السبت، 15 ديسمبر 2018

الدّين، هو في التّفاعل والاجتهاد الدّائم، في التّفكّر والتّدبّر، في التّجمّع للتّواصي بالحقّ وبالصّبر.


حديث الجمعة 
29 ربيع الأول 1440هـ الموافق 7 ديسمبر 2018م
السيد الإمام/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
الحمد لله الذي أعاننا أن نتأمّل في آياته، وأن نجتهد أن نفهم مفاهيم تنفعنا في حياتنا، وفي سلوكنا، وتفتح لنا أبوابًا تساعدنا على أن نتعايش مع حاضرنا وواقعنا، وتساعدنا أن نخاطب النّاس أجمعين عمّا بين أيدينا من معانٍ ومفاهيم، تساعد البشريّة أن تتخطّى صعابًا كثيرة تعوق حركتها وتقدّمها، بظنّ دينٍ، وبظنّ إيمان.
إنّ الإشكاليّة الكبرى التي يقع فيها كثيرون، هي ظنّهم أنّ الدّين له مفهومٌ واحد، وله تطبيقٌ واحد، وله صورةٌ واحدة، وكلّ فريقٍ يدّعي أنّه يملك هذا الفهم، ويملك هذا التّطبيق، ويملك هذه الصّورة.
مع أنّ آيات الله تعلّمنا أن نتأمّل، ونتفكّر، ونتدبّر، وأن نبحث، ونتعلّم، وأنّ هذا الدّين القيّم علينا أن نوغل فيه برفق، وأنّ هناك "...آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ..."[آل عمران 7]، وأنّ "...وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا..."[عمران 7].
ومعنى الإيمان هنا، هو أنّه "كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا"، وعلينا بعد أن ندرك ذلك، أن نحاول أن نتفهّم ما له علاقةٌ بحياتنا وأرضنا. وحيث أنّنا لا نستطيع أن نجزِم بتأوليه، فإنّنا نجتهد في فهمه، وفيما نحتاج إليه بصورةٍ ملحّة في حياتنا الأرضيّة، فنفعل ما نرى أنّه الحقّ بالنّسبة لنا، ولا نقول أنّ هذا هو ما أراد ربّنا.
وفي واقع الأمر، أنّ هذا الاختلاف الذي نراه بين الفِرَق المختلفة، ما هو إلّا إثباتٌ لذلك، ولا يعني الاختلاف أنّ هناك صورةً واحدة هي الحقيقيّة، والصّور الأخرى كلّها زائفة، إنّما كلّ الصّور هي مفاهيم إنسانيّة، وكلّها بها الخطأ وبها الصّواب، وكلّها تتغيّر وتتبدّل.
فالبحث إذًا، ليس عن صورةٍ واحدة، أو عن ما هي الصّورة الحقيقيّة، أو ما هو الفهم الحقيقيّ، ليس هذا هو السّؤال، لأنّ كلّ فريقٍ سوف يظنّ أنّ مفهومه هو الحقّ، وهذا طبيعيّ، إذًا، فلن نصل إلى شيء، لو أراد كلّ فردٍ أن يثبت للآخر أنّه على حقّ، وأنّ الآخر على باطل.
إنّما الحكم هنا، يكون بما علّمتنا الآيات، من أنّ الأمر موكولٌ للإنسان، وللأمّة، وللجماعة، وهذا ما نردّده دائمًا في مفهومنا للآية: "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"[آل عمران 104].
الأمّة تجتمع، وتتأمّل وتتعمّق في آيات الله، وتتأمّل وتتعمّق في واقعها، وفي حالها، وفي مشاكلها، وفي متطلّبات الأفراد فيها، وتحاول أن تجد ما ينفع النّاس، وما يأخذ بأيديهم، ويُخرِجهم من الظّلمات إلى النّور، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن الفقر إلى الغنى، ومن المرض إلى الصّحّة، ومن الأنانيّة إلى الإيثار، ومن الفرديّة إلى التّكامل والتّعاون.
كلّ هذه المعاني، موجودةٌ في آيات الله لنا، تدعونا إلى التّفاعل مع كتابه، وإلى التّفاعل مع أحداث الحياة، فكلّها آياته، "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ..."[فصلت 53].
هذا يحلّ إشكالياتٍ كثيرة، فلن نظلّ إلى الأبد نتصارع، ويكفّر بعضنا بعضا، ويجّهّل بعضنا بعضا، وإنّما سوف ندرك أنّ كلّ جماعةٍ وفريقٍ له وجهة نظر، فليحتفظ بها لنفسه، وليحاول أن يتفهّم وجهة النّظر الأخرى، ولنحاول جميعًا أن نجتمع لنتواصى بالحقّ، ونتواصى بالصّبر بيننا.
والحقّ ليس شيئًا واحدًا، وليس صورةً واحدة، وليس قولًا واحدًا، الحقّ هو العلّة التي نستطيع أن نتعرّف عليها فيما يحدث حولنا، الحقّ هو المسبّب للأشياء، هو القانون الفاعل على هذه الأرض، فإذا كانت هناك مشكلةٌ في حياتنا، فإنّ البحث عن الحقّ، هو في البحث عمّا سبّب هذه المشكلة.
وإذا كان هناك تساؤلٌ عن ظاهرةٍ معيّنة في أيّ مجالٍ، سواء كان في حال المجتمع، أو في ظاهرةٍ طبيعيّة، أو ظاهرةٍ اقتصاديّة، أو ظاهرةٍ سياسيّة، فإنّ الحقّ هو أن نبحث عن سبب انتشار هذه الظّاهرة، أو عن سبب وجودها.
وإذا كان البحث عن الحقّ في ظاهرةٍ دينيّة، أو في منسكٍ دينيّ، أو في أمرٍ تعبّديّ، فإنّ الحقّ هو في البحث عمّا وراء هذا الأمر الدّينيّ، أو هذا المنسك التّعبّديّ، والحقّ في النّهاية هو أمرٌ نسبيّ؛ لأنّ ما نكتشفه اليوم، قد نكتشف غيره غدًا.
