الثلاثاء، 14 فبراير، 2017

نذكّر أنفسنا بذلك وكفى: أن يكون تعاملنا كلّه محبّةً في الله، وتعاملاً مع الله، في عبادتنا وفي معاملاتنا

حديث الجمعة 
13 جمادى الأول 1438هـ الموافق 10 فبراير 2017م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.
الحمد لله الذي جعل لنا بيننا حديثاً متّصلاً نتواصى فيه بالحقّ والصّبر بيننا، نتدبّر أمور حياتنا في دنيانا وفي آخرتنا، حياةً متّصلة نرجو فيها أن نكون قاصدين وجه الله.
عباد الله: إنّنا نذاكر أنفسنا دائماً، أنّ كلّ هذه الحياة يمكن أن تكون ذكراً لنا في الله، ويمكن أن تكون غفلةً عن ذكر الله. وذكر الله ليس في العبادة التي نعرفها فقط، من صلاةٍ أو تسبيحٍ أو صومٍ أو حجٍ، إنّما مع كلّ هذا هي ـ أيضاً ـ في كلّ لحظةٍ نعيشها على هذه الأرض، بل أنّ ما نتصوّر أنّه عبادة وذكر قد يكون غفلةً أيضاً، [كم من مصلٍّ لم يزدد بصلاته من الله إلّا بعدا](1).
لذلك، فحين نتكلّم عن حياتنا على هذه الأرض، فإنّنا نتكلّم عن كلّ ما فيها، فيما هو ظاهر عبادة وفيما هو ظاهر عملٍ دنيويّ. كلّ ما نفعله يتحوّل إلى ذكرٍ وإلى كسبٍ وإلى رقيٍّ في الله، يوم نذكر دائماً معنى الله قائماً علينا، الحيّ القيّوم.
يوم نستحضر هذا المعنى بلا صورةٍ ولا شكل، إنّه الرّحمة بلا شكل، إنّه المحبّة بلا شكل، إنّه النّور بلا شكل، إنّه الحياة بلا شكل، إنّه الأسماء الحسنى كلّها بلا شكل، إنّه الغيب، "ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ..." [البقرة3]. تنزيهك لعملك وعبادتك وكلّ أعمالك عن الصّورة والشّكل، هو معنى من معاني الغيب.
لذلك، نجد الآية "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ..."[البقرة3]، هم الذين "...يُقِيمُونَ الصَّلاةَ..."[البقرة 3]، وهم الذين "...مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"[البقرة 3]، وهم أولئك الذين على "...هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ..."[البقرة 5]، هم المتّقون الذين يؤمنون بالغيب.
الغيب هو الحقيقة المطلقة الوحيدة في حياتنا، فما نعلمه حقّاً أنّنا لا نعلم، وما نعلمه حقّاً أنّنا لا نستطيع أن نعلم ما وراء هذه الحياة. وما نستطيع أن نعلم ـ أيضاً ـ أنّنا في حياتنا إن لم يتغمدنا الله برحمته لنكوننّ من الخاسرين، وهذه خشية الله، "...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء..."[فاطر 28]. العلماء هم المتّقون، هم الذين يؤمنون بالغيب؛ لأنّ العالِم حقّاً، هو الذي يدرك أنّه لا يعلم، وهذا هو نوعٌ من الإيمان بالغيب.
