هل أنا في هذا الحال، أو في ذاك الحال؟ فالإنسان الذي يطلب المعرفة لا يعني أنّه في كمال، وإنّما هو في جهادٍ واجتهاد، وهذه الآيات تكشف له الطّريق، تكشف له اليسرى، وتكشف له العسرى.
والعسرى هنا ـ لو تأمّلنا ـ لا تعني عسراً في الحياة الدّنيا، وإنّما تعني طريق فقد الحياة، سوف يكون ميسّراً له أن يفقد حياته، كيف يكون ذلك؛ بأنّه يتّجه دائماً إلى ما يُخسِره حياته، تكون هكذا اختياراته، ويكون هكذا حاله، يختار دائماً ما يُخسِره في علاقته بالله.
هكذا نتأمّل في آيات الله لنحوّلها إلى سلوكٍ في حياتنا، تتحوّل هذه الآيات إلى نورٍ يهدينا الطّريق القويم والصّراط المستقيم، تعيننا أن نراجع أنفسنا، وأن نعكس البصر إلى داخلنا، لنرى ما نحن عليه، ولنسأل أنفسنا: من نحن، وما هو حالنا، وما هي صفاتنا؟
آياتٌ كثيرة تتحدّث عن الإنسان في عمائه، وتتحدّث عن الإنسان في يقظته، "إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ"[العاديات 8:6]. وتتحدّث أيضاً عن عطاء الله للإنسان الذي حمّله أمانة الحياة، وجعله خليفته على الأرض، "...إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..."[البقرة 30]، "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا"[الأحزاب 72]، "...كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا" قبل أن يحمل الأمانة، وبعد أن حمل الأمانة أصبحت عنده المكنة التي تجعله عادلاً منيراً.
إنّ الأمانة عطاءٌ دائم، "يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا..."[البقرة 269]، فما هو موجودٌ في فطرة الإنسان هو بذرة هذه الأمانة التي تنمو في الإنسان بتعرّضه لنفحات الله، والتي تموت في الإنسان ببعده عن ذكر الله، "...وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا"[الكهف 28].
هكذا نتعلّم دائماً، لنتّجه إلى الله دائماً، ولنتعامل مع الله دائماً، ولنسأل الله في كلّ حالٍ من أحوالنا، وأن نقصد وجهه في كلّ عملٍ من أعمالنا، وأن نتعامل معه في كلّ معاملةٍ من معاملاتنا، راجين أن نكون من الذين أعطوا واتّقوا وصدّقوا بالحسنى، وأن نكون من الذين يُسِّروا لليسرى، لنكسب حياتنا، ولنكون أحياءً عند ربّنا نُرزق.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
نحمد الله كثيراً، ونسبّحه بكرةً وأصيلا، نسأله أن نكون من المتأمّلين، المتفكّرين، المتدبّرين، الذّاكرين، الرّاكعين، السّاجدين، الحامدين، الشّاكرين، المعطين، المتّقين، الميسَّرين لليسرى، المكبرين لأمانة الحياة فيهم، المعرّضين أنفسهم لنفحات الله ورحماته، المتواضعين، المفتقرين.
نريد ونسأل الله: أن نكون في كلّ صفةٍ تقرّبنا من رحمته، وتقرّبنا من نعمته، وتقرّبنا من عطائه، وتقرّبنا من مغفرته، أن نكون أهلاً لنفحاته ورحماته، أن نكون عباداً في الغيب وفي الشّهادة، أن نكون مدركين لمعنى العطاء ولمعنى التّقوى ولمعنى اليسرى، وأن نكون مستعيذين بالله أن نكون في بخلٍ أو استغناء أو ممن يهوون العسرى ويطلبون العسرى، دون وعيٍ ودون فهم، نستعيذ بالله من ذلك.
عباد الله: إنّ كلّ آيةٍ من آيات الله فيها نورٌ، وفيها قوّةٌ، وفيها إرشادٌ، وفيها توجيهٌ ـ علينا أن نعرّض أنفسنا لهذه المعاني بتطهير قلوبنا من كلّ كراهيةٍ أو حقدٍ أو ظلامٍ، أن نجلي قلوبنا بذكر الله، وأن يرتبط معنى الذّكر بمعنى جلاء قلوبنا.