لذلك، فإنّنا نتحدّث كثيرًا عن مقاصد العبادات، التي هي أمورٌ تعبّديّة، والحقّ في الحديث عنها، ليس في ظاهرها، فلا يكون مثلًا عن كيفيّة القيام للصلاة، أو في الحركات التي نؤدّيها في الظّاهر، وإنّما يكون الحديث عن الحقّ في الصّلاة، وفي دلالاتها الحقّيّة المعنويّة، في دلالاتها الرّوحيّة، في تقويم نيّتنا ونحن نؤدّيها، فنحن هنا نبحث عن الحقّ في أداء الصّلاة.
وكما قلنا، قد نصل إلى مفهومٍ عن الحقّ في أداء أيّ منسكٍ، ولكن هذا المفهوم الذي نصل إليه، هو أمرٌ نسبيّ، قد يتغيّر مع الوقت، ومع قدرتنا على الفهم، والتّحليل، والتّفكير، والتّدبير. وهذا الحقّ النّسبيّ، هو ما يمكن أن نصل إليه، وهو الحاكم لنا في أدائنا.
ومراقبتنا لأفعالنا وأدائنا، هي في أن نكون متوافقين دائمًا مع الحقّ الذي وصلنا إليه، وهكذا نكون مخلصين صادقين، فإذا نَصَحْنا ننصح بما وصلنا إليه، ولا ننصح بكلامٍ أجوف يردّده النّاس، ويقولونه، وينصحون به بعضهم البعض، دون أن يكونوا مُجرِّبين له، أو قائمين فيه.   
كلّ إنسانٍ، عليه أن يمارس الكشف عن الحقّ، وإذا تكلّم يتكلّم بما وصل إليه، وبإدراكه أنّ ما وصل إليه ليس الحقّ المطلق، فإنّه يكون مستمعًا لما وصل إليه الآخر. هكذا، يكون التّواصي بالحقّ، والتّواصي بالصّبر، إنّه ليس مجردّ مجلسٍ نتكلّم فيه كلامًا لا ندركه وإنّما نردّده. إنّ التّواصي يحتاج إلى أن نكون قد مارسنا، وجرّبنا، ووصلنا، بعد أن نكون قد فكّرنا، وتأمّلنا وتدبّرنا.
وهذا أمرٌ فيه صلاحٌ في كلّ مناحي الحياة. فأنت في أيّ علمٍ مادّيّ، إذا لم تكن قد فهمت أصوله حقًّا، فإنّ كلامك يكون مجرّد ترديد، والتّرديد ليس تواصٍ، إنّما هو حفظٌ لكلماتٍ، وإعادة تكرارها، وهذا ليس معنى التّواصي بالحقّ والتّواصي بالصّبر، وإن لم تكن قد توصّلت إلى مفهومٍ في قضيّةٍ معيّنة، يستريح إليه قلبك، ويستريح إليه عقلك، فلا تتكلّم عنه.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون من "...الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ..."[الزمر 18].
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
___________________
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: إنّا نتذاكر كثيرًا في معنى التّجمّع على ذكر الله، والتّواصي بالحقّ، والتّواصي بالصّبر، وأن ندعو إلى الخير، وأن نأمر بالمعروف، وأن ننهى عن المنكر؛ لأنّ هذه الأدوات هي التي تمكّننا من أن نتفاعل مع آيات الله، ومع واقعنا، لا أن نفصل بين آيات الله وبين الواقع الذي نعيشه، وأن ندرك أنّ الدّين هو في هذا التّفاعل، وأنّه ليست هناك صورةٌ جامدةٌ للدّين، عُرِفَت وتُطبّق بحذافيرها، وأنّ هذا هو الإيمان.
هذا التّصوّر الجامد ـ الذي ـ لكلّ فريقٍ تصوّره وجموده، كلٌّ يظنّ أنّ هذا هو صحيح الدّين، والدّين هو مصدر إلهام، يتفاعل الإنسان معه، له أبعادٌ كثيرة، لا يستطيع أيّ فريقٍ أن يدّعي أنّه ألمّ بكلّ هذه الأبعاد، فالبحث عن شكلٍ واحد يُطبَّق بصورةٍ جامدة، هو بحثٌ عن سرابٍ لا وجود له.
الدّين، هو في التّفاعل الدّائم، هو في الاجتهاد الدّائم، هو في المجاهدة الدّائمة، هو في التّفكّر والتّأمّل والتّدبّر، هو في التّجمّع للتّواصي بالحقّ والتّواصي بالصّبر. والحقّ، هو ما نصل إليه بأدواتنا، وبإمكاناتنا، سواء كانت هذه الإمكانات خارجنا، أو داخلنا.
الإمكانات داخلنا، هي باستخدام عقولنا، وقدرتنا على التّحليل، والتّفكير، والتّدبير. وخارجنا، بأن نشاهد ما يحدث من أحداث الحياة حولنا، ونستعين بأدواتٍ خارجنا حتّى نراها، وحتّى نحلّلها، وحتّى نجري تجارب عليها، فنصل إلى حقيقةٍ يتواصى بها من وصل إليها، ويتواصى بعكسها من وصل لعكسها. وبالتّواصي، وتبادل المعارف، والعلوم، والخبرات، نتوافق على أمرٍ، هو ما يجب علينا أن نفعله. هذا الأسلوب، وهذا المنهج، هو الدّين.
وكما نقول دائمًا، أنّ الدّين هو منهجٌ قبل أن يكون شكلًا، الدّين هو ممارسةٌ وتفاعلٌ مع الحقّ والحقيقة قبل أن يكون صورةً. يعتقد البعض أنّه يعرف الدّين بأن يردّد ما حفظه، الدّين لا يكون بحفظٍ، وإنّما يكون بتفاعلٍ، وعملٍ، وتفكّرٍ، وتدبّرٍ، واجتهادٍ، ومجاهدةٍ، وتعاملٍ، وتواصٍ، وصبرٍ. هكذا نفهم ديننا، ونفهم ما يجب أن نكون عليه.
نسأل الله: أن يغفر لنا إن نسينا أو أخطأنا، وأن نرجع إليه دائمًا، وأن نرجع إلى الحقّ دائمًا، فالرّجوع إلى الحقّ فضيلة.
اللهم وهذا حالنا، وهذا قيامنا، نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنبًا إلّا غفرته، ولا همًّا إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.        