حين ننظر حولنا ونجد البعض وهم يتصوّرون أنّهم يتكلّمون باسم الله، ويعرفون ما يريد الله، ويتّخذون قراراتٍ صعبة وفاصلة دون تردّد ودون أن يتّجهوا لله بالدّعاء حقّاً أن يلهمهم الصّواب، فهم قد علموا الصّواب واتّخذوا القرارات المناسبة، وهم الذين على حقّ، وهم الذين يعرفون الحقّ، وهم الذين يحكمون على النّاس، ويقدّرون النّاس، ويقتلون النّاس، ويحيون النّاس. بفهمهم وباعتقادهم وبظنّهم، يُعْلون الكثيرين ويجعلون آخرين في أسفل السّافلين، وهم أربابٌ من دون الله دون أن يشعروا بذلك، ودون أن يخالجهم أيّ شكٍّ في ذلك، فهم أربابٌ بلا شكّ، قالوا هذا أم لم يقولوا، إنّما أفعالهم تدلّ على ذلك.
إنّنا نريد أنّنا حتّى ـ أيضاً ـ ونحن نرى هؤلاء، نحن لا نحكم عليهم بأيّ شيء، إنّما نحن نتأمّل في أنّ علينا أن نكون ممّن يخشون ربّهم، ممّن لا يطلقون الأحكام في كلّ اتّجاه. إذا تكلّمنا هنا عن حالٍ، فإنّنا نتكلّم عن حالٍ نصفه، لا نتكلّم عن أشخاص. فالأشخاص نحن لا نستطيع أن نحكم على أيّ شخص، إنّما نحن نتكلّم عن مفهومٍ لنا، وقد نكون مخطئين في فهمنا، ولكن لا يسعنا إلّا أن نذكّر بما نستطيع أن نفهمه. ونقول دائماً، أنّ ما نذكره ليس مقدّساً، وإنّما هو فهمٌ بشريّ يخطئ ويصيب.
نحن نقول ببساطة أنّ علينا أن نخشى الله، وأن نكون من الذين يؤمنون بالغيب، وأن نكون من الذين يصلّون دون أن يضعوا صوراً لصلاتهم، وإنّما كلّ مطلبهم أن يكونوا في صلةٍ بربّهم، في صلةٍ بالغيب، في صلةٍ بمصدر الحياة، في صلةٍ بنور الله، في صلةٍ بروح الله، في صلةٍ برسول الله، في صلةٍ بخليل الله، في صلةٍ بحبيب الله، في صلةٍ بالله في كلّ وقتٍ وفي كلّ حين. هكذا تكون الصّلاة في مفهومنا،  [لو غاب عنّي رسول الله طرفة عينٍ، ما عددت نفسي من المسلمين](2).
وأن تكون أفعالهم وإنفاقهم في سبيل الله، "...وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"، فهم ينفقون تعاملاً مع الله، وينفقون حبّاً في الله، "... وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ..."[الحشر 9]، يدركون الله في كلّ صورةٍ وفي كلّ شكل، وهو وراء كلّ صورةٍ ووراء كلّ شكل، وما الصّورة والشّكل إلّا تجلّي لإرادته ولحكمته، لنستطيع أن نتعامل، ولنستطيع أن نتّجه، ولنستطيع أن نحبّ،  ولنستطيع أن نكره، ولنستطيع أن نعمل، ولنستطيع أن نغيّر.
نحبّ الله حبّاً لا صورة له ولا شكل له، إنّه حبّ الفرع للأصل، حبّ المخلوق لخالقه، حبّ الموجود لموجده. [والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت ..  إلّا وحبّك مقرونٌ بأنفاسي](3)، هكذا يخاطب عبد الله ربّه، يخاطب موجده، يخاطب خالقه؛ لأنّه لا يملك بوجوده إلّا أن يحبّ موجده، ولا يملك بخِلْقَته إلّا أن يحبّ خالقه، ولا يملك بفطرته إلّا أن يحبّ فاطره، "...فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..." [فاطر 1].
هكذا نتعلّم المعاني التي شعر بها المحبّون، والذين عبّروا عن حبّهم بأشعارهم وبكلامهم، وأدركوا معنى الحبّ في الله، [حبٌّ لأنّك أهلٌ لذلك](4)، [أدين بدين الحبّ أنّى توجّهت ركائبه ..  فالحبّ ديني وإيماني](5).
