الثلاثاء، 7 يونيو، 2016

إيماننا بالغيب يقودنا إلى كيف نقوم في الشهادة، وقيامنا في الشهادة يزيدنا أكثر إيماناً بالغيب

حديث الجمعة
8 رجب 1437هـ الموافق 15 أبريل 2016م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من الشيطان الرجيم، نعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، نسأله رحمةً ومغفرةً وقوةً نستعين بها على ظلام نفوسنا وغفلة قلوبنا وتفريطنا في أمرنا، نتوب إليه، ونرجع إليه، ونستغفره، ونطمع في رحمته وفي كرمه وجوده ونعمته ـ لنكون أهلاً لرحماته ونفحاته.
عباد الله: إن ما جاء به ديننا هو لإيقاظ قلوبنا، ولمساعدتنا على أن نتواصل مع فطرتنا ومع سرّ الله فينا ومع أمانة الحياة التي حمّلنا الله إيّاها. علّمنا أن الحق لا نهائيّ، متعالٍ، لا نستطيع أن نحيط به.
فهو أولٌ ليس قبله شيء، وهو آخرٌ ليس بعده شيء، وهو ظاهرٌ ليس فوقه شيء، وهو باطنٌ ليس دونه شيء، هو أحدٌ صمدٌ، "لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ"[الإخلاص 4،3]، ليس كمثله شيء، وتعالى عن كل شيء وعن كل تصوُّرٍ، هو غيبٌ لا نستطيع أن ندركه، "لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ"[الأنعام 103]، أودع في كل قلبٍ ما أشغله، "...أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى"[طه 50]، "..خَلَقَ فَسَوَّى"[الأعلى 2].
علّمنا أن الإيمان به هو إيمانٌ بالغيب، "ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ..."[البقرة 3]، علّمنا أن الإيمان بالغيب هو الذي يجعلنا نحيا على هذه الأرض، علّمنا أن نكون صادقين مع ما أوجد فينا من عقل، وما أوجد فينا من قلب، وما أوجد فينا من ضمير.
وأول ما يدركه العقل أنه لا يستطيع أن يدرك كل شيء، بل أنه لا يستطيع أن يعرف ما وراء هذا الكون، وأن كل ما هو ظاهرٌ له هو خَلْق، وأن الله وإن كان قد تجلّى في مخلوقاته وفي آلائه إلا أننا لا نستطيع أن ندركه، فهو فوق كل هذا الظاهر الذي نشهده. بل أن الإنسان حين يتساءل عن حياته في حاضرها وفي مستقبلها، فمستقبلها غيبٌ لا يعلمه إلا الله، وحِكمة خَلْقِه غيبٌ لا يعلمه إلا الله.
ما يعلمه هو، أنه قائمٌ على هذه الأرض وأنه يتحرك عليها، وأنه يريد كذا ولا يريد كذا، وأنه يستطيع أن يفعل كذا ولا يستطيع أن يفعل شيئاً آخر، وأنه يستطيع أن يدرك أمراً ولا يستطيع أن يدرك أمراً آخر، وأنه يستطيع أن يدعو الله كغيب ويستطيع ألا يدعوه، ويستطيع أن ينفق مما أعطاه الله ويستطيع ألا ينفق مما أعطاه الله ـ هذه الرؤية لما هو عليه هي ما هو مسئولٌ عنه، [كلكم راعٍ، وكلكم مسئولٌ عن رعيته](1)، "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ..."[البقرة 286]، "بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ"[القيامة 14].
لذلك، فإنّا نقول دائماً أن البدء في الفهم عن الحياة يبدأ من الإنسان، يبدأ من أن يتجه الإنسان إلى داخله ويسأل نفسه ماذا يريد أن يفعل وماذا يريد أن يعلم؟ إنه ـ كما قلنا ـ يستطيع إن شعر بضعفٍ أو وهنٍ أو ضيقٍ، أن يتجه إلى خالقه كغيب. من الناس من سيفعل ذلك ويتّجه، ومن الناس من سوف ينكر ذلك ويتوقّف.
ماذا يريد أن يعلم؟ من الناس من سوف يتجه إلى أن ينظر في خلق الله، ويتعلم مما خلق الله، مدركاً قوله: "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..."[العنكبوت 20]، ولقوله: "...وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..."[آل عمران 191]، فيتّجه بكلّه أن يتعلّم مما حوله ليفيد الناس وليخدمهم وليقوم بدورٍ في حياتهم الأرضية، أو حتى ليساعدهم في معرفتهم عن أنفسهم وتوجيههم أن يهتموا بحياتهم التي هم عليها، ولا يكونوا في فراغ.
ومن الناس من سوف لا يرغب في أن يتعلّم شيئاً، فيظل هائماً على وجهه، لا يريد أن يفكر، ولا يريد أن يتدبر، ولا يريد أن يسير في الأرض فيتعلّم، ولا يريد أن يحلّل ما يحدث له وما يحدث حوله، لا يريد أن يعلم إلا عن ذاته وشهواته ورغباته، لا يفكّر إلا في نفسه، لا يفكّر أن يكون أداة خيرٍ للناس ولمن حوله، بل أنه يريد أن يعلم أو يظن أنه يعلم عن أمورٍ غيبية. فيحدّث الناس بظنونٍ وخرافاتٍ وظنٍ في دينٍ وظنٍ في علمٍ، دون أن يتّبع أسلوباً صادقاً ليتعلّم به.
يتّبع الظن، يتّبع الخيال، يتّبع الوهم، يتّبع ما يخدع به الناس، بقصدٍ أو بدون قصد؛ لأن الإنسان يوم يخبر أحداً دون أن يكون هو واثقٌ مما يقوله ومما يدعو إليه، فإنه بذلك يُضِلّ الناس دون أن يدري أو يكون قاصداً أن يخدعهم، هناك من الناس من هو كذلك، وهناك من الناس من ليس كذلك.