  

ما هو حبل الله؟ إنّه ما يربط النّاس جميعًا، إنّه سرّ الله الموجود في كلّ إنسان.


حديث الجمعة
 22 ربيع الأول 1440هـ الموافق 30 نوفمبر 2018م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
عباد الله: إن آيات الله موجّهةٌ لنا جميعًا في كلّ زمانٍ ومكان، وعلينا أن نستمع إليها بقلوبٍ حيّة، وبعقولٍ منيرة، لنتعلّم ما فيها من حكمةٍ، ومن توجيهٍ إلى ما يُصلِح حالنا، ويُقوّم أمرنا.
"وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ ..."[آل عمران 103]، توجيهٌ إلهيّ لكلّ مجتمعٍ، ولكلّ جماعةٍ، ولكلّ إنسانٍ. فإذا تدبّرنا في هذه الكلمات، وتساءلنا: ما هو "حبل الله" الذي علينا أن نعتصم به؟
لو تصوّر الإنسان، أنّه مرتبطٌ بكلّ إنسانٍ آخر على هذه الأرض، "... خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ..."[النساء 1]، لو تصوّرنا أنّ هذا الارتباط، هو ما يعبّر عنه لفظ "حبل الله"، إنّه ما يربط النّاس جميعًا، إنّه سرّ الله الموجود في كلّ إنسان، فهو فيك، وهو في أخيك، وهو في كلّ فردٍ موجود في هذه البشريّة.
والتّمسّك بهذه العلاقة الإنسانيّة الإلهيّة، يؤدّي إلى أن يتراحم النّاس، وأن يتكاتفوا، وأن يعلموا أن مصيرهم واحد، وأن طريقهم واحد. بهذا الشّعور من التّرابط والتّراحم، سوف يشعر الإنسان بانتمائه إلى هذه الأخوّة الإنسانيّة، فيساعد هذا الإحساس الإنسان على أن يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه، وألّا ينفرد الإنسان بنفسه، معتقدًا أنّ انفراده سوف يُنجّيه، وسوف يُغنيه، بغير حاجةٍ وبغير ارتباطٍ مع الآخرين. سوف يساعد هذا الشّعور من الارتباط، بأن ينزع الإنسان ما في قلبه من كراهية، ومن حقد، ومن حسد.
"لاَ تَفَرَّقُواْ"، لا تشعروا بذاتكم منفصلةً عن الآخرين، وهذا حديثٌ موجّهٌ لمن يستمع، ولمن عنده استعدادٌ لتقبّل آيات الله له، والذي يشعر بنعمة الله عليه، "...وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ..."[آل عمران 103]، تذكيرٌ بما هو موجودٌ لديكم، وما أصبحتم عليه.
"... إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ..."[آل عمران 103]. وهذا تعبيرٌ عن أنّ كلّ إنسانٍ يمر بمراحل كثيرة، قد يكون في حال الانفراد، والإحساس بذاته، وبفرديّته، وهذا ما يجعله في معنى العداء للآخرين، فالإنسان ليس منزّهًا، وليس ملاكًا، وليس خالصًا من ظلام نفسه، بل أنّه يوم يستمع لهذا التّوجيه، يكون قد مرّ في مراحل حتّى يصبح في حال الاستماع.
لذلك، فإنّ الحديث ـ كما نقول دائمًا ـ هو ليس حديثًا تاريخيًّا نفهمه على أنّه كان موجهًا إلى من كانوا حول الذّات المحمّديّة بقيامه بمعنى رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، وإن كان هذا لا يمنع أنّه كان موجّهٌ لهم أيضًا.
ولكن نحن نتعلّم أنّ الآيات لها استمراريّة، وموجّهةٌ لنا دائمًا، ولذلك نحاول أن نفهمها من هذا المنظور، لا نحاول أن نفسّرها بمنظورٍ تاريخيّ، أنّ هذه الآيات تعني أنّ هناك جماعة في عصرٍ مّا، منذ ألف وربعمائة عام، كانوا كذا وكذا وكذا، ثمّ اجتمعوا وأصبحوا إخوةً في الله، وهذه قراءةٌ واردة، إنّما معنى القرآن كرسالةٍ دائمة، هو حديثٌ موجّهٌ إلى كلّ إنسانٍ في كلّ عصرٍ، وفي كلّ مكان.
"كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ"، كنتم متفرّدين، فأصبحتم إخوةً معتصمين "بِحَبْلِ اللّهِ". هذا التّفرّد، وهو أن يعيش الإنسان في عزلةٍ عن ارتباطه الرّوحيّ، والمعنويّ، والحقّيّ، عن بيئته الإنسانيّة، وعن أخوّته في البشريّة، يجعل الإنسان "... عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ ..."[آل عمران 103]؛ لأنّ هذه الانعزاليّة الفرديّة، سوف تجعله منفصلًا عمّا يمكن أن يكسبه من طاقةٍ نورانيّة، من ارتباطه بأخوّته في البشريّة، سينعزل عن أن يتلقّى نورًا، وأن يتلقّى طاقةً روحيّة، هذا يجعله "عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ"، وهو تعبيرٌ عن أنّه يغوص في أعماق نفسه الظلمانيّة.
فالحديث هنا، لإنسانٍ مرّ بتجارب في قيامه، وفي سلوكه على هذه الأرض، والحديث لتذكيره بهذا؛ لأنّ الإنسان على خطرٍ عظيم. ونحن نتعلّم ذلك من قول رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ: [أنا أقربكم من الله وأخوفكم منه](1)، و"... إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ..."[فاطر 28]، فخشية الله، هي أن يتذكّر الإنسان ماضيه، وما كان عليه، وأنّه يمكن أن يرجع إليه، وأن يعود إلى ما كان.
وهذه آيات الله يبيّنها لنا، "... كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ"[آل عمران 103]، فمع أنّكم أصبحتم إخوةً في الله، إلّا أنّ الهداية لا نهاية لها، وحتّى تتقدموا عليكم أن تتذكروا، وحتّى تتذكّروا عليكم أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه، وما أصبحتم اليوم عليه، وتعلموا أنّ قادمكم هو أفضل، يوم تكونوا متماسكين مترابطين، وأنّ ما أنتم عليه اليوم، سوف يكون بالنّسبة لكم مرحلةً تتذكّرونها في قادم، كما تتذكّرون اليوم ما كنتم عليه في الأمس، وسوف تعلموا أنّ إحساسكم بارتباطكم وبإخوّتكم في الله في قادمٍ، سوف تكون بصورةٍ أفضل، وأقوى، وأقوم.
هكذا نتعلّم من آيات الله، معنى من معاني تطوّر الإنسان في سلوكه، من حالٍ إلى حال، ومن مقامٍ إلى مقام، ومن عداوةٍ إلى محبّة، ومن افتراقٍ إلى أخوّة، ومن تفرّدٍ إلى ارتباطٍ واجتماع.
عباد الله: نسأل الله: أن نتعلّم دائمًا، وأن نقرأ آيات الله قراءةً فيها عمقٌ، وفيها تأمّلٌ، وتفكّرٌ، وتدبّرٌ لما نحن عليه الآن.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
________________________
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو قراءةٌ، وتأمّلٌ، وتفكّرٌ في بعض آيات الله التي تحدّثنا عن الاعتصام "بِحَبْلِ اللّهِ". وأوضحنا ما نفهمه من هذه الآية من واقعنا، ومن حاضرنا، وليس من مجرّد قراءتها على أنّها تاريخ، وإنّما نقرؤها اليوم كما سيقرؤها آخرون غدًا، قد يقرؤونها بصورةٍ أخرى، وبفهمٍ آخر.
لذلك، فنحن مطالبون دائمًا، بأن نتواصى بالحقّ والصّبر، أن نتواصى بمفاهيمنا بيننا، وأن يتواصى كلّ مجتمعٍ بما يفهمه، ويعرفه، ويدركه. لذلك، نجد الآيات اللاحقة لما ذكرناه، تُوصِينا بذلك، "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"[آل عمران 104]، فهذه الآية مرتبطةٌ بسابقتها، وتدلّ على استمراريّة الأمر من جيلٍ إلى جيل، ومن مكانٍ إلى مكان.
 بل أنّها ـ أيضًا ـ تشرح الآية في القول: "وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ ..."[آل عمران 105]، وما هذه البيّنات إلّا "حبل الله"، إلّا الارتباط بين النّاس جميعًا. علينا أن نقرأ الآيات بصورةٍ متكاملة، ونربط بينها في فهمٍ متّسق.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ..."[الزمر 18]، وأن نكون دائمًا أهلًا لرحمة الله، ولنور الله.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه .
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.