فإذا استغفرنا الله اتّجهنا إلى قلوبنا لتُجلَى باستغفار الله، وإذا صلينا وسلمنا على رسول الله اتّجهنا إلى قلوبنا ليساعدنا رسول الله على جلائها وليعطينا قوّةً لنجليها، وإذا سبّحنا لا إله إلّا الله اتّجهنا لقلوبنا حتّى لا نشهد إلّا الله، ولا نطلب إلّا الله، ولا نطمع إلّا في الله، ولا نسجد لغير الله، ولا نحبّ إلّا في الله، ولا نكره إلّا في الله.
نريد أن يكون ترتيلنا للقرآن فيه جلاءٌ لقلوبنا، وفيه إرشادٌ لعقولنا، وفيه تطهيرٌ لأرواحنا، وفيه تزكيةٌ لنفوسنا، وأن يكون ذكرنا بأيّ معنى ولأيّ معنى، هو جلاءٌ لقلوبنا.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.  



كلّ لجوءٍ إلى الغيب له مظهر شهادة

حديث الجمعة 
14 رمضان 1438هـ الموافق 9 يونيو 2017م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
"الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ..."[الأعراف 43].
عباد الله: [إنّ في أيام دهركم لنفحات فتعرّضوا لها](1)، تعرّضوا لها لتكونوا أهلاً لهداية الله ولتوفيق الله، ولتكونوا فيمن هدى الله، "...مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا"[الكهف 17].
إنّ الإنسان على هذه الأرض يمرّ بمراحل كثيرة، فقد يتصوّر في لحظةٍ من اللحظات أنّه قادرٌ بالأسباب وبالشّهادة وبالقوانين الماديّة، أن يغيّر أيّ شيء. وفي لحظاتٍ أخرى قد يعتقد أنّه لا يستطيع أن يغيّر أيّ شيء. والحقيقة ليست في هذا أو ذاك.
فهناك ما تستطيع أن تغيّره باستخدام قوانين الحياة، وهذا واجبٌ عليك أن تفعله. وهناك ما لا يمكن تغييره باستخدام قوانين الحياة، وهنا يجب أن تتّجه إلى الله، تتّجه إلى الغيب، تتّجه بالدّعاء أن يغيّر الله ما ترى أنّه الأسوأ، إلى الأفضل.
لذلك، نذاكر أنفسنا دائماً، بأن نكون في ذكرٍ دائم، وفي دعاءٍ دائم، وفي عملٍ دائمٍ أيضاً، "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..."[آل عمران 191]، الذّكر هو دعاء، هو وصلةٌ بالغيب، فأنت في حاجةٍ أن تكون في ذكرٍ دائمٍ لله، في دعاءٍ دائمٍ لله، وفي نفس الوقت تتفكّر في خلق السّماوات والأرض.
والتفكّر في خلق السّماوات والأرض، يعني أنّك تريد أن تتعلّم قوانين الحياة. فهذه القوانين لها حكمةٌ تطبّق في أحوالٍ معيّنة، وتُنتِج آثاراً محدّدة، وعليك أن تتعلّمها حتّى تستطيع أن تستخدمها وأن تُفعّلها في حياتك.
إنّا نجد في آياتٍ كثيرة هذين الشّقين، شقّ الغيب، وشقّ الشّهادة، "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"[البقرة 3]. بل أنّ شهادة أنّ لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله، تحمل أيضاً الجانبين، فشهادة أنّ لا إله إلّا الله هي شهادة غيب، وشهادة أنّ محمّداً رسول الله هي شهادة شهادة.
والاستقامة بين شهادة الغيب وشهادة الشّهادة، هي الصّراط المستقيم، "اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ..."[الفاتحة 7،6]. "...الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ..."، هم الذين هديت. و"...المَغضُوبِ عَلَيهِمْ..."، هم الذين أضللت. "...مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا".
والله يدعو النّاس دائماً برسله، وبرسائله، وبآياته وبقوانينه، "رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا..."[آل عمران 193]، فمن كان هذا المنادي؟ المنادي هم رسل الله، هي آيات الله، هي رسائل الله، هي نور الله، هو ما تجلّى الله به على خلقه. إنّ كلّ شيءٍ في الكون هو هذا المنادي. وتجلّى في بشرٍ من رسله، ويتجلّى دائماً في عباد الله الصّالحين، وفي أوليائه المصطفين، وفي العلماء الصّادقين، [علماء أمّتى كأنبياء بني إسرائيل](2).
"رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا..."، إيمانٌ غيبيّ، تلاه إدراكٌ لواقع الإنسان. "...رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ"[آل عمران 193]، دعوة إدراك، أنّ الإنسان بقيامه على هذه الأرض في حاجةٍ دائمةٍ إلى الاستغفار والرّجوع إلى الحقّ.
هو إدراكٌ؛ لأنّ الإنسان في قيامه في هذا الحجاب لا يستطيع أن يرى ما وراءه، وإنّما رسله وآياته ورسائله تُبلِّغ الإنسان بما سيكون عليه. "رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ..."[آل عمران 194]، دعاء إقرارٍ بإيمانٍ بأنّ ما نفعله اليوم ينعكس علينا غداً. "...وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ"[آل عمران 194]، إقرارٌ بالقانون الحقّيّ الذي يُطبّق بعدلٍ إلهيّ وبرحمةٍ إلهيّةٍ أيضاً. فعدل الله باطنه رحمة، ورحمة الله باطنها عدل.
لذلك، فإنّ طريقنا هو طريق الغيب والشّهادة، هو طريقٌ نفهم فيه ونسلك، نتأمّل فيه ونتدبّر ونعمل، نعيش فيه بأرواحنا كما نعيش فيه بأجسادنا، نتّجه فيه إلى الغيب ونعمل بالشّهادة، ندرك فيه أنّ حياتنا على هذه الأرض بكلّ ما فيها لها آثارٌ على وجودنا، على وجودنا المادي والروحيّ، وأنّ علينا أن يكون تعاملنا دائماً مع الله، فإذا غفلنا فاستغفرنا الله، أصبحنا في معنى، "...فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ..."[الفرقان 70]؛ لأنّ الغفلة أورثتنا استغفاراً، أورثتنا ذكراً. وإذا وُفّقنا وانتبهنا حمدنا الله وشكرنا الله على ما أنعم به علينا، فأورثتنا النعمة شكراً وذكراً. وإذا وُفّقنا في عملنا، فما توفيقنا إلّا بالله.
لذلك، نجد في ديننا، أنّ كلّ حياتنا مرتبطةٌ بالله، في أعمالنا، وفي معاملاتنا، وفي ذكرنا، وفي كلّ حالٍ من أحوالنا. وهذا ما نريد أن نكون عليه، ألّا يغيب عنّا رسول الله، وألّا يغيب عنّا ذكر الله، وألّا يغيب عنّا استغفار الله، وألّا يغيب عنّا حمد الله، وألّا يغيب عنّا توفيق الله، وأن نقوم حقّا في أن لا حول ولا قوّة إلّا بالله، وأن نفوّض أمرنا لله، وأن نتوكّل في أعمالنا على الله.
عباد الله: هكذا نريد أن نكون في طريقنا، وفي حياتنا، وفي مفهومنا، وفي سلوكنا ـ نشهد حقّاً أنّ لا إله إلّا الله، ونشهد صدقاً أنّ محمّداً رسول الله، وندعو إلى الحضرتين بالحضرتين، ونقوم بين الغيب والشّهادة في استقامة، طالبينها دائماً في كلّ فاتحةٍ نقرؤها، "اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ...".
عباد الله: نسأل الله: أن يوفّقنا لذلك، وأن يجعلنا كذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: إنّا نذكّر أنفسنا دائماً، أنّنا نعيش على هذه الأرض بين الغيب والشّهادة. علاقتنا بالغيب علاقةٌ أساسيّة وضروريّة، وعلاقتنا بالشّهادة هي كذلك أيضاً.
ونجد أنّ آيات الله تذكّرنا دائماً بذلك، فتعلّمنا الإيمان بالغيب، وإقامة الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، "ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"[البقرة 3،2]، "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..."[آل عمران 191]، بل أنّ شهادة أنّ لا إله إلّا الله وشهادة أنّ محمّداً رسول الله، هي أيضاً فيها الغيب وفيها الشّهادة.
