السبت، 1 أبريل، 2017

"رجب شهر الله" يشير إلى معنى اقتراب الإنسان من الله فيه ومن حوله

حديث الجمعة 
3 رجب 1438هـ الموافق 31 مارس 2017م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من الشيطان الرجيم، نعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، طالبين سائلين أن نكون أهلاً لهدايةٍ، ولتوفيقٍ، ولرحمةٍ، ولنورٍ ينير ظلام نفوسنا، وحياةٍ تحيي قلوبنا، وعلمٍ ومعرفةٍ يحييان عقولنا.
عباد الله: يمرّ علينا الزّمان وتدور الأيّام وتتوالى الشّهور، ويأتي ديننا بمعانٍ في زماننا ترتبط بأيامنا، لتكون رسائله دائمةً في حياتنا. ونحن نبدأ في زماننا شهر رجب، شهر الله، شهر الرجاء، شهر المعراج، شهر الإسراء، شهر بداية تحضير النّفوس والقلوب والعقول لتلقّي النّفحات وتلقّي الرّحمات.
إنّ الإنسان إذا نسى أن يقرأ رسائل الله له في كلّ مناسبةٍ وفي كلّ أمرٍ وفي كلّ نهيٍ، سوف يموت قلبه وتظلم نفسه ويقف عقله. لذلك، فإنّ الإنسان يحتاج إلى تذكيرٍ دائم، وهذا سرّ رسائل الله المرتبطة بالزّمن. فحين تجيئ مناسبةٌ في شهرٍ أو في يومٍ، فتَذَكَّر أنّها رسالةٌ دائمةٌ، تَفكّرْ وتَأمّلْ فيها وتَدبّرْ في معانيها.
فحين نسمع حديث رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ [رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر الناس](1)، فإنّنا نسأل أنفسنا: ماذا يعني أنّ رجب شهر الله؟ وماذا يعني أنّ شعبان شهر رسول الله؟ وماذا يعني أنّ رمضان شهر النّاس؟
فلنتأمّل اليوم في معنى رجب شهر الله، ماذا يعني هذا؟ بدايةً، نحن نقول دائماً أنّنا لا نجسّد المكان والزّمان، وليس المقصود هو هذا الشّهر من دورة القمر حول الأرض، وإنّما هو تذكيرٌ بمعنى مرتبطٌ بالزمن، حتّى إذا جاء هذا الشّهر من كلّ عام، نتذكّر هذا المعنى، والذي يمكن أن نتذكّره في كلّ وقتٍ وحين إذا جال بخاطرنا هذا.
إنّ الإنسان له علاقةٌ مباشرةٌ بالغيب، "... ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ..."[غافر 60]، [من جاءني مشياً جئته هرولةً، ومن تقرّب إليّ ذراعاً تقرّبت إليه باعاً، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خيرٌ من ملئه](2)، وهناك علاقةٌ بالله من خلال رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، وهناك علاقةً بالله من خلال خلق الله، ولا يتعارض هذا مع ذاك. فحين نبتغي إليه الوسيلة، لا يعني ذلك أنّنا لا نستطيع أن نتّجه إليه أو نتوكّل عليه أو نسأله وندعوه.
        يحدث نقاشٌ وجدلٌ بين البعض في معنى الوسيلة وفي معنى الشّفاعة، كأنّهما ضدّ علاقة الإنسان بالله المباشرة. فيقول البعض أنّ العلاقة مع الله دون وساطةٍ ودون شفاعةٍ ودون وسيلةٍ، ويقول البعض الآخر أنّ العلاقة بالله يجب أن تكون من خلال شفاعةٍ ومن خلال وسيلةٍ.
والحقيقة أنّه لا هذا ولا ذاك بمفرده، إنّما علاقة الإنسان بالله تتمّ بصورٍ متعدّدة، يلجأ الإنسان للغيب، ويلجأ الإنسان لرسول الله، ويلجأ الإنسان إلى خلق الله، وفي كلّ هذا هو لجوءٌ إلى الله.
فمعنى الذي نتعلّمه من أنّ رجب شهر الله، وهو يعبّر عن لجوء الإنسان لله، أن يدعو الإنسان الله، أن يتّجه إلى الله، أن يقترب من الله، واقترابه من الله فيه تفصيلٌ وفيه تأمّل. قد نفهم أن ندعو الله، بأن نطلب من الغيب أن يساعدنا في حالٍ معنويّ أو في حالٍ دنيويّ.
ولكن معنى الاقتراب من الله يحتاج إلى تفهّم. قد يتصوّر البعض أنّه نوعٌ آخر من دعاء الله، وقد يتصوّر البعض أنّه نوعٌ من العبادة والذكّر، وقد يتصوّر البعض أنّه بعدٌ عن التّداني إلى الأرض وشهواتها، وهو في الواقع كل ذلك.
هو معنى ألّا يتثاقل الإنسان إلى الأرض، وعدم التّثاقل إلى الأرض، هو إدراكٌ قبل أن يكون عملٌ. الإدراك لمعنى الإنسان، ولحياة الإنسان، ولرسالة الإنسان على الأرض، ولإيمان الإنسان باليوم الآخر. أن يتعامل الإنسان مع الله في كلّ شيء، أن يرى الإنسان الله في كلّ شيء، أن يقترب الإنسان من الله فيه، كما يقترب من الله حوله، فهو محيط به من الداخل والخارج.