هكذا نتدبّر في أحوالنا، ونتدبّر في حياتنا، أن تكون علاقتنا بالله هي علاقة غيبٍ، علاقة حبٍّ بلا شكلٍ ولا صورة، علاقة عبادةٍ في كلّ أمرٍ نقوم به، علاقةً نشعر فيها بوجود الله يحيط بنا وبرحمته تتخلّلنا، أرحم بنا من أنفسنا، برسوله وبرحمته المهداة، "النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ..."[الأحزاب 6]، [أأجعل كلّ صلاتي لك يا رسول الله؟ فيكفى همك ويغفر ذنبك يا عمر](6)، لو فعلت ذلك، ولو استطعت ذلك. إنّ القضيّة ليست قضية كلام، إنّما قضية فعلٍ وقيام. فلعلّنا نقوم في ذلك برحمة الله وفضله.
عباد الله: نسأل الله دائماً: أن نكون عباداً له خالصين، وله عن أيّ صورةٍ مكبرين ومنزّهين، له محبّين وعليه متوكّلين وله سائلين داعين، نتوكّل عليه، ونوكل ظهورنا إليه، ونُسلِم وجوهنا إليه، لا ملجأ ولا منجى منه إلّا إليه، اللهم فاجعلنا كذلك، وحقّق لنا ذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله. 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أنّ علاقتنا بالله أكبر من أيّ صورةٍ أو شكل، وأنّ علينا ونحن نقوم بعباداتنا الروحيّة وبعباداتنا الدنيويّة أن نتذكّر ذلك.
أن نكون دائماً سائلين الله توفيقاً، فلا نخطو خطوةً إلّا وقد توكّلنا على الله، ولا نأخذ قراراً إلّا بعد أن نتوكّل على الله، ولا نؤدّي صلاةً إلّا بعد أن ننوي أن نكون على صلةٍ بالله، ولا نؤدّي معاملةً إلّا ونحن نسأل أن نكون متعاملين مع الله، في محبّةٍ خالصة، محبّة موجودٍ بموجده، مخلوقٍ بخالقه، فرعٍ بأصله، هكذا يكون إحساسنا بالغيب الذي هو أرحم بنا من أنفسنا، لا نيأس من رحمته، ولا نيأس من مغفرته.
إذا غفلنا نرجع إليه، وإذا أخطأنا نتوب إليه، وإذا أسأنا نستغفره، وإذا أذنبنا نستغفره، وإذا زلّت قدمنا نناديه باسمه "...الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"[الفاتحة 1]، وإذا أسأنا الأدب فإنّا نتوسّل بجاه رسوله لديه، وبكرامته عليه، هكذا يكون حبّنا حبّاً خالصاً.
وكما قال القوم: [نحبّك حبّين، حبّاً لذاتك، وحبّاً لأنّك أهلٌ لذلك](7)، يكون تعاملنا كلّه محبّةً في الله، وتعاملاً مع الله، في عبادتنا وفي معاملاتنا، نذكّر أنفسنا بذلك وكفى. إذا ذكرنا ذلك فقط من هذا الحديث، وتمسّكنا به، نعتقد ونأمل ونرجو أن نكون من عباد الله الصّالحين.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم نفوسنا إليك، ونفوّض أمورنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
نسألك أن توفّقنا أن نكون من المحبّين حقّاً، من العابدين حقّاً، من المرحومين حقّاً.
نسألك الخير كلّ الخير لنا، ولإخواننا، ولمجتمعنا، ولأرضنا، فعطاؤك يشمل كلّ شيء، ويسع كلّ شيء.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه اللحظة ذنباً إلّا غفرته، ولا مريضاً إلّا شفيته، ولا ديناً إلّا قضيته، ولا مظلوماً إلّا نصرته، ولا ظالماً إلّا كسرته.
اللهم فاجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا. 
____________________