لذلك، فإن الإيمان بالغيب يُحتّم علينا أن نُخلِص في الشهادة وأن نَصدُق في الشهادة، وكيفما نكون يكون الله علينا، [أنا عند ظن عبدي بي، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر](2)، [كن كيف شئت، فإني كيفما تكون أكون](3)، "...وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"[النحل 118].
إن هذا الاتجاه الذي نتحدث به هو ما نعتقده، قد يكون صواباً وقد يكون خطأً، نحن لا نُلزِم أحداً بأي شيء؛ لأننا نقول للإنسان فكّر بما أعطاك الله من عقل واتبع ما يهديك إليه قلبك، هذا ما نقوله، واستمع لكلمات الله وتدبّرها وتفهّمها، واعلم أنك بوجودك على هذه الأرض مقيد، وأن أي مفهومٍ هو مفهومٌ نسبيّ، وأنك قد تخطئ وقد تصيب، فلا تغترّ، ولا تتكبّر.
وهذا يُمْكِنك أن تصل إليه بفطرتك؛ لأنك تعلم أنك محدود، وأن ما يمكن أن تفهمه هو يتناسب مع هذه الحدود التي تملكها من علمٍ، أو في علمٍ، أو معرفةٍ، وأن إحاطتك بكل جوانب أي قضية هو محدود، لذلك فإن حكمك لا يمكن أن يكون مطلقاً، وكلمات الله ترشدك إلى ذلك.
كل كلمات الله يوم تستمع إليها بصدق، سوف تجد أنها تتناغم مع ما فيك من معرفةٍ وعلم وصدق، معرفةٍ صادقة، "...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء..."[فاطر 28]، خشية الله، ورسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ يعلّمك خشية الله، [ها أنا رسول الله بينكم، ولا أدري ما يفعل بي غدا](4)، [لا يدخل الجنة أحدكم بعمله، حتى أنت يا رسول الله؟ حتى أنا ما لم يتغمدني الله برحمته](5)، هذا لتكون في خشية.
هكذا، نذاكر دائماً أنفسنا، لنكون صادقين مع فطرتنا، مع عقولنا، مع قلوبنا، لنتعلّم أن كل ما نقرأه ونشهده من آيات الله في الآفاق وفي أنفسنا، ما سنصل إليه يتناسب مع محدودية علمنا ومعرفتنا، ولذلك فنحن دائماً في حاجةٍ أن نتجه إلى الله، وأن نسأل رحمة الله، وأن نسأل توفيق الله.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن إيماننا بالغيب يقودنا إلى كيف نقوم في الشهادة، وأن قيامنا في الشهادة يزيدنا أكثر إيماناً بالغيب، وهكذا إيماننا بالغيب يزيدنا استقامةً في الشهادة، واستقامتنا في الشهادة، تزيدنا إيماناً بالغيب.
فإيماننا بالغيب يجعلنا ندرك أن ما نستطيع أن نفعله في حياتنا يرجع إلى أن نسأل قلوبنا وعقولنا فيما يجب أن نقوم عليه، هل نتجه بالدعاء إلى الغيب الذي خلقنا والذي أوجدنا، طالبين قوةً ورحمةً ونوراً؟ أم أننا لسنا في حاجةٍ إليه؟ هل نحن في افتقارٍ إلى الله لأن يمدّ سرّ الحياة فينا بقوةٍ مستمرة، تساعدنا وترشدنا من داخلنا؟ أم أننا استغنينا عن هذا الفضل وعن هذا الكرم وعن هذا العطاء؟ وأننا باختيارنا سنكون كما نختار؟ إذا استكفينا بما لدينا، فسوف نُترك إلى حالنا، وهذا معنى،"...وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا"[الكهف 28]، القانون سيترك الإنسان إلى ما يريد، وهذا معنى، "...أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا...".
ولذلك، كانت الآية "...ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..."[غافر 60]، فالبدء من الإنسان، وكذلك اختيارنا فيما نستطيع أن نفعله في ماديّ وجودنا، أن ننفق مما أعطانا الله، فنبذل كل طاقاتنا وقدراتنا، فهذا هو عطاء الله، والرزق هنا والعطاء هنا هو كل ما أعطى الله للإنسان من قدرةٍ على الفعل وقدرةٍ على العلم.
فإنسانٌ سوف يعطي مما أعطاه الله، وإنسانٌ سوف لا ينظر إلا إلى نفسه فلا يعطي مما أعطاه الله، وهذا أيضاً اختيار الإنسان، "فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى، وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى"[الليل 11:5]، توجيهٌ يكشف للإنسان قانون الحياة.
فإذا استقام الإنسان في اختياراته، فإن ذلك سوف يقوده إلى الإيمان بالغيب أكثر؛ لأنه مهما وصل من علمٍ واختار ما يرى أنه الحق بالنسبة له، يعلم أن اختياره محدود بمعرفته وبعلمه وبفعله، فسوف يقوده ذلك إلى الاتجاه إلى الغيب، وإلى خشية الغيب، وإلى سؤال الغيب، وإلى إقامة صلةٍ مع الغيب ـ حتى يساعده الغيب على أن يستقيم في حياته أفضل وأحسن.
عباد الله: هذا ما أردنا أن نقوله اليوم لعلنا نستفيد بذلك، وكلٌّ عليه أن يفكّر فيه، وأن يتدبّر، يقبل أو يرفض، هذا اختياره.
عباد الله: نسأل الله: أن يهدينا سواء السبيل، وأن يرحمنا برحمته، وأن يغفر لنا بواسع مغفرته، وأن يتقبّلنا، وأن يجعلنا دائماً أهلاً لرحماته ونفحاته.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.      
________________________