لذلك، فإنّ الصّوفية حين عبّروا عن ذلك بقولهم: [والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت ...  إلّا وحبّك مقرونٌ بأنفاسي](3)؛ لأنّه يستحضر الله معه، ويستحضر الله وهو يجالس الناس، [ولا جلست إلى قومٍ أحدّثهم ...  إلّا وأنت حديثي بين جلّاسي](4)، إنّه يرى الله في أنفاسه في داخله، ويرى الله في كلّ ما هو خارجه، في كلّ من يجالسه، فحديثه في الله، [إلّا وأنت حديثي بين جلّاسي](5)، هذا هو القرب إلى الله. لذلك، فهو معنى قريبٌ جدّا من معنى ذكر الله. فذكر الله، هو استحضار معنى الله بالنّسبة للإنسان كغيبٍ محيط، وكغيبٍ موجودٍ وقريب.
هكذا نتعلّم معنى أنّ رجب شهر الله، هو أن تعيش مع هذه المعاني التي تربطك بالله والتي تُشعرك بالله، فتشعر به قريباً، أقرب إليك من حبل الوريد، تشعر به معك أينما كنت، كغيبٍ، كطاقةٍ غيبيّة، كمعنىً لا صورة له. تراه في عسرك وفي يسرك، تراه في ضيقك وفي فرجك، تراه في كلّ حالٍ من أحوالك.
تشعر به أنّه الملاذ الذي ليس لك غيره، وأنّه السّند الذي ليس لك غيره، وأنّه المقصود الذي ليس لك غيره، وأنّه المطلوب الذي ليس لك غيره، وأنّه من تدعو وتطلب وليس لك غيره. تشهد حقّاً أنّ لا إله إلا الله، وأنّ لا حول ولا قوة إلّا بالله، وأنّ لا مغيث إلّا الله، وأنّك تفوّض أمرك إلى الله في كلّ حالٍ وفي كلّ قيام.
عباد الله: لعلّنا نكون قد قرّبنا مفهوم رجب شهر الله، وأن يكون تأمّلنا فيه شيءٌ من الحقيقة. فهذا تأمّلنا وتدبّرنا في هذا المعنى، نراه متّسقاً مع ما دُعِينا إليه من أن تكون لنا صلةٌ بالغيب وأن نتّجه إليه وأن نتوكّل عليه، وأنّ هذا لا يعني ألّا نكون على صلةٍ برسول الله وببيت الله، وبأسباب الله وبالوسائل التي جعلها الله لنا لنتقرّب بها إليه ـ فهذا لا يتعارض مع ذاك.
وإنّما هو حال إنسانٍ في علاقته مع الغيب، وعلاقة إنسانٍ مع الله مشهوداً في خلقه ـ هي علاقةٌ واحدة لها صورٌ متعدّدة. وعلينا أن نحيا كلّ هذه الصّور، وأن نعيش كلّ هذه الصّور، وأن نقوم في كلّ هذه الأحوال ـ لنكون حقّاً في معنى العبوديّة لله.
نسأل الله: أن يحقّق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
حديثنا اليوم كان عن تأمّلٍ في معنى أنّ رجب شهر الله، وماذا يعني هذا بالنّسبة لنا؟ وتأمُّلنا في ذلك، أنّ علاقة الإنسان بالله لها صورٌ كثيرة، ومن ضمن هذه الصّور هي استحضار معنى الغيب والتّوجه إلى هذا الغيب، ودليلنا على ذلك: "... فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ..."[البقرة 186] ، "... وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ"[ق 16]، "وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ"[الحديد 4]، "... فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ..."[البقرة 115]، "... وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ"[الشورى 11]، "يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ"[غافر 19] ، هو المحيط بنا من الدّاخل والخارج.
فحالنا في اللجوء إليه كغيبٍ هو حالٌ مطلوب، هو حالٌ نكسب به فيه، هو حالٌ يجعلنا نشعر بهذا الغيب معنا، وهو حالٌ مطلوب، هو سلوكٌ مطلوب، هو دعاءٌ مطلوب، هو ذكرٌ مطلوب لنتغيّر إلى الأفضل والأحسن، هو معنى: "أعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك"(6)، هو هذا الإحساس بتواجد الله معك، هو مقام الإحسان الذي تُحسِن فيه وجودك، تُحسِن فيه سلوكك، تُحسِن فيه ذكرك، أن تكون أحسن، أن تكون أفضل، أن تكون أقوم ـ باستحضارك لهذا المعنى.
إنّ ظلم الإنسان لنفسه، هو يوم ينسى هذا المعنى. لذلك، فنحن في حاجةٍ دائمةٍ إلى التّذكير بهذا المعنى، بهذه الصّحبة، بهذه الوصلة، بهذا التّواجد، بهذا الشّعور، بهذا الذّكر، بهذا النّور، بهذه الحياة. نحن في حاجةٍ أن نشعر بمعيّة الله وصحبة الله، "أنا جليس من ذكرني"(7).
عباد الله: نسأل الله: أن نجعل من أيامنا القادمة في هذا الشّهر تدريباً لنا في معنى الصّحبة الدّائمة لله، وفي معنى الذّكر الدّائم لله، وفي معنى استحضار هذا المعنى دائماً لنا وبيننا، لنكون حقّاً في معنى العبوديّة لله.
نسأل الله: أن يحقّق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاجعلنا لك خالصين، ولك داعين، ولوجهك قاصدين.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين ولوجهك قاصدين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم كن لنا في الصّغير والكبير من شأننا.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين، ارحمنا يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.      
_________________