_____________________

(1)  "إني أتقاكم لله وأخشاكم له" حديث شريف أخرجه مسلم في صحيحه كما ورد في موطأ مالك ومسند أحمد بصيغ مختلفة.


  

الاثنين، 26 نوفمبر 2018

الدّين حيّ، وعلينا أن نتفاعل معه كقيامٍ حيّ، ونستلهم منه كحيّ، والحيّ دائمًا يقبل ما هو أفضل وأحسن وأقوم.


حديث الجمعة
15 ربيع الأول 1440هـ الموافق 23 نوفمبر 2018م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
الحمد لله الذي أكرمنا بجمعنا، وأن جعل لنا بيننا حديثًا نتواصى فيه بالحقّ والصّبر بيننا، نتدبّر أمور حياتنا، ونتأمّل في آيات الحقّ لنا، ونجتمع على مقصود وجه الله، وعلى ذكر الله، في دعاءٍ دائمٍ أن يعلّمنا الله من لدنه علمًا، وأن يفتح لنا بابًا لمعرفةٍ متجدّدة، وأن يمهّد لنا طريقًا نسلكه، حتّى نحقّق لوجودنا معنى العبوديّة لله، فنكسب كرّتنا، ونصبح أحياءً بحقّ، نواصل حياتنا بعد انتقالنا من هذه الأرض، أحياءً عند ربّنا نُرزق، في معراجٍ دائمٍ في الله.
عباد الله: لنكون كذلك، فقد كشفت لنا آيات الله، سرّ خلق الإنسان، يوم وجدنا في آيات الله، ما يحدّثنا عن خلق آدم كرمزٍ للإنسان، "وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ..."[البقرة 31]، "... إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ..."[البقرة 30]، فكان وجود الإنسان على الأرض، محمّلًا بعلمٍ ومعرفةٍ، ليبدأ في البحث عن الحقيقة، وهذا هو العلم الذي حمّله الله لآدم، وهذه هي الأمانة التي حمّلها الله للإنسان.
ولكنّ الإنسان وهو "... كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا"[الأحزاب 72]، حمل الأمانة، ولكن ما فيه من ظلمٍ وجهلٍ بقى فيه، "... إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ..."[يوسف 53]، فطغت نفسه عليه، فأصبح غائبًا عن الحقيقة، منشغلًا بوجوده المادّيّ، فعلّمنا الحقّ أنّ القانون الإلهيّ، هو "... مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً"[الإسراء 15]، فأوجد الله بين الخلق رسلًا ظهرت فيهم أمانة الحياة، فبدأوا بحثهم عن حقّيّ وجودهم، وهذا ما رأيناه في قصص الأنبياء والرّسل، أنّهم بدأوا جميعًا بالبحث عن حقيقة وجودهم، وعن معنى قيامهم.
وكان إبراهيم ـ عليه السّلام ـ وهو أبو الأنبياء، من علّمنا ذلك، وهو يبحث عن ربّه، وكلّ من جاءوا قبل إبراهيم، فعلوا مثله في بحثهم عن حقيقة وجودهم، وفي أن يرسل الله لهم رسلًا من السّماء تعلّمهم وتوجّههم.
وعلّمتنا الآية أنّ هذا قانونٌ دائم، "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ"[فصلت 30]. فكان الرّسل أدوات الله في خلقه، ليوقظوا النّاس من غفلتهم، وليخبروهم عمّا أودع الله فيهم من فطرتهم، وهذا هو الدّين.
فالدّين، كان تعبيرًا عن هذه القوانين التي سنّها الله في خلقه، من وجود الإنسان، وأن أودع فيه أمانة الحياة، ومن أن يرسل رسولًا ليُعلّم، وينذر، ويوضّح، ويبيّن، ويكشف للإنسان عمّا فيه من حقيقة، وأنزل الكتاب، الذي هو قوانين هذه الحياة، ليُعلّمها الرّسول إلى خلقه.
"آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ"[البقرة 285]، فهذه الآية تعبّر عن أركان الدّين، ومكوّنات الدّين، الذي هو أساسه ما في الإنسان من فطرة، وقدرة على التأمّل والتفكّر والتدبّر، فيكون الإنسان يوم يُعمِل ما أعطاه الله، أهلًا لأن يتلقّى نفحات الله، وأن تتنزّل عليه ملائكة الله.
فالآية "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ ..."، تعبيرٌ أنّ الرّسول أصبح أهلًا لأن يتلقّى من ربّه، يوم أعمل ما أعطاه الله من طاقاتٍ وإمكانات، فتأمّل وتفكّر، واختار وغيّر، واتّجه إلى الغيب طالبًا عونًا وقوّةً، فكان أهلًا لأن تتنزّل عليه الرّسالة، فما تنزّل عليه وجده في قلبه، فـ "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ"؛ لأنّه وجده في قلبه، وفي كيانه، فاطمأنّ لذلك، فآمن بما أُنزِل إليه من ربّه.