(1)    جاء بسنن الترمذي: ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم أنه‏ ‏قال ‏" ‏ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه ، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"‏.

(2)    يقول الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن خيراً فله، وإن ظن شراً فله". أخرجه أحمد بن حنبل الجامع الصغير للسيوطي.   

(3)    هذه العبارة تتوافق مع الحديث القدسي في الملحوظة السابقة.

(4)    حديث شريف، نصه (قال صلى الله عليه وسلم: "هذا أنا رسول الله، والله ما أدرى ما يصنع بي")، وفى رواية أخرى: "قال صلى الله عليه وسلم: ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل بى ولا بكم". (أخرجه احمد ابن حنبل - مسند احمد بن حنبل).

(5)    "لا يُدخل أحدكم الجنة عمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة وفضل" حديث شريف رواه أحمد بهذا اللفظ ورواه البخاري ومسلم هكذا "سددوا وقاربوا وابشروا فإنه لن يُدخل الجنة أحدكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمه ".



الإنسان في بحثه عن الحقيقة إنما هو يحاول أن يُعدّ نفسه لاستقبالها، إنما هي تجيئ في النهاية بتوفيق الله

حديث الجمعة
1 رجب 1437هـ الموافق 8 أبريل 2016م
      السيد/ علي رافع

      حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يارسول الله.
      عباد الله: يا من ترجون لقاء الله ويا من تجتمعون على ذكر الله، حديث الحق موجَّهٌ إليكم، يخاطب عقولكم، وقلوبكم، وضمائركم، وأرواحكم، يقول لكم في أنفسكم قولاً بليغا، يقول لكم من أنتم، فقد خلقكم، وبصبغته صبغكم، وبسرّه أحياكم "...كُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ..."[البقرة 28]، وحمَّلكم أمانة الحياة، وعلّمكم الأسماء كلها، وجعلكم خلفاءه على الأرض "...إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..."[البقرة 30].  
      فكان الإنسان بذلك حاملاً لسرّ الحياة، وعالَماً قائماً بذاته، له كينونته، وله إرادته، وله قدراته وإمكاناته، وأصبح بهذه القدرات خليفةً على هذه الأرض، فجعله قادراً على أن يفهم أسرارها، وأن يبحث في أسباب الحياة عليها، "...قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..."[العنكبوت 20]، [وتحسب أنك جِرمٌ صغير، وفيك انطوى العالم الأكبر](1)، "...كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ..."[الإسراء 70]. كل هذه المعاني تعلّمنا أن الإنسان له قدراته، وهذا ما نراه في واقع الحياة.
      فنجد أن الإنسان كائٌن قابلٌ للتعلّم، وقابلٌ للتغيُّر، وقابلٌ للارتقاء، ويستطيع أن يغيّر، ويستطيع أن يطوّر، ويستطيع أن ينظر حوله ويتعلّم مما يحدث حوله، فعنده قدرةٌ على التحليل، وعلى الاستنتاج، وعلى الاستنباط، وعلى الاستدلال ـ وباتباعه لهذه القدرات استطاع أن يغيّر من الكثير على هذه الأرض.
      وقد ظل قروناً طويلة يبحث ويحلّل، ويتطوّر ببطء، حتى منتصف القرن الماضي، أو قبل ذلك بقليل، حدث انفجارٌ معرفيّ في جميع مناحي العلوم المادية، مما أدى إلى ما نحن عليه اليوم من تطوّرٍ كبيرٍ في العلوم وتطبيقها، وما كان ذلك إلا باتباع منهجٍ علميّ، مبني على النظر فيما نراه حولنا وتحليله بطريقةٍ منطقيةٍ عقلية، ليست مبنيةً على الظنّ أو التخمين، وإنما مبنيةٌ على واقعٍ يتكرّر.