(1)    حديث شريف: "رجبٌ شهرُ اللهِ ، وشعبانُ شهْرِي ورمضانُ شهرُ أُمَّتِي" الراوي: الحسن البصري، المحدث: ملا علي قاري - المصدر: الأسرار المرفوعة - الصفحة أو الرقم: 438، خلاصة حكم المحدث: مرسل، المصدر: الدرر السنية، الموسوعة الحديثية، تيسير الوصول لأحاديث الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ.        

(2)    حديث قدسي أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة :"أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعاً وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة".  

(3)  ، (4)، (5) من أشعار الحلاج:

والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت           إلا و حبّـك مقـرون بأنفاسـي

ولا خلوتُ إلى قوم أحدّثهــم                إلا و أنت حديثي بين جلاســي

ولا ذكرتك محزوناً و لا فَرِحا              إلا و أنت بقلبي بين وسواســـي

ولا هممت بشرب الماء من عطش       إلا رَأَيْتُ خيالاً منك في الكـــأس

(6)  حديث شريف، المحدث: ابن كثير.      

(7)    "أوحى الله تعالى إلى موسى ، أتحب أن أسكن معك بيتك؟ فخر لله ساجدا ثم قال: فكيف يا رب تسكن معي في بيتي، فقال: يا موسى أما علمت أني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني". ابن شاهين في الترغيب في الذكر عن جابر ( ضعيف ).

الجمعة، 31 مارس، 2017

التّغيير الحقيقيّ هو في تقبّل المعاني وتفعيلها في داخلك بالتّفكر والتّأمّل ، لتصبح جزءاً من وجودك فتغيّرك تغييراً كاملاً.