والإنسان عليه أن يعرف كيف يميّز بين اللجوء إلى الغيب، وبين اللجوء إلى الشّهادة. فإذا كان هناك أمرٌ واضحٌ أنّه يعمل وفق قوانين الشّهادة، فعلى الإنسان أن يلجأ إلى الشّهادة. وإذا كان هناك أمرٌ لا تجد في الشّهادة وقوانينها ما يُمكّنك من تغييره، فواجبٌ عليك أن تلجأ إلى الغيب.
وفي الحقيقة أنّ كلّ لجوءٍ إلى الغيب، هو له مظهر شهادة. فأنت تلجأ بالدّعاء، وأنت تلجأ بالذّكر، والدّعاء والذّكر هما شهادة. وحين تتّجه إلى الأسباب في الشّهادة، فإنك تلجأ أيضاً إلى الغيب، فكم من الأسباب التي تتّبعها وتظنّ أنّها ستغير شيئاً، لا تغيّره. فعلينا أن نتذكّر دائماً، "...وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ ..."[هود 88].
هكذا نعلم أنّ كلّ عملٍ فيه جانبٌ من الغيب وفيه جانبٌ من الشّهادة، فإذا استقمنا في هذا الأمر، كنّا على الصّراط المستقيم الذي نطلبه دائماً في كلّ قراءةٍ لفاتحة الكتاب، "اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ".
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم كن لنا في الصّغير والكبير من شأننا.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.   


  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)    " إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها ". الراوي: أبو هريرة، المحدث: العراقي – إسناده مختلف فيه.

(2)  حديث شريف أخرجه ابن النجار وقال بعض العلماء أنه لا أصل لهذا الحديث وقال آخرون أنه حديث مرفوع وأخرج أبو نعيم حديثا رفعه بلفظ "أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد " وقد يدل على معناه الحديث الذي أخرجه كل من الترمذي وأبو داود "العلماء ورثة الأنبياء".                                                                                             




الأحد، 16 يوليو، 2017

هل إذا كنت لا ترى تأثيراً لما تقوم به، هل تُبْطله، هل توقفه؟

حديث الجمعة 
7 رمضان 1438هـ الموافق 2 يونيو 2017م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ونعوذ به من الشيطان الرجيم. نسأله توفيقاً، وهدايةً، ومغفرةً، ورحمةً، نسأله أن نكون أهلاً لكلّ ذلك، وأن نقوم فيما يجعلنا أهلاً لنفحاته ورحماته، وأن تكون عباداتنا مؤثرةً على قلوبنا وأرواحنا ونفوسنا وعقولنا، لتُخرِج كلّ ما فينا من ظلام وتستبدله بنورٍ من نور الله.
ونحن نعيش في عالمٍ نتعامل فيه بأجسادنا، ونريد أن نتدرّب على أن يكون تعاملنا بقلوبنا وأرواحنا، نريد أن نتدرّب على أن نتخلّى عن هذه الأجساد ومتطلباتها ورغباتها وشهواتها، وأن نعيش بما فينا من نور الله وسرّ الله.
وهذا ما نفهمه من منسك الصّوم، "... كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ..."[البقرة 183]؛ لأنّ الصّوم هو تدريبٌ على أن نعيش بأرواحنا وقلوبنا، وهو من قوانين الله التي أظهرها بمناسكه التي أمرنا بها، لنكون متذكّرين ذلك في كلّ لحظةٍ نمتنع فيها عن طعامٍ أو شراب، نتذكّر هذا المعنى في كلّ لحظةٍ من لحظات صومنا. وتذكّر المعنى بصورةٍ مستمرّة يؤثّر في القلب، [إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد، وإنّ جلاءها لذكر الله](1).
والصّوم هو نوعٌ من أنواع الذّكر ككلّ العبادات. والذّكر بمعناه الشّامل هو أن تتذكّر معنى، وتردّد هذا المعنى بأيّ جارحةٍ من جوارحك، وفي كلّ لحظةٍ تمرّ بك وأنت ذاكرٌ بهذا المعنى ـ  بمعنىً ما ـ يؤثّر دلالة هذا المعنى فيك.
وهذا ما نتحدّث به دائماً، من أن نربط بين كلّ منسكٍ نؤدّيه، وبين مقصدٍ حقيّ نريد أن نحقّقه لأنفسنا، وأن نتذكّر هذا المقصد ونحن قائمون في آداء المنسك. فالذّكر ـ كما قلنا ـ هو استمراريّتك في تذكير وجودك بأيّ جارحةٍ من الجوارح.