      وإذا نظرنا إلى الحياة حولنا، لوجدنا أن جميع الظواهر الكونية تتكرّر بصورةٍ منتظمة،  "...كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ"[الأنبياء 33]. الشمس تشرق كل يوم، وتغرب كل يوم، وهي مستمرّةٌ على ذلك من يوم أن خلق الله الأرض ومن عليها. فإذا أردت أن تقول قولاً، أو أن تنتج فكراً قابلاً لأن يَحدُث باستمرار بصورةٍ يمكنك أن تلاحظها، فأنت بذلك تقترب من معرفتك لقوانين هذه الأرض، وهذا ما يُطلق عليه أنه منهجٌ علميّ.
      أما إذا أعطيت للظنون وللأفكار العنان، بحيث أنك تقول أي شيء وتدَّعي أي شيء، لأنك لاحظت ملاحظةً أو حدث أمرٌ، فعممته وقلت أنه أمرٌ حقيقيّ، فهذا ليس حقيقيّ بقانون الحياة؛ لأنه قائمٌ على ملاحظةٍ واحدة لا تتكرّر، أو تكرّرت قليلاً. قد يكون هذا معتقدك، وربما تحتاج إلى وقتٍ أطول حتى تراه يتحقق بصورةٍ منتظمة، إنما إلى أن يحدث ذلك، فلا يجب أن تدَّعي العلم.
      إن ما حدث على هذه الأرض قائمٌ على معرفةٍ حقيقية بقوانينها، وهذه المعرفة لا تجيئ لإنسانٍ لم يُعدّ نفسه لها، بالتعلُّم، والتفكُّر، والتدبُّر ـ فإذا كان كذلك، فإنه قد يتعرض لإلهامٍ أو توفيقٍ من الله، يساعده على معرفة هذه الحقيقة الكونية. "...لاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء..."[البقرة 255]، ولكن أنت عليك أن تُعدّ نفسك لمشيئته، "...ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..."[غافر 60].
      فالإنسان إن لم يكن مهيأً لأن يتقبّل علماً، فلن يحدث أن يتعلمه. وهذا ما نقوله دائماً، أن الإنسان في بحثه عن الحقيقة إنما هو يحاول أن يُعدّ نفسه لاستقبالها، إنما هي تجيئ في النهاية بتوفيق الله، وبفيض الله، وبعلم الله، وهذا هو قانون الحياة في كل شيء.
      وقد كشف لنا رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ذلك، [ها أنا رسول الله بينكم، ولا أدري ما يفعل بي غدا](2)، [لا يدخل الجنة أحدكم بعمله، حتى أنت يا رسول الله، حتى أنا، ما لم يتغمدن الله برحمته](3). ولنكون أهلاً لرحمة الله، فإن علينا أن نُعدّ أنفسنا لها، وهذا هو معنى المجاهدة ومعنى السلوك. فإذا كان ذلك في معنى الرحمة وفي إعداد النفس لمواصلة الحياة، فإن الأمر كذلك في العلم أيضاً وفي كل شيء، وهذا معنى "...وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ..."[هود 88].
     فالإنسان يعمل ليكون أهلاً لتوفيق الله، ويبحث ليكون أهلاً لتوفيق الله، ويذكر ليكون أهلاً لتوفيق الله، ويتأمّل ويتدبّر ليكون أهلاً لتوفيق الله. فرحمة الله دائماً موجودة، وعلم الله دائماً موجود، وتوفيق الله دائماً قائم، ولكن هل نحن أهلٌ له؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا.
      قانون الله قائمٌ وثابتٌ في الكون، لا يعرف أبيضاً أو أسود، مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً أو بوذياً أو كونفوشيوسياً، أو أي إنسانٍ بأي دينٍ كان، فيما نُطلق عليه من لفظ الأديان، لا يفرّق بين شمالٍ وجنوب، وبين شرقٍ وغرب. فالإنسان هو الإنسان، والقانون هو القانون.
    القانون "...مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ..."[المائدة 69]. القانون لا يفرّق، وهذا هو المعنى الكامن في الرسالة المحمدية التي جاءت للناس جميعاً، للأبيض، والأسود، والأحمر، والأصفر، لكل جنسٍ، ولكل لونٍ، ولكل حضارةٍ، ولكل إنسانٍ على هذه الأرض.
      ليس بالفكر المحدود الذي ظنّه المتابعون لهذه الرسالة بالإسم، وإنما بمعناها الأشمل، الذي يُحدّث الناس جميعاً، يحدّثهم بمعاني ومفاهيم وقوانين، لا يحدّثهم بأشكالٍ أو بصورٍ أو بتجمدٍ أو بوثنيةٍ، إنما يحدّثهم عن قانون الحياة، وهذا هو معنى، أو ما نفهمه من الآية "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ...."[آل عمران 19]، الإسلام بمعناه الشامل، وليس بمعناه المحدود الذي يظنّه البعض.