حديث الجمعة 
18 جمادى الثاني 1438 هـ الموافق 17 مارس 2017م
السيد/ علي رافع
حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
نتّجه إلى الله، ونستعين بالله، وندعو الله أن يكون جمعنا وحديثنا فيما ينفع النّاس، وفيما يساعدهم أن يخرجوا من الظّلام إلى النّور، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن الباطل إلى الحقّ، ومن الموت إلى الحياة.
لا يكون ذلك إلّا بفضل الله، وبرحمة الله، وبتوفيق الله. الله الذي ليس كمثله شيء، وهو وراء كلّ شيء، وأمام كلّ شيء، وفوق كلّ شيء، ودون كلّ شيء، والظّاهر في كلّ شيء، والباطن في كلّ شيء ـ تجلّى لنا فيما نراه أمامنا وفيما نراه في داخلنا، وأمرنا أن نتّجه إلى داخلنا "وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ"[الذاريات 21]، وأن نتّجه إلى خارجنا "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..."[العنكبوت 20].
ما جاءت الأديان إلّا لتعلّمنا ذلك، تعلّمنا أن نُعمِل ما أعطانا الله، وهذا هو التّعليم في كلّ صُوَرِه. فالمعلّم حين يعلّم المريد أو يعلّم الطّالب، يعلّمه كيف يُعمِل عقله، وهذا هو التّعليم الحقيقيّ. حتّى وهو يلقّنه ـ إن كان هناك تلقين ـ فإنّه لن يستطيع أن يحفظ ما يتلقّاه إلّا بقدرته على ذلك، بل أنّه لن يستطيع أن يحفظ ما تلقّاه إلّا إذا فهمه ولو بقدرٍ بسيط.
وحين يتعلّم الإنسان كيف يصنع صنعةً أو أن يمتلك مهارةً، فإنّ ذلك لا يكون إلّا بأن يجعل المعلّمُ المتعلّمَ يكتشف قدرته. لذلك، إذا لم يكن عند الإنسان استعدادٌ لتلقّي مهارةٍ أو علمٍ محدّدٍ، فإنّ التّعلم لن يسفر عن شيء. ما نريد أن نقوله أنّه إذا كان هناك من يُعلّم وعنده العلم، فإنّ ذلك يجب أن يقابله شيئٌ عند المتعلّم حتّى يحدث التّغيير.
وما كانت الرّسالات السّماوية وما كان الدّين إلّا تعليماً للإنسان، وهناك في الإنسان ما يتقبّل هذا العلم، وهذا ما نطلق عليه في بعض الأحيان فطرة الإنسان، أو حسّ الإنسان ـ فكما نشرح دائماً ـ إنّ أيّ فعلٍ يصدر عن الإنسان هو مسئوليّته، [كلّكم راعٍ، وكلّكم مسئولٌ عن رعيّته](1).
لذلك، فلا يمكن أن تنسب أيّ عملٍ إلّا لك، ولا يمكن أن تنسب أيّ قولٍ إلّا لك. في واقع الأمر إنّك حين تردّد آيةً حفظتها أو حديثاً تذكّرته، فحين تردّده يصبح قولك؛ لأنّك تردّده في الإطار وفي السّياق الذي تريد أن تدلّل به عن رأيك، فهو مفهومٌ لك في واقع الأمر.
لذلك، فإنّ من الشّائع الذي فيه جهلٌ، هو تصوُّر أنّ إذا ردّدت آيةً فإنّك تعتقد أنّك تردّد قول الله، وأنّك تعرف ما يريد الله وتعرف ما وراء هذه الآية، وتظنّ أنّ الكلّ سوف يفهم ما تفهمه أنت، وهذا ليس صحيحاً. فأنت حين تردّد آيةً فأنت لا تتكلّم باسم الله، وأنت حين تردّد آيةً فعليك ألّا تتوقع أنّ المفهوم الذي تفهمه أنت سوف يفهمه النّاس جميعاً كما تفهمه.
لذلك، فإنّ تصوُّر أنّ الدّين هو شيءٌ معروف، بمعنى أنّ مقصد الله في مفهومك للدّين؛ لأنّ البعض يعتقد أنّ الدّين هو ما يقصده الله أو ما يريده الله، فتصوُّرك أنّك تعرف ذلك، وهذا تصوُّرٌ خاطيءٌ ـ فهذا يقودنا أنّنا لا نستطيع أن نضع لائحةً أو قانوناً أو قواعد ونقول أنّ هذا هو الدّين.
سوف يتساءل البعض: إنّ ذلك يغيّر مفهموم الدّين كما فهمناه وكما اعتقدناه. وأقول أنّه ربّما يكون ذلك حقّاً؛ لأنّ ما فهمناه واعتقدناه هو أمرٌ لا يتوافق مع الواقع. الواقع يحمّلنا المسئوليّة، بل أنّنا نفهم من إشارات الدّين أنّه حمّلنا المسئوليّة، فالأمانة هي مسئوليّة، "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا"[الأحزاب 72].