فإذا كنت تذكر بلسانك، وتستغفر الله بلسانك، وتستحضر معنى الاستغفار وأنت تردّد هذا الاستغفار بأيّ صيغةٍ وبأيّ شكلٍ، فإنّ ذلك يؤثّر فيك وفي داخلك. إذا كنت تذكر بجسدك كلّه وأنت صائمٌ، ويحتاج جسدك لطعامٍ أو شراب، هذا الاحتياج الذي يشعر به الإنسان يوم تربطه بمعنى أن تعيش بروحك وقلبك، فإنّ هذا يجعلك أقرب إلى هذا الحال.
من واقع التّجربة، ربّما يشعر الإنسان بذلك، وربّما لا يشعر بنتيجةٍ واضحة. ولكن نحن نعيش في حجابٍ من ظلام، وعلينا أن نختار ونحن نعيش في هذا العالم بما يجب أن نفعله، وبما يجب أن نقوم فيه. نحن لا نستطيع أن نرى تأثير ذكرنا على حالنا بصورةٍ واضحةٍ جليّة، ربّما يحدث ذلك للبعض في لحظةٍ أو في لمحةٍ، يشعر بتأثير ذكره عليه، وربّما لا يشعر إنسانٌ آخر بذلك.
والسؤال هنا: ماذا تفعل في كلتا الحالتين؟ هل إذا كنت لا ترى تأثيراً لما تقوم به هل تبطله، هل توقفه؟ وإذا كنت ترى أو رأيت تأثيراً في لحظةٍ أو في لمحةٍ ثمّ لم ترَ بعد ذلك، فهل يعني ذلك أنك كنت في حالٍ أفضل ثم تركت هذا الحال؟ إنها أسئلةٌ لها علاقةٌ بسلوك الإنسان في الطّريق.
والإنسان في الطّريق الصّوفي الحقيّ الروحيّ، له آدابه، وله أساليبه، وله تعاليمه. حتّى لا تترك الطّريق وتشرد عن الهدف، فعليك أن تتعلّم كيف تتعامل وأنت في هذا الحجاب، وأهمّ شيءٍ تتعلّمه أن تتّجه إلى داخلك بكلّ سؤالٍ يخطر على بالك، وتسأل قلبك: ماذا أفعل في هذا الحال، أو في ذاك الحال؟ إيمانك بهدفك وبمعنى حياتك، سوف يرشدك ويدلّك على الطّريق القويم.
ونحن هنا لا نريد أن نصف لك ما يجب أن تفعله، ولكنّا نساعدك على أن تجد هذا بنفسك، بقلبك، بعقلك، أن يكون بصرك حديد، أن تُرجِع الأمور إلى داخلك، أن تتّجه إلى قلبك، أن يكون قرارك قراراً قائماً على ما تراه وأنت تنظر إلى أعماقك.
إنّ أيّ تصوّرٍ لحالٍ معيّن سوف تصل إليه من سلوكك، هو تصوّرٌ ناقص؛ لأنّ ـ كما نقول دائماً ـ نحن نعيش في عالمٍ فيه حجاب، وهذا الحجاب رحمةٌ بك، فلتحاول دائماً أن تتعامل مع سرّ الله فيك الذي أودعه في قلبك، أودعه في قلبك لتستفتيه، [إستفت قلبك ولو أفتوك ولو أفتوك ولو أفتوك](2)
إنّا حين نربط الصّلاة، ونربط الصّوم، ونربط الحجّ، ونربط الزّكاة، بمعانٍ روحيّةٍ معنويّةٍ نريد أن نقوم فيها، فإنّ ذلك ينبع مما أُمِرنا به في ديننا بكلّ هذه المناسك، نحن نراها رسائل علينا أن نفهمها، وأن نتأمّلها، وأن نتدبّرها، وأن يكون لنا مفهومٌ فيها، وأن نعلم أنّ محاولتنا لفهمها ولفهم مقاصدها، هو أمرٌ نسبيّ، وليس مطلقاً، فنحن نفهم بما نحن له أهل، ولكن بقدر فهمنا بقدر ما سيكون لهذا المنسك تأثيرٌ علينا.