 (1) أخرجه الطبراني الجامع الصغير للسيوطي بنص:"من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً".

(2) مقولة للسيد أبي الحسن الشاذلي.

(3)  من أشعار الحلاج:

والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت           إلا و حبّـك مقـرون بأنفاسـي

ولا خلوتُ إلى قوم أحدّثهــم                إلا و أنت حديثي بين جلاســي

ولا ذكرتك محزوناً و لا فَرِحا              إلا و أنت بقلبي بين وسواســـي

ولا هممت بشرب الماء من عطش       إلا رَأَيْتُ خيالاً منك في الكـــأس

(4) ، (7) من أشعار رابعة العدوية: "أحبّك حبّيْن حُبّ الهوى .. وحُبّاً لأنك أهل لذاك".  

(5) من أشعار محيي الدين بن عربي.

(6)  كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا ذهب ربعُ اللَّيلِ قام فقال يا أيُّها النَّاسُ اذكروا اللهَ اذكروا اللهَ جاءت الرَّاجفةُ تتبعُها الرَّادفةُ جاء الموتُ بما فيه جاء الموتُ بما فيه قال أُبيُّ بنُ كعبٍ فقلتُ يا رسولَ اللهِ إنِّي أُكثِرُ الصَّلاةَ فكم أجعلُ لك من صلاتي قال ما شئتَ قال قلتُ الرُّبعَ قال ما شئتَ وإن زدتَ فهو خيرٌ لك قال فقلتُ فثُلثَيْن قال ما شئتَ فإن زدتَ فهو خيرٌ لك قلتُ النِّصفَ قال ما شئتَ وإن زدتَ فهو خيرٌ لك قال أجعلُ لك صلاتي كلَّها قال إذًا يُكفَى همُّك ويُغفرُ لك ذنبُك". الراوي: أبي بن كعب، المحدث: المنذري، خلاصة حكم المحدث: [إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما].



إنّا في حاجةٍ إلى هذا الصّفاء الذهنيّ والقلبيّ والنفسيّ لنستطيع أن نُفَعِّل أدواتنا