قبل أن يحمل هذه الأمانة "...كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا"، وبعد أن حمل هذه الأمانة أصبح عادلاً منيرا، أو عنده الصّلاحيّة ليكون كذلك، بمعنى أدقّ. فهو قد حمل الأمانة وهو ظلومٌ جهول، فإذا لم يعرف كيف يُفعِّل الأمانة فيه، سيظلّ "...ظَلُومًا جَهُولًا"، وإذا عرف كيف يُفعِّل الأمانة فيه، فإنّه سوف يصبح عادلاً منيرا، وعادلاً عالماً.
وهذا ما أدّى بنا في أحاديث كثيرة أن نقول أنّ الدّين هو منهجٌ وليس شكلاً وليس صورةً، وإنّ الأوامر وإن كانت قد حملت أشكالاً إلّا أنّ الأشكال تحمل وسائل للإنسان، ليساعد بها وجوده ليكون أفضل وأحسن. وهذا ما أدّى بنا في كثيرٍ من الأحيان أن نتحدّث عن معاني العبادات ومقاصدها والمطلوب منها، كيف نُفعِّلها وكيف نستعملها لتغيّرنا. وهذا ما نفهمه من الحديث: [من لم تنهه صلاته فلا صلاة له](2).
إلّا أنّ المفهوم السّائد والشّائع أنّه قد حوّل الصّلاة إلى شكلٍ وصورة، وأصبح الإنسان مستريح الضمير بينه وبين نفسه بمفهومه الظّاهرىّ الشّكليّ السّطحيّ، إن كان يؤدّيها وهو لا يعرف شيئاً عنها ولا يشعر بأيّ شيءٍ فيها، وإنّما هو ملتزم.
وتحوُّل الإنسان لهذه الصّورة يصبح عائقاً بينه وبين أن يتفهّم معناها، فهو قد رأى في انتظامه الشّكليّ الحرفيّ ـ الهدف والمقصود. ولم يعلم أنّ عليه أن ينتظم ولكن في كلّ لحظةٍ يقوم فيها يتفكّر في معانيها ويسأل ربّه أن يلهمه ما يجعله يقيمها حقّاً، "رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ..."[إبراهيم 40]، وهنا معنى الإقامة يعني أنّك تُفعِّلها، وأنّك تكسب منها، وأنّها لها أثرٌ في تغييرك.
فالإنسان على مستواه كفرد، كلّما جاء به الدّين في ظاهر فعلٍ أو قول أن يفعله وأن يقوله، إنّما هو لمساعدته على أن يكون مغيّراً لظلام نفسه ولجهله ولظلمه ـ إلى أن يكون في معنى المعرفة والاستقامة والنّور.
وإقامة الصّلاة كمثل، تقع تحت معنى "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..."[آل عمران 191]. فالذّكر على وجه العموم يتبعه تأمّل في دلالته وفي فهم مقاصده.
وهذا هو المطلوب من الإنسان، أن يأخذ أيّ أمرٍ ليفكّر كيف يُفعِّله في داخله، ومن ثمّ يصبح الإنسان مغيّراً لنفسه، وهذا معنى "...إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ..."[الرعد 11]. إنّنا نأخذ التّغيير في بعض الأحيان على أنّك تفعل كذا وكذا فلا تفعل كذا كذا، هذا ظاهر أمر يمكن أن يُفهم، ولكن التّغيير الحقيقيّ هو في تقبّل المعاني وتفعيلها في داخلك بالتّفكر والتّأمّل فيها، لتصبح جزءاً من وجودك فتغيّرك تغييراً كاملاً.
إن التغيير ليس هو شكلاً سطحياً، إنّك تفعل كذا فلا تفعل كذا، هذا أبسط الأمور، وهو لن يتحقّق إلّا إذا كان عندك فهمٌ عميقٌ لما تفعله ولما لا تفعله. لذلك، فنحن نجد في حياتنا اليوميّة الكثير من الأشياء التي نقوم بها ونقول أنّنا نريد أن نغيّرها ولا نغيّرها؛ لأنّها لن تتغيّر بمجرّد أن نقول أنّنا نريد أن نغيّرها، ولكنّها قد تتغيّر إذا فهمنا لماذا نريد أن نغيّرها، ولنقنع داخلنا؛ لأنّنا نريد أن نغيّرها. فإذا لم نغيّرها بعد ذلك، فربّما تكون أنّها لا تحتاج التّغيير.
لذلك، حين نرى في معنى الحديث: [لا يقوم الإنسان بذنبٍ ـ أياً كان هذا الذنب ـ وهو مؤمن](3)، ما معنى ذلك؟ معنى ذلك أنّه لا يؤمن في داخله بحقّ أنّ هذا الفعل سوف يؤثّر عليه سلباً؛ لأنّه لو آمن بحقّ أن هذا الفعل سوف يؤثّر عليه سلباً، فإنّه بالطّبيعي أن وجوده لن يقبل بأن يقوم بهذا الفعل.