      عباد الله: بدأنا حديثنا عن الإنسان، وأنه القوة المحرّكة لهذا الوجود الأرضي بعمله، وتفكُّره، وتأمُّله، وتدبُّره، إنه بذلك يصل إلى أمورٍ بفضل الله وتوفيقه، تغيّره وتغيّر ما حوله، وهذه القدرة على العمل وعلى العلم وعلى الذكر، هي ما يميز الإنسان.
      فعلينا أن نكون كذلك، أن نعمل بقدر ما نستطيع، وأن نبحث بقدر ما نستطيع، وأن نذكر بقدر ما نستطيع، وأن نتأمّل ونتدبّر بقدر ما نستطيع. بذلك يُمَكِّننا الله بفضله وعلمه وكرمه، من أن نغيّر أنفسنا ونغيّر ما حولنا، يُمَكِّننا الله أن نكون صالحين، أن نكون أهلاً للحياة، أن نكون أهلاً لرحمته، أن نكون أهلاً لنعمته، أن نكون أهلاً لحكمته.
      عباد الله: فلنحاول أن نكون كذلك، وأن نُفعِّل كل ما أعطانا الله، فلم يُعطِنا الله ما أعطانا إلا لنُفعِّله، وإلا لنستخدمه، وإلا لنكون به في معنى الخلافة على هذه الأرض.
      نسأل الله: أن نكون كذلك، وأن يهيئنا لذلك.
      فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
      عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن الإنسان على هذه الأرض هو الكائن الوحيد عليها الذي يستطيع أن يتأمّل ويتفكّر ويتدبّر، وأن يحلّل ويستنتج ويستنبط ويستدلِل ـ بهذه القدرة يهيئ نفسه ووجوده لاكتشاف قوانين الحياة بفضل الله وبتوفيق الله، فيغيّر بذلك حياته الأرضية، ويستطيع أيضاً بذلك أن يغيّر حياته الروحيّة.
      تغيير حياته الأرضية يكون باكتشاف قوانين الحياة المادية، فيستخدمها فيما يغيّر به من معيشته، ومن أسباب الحياة الأرضية، بكل ما يحتاجه لهذا الوجود الماديّ أن يبقى عليها من طعامٍ، أو شرابٍ، أو مسكنٍ، أو ملبسٍ، أو تنقُّلٍ، أو اتصالٍ، أو تدبير قوانين أرضية مجتمعية تفيده في الحياة وفي المناحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
      أما حياته الروحيّة، فإن تأمّله، وتدبّره في أحواله المعنويّة والسلوكية، تجعله يغيّر من سلوكه لأن يكون إنساناً في سلامٍ في داخله وفي خارجه. سلامه الداخليّ يجعله قابلاً لكل صورةٍ بفضل الله ورحمته. وسلامه الخارجيّ يجعله أداة خيرٍ لجميع الناس، فلا يكون مصدر إيذاء بأي صورةٍ من الصور. وهو في سلامٍ مع الناس، وفي سلامٍ مع نفسه، بذلك يكون أهلاً لرحمة الله، فيكون بذلك في حالٍ أفضل في حياته الروحيّة الأخرويّة.
      لا يكون ذلك إلا بأن يُفعِّل الإنسان كل طاقاته الماديّة والروحيّة. طاقاته الماديّة التي تتمثل في قدرته على أن ينظر في كل ما يحدث حوله، وفي تحليله، وفي قدرته على تغييره. وطاقاته الروحيّة التي تتمثل في قدرته على أن يذكر، أن يتّجه إلى الغيب، أن يتّجه بالدعاء، أن يقيم صلةً، أن يقيم صلاةً، أن يجاهد نفسه، أن يتكاتف مع إخوانه على هذه الأرض، أن يتعاون معهم، أن يخدمهم، أن يساعدهم بدافعٍ روحيّ، بدافعٍ معنويّ. هذه القدرة التي أوجدها الله في الإنسان، إذا فَعَّلها الإنسان، رجعت عليه بسلامٍ وأمان.
      اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
      اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
      اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
      اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
      اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً  لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
      اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
      يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا. 
   