وبلّغ الرّسالة، فاستجاب من أعمل ـ أيضًا ـ ما أودع الله فيه من فطرة، فاستجابوا لدعوة الرّسول لهم، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ"؛ لأنّهم وجدوا لدعوة رسول الله عن الله، صدىً في قلوبهم وفي إدراكهم، أنّ هناك غيبًا لا يدركونه، فكان إيمانهم، هو تعبيرٌ عن أنّ الدّعوة إلى معنى الله كغيب، له وجودٌ في قلوبهم.
وآمنوا ـ أيضًا ـ أنّ لهم علاقةً مع الغيب، من خلال وسائل أوجدها الله، وعرفوا أنّ هذه الوسائل يُعبَّر عنها بـ "مَلآئِكَتِهِ"، والملائكة هنا هو معنى قبل أن يكون شكلًا، أو صورةً، أو إسمًا، إنّه الأداة التي تربط بين الإنسان وربّه.
إنّ الإنسان يوم لا يجد طريقًا أمامه، ويوم يشعر بالكرب، ولا يجد مخرجًا، فلا يجد إلّا الله، "... وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ..."[الطلاق 3،2]، يعلم أنّه حين يتواصل مع ربّه، فإنّ هناك من قوانين الحياة وأدواتها ما يُوصِله بربّه، "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ ..."[فصلت 30].
فآمنوا بملائكته، ووجدوا ذلك في قلوبهم، أنّ معنى الغيب لا يعني أنّه تركهم، أو أنّهم لا يستطيعون التّواصل معه، آمنوا بأنّ هناك ما يُوصِلهم به، فاتّجهوا إليه في خارجهم، وفي داخلهم.
فأدركوا أنّ هناك دائمًا على الأرض من سيساعدهم، ومن سيوضّح لهم، ومن سيكشف لهم، آمنوا أنّ الله لن يتركهم، بل سيجعل هناك من الرّسل من يوقظهم، ومن يساعدهم، فآمنوا بـ "رُسُلِهِ".
وقبل ذلك آمنوا ـ آيضًا ـ بأنّ هذا الذي يؤمنون به، موجودٌ في قوانين الحياة حولهم، وأنّهم يستطيعون أن يقرأوها ويتعلّموا منها، وكان هذا معنى آمنوا بـ "كُتُبِهِ" محفوظةٌ، موجودةٌ، مقروءةٌ، وهذا هو معنى "كُتُبِهِ".
هذا هو  الدّين كما نتعلّمه من آيات الله، والذي هو قائمٌ في كلّ عصرٍ وفي كلّ مكان، وهو قائمٌ اليوم بكلّ مفرداته، وبكلّ أركانه، وبكلّ مكوّناته. الدّين حيٌّ نعيشه، فأنت كإنسان، هو الإنسان الذي أوجده الله دائمًا في قديم، والذي سيوجده في قادم، أنت الإنسان الذي يحمل أمانة الحياة، والذي أعطاه الله المعرفة، وعلّمه الكلمات، وأنت الإنسان الظّلوم الجهول، الذي كنت قبل أن تحمل الأمانة لا شيء، وستكون لا شيء، فأصبحت بأمانة الحياة شيئًا، وستصبح شيئًا، أصبحت بأمانة الحياة حيًّا، وستصبح حيًّا، إن حافظت على هذه الأمانة فيك.
وكلّ إنسانٍ يوم يُعمِل ما فيه من فطرة، سيكون أهلًا للمعرفة، يوم يبحث، يوم يسأل، يوم يتساءل، يوم يطلب، يوم يدعو، وسوف تتنزّل عليك ملائكة الله، وهنا الملائكة ليس جسدًا، وليس شكلًا، وليس إسمًا، إنّه العلم اللدنّي، إنّه الإلهام، إنّه التوفيق، إنّه الفكرة، إنّه اللمحة، إنّه الكلمة.
وسوف يسمع هذا الإنسان هذه الدّعوة من رسل الله في كلّ صورةٍ وفي كلّ شكلٍ، وهي تعلّمه معنى الله كغيب، وتعلّمه الوصلة بالله بوجود ملائكته، وتعلّمه كيف يقرأ كتب الله، فيما أنزل الله في رسالاته، وفيما أوجد في كونه، "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ..."[فصلت 53].
وسوف يؤمن هؤلاء أنّ رسل الله موجودون دائمًا، ليس فقط بتجلّيهم في الأولياء وفي عباد الله الصالحين، وإنّما بوجودهم الرّوحيّ الموجود دائمًا، "... وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ..."[الأنعام/122].
وكما نتأمّل ونتدبّر دائمًا، أنّ معنى الرّسول هو المقصود الدّائم، "... مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً"، هو معنىً دائم، وما في الإنسان من فطرةٍ صالحة، هو تعبيرٌ عن معنى من معاني رسول الله. وآيات الله في الكون، هي رسائل لله تُرسَل، فهي بذلك معنى من هذه المعاني.