لذلك، فعلينا أن نتعلّم كيف نتدبّر ونتفكّر في كلّ كلمةٍ وفي كلّ حرفٍ وفي كلّ فعلٍ وفي كلّ آية، في كلّ أمرٍ وفي كلّ نهي؛ لأنّك لن تستطيع أن تكون قائماً في معنى الإيمان بها، إلّا يوم أن تتخلّلك وأن تصبح أنت قائماً في معناها.
        عباد الله: نقول ذلك، مجيبين ورادّين لما هو شائعٌ بيننا من ترديدٍ بأنّ الدّين هو كذا وكذا؛ لأنّ الدّين في مفهومنا هو أعمق من ذلك، هو الحياة، هو قانونها، هو الإنسان وقدراته وتفعيل هذه القدرات.
علينا أن ندرك ذلك بحقّ، وأن نذكر وأن نتفكّر ونتدبّر وأن نعمل بعد ذلك عملاً صالحاً، نرى فيه إصلاح الدّنيا، وإصلاح الإنسان الذي سوف يؤدّي بالضرورة إلى إصلاح الآخرة؛ لأنّك يوم تقوم بعملٍ صالح على  هذه الأرض إنّما هو ليجعلك صالحاً في حياتك المستمرّة والباقية.
وكلّ حياة الإنسان على هذه الأرض هي تدريبٌ وجهاد لحياةٍ قادمة، فإن لم يدرك الإنسان ذلك ويتفهّمه، فلن يكون هناك معنى لآخرة، ولا معنى لدنيا، ولا معنى لحياة. وإذا كان هذا هو الحال، فإنّه لا معنى لوجوده أصلاً.
فإذا اعتقد ذلك، فكيف يكون من الذين يتّجهون إلى ربهم ويقولون: "...رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"[آل عمران 191]، إنّه لا يمكن أن يكون كذلك إلّا إذا قام في مراحل الذّكر والتفكّر والتدبّر في كلّ خلق الله، ليصل إلى معنى وجوده، وإلى تقدير وجوده، وإلى احترام وجوده، فيحترم حاله، ويحترم حياته، ويحترم عطاء الله له، فيصبح عبداً لله صالحاً، وعبداً لله صادقاً.
عباد الله: نسأل الله: أن يحقّق لنا لك، وأن يجعلنا كذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
____________________
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
ما أردنا أن نقوله اليوم: هو ما نفهمه في معنى الدّين لنا، فنحن نرى الدّين منهجاً لحياتنا، لاستخدام قدراتنا وعقولنا وقلوبنا، ولاستقبال تعاليم الحقّ لنا بقلوبٍ طاهرة وعقولٍ متفتّحة، تأخذ هذا الحديث وهذه التّعاليم لتتفهّمها ولتُفعِّلها، لا لأن تقلّدها أو تتّبع شكلاً أو صورة، وإنّما تتفهّم أنّ كلّ هذه الآيات والأحاديث جاءت لتجعل الإنسان إنساناً.
ومعنى أن يكون الإنسان إنساناً هو أن يكون عبداً لله. ومعنى العبوديّة لله هو كيف تتعامل مع قوانين الحياة. ولتتعامل مع قوانين الحياة عليك أن تذكر وتتفكّر وتتدبّر. وهذا هو المطلوب. المطلوب بناء الإنسان ليصبح عبداً لله، حمل الأمانة وفَعَّل هذه الأمانة، ليغيّر وجوده الذي "...كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا"، ليكون منيراً عالماً. هذا هو المطلوب من الإنسان.
ونحن قد ركّزنا في هذا الحديث على ما هو مطلوبٌ من الإنسان، ولم نتطرّق إلى الشقّ الآخر وهو ما هو مطلوبٌ من الجماعة، وقد تحدّثنا في ذلك كثيراً. إنّما نتحدّث اليوم عمّا هو مطلوبٌ من الإنسان ليكون إنساناً، مركّزين على هذا المعنى؛ لأنّه البداية الحقيقيّة لأيّ إنسانٍ يريد أن يسلك طريق الله.
نسأل الله: أن نكون قد وُفِّقنا، وأن يغفر لنا إن نسينا أو أخطأنا، وأن نكون من الذين يرجعون إلى الحقّ إن وجدوه، وأن يرجعوا إلى الأفضل إن عرفوه، وأن يعلموا ويتعلّموا دائماً بأن يذكروا وأن ويتأمّلوا ويتدبّروا ليقدّروا معنى وجودهم، ومعنى الوجود كلّه؛ لأنّه بدون ذلك لن يقدّروا وجودهم، ولن يقدّروا قيمة هذا الوجود.
نريد أن نصل بذكرنا وبتفكّرنا وتدبّرنا أن نقول: "...رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"، أن نقولها حقّاً، وأن ندعو بها حقّاً، وأن نقوم فيها حقّاً، "...رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ".
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.     