_____________________

(1)   مقولة للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

(2)           حديث شريف ، نصه (قال صلى الله عليه وسلم :"هذا أنا رسول الله , والله ما أدرى ما يصنع بي") ، وفى رواية أخرى " قال صلى الله عليه وسلم :ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل بى ولا بكم" .(أخرجه احمد ابن حنبل- مسند احمد بن حنبل).

(3) "لا يُدخل أحدكم الجنة عمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة وفضل" حديث شريف رواه أحمد بهذا اللفظ ورواه البخاري ومسلم هكذا "سددوا وقاربوا وابشروا فإنه لن يُدخل الجنة أحدكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمه ".

 


 

الخميس، 12 مايو، 2016

علينا أن نعمل بما نعلمه، مع ضآلته النسبية بالنسبة لعلوم الله، وأن نحاول أن نتعلم أكثر

حديث الجمعة
23 جمادى الآخر 1437هـ الموافق 1 أبريل 2016م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من الشيطان الرجيم، نعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، نطمع في رحمته وفي مغفرته وفي هدايته، نتجه إليه في كل أعمالنا وفي كل معاملاتنا وفي كل أحوالنا، طامعين في كرمه وفي جوده وفي فضله وفي توفيقه، مدركين أن التوفيق من عند الله، وأن النصر من عند الله، وأن الهداية من عند الله، "...مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا"[الكهف 17].
إدراكنا لهذه المعاني هو إدراكٌ تجريديٍّ غيبيّ. هو إيمانٌ بالغيب، إيمانٌ بأننا لا نحيط بكل شيء، بل أننا نحيط بقليلٍ جداً من علمٍ محدودٍ وقدرةٍ محدودة، "....لاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ"[البقرة 255].
إلا أن هذا لا يجعلنا نغفل عما نحن قائمون عليه، ولو كان قليلاً جداً، بل أن هذا القليل الذي نعرفه والذي نحيط به، هو ما يمكن أن يغيِّرنا على هذه الأرض، وهو ما يُمَكِّننا أيضاً أن نغيِّر ما حولنا. لذلك فهذا القليل بما يمكن أن يُحدِثه فينا هو كثيرٌ وكثيرٌ جداً.
إن الإنسان على هذه الأرض يحتاج أن يتعلّم، وأن يتعرّف على من حوله وعلى ما حوله، أن يتعلّم ما يستطيع به أن يقدّم خدمةً لإخوانه في البشرية، قدرته على خدمة الآخرين هي ما تُمَكِّنه أن يواصل حياته عليها.
حين ننظر على هذه الأرض، نجد أن الذي يتعلّم شيئاً مفيداً ـ به يستطيع أن يساعد الناس في حياتهم، يستطيع أيضاً بذلك أن يساعد نفسه، ويستطيع بذلك أن يغيِّر أشياءً حوله، وأن يغيِّر أولاً ما فيه. لذلك، فإننا مطالبون بأن نتعلّم، وأن نكون بتعلُّمنا نَعلَم، "...هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ..."[الزمر 9].
علينا أن نبحث دائماً عما يمكن أن نغيِّر به حياتنا، "...قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..."[العنكبوت 20]، دعوةٌ إلى البحث عن قانون هذه الأرض، وعن أسباب التواجد عليها، وعن أسباب ما يمكن أن نستخدمه لنُغيِّر حياتنا.
لذلك، فإن الإنسان مطالبٌ بأن يكون في سعيٍ دائم للتعلُّم وللبحث عن الحقيقة في كل مناحي الحياة، ليس فقط في العلوم الطبيعية، أو في العلوم الهندسية، أو في العلوم الرياضية، وإنما أيضاً في العلوم الإجتماعية، والعلوم الإنسانية، والعلوم الإقتصادية ـ في كل مناحي الحياة.
لا مانع أن يحلم الإنسان بأن يخلق مجتمعاً فاضلاً، وأن يؤمن مع مجموعةٍ تؤمن بما يؤمن به، أن يُكوِّنوا مدينةً فاضلة. وقد حلم الفلاسفة في قديمٍ بذلك، فتحدثوا عن المدينة الفاضلة، وتصوروا صورةً حاول البعض أن يحققها بصورٍ مختلفة على مر التاريخ. ربما فشلوا في ذلك، وربما يئسوا لوقتٍ ما، ولكن ذلك لا يمنع من أن يحاولوا مرةً أخرى بأسلوبٍ آخر.
بل أننا نجد على هذه الأرض في بعض المجتمعات التي لم تسلك مسلك الأولين، وأقامت مجتمعاتٍ بصورةٍ مختلفة، إلا أنها أقرب ما يكون إلى أن تكون مدينةً فاضلة. فالقضية هنا إذاً ليست شكلاً نتصوره، ولكن هو تفاعلٌ مع الواقع الذي يجعلنا نحاول دائماً أن نغيِّر هذا الواقع إلى صورةٍ أفضل وإلى صورةٍ أحسن.