وتصوُّر الدّين كأنّه أمرٌ جاء وانتهى، وفسّره المفسّرون، ووضع قواعده الفقهاء، وانتهى الأمر، وهو كيانٌ جامدٌ لا يتغيّر، وأنّ علينا أن نراه كذلك، وأنّ خروجنا عن ذلك سوف يُسبّب تشتّتًا، هو أمرٌ يبتعد عمّا نراه من الحقّ.
فالدّين حيٌّ يتفاعل مع الإنسان، ويُكبِر الإنسان، ويُكبِر فكر الإنسان، ويُكبِر عقل الإنسان، ويُكبِر أن تجتمع الأمّة وتتفقّه في دينها، وتتواصى بالحقّ، وتتواصى بالصّبر، وتبحث عمّا يُصلِحها، وعمّا هو أفضل لها، وتعلم أنّ ما جاء في رسالات الله الزّمنيّة القديمة، لا يعني أنّ مفهوم النّاس عنها هو الحقّ، وإنّما هو مفهومٌ فيه جانبٌ من الحقّ، ولكن دائمًا هناك جانبٌ آخر، وأن التعدّد ليس فيه فتنة، وإنّما فيه تكاملٌ وترابط، وأنّ الثّوابت الأساسيّة، هي في الصّدق مع ما يراه الإنسان من حقٍّ وحقيقة، وأنّ كلّ ما جاء به الدّين من حقائق، هي أساسها أنّ الإنسان يتّفق معها ولا يختلف معها، بفطرته وبسرّ الله فيه.
عباد الله: هكذا، نرى الدّين كمعنىً شاملٍ في الحياة، وكمعنىً حيّ نتفاعل معه ويتفاعل معنا.
نسأل الله: أن يوفّقنا لما فيه خيرنا، ولما فيه صلاحنا.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: إنّ حديثنا اليوم كان تأمّلًا في معنى الدّين بالنّسبة لنا، فما نراه من مناظراتٍ وآراءٍ في قضيّة الدّين، ومصادره، وأصوله، وما يجب أن نتمسّك به، وما يجب ألّا نغيّره ـ هي أحاديثٌ قديمة، وهي لا تتناول الموضوع من جانبٍ حقّيّ، إنّما تتناوله من جانبٍ شكليّ، حيث ترى الدّين شكلًا، وصورةً، ورسمًا، ولا تراه حيًّا، لا تراه حقًّا يناظر، ويوجّه، ويجذب الإنسان، وإنّما تراه ضعيفًا، تخشى عليه أن ينقضّ عليه النّاس، والدّين أكبر من ذلك وأقوى؛ لأنّه قانون الحياة، [ما شادّ هذا الدّين مشادٌّ إلّا جذبه](1).
الدّين، هو الحقّ الذي يراه الإنسان، والذي تراه الجماعة، والذي يراه العقل، ويراه القلب، والذي هو أحسن، "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..."[العنكبوت 46]، وهو أحسن دائمًا، ليس بمفهوم سلفٍ أو خلف، وإنّما في أصوله الثّابتة، وفي دعوته القائمة الدّائمة، في الفكر المستنير، وفي العقل السّليم، وفي التّواصي بالحقّ والتّواصي بالصبر.     
عباد الله: حين نتكلّم عن الدّين، دائمًا نقول: أنّه حيّ، وأنّنا علينا أن نتفاعل معه كقيامٍ حيّ، وأن نستلهم منه كحيّ، والحيّ دائمًا يقبل ما هو أفضل وأحسن وأقوم، وأنّ مفهومنا عن الدّين ليس هو الدّين، وأنّ ما قاله السّابقون في تفاسيرهم، هو فهمٌ له وجاهته، وله أسسه، ولكن لا يعني أنّه الحقّ المطلق.
وأنّ علينا أن نتفاعل دائمًا مع أصولنا بالحجّة، وبالمنطق، وبالرجوع ـ أيضًا ـ إلى ما قاله السّابقون، ولكن لا يعني هذا أن نغلق بابًا يفتحه الله لنا بفهمٍ جديد، أو بمعرفةٍ جديدة، تتواءم وتتوافق مع الرّسالة المُبلّغة، ومع قوانين الله الدّائمة في أرضه التي نعيش عليها.
عباد الله: نسأل الله أن يوفّقنا أن نكون أداة خيرٍ وسلامٍ ورحمة، وأن نكون دائمًا راجعين إليه، ومتوكّلين عليه، تائبين إليه، مدركين أنّ علينا أن نتحدّث بما نرى أنّه الحقّ، ولا يعني تحدّثنا، أنّنا الحقّ المطلق، وإنّما هو تأمّلٌ قد يكون صوابًا، وقد يكون خطأً، ونحن نتحدّث عن ذلك دائمًا، فكلّ حقٍّ هو خطأٌ في مرحلةٍ مّا، وكلّ خطأٍ قد يكون صوابًا في مرحلةٍ مّا، فالقضيّة قضيّةٌ نسبيّة، ولا يعلم الحقّ المطلق إلّا الله، ولا يعلم الخطأ المطلق إلّا الله.
نسأل الله: أن يجعلنا أهلًا لرحمته، وأهلًا لنعمته، وأهلًا لتوفيقه وحكمته.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنبًا إلّا غفرته، ولا همًّا إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا. 