____________________

(1)    جاء بسنن الترمذي: ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم أنه‏ ‏قال ‏"‏ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه ، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"‏.

(2)  أخرجه الطبراني الجامع الصغير للسيوطي بنص: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً ".

(3)    قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن، ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن، فإياكم إياكم ." متفق عليه .



الإنسان عليه نفسه أوّلاً، لأنّ كلّ إنسانٍ هو مسئولٌ عن قراره وعن حياته وعن تصرفاته.

حديث الجمعة
11 جمادى الثاني 1438 هـ الموافق 10 مارس 2017م
السيد/ علي رافع
حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشّكر دائماً لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: يا من ترجون لقاء الله، ويا من تجتمعون على ذكر الله، حديث الحقّ لكم، يعلّمكم ويرشدكم، ويحفّز فيكم معنى الإنسان، ويدعوكم إلى أن تذكروا الله بقلوبكم وبجوارحكم وفي كلّ حالٍ من أحوالكم، وأن تتفكّروا في آلاء الله في أرضكم وسمائكم، وتصلوا إلى نتيجةٍ لتفكّركم وتدبّركم وذكركم، نتيجةٌ ترضونها وتقبلونها، أنّ حياتكم ليست هباءً، وأن خلقكم ليس باطلاً.
خلّفكم الله على أرضكم، وجعلكم مسئولين، [كلّكم راعٍ، وكلّكم مسئولٌ عن رعيته](2)، وعلّمكم أنّ ماتجنونه وما تحصلون عليه يعتمد على نيّاتكم، [نيّة المرء خيرٌ من عمله](2)، وأنّ ما ستحصلون عليه من كسبٍ يتناسب مع أعمالكم التي سبقتها نيّاتكم، "وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ..."[التوبة 105]، "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ"[الزلزلة 8،7].
والذي يجعل عملكم خيراً أو شرّاً هي نيّاتكم وأنتم تقومون بهذا العمل، ومن هنا تصبح مسئوليّة الإنسان أمراً أساسيّاً في وجود الإنسان وعمله، ولا يستطيع الإنسان أن يتخلّى عن هذه المسئوليّة، فيقول أنّي قيل لي ذلك. وكذلك علّمتنا الآيات هذا المعنى، "إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ..."[البقرة 167]، ويوم يتبرّأ الشّيطان من الذين اتّبعوه فيقول لهم "...مَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم..."[إبراهيم 22].
حتّى في قراءتك لآيات الله، أنت مسئولٌ عن الفهم الذي تصل إليه، ولا تستطيع أن تحاجي بأنّ الله قال كذا وكذا؛ لأنّ فهمك هو الذي يؤدّي إلى نيّتك وهو الذي يؤدّي إلى عملك. فإذا كان عملك يؤدّي إلى إيذاء غيرك بغير حقّ، فإنّك الذي تتحمّل هذه المسئوليّة، "...مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا..."[المائدة 32].
لذلك، عافى الله الإنسان من أن يحدّد أموراً تخصّ الآخرين وجعل هذا الأمر مسئوليّة المجتمع، فالقصاص مسئوليّة وليّ الأمر أو الحاكم أو القضاء أو المجموع ـ كمجتمع يضع نظاماً لذلك ـ فلا يستطيع أحدٌ أن يقرّر بمفرده هذا، فإذا اتّخذ هو هذا القرار فهذا قراره ويتحمّل تبعاته؛ لأنّه قد يخطيء في الحكم وينفّذ ويقتل إنساناً بغير الحقّ. فالذين يستسهلون أن يقتلوا وأن يدمّروا وأن يعتدوا بآراءٍ منفردة، يتحمّلون هذه المسئوليّة، وفي كلّ أمرٍ كذلك.
لذلك، فإنّ الإنسان عليه نفسه أوّلاً، "...فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا..."[يونس 108]، "...عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ..."[المائدة 105]؛ لأنّ كلّ إنسانٍ هو مسئولٌ عن قراره، ومسئولٌ عن حياته، ومسئولٌ عن تصرفاته.
لا مانع من أن يعبّر كلّ إنسانٍ عمّا يعتقد أنّه الأفضل، ولكن بمعنى التّواصي وبمعنى التّراحم وبمعنى أنّه بذلك يؤدّي شهادةً، ويقبل شهادة الآخرين، فربما يقولون له شيئاً عن سلوكه، وعن حاله، وعن قيامه ـ فلا يضع نفسه في موضع الأعلى الذي يفرض الآراء ويسنّ القوانين بدون أن يكون له أيّ حجيّة في ذلك إلّا فهمه الذي ربّما قد يكون قاصراً، فليرحم نفسه من أن يضع نفسه كذلك.
ولذلك، كان معنى التّواضع هو أساس المعاملة، [من تواضع لله رفعه](3)، "وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ..."[الإسراء 24]، هكذا نتعلّم كيف يكون الإنسان صادقاً مع نفسه، هادياً نفسه، مستعيناً بالله على نفسه، ذاكراً، متفكّراً، متدبّراً، مقدّراً وجوده، مقدّراً قيامه.
هكذا يكون الإنسان في معنى عبوديّةٍ لله؛ لأنّه يتعلّم قوانين الحياة، ويتعلّم أنّ من قوانين الحياة الاختلاف والتّباين في القدرة، وفي الصّفة، وفي العلم، وفي الذّكر، وفي التفكّر، وفي التدبّر، وفي الرّؤية، وفي الهدف، وفي الإسلوب، وفي السّلوك، في كلّ شيء ـ كلٌّ له طريقه، وكلٌّ له فهمه، وكلٌّ له قدرته، فليحترم كلٌّ الآخر في كلّ أمرٍ من أمور حياته.
والاحترام لا يعني القبول بمفهوم الآخر، وإنّما يعني أنّك تعرف أنّ هذه قدرته وأنّ هذا حاله، ربّما أنت ترفض ما وصل إليه من فهمٍ لآياتٍ بطريقةٍ ما، إنّما هذا لا يعني أنّك ترفض هذا الحقّ الذي أعطاه الله له كإنسان، إنّما ترفض يوم يخرج هذا عن نطاق وجوده كشخص إلى أنّه يريد أن يفرضه على الآخرين بالقوّة. فهنا الرّفض ليس لمفهوم إنسان ـ فهذا حقّه ـ وإنّما لأنّه خرج من حدود نفسه إلى محاولة الإعتداء على حقّ الآخر.