حديث الجمعة 
6 جمادى الأول 1438هـ الموافق 3 فبراير 2017م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، نسأله رحمةً وهدايةً، نستغفره ونتوب إليه، مؤمنين وشاهدين أنّ لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله.
عباد الله: لقد تعلّمنا من آيات الله لنا وهي تخبرنا بالهدف من خِلْقة الإنسان على هذه الأرض، "...إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..."[البقرة 30]، "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"[الذاريات 56]، في هاتين الآيتين نرى بوضوح هدف الخلق، الهدف الذي يمكن أن نشهده، الهدف الذي يمكن أن نحقّقه، الهدف الذي نستطيع أن نتصوّره وأن نتعلّمه.
أما الهدف الأكبر من خلق هذا العالم كلّه، ومن خلق هذه الكائنات كلّها، ومن خلق الإنسان ـ  فالله أعلم بمراده. لذلك، كان التّوجيه الإلهيّ هو أن نفكّر ونتأمّل ونتدبّر في خلق الله. وقد تعلّمنا هذا من الآية: "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..."[آل عمران 191].
لذلك، فإنّ طريقنا يبدأ من إدراكنا لوجودنا، ومن التعرّف على إمكاناتنا وطاقاتنا، وأن نقرأ آيات الله لنا في ظلّ هذا المفهوم، وأن نجعل هدف وجودنا ما يمكن أن نحقّقه على أرضنا بما نرى أنّه الخير وأنّه الحقّ لنا وللنّاس جميعاً.
ولندرك ذلك فإنّنا علينا أن نتأمّل أكثر في معنى: "...إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..."، إنّ الله قد كلّف الإنسان، [كلّكم راعٍ وكلّكم مسئولٌ عن رعيته](1). وبخلافتك على هذه الأرض فأنت مسئولٌ عمّا يمكنك أن تغيّره، وعمّا يمكنك أن تصلحه، فهذا يجعلك أكثر مسئوليةً، وأكثر اجتهاداً، وأكثر عملاً، وأكثر فكراً وتأمّلاً وتدبّراً، تبذل كلّ طاقاتك لتجد حلًّا لمشاكل الحياة حولك.
تعلم أنّك في حاجةٍ إلى قوّةٍ دائمة تساعدك، والمساعدة تجيئ ممّا يفيض الله به عليك من رؤيةٍ، فنحن نستطيع أن نبصر بعيوننا ولكنّنا قد لا نرى الحقيقة، وقد نستطيع أن نسمع أصواتاً بآذاننا ولكنّنا لا ننصت إلى ما فيها من حقٍّ وإلى ما فيها من علمٍ، ونستطيع أن نتحرّك بأرجلنا ولكنّنا قد لا نتحرّك إلى المكان المناسب في الوقت المناسب، ونستطيع أن نغيّر بأيدينا ولكنّنا قد نفسد ونحن نؤدّي هذا التّغيير ولا نصلح من خلال تغييرنا.
لذلك، فمع أنّنا ندرك أنّ المسئوليّة هي مسئوليّتنا في كلّ ما نقوم به، إلّا أنّنا على الجانب الآخر ندرك أنّ علينا أن نعدّ أنفسنا معنويّاً وروحيّاً، لتصفو رؤيتنا ولننصت إلى قول الحقّ فيما نسمعه، ولنتحرّك للمكان المناسب في الوقت المناسب، ولأن نغيّر بأيدينا فنصلح ولا نفسد. إنّا في حاجةٍ إلى هذا الصّفاء الذهنيّ والقلبيّ والنفسيّ لنستطيع أن نُفَعِّل أدواتنا، وهذا هو الشقّ الآخر من معنى الخلافة على الأرض، وهو أن نعدّ أنفسنا لنمارس هذه الخلافة بحقّ.
لذلك، كانت الآية "...وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى..."[الأنفال 17]، "...وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ..."[هود 88]، هذا التّوازن بين المسئوليّة المُحمَّلين بها ـ بمعنى وجودنا وبكلّ ما وهبنا الله من طاقات ـ مع إدراك الإنسان لمعنى علاقته وصلته بالغيب ـ وأنّ ذلك يتم يوم يصفّي الإنسان ذهنه وقلبه ونفسه لتلقّي نفحات ورحمات الله وإلهام الله له ـ هو ما يجعله مؤدّياً الرّسالة في طريق الصّلاح والفلاح.
وأنّ تفريطه في ذلك، سواء كان تفريطاً في استخدام طاقاته بأن يهمل تنميتها أو ألّا يُفعِّلها وأن يسير وراء أهواء ظاهريّة وشهوات دنيويّة، وسواء أيضاً بأن يهمل تدريبه الرّوحي وتصفية ذهنه ونفسه وقلبه ـ فهو بذلك يكون أيضاً قد اختار طريق الغفلة والتّدنّي والطّلاح والموت. وهو في كلتا الحالتين يحمل معنى الخلافة.
وهذا نستطيع أن ندركه في الآية "إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا"[مريم 93]، فهو في كلّ الأحوال يتحرّك بطاقاتٍ موجودةٍ فيه وباختياراتٍ اختارها بأدواته وبرؤيته، فهو في كلتا الحالتين مسئولٌ، واستخدم الأدوات المتاحة له. هكذا نتعلّم. "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"، تتوافق مع ما أشرنا إليه؛ لأنّك في كلتا الحالتين تتحرّك طبقاً لقانون الحياة، وأنت وما فيك جزءٌ من هذا القانون.