لذلك، فإن الإسلام يوم تكلّم عن ذلك، تكلّم عن ألا تعبد صورة، ولا تعبد شكلاً، ولا تعبد فكراً محدداً، ففكرك يمكن أن يتغيَّر، لا يوجد فكرٌ صحيحٌ مائة بالمائة، وانما هناك دائماً نسبةٌ من الخطأ يمكن أن تصيب هذا الفكر.
لذلك، فالتفاعل مع الواقع، ومع ناتج التطبيق، هو الذي يغيِّر من فكر الإنسان إلى فكرٍ آخر، ومن ثم يغير الواقع ـ كواقع ـ إلى واقعٍ آخر، هذا التحول الدائم هو ما وجِّهنا إليه أن نكون متفاعلين مع واقعنا، "وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ"[الذاريات 6].
و"وَاقِعٌ" هنا لها دلالاتٌ مختلفة، قد نفهمها أن الدين قائمٌ بمعنى قانون الله على هذه الأرض، وهو قائمٌ دائمٌ لا يَنتظر أحداً أن يطبّقه أو أن يقيمه، إنما هو واقعٌ وقائمٌ، أراد الناس أم لم يريدوا، فهم الناس أو لم يفهموا، "إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا"[مريم 93]، فهذا قانونٌ دائم.
أما الإنسان فهو متغيِّرٌ، فكره متغيِّر، ودينه الذي يعتقده هو متغيِّر مع قدرته وإمكاناته، مع بيئته، ومع تفاعله، مع فهمه لما يقرؤه وتفضيله لصورةٍ على صورة، وقدرته على التمييز بين خيرٍ وشر، بين حقٍ وباطل، بين نورٍ وظلام.
لذلك، فإن كل إنسانٍ له دينه، ونقصد بالدين هنا هو مفهوم الإنسان عن الحياة، وتوجُّهه في هذه الحياة، وقدرته في هذه الحياة، وإرادته في هذه الحياة، وهدفه من هذه الحياة. لا نتكلم عن طقوس، ولا نتكلم عن مناسك، وإنما نتكلم عن مواقف، عن إيمانٍ داخليّ، ما يؤمن به في داخله وما يعتقده في داخله.
فالإنسان عليه أن يصحِّح مفاهيمه دائماً، واتجاهاته دائماً، لا يتوقف عند فهمٍ أو عند اتجاه، وإنما عليه أن يكون مُغيِّراً مُتغيِّراً. هذا التغيُّر يجعله حياً، ليس جامداً، وإنما مبدعاً بدوام تطورٍ وعلوٍ وارتقاء، وقد يكون كذلك بتغيُّره متغيِّراً إلى أدنى والى أسفل، هذا واردٌ.
ولكن الاهتمام في التغيُّر الدائم هو أن يجعل الإنسان يكسب تجربةً ويتعلّم درساً ربما يجعله يفيق بعد غفلة، وقد يجعله يغفل بعد إفاقة، ولكن هذا التغيُّر يُكسِبه حياةً، ويُكسِبه قدراً يُمَكِّنه من مواصلة الحياة ومن التعامل مع الحياة.
لا يجب أن يخاف الإنسان أن يخطيء وهو يعمل، لأنه لو خاف فلن يعمل، وإذا لم يعمل ولم يخطيء فهو أسوأ من أن يعمل ويخطيء فيتعلم. لذلك، كان الحديث [إن لم تذنبوا وتستغفروا، لأتى بقومٍ آخرين يذنبون ويستغفرون، فيغفر الله لهم](1)، [كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون](2)، هكذا نتعلّم سرّ المغفرة، وسرّ الإستغفار، وسرّ التعلُّم من الخطأ.
[من اجتهد فأخطأ فله أجر، ومن اجتهد فأصاب فله أجران](3). أجره يوم يخطيء هو أنه قد تعلّم أنه قد أخطأ فتعلّم درساً، فله أجره، له مكسبٌ من هذا التعلُّم. وإن أصاب فقد استفاد أنه قد عرف الصواب، وبفعله الصواب أفاد غيره فله أجران. وقد يتعلّم بعد ذلك أن هذا الصواب الذي ظنه هو خطأ، فيكون قد كسب مرةً أخرى، وهكذا في دوام تعلُّم، والذي أخطأ فتعلّم من خطئه فأصاب بعد ذلك، كسب أجران أيضاً، وهكذا.
فنحن في تعلُّمٍ دائم، نخطئ ونصيب، نكسب في كل حال. ولكن إن بقينا لا نجتهد، لا نعمل، لا نخطئ، لا نصيب، لا نفعل شيئا، فنحن جامدون، واقفون، لا نتحرك، لا نضيف معرفةً إلى معارفنا، ولا علماً إلى علمنا، ولا تجربةً إلى تجاربنا.
وهذا ما بدأنا به حديثنا، بأن قلنا: أن التعلُّم هو الأساس الذي يجعلنا نخدم من حولنا، ومن خدمتنا نكسب في حياتنا، و نكسب حياتنا الأخرى. نخرج أحياءً من هذه الأرض، بالتعلُّم والبحث والخدمة.
وإدراك أن هذا الذي ندركه مع محدوديته إلا أنه مفيدٌ جداً،  فلا يجب أن نقول: وماذا هذا الذي نعلمه؟ إننا لا نعلم إلا القليل، علينا ألا نعمل شيئاً، وألا نبحث عن شيء، فمهما عرفنا فهو قليلٌ، وعلينا أن نعبد الله فقط ـ بمفهومٍ سلبيٍّ للعبادة.
وهو ظنٌّ أنك حين تجلس في مكانك، وتردد بعض كلماتٍ دون أن تعيها، ودون أن تفهمها، ودون أن يكون هدفك منها أن تغيِّرك إلى ما هو أفضل وأحسن، بظن أنه مجرد عملٍ ماديّ لسانيّ حركيّ، فإن ذلك هي العبادة. فتظن أنك بذلك تؤدي ما هو أفضل على هذه الأرض. إنك بذلك تخسر أشياءً كثيرة.