_____________________

(1)      قال صلى الله عليه وسلم " أن الدين يسر ، ولا يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدُلجه " .أخرجه البخاري ـ منتخب الصحيحين للنبهاني .


  

الخميس، 22 نوفمبر 2018

يوم يكون الإنسان حريصًا على معنى الحياة فيه، يكون قد أدرك معنى علاقته برسول الله.

حديث الجمعة 
8 ربيع الأول 1440هـ الموافق 16 نوفمبر 2018م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
"لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ"[التوبة 128]، هكذا يخاطبنا الحقّ عن مجيء رسول الله بيننا، يحدّثنا عن مولده وعن قيامه في مجتمعنا، في بيئتنا، في أرضنا، إنّه قولُ حقٍّ دائمٍ قائمٍ على هذه الأرض. فإذا كان مولد الذّات المحمّديّة، هو تعبيرٌ عن هذا المعنى وتجسيدٌ له، فإنّ هذا المعنى هو معنىً قائمٌ ودائم، بما ترك محمّدٌ رسول الله فينا من عترته وسنّته.
وفي قانون الحياة الذي تعلّمناه، في أنّ كلّ حقٍّ لا يفنى ولا يزول، وأنّ كلّ قولٍ فيه حياة لا يفنى ولا يزول، فكلّ ما جاء به محمّدٌ رسول الله، هو قائمٌ لا يفنى ولا يزول. ومعنى الحياة أكبر من قيام هذه الذّات، وما قيام الذّات إلّا تجلّي لمعنى حياة.
فظهور الإنسان بالذّات، هو تجلّي للإنسان في مكانٍ وفي زمان، أمّا الإنسان بمعناه الرّوحيّ فهو أكبر من المكان والزّمان، هو قبل هذا المكان، وقبل هذا الزّمان، وهو بعد هذا المكان، وبعد هذا الزّمان.
فإذا كنّا نتذكّر في هذه الأيّام، مولد الذّات المحمّديّة، التي تجلّى معنى رسول الله بها، فإنّا نتذكّر هذا المعنى الدّائم، الذي أُمِرنا دائمًا أن نكون في صلةٍ به،"إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"[الأحزاب 56]، وهذه نعمة الله على الإنسان، أن جعل دائمًا هناك من يُذكّره ومن يُعلّمه.
والإنسان حين يدرك هذه النّعمة، يطلب دائمًا من الله أن يجعله كذلك، "... رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ"[الأحقاف 15].
حين نتأمّل في هذه الآيات، نجد أنّ النّعمة الكبرى، هي نعمة الحياة، والحياة هي المعنى الذي يُبقيك على هذه الأرض، وهي المعنى الذي يُذكّرك بمعنى وجودك، وبمعنى قيامك، وبمعنى حياتك، وهي المعنى الذي يحفظك، والذي يقودك إلى ما هو أفضل وأحسن.
النّعمة التي تشكر الله عليها، ليست في مالٍ، فهناك من لا مال له، وليست في صحّةٍ، فهناك من لا صحّة له، وليست في جاهٍ، فهناك من لا جاه له ـ ولكن في معنى الحياة فيك، في المعنى الذي يُذكّرك، والذي يحفظك.
هذا المعنى الذي نقول عنه دائمًا، هو رسول الله لك، هو كلمة الله فيك، هو سرّ الله بك، هو معنى الحياة لك، وأنت تسأل الله أن يقودك إلى ذلك، وأن يُحفّزك لتدرك ذلك، وأن يُعلّمك ذلك يوم تقول: "أَوْزِعْنِي"، لقد أدركت أنّك لا يمكن أن تشكر نعمة الله، إلّا إذا أوزعك لتكون كذلك، إلّا لو جعلك تكون ذلك.
"أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ"، إنّك تعبّر بذلك عن استمراريّة قانون الحياة، فكما هي نعمة الله لك، كانت نعمة الله لوالديك، لقديمك، كانت قبل أن تكون، وستكون بعد أن كنت. "وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي"، فأنت قائمٌ بين قديمٍ وجديد، وتعلم أنّ القانون دائمٌ في كلّ حال.
فإذا قمت في ذلك، فأنت تدرك أنّك ما كنت على الطّريق القويم، وأصبحت على الصّراط المستقيم، فتتبع ذلك بالقيام في معنى التّوبة، "إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ"، أتوب إليك، فقد كنت غافلًا عن معنى الحياة فيّ، وعن معنى رسول الله فيّ، ورجعت إلى هذا المعنى، وتبت عمّا كنت فيه، فأصبحت من المسلمين، "إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ".
وهنا، معنى المسلمين، ليس مجرّد صفةٍ تكتسبها أو تكسبها بالمولد، وإنّما هنا تعبير: أنّك قلت: "إِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ"، تعبيرٌ عن أنّك كسبتها بإدراكك، يوم اتّجهتَ إلى ربّك بأن يوزعك أن تشكر نعمته عليك، واتّجهتَ إليه أن تعمل صالحًا، واتّجهتَ إليه أن يُصلِح من ذريّتك وفي ذريّتك. يوم قمتَ في ذلك حقًّا، تبتَ إليه وذكرتَ إنّك من المسلمين.
وهذا التّعبير، نجده في آياتٍ أخرى، يوم يعمل الإنسان عملًا صالحًا ويقول: إنّي من المسلمين، "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ"[فصلت 33]، و"مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا ..."[آل عمران 67] ، فالمسلم ليس مجرّد كلمةٍ نقولها عن أنفسنا أو عن غيرنا ـ وإنّما هي كلمةٌ يقولها الإنسان عن نفسه، يوم يدرك حقًّا معنى الإسلام.