ونجد هذا المعنى في كثيرٍ من الآيات "وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ"[البلد 10]، "فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى، وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى"[الليل 11:5]، هذا إشارة إلى أنّ قوانين الحياة فاعلة.
وإذا تصوّرت أنّ هناك ما يمكنك أن تفعله لتُبطِل هذه القوانين فإنّك لا تستطيع ذلك، وإنّما يمكنك أن تسلك طريق الفلاح بأن تتّبع قانون الحياة أيضاً، "فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا"[الشمس 10:8]، وكلّ ذلك يخضع للقانون الإلهيّ.
وهذا معنى أيضاً "إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا"، فهنا معنى العبوديّة هي معنى خضوع الكلّ لقانون الحياة. في فلاح الإنسان هو يخضع لقانون الحياة، وفي فساد الإنسان هو أيضاً يخضع لقانون الحياة.
لذلك، كان خلق الإنسان ووجود الإنسان يختلف عن باقي الكائنات الأخرى؛ لأنّه أُعطِيَ هذه الإرادة وأُعطِيَ هذه الطاقات التي يمكن أن يُفَعِّلها، لا نجد ذلك في الكائنات الأخرى سواء الغيبي منها أو المشهود لنا. فالملائكة تقدّس بحمد الله وتسبّح له، "... لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ"[التحريم 6]، إنّهم يؤدّون رسالتهم كما خلقوا من أجلها.
وكذلك إبليس، إنّه يؤدّي دوره في هذا الكون، ودوره أن يدعو ما في الإنسان من ظلام ومن غفلة، "قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ"[ص 83،82] "إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ..." [الإسراء 65]؛ لأنّ عباده سوف يكونون ملبّين لدعوة الرّحمن، ولكن هذا دوره، له دورٌ واحد، اتّجاهٌ واحد. وهذا أيضاً من حكمة الله.
وقد تكلّمنا في ذلك كثيراً، من أنّك حين تنظر إلى كلّ القوى المفسدة والممرضة في هذا الكون، سوف تجد أنّ وجودها لحكمة، وهو أن يحفّز ما فيك من قدرةٍ على التّغلّب على هذه القوى السلبيّة. إنّ بوجود الضدّ يحدث التّحفيز، وهذا التّحفيز يغيّر الإنسان إلى وجودٍ أقوى، وإلى وجودٍ أصلح.
إنّا نتأمّل فيما هو ظاهرٌ لنا من حكمة الله، إنّما حكمة الله الأكبر لا نحيط بها. لذلك، فإنّ أيّ تساؤلاتٍ مثل: لماذا خلق الله إبليس؟ لماذا خلق الله الشر؟ لماذا خلق الله هؤلاء البشر الشريرين الذين لا يرحمون عباده ولا يتّقون ربّهم؟ إنها حكمة الله في وجود الأضداد.
"وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا"[النبأ 8]، ليس فقط من ناحية الجنس، ولكن من ناحية الصّفات، ومن ناحية القدرات، ومن ناحية المطالب، ومن ناحية المقاصد، ومن ناحية الأهداف "...وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ..."[البقرة 251]، يُشهِدنا الله ذلك، يُشهِدنا جزءًأ من حكمته، "...لاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء..."[البقرة 255]، وقد شاء الله في آياتٍ كثيرة أن يكشف لنا عن بعض أسرار هذا الكون ممّا نستطيع أن ندركه بعقولنا.
ونجد الأمر كذلك فيما هو مشهودٌ لنا من كائنات، فالنّبات والحيوان والجماد وكلّ ما هو موجودٌ على هذه الأرض، هو يتصرف بغريزته وبفطرته، لا يفرّق بين أمرين ولا بين حالين ولا بين قيامين، لا يعرف خيراً أو شرّاً، إنّما هو يتحرّك باحتياجه، بدوافعه، بما يريده كوجود وكذات.
ولذلك، كان معنى "..كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ..."[الإسراء 70]، "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ..."[الأحزاب 72]، وقبل أن يحملها "....كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا"[الأحزاب 72]، فهذا يفسّر أو نستطيع أن نتأمّل في هذه الآية، أنّ البشر كانوا مثل باقي الكائنات في تكوينهم، وهذا معنى "...ظَلُومًا جَهُولًا"؛ لأنّ الإنارة هنا هي إنارة العلم والمعرفة والعقل والتَعلّم.