عباد الله: إنّا نذاكر بهذه المعاني دائماً فـ "..الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِين"[الذاريات 55]، والذّكرى يحتاج لها الإنسان، "فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى، سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى، وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى، الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى، ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى، قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى"[الأعلى 15:9]، نحن في حاجةٍ دائمةٍ أن نذكر اسم ربّنا.
وإسم ربّنا هو ما تجلّى به علينا من أسبابٍ وقوانين وأحوالٍ، وما أمرنا به من أحوالٍ ومن عباداتٍ ومن صورٍ مختلفة، تحمل رسائل كثيرة ـ علينا أن نتأمّلها وأن نقرأها، فنكون من الذين يذكرون اسم ربّهم، فيكونوا دائماً في صلاة.
عباد الله: نسأل الله: أن يحقّق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو تذكيرٌ بمعنى الصّوم لنا، وارتباط منسك الصّوم بأن يقوم الإنسان بما فيه من معانٍ، بما فيه من قيمٍ، بما فيه من روحٍ، بما فيه من قلبٍ، متخليّاً عن ذاته وشهواته ورغباته.
وأن جسده وهو يشعر بهذا الامتناع، إذا ربط هذا الإحساس بالجوع والعطش بمعنى قيامه بروحه وقلبه، يكون هذا الذّكر سبباً في تقوية ما في الإنسان من معانٍ وقيمٍ روحيّة وحقيّة.
وقد يشعر الإنسان بهذا التّأثير، وقد لا يشعر به واضحاً جليّاً، وعليه أن يعلم أنّ إدراكه ورضاءه بالمعنى الذي يفهمه من قيامه بالمنسك، هو الحافز الرئيسيّ على أن يقوم في هذا الذّكر، وهو يدرك أنّ هذا التّأثير واقعٌ، سواء رآه أم لم يره.
قد يشعر في حياته في لمحةٍ من اللّمحات بتأثير ذكره عليه، فهذا ما وصفه الصّوفيّة بعبادة اللّمحات، أنّك قد تشعر بأمرٍ غيبيّ غير اعتياديّ، يُشعِرك بجمال علاقتك بالله، ولكن هذا لا يستمرّ، وهذه ملاحظةٌ قال بها كلّ رجال الله. كلّ رجال الله قالوا بعبادة اللّمحات، وبقيامك في حجاب.
و[لو كشف عنّي الحجاب ما ازددت يقينا](3)، هذا ما قاله الإمام عليّ؛ لأنّه أدرك أنّ الإنسان في حجابه مجرّد أنّه يفهم أنّه في حجاب، ومجرّد أن يفهم قضيّته في الله، ومجرّد أن يفهم أنّ كلّ ما أُمِر به هو ليكون إنساناً أفضل وأصلح، هذا في حدّ ذاته كشفٌ للإنسان في حجابه، كشفٌ للإنسان فيما يفهمه، كشفٌ للإنسان في حدود وإطار وجوده الماديّ المحجوب.
فرؤية الله في الشّهادة، هي رؤيةٌ لله، هي شهادةٌ لله، فيما يستطيع الإنسان أن يشهده. هذا ما حدث مع موسى ـ عليه السّلام ـ "...رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا..."[الأعراف 143]،  هذا تعبيرٌ دلاليّ عن أنّ الإنسان يرى الله فيما يستطيع أن يشهده.
فأنت تستطيع أن ترى تأثير الفعل عليك فيما تستطيع أن تفهمه وتقبله، من أنّ هذا الفعل يؤثّر عليك إيجاباً. رؤيتك لهذا بفهمك هي رؤيةٌ حقيّة، وكلّ إنسانٍ سوف يرى بما يفهم، وسوف يرى بما ينوي، وسوف يرى بسعته في الرّؤية، "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ..."[البقرة 286].
اللهم وهذا حالنا، وهذا قيامنا، نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم اكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا. 
                                

  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)    حديث شريف أخرجه الطبراني بنص :"إن للقلوب صدأ كصدأ الحديد وجلاؤها الاستغفار".  

(2)    حديث شريف جاء نصه: "استفت قلبك واستفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك" قالها الرسول ثلاث مرات. أخرجه أحمد و الدرامي.

(3)    مقولة للإمام علي كرم الله وجهه "لو كشف الغطاء عنى ما ازددت يقينا".