عباد الله: نسأل الله: أن يجعلنا ممّن نتوب إليه، ونقول إنّا من المسلمين، وأن يجعلنا دائمًا برسول الله متّصلين، نصلّي ونسلّم عليه في كلّ وقتٍ وحين. هكذا، نكون من الذّاكرين، المسلمين، المؤمنين.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو ما تأمّلناه في الرّبط بين نعمة الله التي أنعم علينا، وبين "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ".
فيوم يكون الإنسان حريصًا على معنى الحياة فيه، يكون قد أدرك معنى علاقته برسول الله، فرسول الله "حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ"، وأنت يوم تشعر بذلك، وتقوم في ذلك، فإنّك تتّجه إلى الله، تتّجه إلى ربّك داعيًا: "أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ"، وتدرك أنّ هذا المعنى لا يدوم إلّا إن أكملت دعاءك، بـ: "وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ"، فبهذا تحافظ على نعمة الله عليك.
وأنّ من فضل الله عليك، أن يكون لك امتدادٌ ينتفع بما انتفعت به، وأنّ هذا لا يكتمل إلّا بأن تدعو الله: "وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي"، وهنا معنى الذّريّة ليس مجرّد أبناء، وإنّما هو عملٌ صالحٌ مستمرّ، وندرك ذلك من مخاطبة الحقّ لنوحٍ ـ عليه السّلام ـ: "... إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ..."[هود 46]. 
فالعمل هنا، مرتبطٌ بامتدادك في أيّ شكلٍ وفي أيّ صورة، وما كلمة ذريّتي هنا، إلّا تمثيلٌ ورمزٌ على الامتداد في هذه الأرض، [ينقطع عمل ابن آدم إلّا من ثلاث، صدقةٌ جارية، أو علمٌ يُنتفع به، أو ولدٌ صالحٌ يدعو له](1)، كلّها أعمالٌ باقية، فأنت لا تنظر إلى لحظتك فقط، ولكن تريد أن يكون عملك له تأثيرٌ باقٍ على هذه الأرض، وهذا دعاؤك أن تكون أداة خيرٍ وصلاحٍ وفلاح، بأيّ صورةٍ وبأيّ شكل، إنّك يوم تتّقي الله في عملك هو عملٌ صالحٌ باقٍ، يوم تعدل في عطائك وأخذك يكون عملٌ صالحٌ باقٍ، وهكذا في أقلّ القليل.             
فهكذا ندرك دائمًا، أنّ الإنسان وهو يذكر محمّدًا رسول الله، فهو بذلك يعبّر عن فهمٍ وإيمانٍ بهذا المعنى في دوامه وفي بقائه، لا يَذكر معنىً كان، وإنّما يذكره معنىً دائمًا قائمًا، وهذا ما نريد أن نقوله اليوم، حتّى نكون أهلًا دائمًا، لصلةٍ دائمةٍ برسول الله في كلّ صلاةٍ وسلامٍ عليه، "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا".
نسأل الله في يومنا هذا وفي لحظتنا هذه: أن يجعلنا دائمًا ممّن يذكرون ويصلّون على رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وأن نكون دائمًا في قيامنا وركوعنا وسجودنا، له ذاكرين، ولنعمة الله علينا به مدركين، وأن يجمعنا الله دائمًا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى محبّته.
اللهم وهذا حالنا، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنبًا إلّا غفرته، ولا همًّا إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنّا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.
_____________________________________

(1)           حديث شريف نصه: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له." الراوي: - المحدث: ابن تيمية المصدر: مجموع الفتاوى. 

  ____________________

"وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي"
"إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ"

"وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ"[فصلت 33] 

"مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا ..."[آل عمران 67] 

"لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ"
"حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ"
"أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ"
"وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ"
"وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي"

"... إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ..."[هود 46] 

(1)   حديث شريف نصه: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له." الراوي: - المحدث: ابن تيمية المصدر: مجموع الفتاوى. 
"إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"