وحين تجيء الآية لتقول لك: "...وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا..."[القصص 77]، لا تعني فقط أنك يجب أن تأخذ حظك فيها من متعةٍ أو ما إلى ذلك، فهذا ليس هو المقصود الأول، وإنما لا تنسى أنك يمكن أن تكسب في الله من خلال قيامك على هذه الدنيا. فهذا هو التأمل الذي نتأمله في هذه الآية، ونذكره دائماً.
عباد الله: نسأل الله: أن يجعلنا من الذين يتعلمون ويبحثون، وللناس يخدمون ويساعدون، ولربهم يذكرون وإليه يرجعون ويستغفرون، يطلبون منه رحمةً وقوةً وفضلاً وكرماً وعطاءً.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أننا ونحن نشعر بضآلتنا في هذا الكون، وبضآلة ما نعلم ونعرف، إلا أننا يجب أن نعمل بما نعلمه، وأن نحاول أن نتعلّم أكثر، فهذا القليل النسبيّ بالنسبة لعلوم الله ولإحاطة الله، هو كثيرٌ جداً بالنسبة لنا، ونستطيع أن نتعلّم الكثير بالنسبة لنا من هذا القليل بالنسبة لله.
بل أن في هذا القليل ما يُكسِبنا هذه الحياة، وما يغيِّرنا إلى ما هو أفضل وما ينطلق بنا إلى ما هو أعلى، وهذا سرّ الحياة فينا، وهذه هي أمانة الحياة التي حملها الإنسان. والحياة التي حملها الإنسان ليست في أن يجعله ذلك يتحرك، أويتعلّم، أو أن يفعل أفعالاً بعينها فقط، وإنما هذه الحياة تُكسِبه حياةً دائمة، حياةً أبدية، "وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ"[آل عمران 169].
وسبيل الله هو ليس فقط في حربٍ أو صراعٍ ماديّ، وإنما هو مواصلة المحاولة على هذه الأرض فيما أنت قائمٌ فيه، تريد أن تغيِّره إلى أفضل وإلى أحسن وإلى أقوم. هذا الذي تحاوله هو تفاعلك مع هذه الأرض، تفاعلك مع هذا الواقع، فلن تكون عبداً لصورةٍ، أو شكلٍ، أوخرافةٍ، أو ظن علمٍ أو معرفةٍ أو دينٍ، وإنما تكون عبداً لله. 
والعبودية لله تعني أنك تُكبِر الله عن أي شكلٍ وصورة، وتتعامل مع الله فيما تجلّى به عليك؛ في قوانينه التي أوجدها، وفي أسباب الحياة التي مَكَّنك من أن تعرفها، أو أن تعرف بعضها، أو تعرف قليلاً منها. وعبودية الله هي إدراكك بالغيب، وللغيب، وللشهادة.
إدراكك للغيب هو أن كل شيءٍ الله من ورائه بإحاطته، "إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا"، إرادةٌ كلية، وإحاطةٌ كلية، ومشيئةٌ كلية. وشِقّ الشهادة في العبودية هو أن تصدُق فيما تجلّى الله به عليك، في قوانينه الأرضية، وفي أسبابه الحياتية، "...قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..."، "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..."[آل عمران 191]، ويدركون أن "...رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"[آل عمران 191].
وعذاب النار هو ألا يكونوا أحياءً ، ألا يستجيبوا لما يحييهم، لا يستجيبون لله ولرسوله وهو يدعوهم لما يحييهم هذا هو عذاب النار الذي تشير إليه هذه الآية ـ في تأملنا وتدبرنا.
هؤلاء الذين استجابوا لله ولرسوله وهو يدعوهم لما يحييهم، هم الذين يعملون، هم الذين يغيِّرون، هم الذين يتعلّمون قبل كل شيء، هم الذين يبحثون عن الحقيقة، هم الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، يذكرونه غيباً، ويذكرونه شهادةً في أحوالهم، هم الذين يتحابُّون، يتآلفون، يرجون الخير لهم ولكل إخوانهم، لا يحقدون ولا يكرهون، قلوبهم صافية وعقولهم منيرة، يبحثون عما هو أفضل لهم ولغيرهم، يتّجهون ويتعاملون مع الله في كل أحوالهم، لا يرجعون إلا لله، ولا يطمعون إلا في الله، ولا يسألون إلا الله، ويشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا اليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا همّاً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.
________________________

(1)  "إن لم تذنبوا وتستغفروا لأتى الله بقوم آخرين يذنبون ويستغفرون فيغفر الله لهم" حديث شريف أخرجه مسلم.

(2)    قال صلى الله عليه وسلم :  " كل بنى آدم خطاء وخير الخطائين التوابون "، أخرجه أحمد بن حنبل والترمذى ـ الجامع الصغير جـ2 صـ92 .

(3)    حديث شريف نصه: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" المحدث: ابن تيمية .