فظلوماً جهولا، تشيران إلى هذا الظلام الذي يمكن أن يكون عليه الإنسان يوم لا يملك قدرة على المعرفة، والجهل هو كذلك، هو أنّك لا تستطيع أن تتعلّم ممّا هو حولك، ولا تستطيع أن تغيّر ما هو حولك.
وكان اصطفاء الله لآدم هو تحميله بهذه الأمانة، وما كان خلق آدم إلّا هو في تكليفه بهذه الأمانة، وما كان قول الملائكة: "...أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ..."[البقرة 30]، ما هو إلّا تعبيرٌ عن أنّ البشر كانوا قائمين في هذا الكون بصورةٍ أو بأخرى، ولذلك قال الملائكة ذلك. وما كان اصطفاء آدمٍ من البشر إلّا بأنّه تغيّر تغيّراً جذريّاً فيما علّمه الله، "وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا..."[البقرة 31]، فكان وجوده بدايةً جديدة للبشر على هذه الأرض.
فكلّ هذا تأمّلٌ ليس حقيقة، فنحن لا نستطيع أن نجزم بأيّ شيءٍ من هذا، إنّما هو تدبّرٌ وتأمّلٌ في خلق آدم، وفي خلق الإنسان، وفي معنى الإنسان، وفي اختلافه عن الكائنات الأخرى، وفي تكريم الله له، وفي ظهور الله به، لعلّنا نُقدِّر ما وهبنا الله ونُعمِل ما أعطانا الله لنكون في "...مَن أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى"، فنُيَسَّر لليسرى، ولا نكون في "...مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى"، فنُيَسَّر للعسرى.
نسأل الله: أن يحقّق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك.
اللهم ونحن نقول هذا القول وهذا الحديث، الذي نرى فيه عظمة ظهور الله في الإنسان، وفي تكريم الإنسان، وفي وجود الإنسان، ونرى في حياتنا من لا يُقدِّر ما وهبه الله من طاقاتٍ فيفرّط في قدرته على أن يتعلّم، ويتفكّر، ويتدبّر، ويزن الأمور بميزان العقل والحكمة.
ونرى فيمن فرّط في قدرة قلبه على أن يستشعر الخير والشر وأن يميز بينهما وأن يستفتي قلبه دائماً فيما يفعله. ونرى من استخدم جوارحه ليبطش بالنّاس في كلّ صورةٍ وشكل دون أن يُفعِّل ضميره ليكون مساعداً له على ألّا يبطش، بل يرحم ويغفر ويساعد ويُكرِم ويعلّم ويُطبّب وينشر العلم والمعرفة والحكمة.
نرى هؤلاء وهؤلاء، الذين يحسنون في الأرض والذين يفسدون في الأرض، كلٌّ له دوره، وهذه حكمة الله. وما نراه من حكمة الله في هذا، هو أنّ في دفع الله النّاس بعضهم ببعض يحدث انتشارٌ للمعرفة والعلم.
فكلّ إنسانٍ هو تجربةٌ حيّة سواء في إفساده أو في أحسانه. والإنسان العاقل هو من ينظر إلى كلّ هذه التجارب، [العاقل من اتّعظ بغيره والشّقيّ من اتّعظ بنفسه](2)؛ لأنّه يريد أن يبدأ كلّ شيءٍ من جديد، لا يتّعظ بما يحدث حوله. علينا أن نتعلّم من هذا التّباين وهذا الاختلاف في القدرات والإمكانات والمقاصد والصّفات والأخلاق، في كلّ شيء. فكلّ إنسانٍ هو عالمٌ قائمٌ بذاته، علينا أن نتعلّم من ذلك.
فلذلك، خلقنا الله في هدفٍ واضحٍ لوجودنا على أرضنا، وهذا ما نستطيع أن نسير وراءه. إنّ كلّ إنسانٍ عاقل هو من يضع هدفاً يمكنه أن يحقّقه، وما يمكن أن يحقّقه الإنسان على أرضه هو أن يكون أداة خيرٍ وسلامٍ ورحمة لنفسه ولمن حوله، هكذا يكون قد حقّق رسالته. وأن يُعمِل كلّ ما يمكنه من طاقات ومن إمكانات ليحقّق ذلك، فيتعلّم قدر ما يستطيع، ويعمل قدر ما يستطيع، ويذكر قدر ما يستطيع، "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ..."[البقرة 286].
فأيّ عملٍ صالحٍ يستطيعه لا يتردّد في فعله لنفسه أو لغيره، وهكذا يتقدّم الإنسان وتتّسع مداركه وتتّسع قدراته، فيستطيع أن يخدم النّاس أكثر وأن يخدم نفسه أكثر، وهذا هو الجهاد في الله، وهذا هو سلوك طريق الله، وهذا هو هدف الإنسان على هذه الحياة.
اللهم وهذا ما نقرؤه فيما أرسلت لنا، نستغفرك ونتوب إليك أن نكون قد أسأنا في قراءتنا فنرجع إلى الحقّ أنّى وجدناه، ونعود إليك وإلى ما أشهدتنا أنّه الحقّ في كلّ لحظةٍ وحين. هذا ما نرجوه ونقصده وندعوه.
اللهم وهذا حالنا وهذا قيامنا.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا. 
_______________________