ولذلك، كان الإسلام يدعو إلى الخصوصيّة لكلّ إنسان، فلا يعتدي إنسانٌ على خصوصيّة إنسان، "...وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا..."[الحجرات 12]، فالإنسان في حدود وجوده، وفي حدود نفسه، وفي حدود بيته، لا يصحّ لإنسانٍ أن يتجسّس عليه ليعرف ماذا يفعل، فهذا ليس من حقّه. إنّما يبدأ حقّ المجتمع يوم يخرج الإنسان من ذاته ومن بيته إلى المجتمع، فهنا عليه أن يلتزم بحدوده ولا يعتدي على الآخرين.
هذه الأساسيّات التي قد تبدو واضحةً لكلّ إنسان، إلّا أنّ الكثيرين لا يحترمون هذه الأساسيّات، ويريدون أن ينصّبوا أنفسهم أوصياء على الآخرين، بمفهومهم، وبقدراتهم، وبقوّتهم.
نسأل الله: أن يجعلنا من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ..."[الزمر 18]، وأن نكون في طريق الله سالكين، ولوجهه قاصدين، ومعه متعاملين، وعنده محتسبين.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نوضّحه اليوم: هو كيف أنّ التّوجيه الإلهي للإنسان أن يذكر وأن يتفكّر ويتدبّر ويتأمّل في كلّ شيء، في آيات الله، في السماوات وفي الأرض، وفي كتاب الله، وفي أحداث الحياة.
وأنّه حين يقوم بفعلٍ فإنّه يكون مسئولاً عن هذا الفعل، ولا يأخذ شكلاً محدّداً دون أن يتأمّل فيه ويتعمّق فيه ويصل إلى قناعةٍ داخليّة، فيؤدّيه، دون أن يفعل ذلك بظنّ أنّه يتّبع ديناً، أو يستمع إلى آيات الله فينفّذ معنىً حرفيّاً رآه، وهو يتناقض مع آياتٍ أخرى، أو مع حالةٍ فطريّة يقوم بها أو قائمٌ فيها، ويقول أنّني أنفّذ أمر الله، دون أن يستوعبه ودون أن يتأمّله بعمق، خاصّةً إذا كان هذا الأمر له علاقة بآخرٍ سوف يقع عليه أذىً نتيجة هذا الفعل.
إنّها مسئوليّةٌ كبرى رفعها الله عن الإنسان، يوم علّمه أنّه في دعوته لا يدعو إلّا بالتي هي أحسن، "ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ..."[النحل 125]، وهنا المقصود ـ في مفهومنا ـ هو معنى التّواضع، [من تواضع لله رفعه](4)، ومعنى "وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ..."، بدون قهر، وبدون فرض، وبدون قوّة.
"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ..."[آل عمران 64]. هذا لا مانع فيه في تواصيك مع  الآخرين بهذا الشّكل.
إنّما أن تقتل أو تعتدي أو تفرض رأياً أو تفرض صورةً دون أن تفهم ما تفعله، فهي مسئوليّتك أنت، وفي كلّ الأحوال هي مسئوليّتك، فقد تختار ألّا تعظ أحداً وتكتفي بنفسك مثلاً، وهذا أيضاً اختيارك.
لذلك، فالإنسان قادرٌ على أن يختار. واختياره وتناسب هذا الاختيار مع الهدف منه والنيّة فيه، هوالذي يحدّد مقدار كسبه في الله من هذا الإختيار. فإذا كانت نيّته في الامتناع لأنّه فهم ونوى ورأى أنّ هذا الامتناع أفضل من أن يفرض رأيه، أو أن يقوله أو أن يدعو له حتّى دون فرضٍ ودون قوّة، فربّما يكون هذا أفضل، فنيّته هي الخير.
أما إذا كان يظنّ أنّ الخير في أن يفرض بالقوّة وأن يعتدي، فهنا الأمر يختلف؛ لأنّ النيّة هنا لا تعفي من نتيجة العمل؛ لأنّ العمل في هذه اللحظة أوقع أذىً على إنسانٍ آخر، فلا يكون الأمر في نفس حال الإمتناع والقيام بالسلب في إتيان الفعل، إلا إذا كان الإمتناع يؤدّي إلى ضررٍ على الآخر أيضاَ. فهنا تقديرك لهذا الأمر هو اختيارك ونيّتك فيه هي الأساس، وقد تشفع لك نيّتك بعلاقتك مع الله، ولكن لا يؤخذ هذا في الأرض يوم يُطبّق عليك قانون لأنّك آذيت إنساناً حتّى ولو كانت نيّتك نيّة خيرٍ وصلاحٍ وفلاح.
عباد الله: إنّنا حين نتعلّم ذلك، ونتعلّم معنى "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..."[البقرة 30]، فنقدّر المسئوليّة التي حملناها والمسئوليّة التي كُلّفنا بها من أن نكون مفكّرين متدبّرين وأن نُعمِل ما أعطانا الله، فهذا هو التّطبيق الحقيقي لمعنى "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..."،
أمّا الذي يفرّط فيما أعطاه الله، ويسلم نفسه لإنسانٍ آخر، دون وعيٍ ودون فهم، ويتخذ ربّاً من دون الله، فهو بذلك يكون مسئولاً عن ذلك، ومسئولاً عن كلّ ما ينتجه ذلك من آثارٍ سلبية.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون من الذّاكرين، المتفكّرين، المتدبّرين، الذين يدعون إلى ربّهم بالحكمة والموعظة الحسنة، و"الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"[آل عمران 191].
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.     

____________________

(1)    جاء بسنن الترمذي: ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم أنه‏ ‏قال ‏"‏ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه ، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"‏.

(2)    حديث شريف نصه : " نية المؤمن خير من عمله " أخرجه الطبراني (الجامع الصغير للسيوطي ج 2 صـ 188) .

(3)    ، (4) حديث شريف نصه: " من تواضع لله رفعه الله" الراوي: أبو هريرة، المحدث: الألباني.