(1)  جاء بسنن الترمذي: ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم أنه‏ ‏قال ‏" ‏ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه ، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"‏.


(2) لم يَثْبت عن النبي صلى الله عليه وسلم .وقد ثَبَت عن ابن مسعود رضي الله عنه ؛ فقد روى الإمام مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ .


الأحد، 12 فبراير، 2017

نحن في حاجةٍ إلى تواصي من رؤى مختلفة، حتّى إذا اجتمعنا على أمر تكون احتماليّة الخير فيه أكبر من الشّر

حديث الجمعة 
29 ربيع الآخر 1438هـ الموافق 27 يناير 2017م
السيد / علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.
الحمد لله الذي جعل لنا حديثاً متّصلاً نتواصى فيه بالحقّ والصّبر بيننا، نتدبّر أمور حياتنا ونتأمّل في أحداث مجتمعنا، مدركين أنّ كلّ حدثٍ هو رسالةٌ من الله لنا، وأنّ ما حدث في سابق وما يحدث في حاضر وما سيحدث في مستقبل هو رسالةٌ دائمةٌ وحديثٌ متّصلٌ يعلّمنا ويرشدنا لما يحيينا ولما يأخذ بأيدينا إلى الخير والصّلاح والفلاح.
ولنا في الأحداث التي مرّت ببلدنا مثلاً وعبرة، فرسالة الله لنا كما نقرؤها وكما نفهمها وكما نتدبّرها ـ وقد يقرؤها إنسانٌ بصورةٍ أخرى ـ فهذه قراءتنا وتأمّلنا وتدبّرنا، رسالةٌ خاصّة بما يجب أن يكون عليه أفراد أيّ مجتمعٍ، وقد جاءت لنا هذه الرّسالة في آيات الله في كتابه العزيز، كما جاءت لنا في أحداث الحياة التي مررنا بها.
فآيات الله تعلّمنا كيف نتعايش في مجتمعٍ ما بإدراكنا لما أوجد الله فينا من قدرةٍ على التّمييز بين الخير والشّر، بين النّور والظلام، بين الحقّ والباطل ـ فكان التّوجيه للأمّة "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ..."[آل عمران 104]، [فلا تجتمع أمّتي على ضلال](1)، فإذا اجتمع الأفراد بنيّةٍ خالصة لصالح المجتمع فلا دعوى لهم إلّا للخير، ولا اتّفاق بينهم إلّا على الخير، والخير بكلّ ما تحمله هذه الكلمة من معاني.
فالخير في أن يكون هناك عدلٌ، والخير في أن تكون هناك حياةٌ كريمة، والخير هو أن يتكافل النّاس ويتعاونوا. الخير عُبِّر عنه بصورٍ كثيرة "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ"[النحل 90]، هذا تعبيرٌ عن الخير أيضا.ً
والخير أيضاً جاء بصورةٍ قد نرى فيها جانباً سلبياً، "إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ"[العاديات 8:6]. قد يفسّر البعض الخير هنا بحبّ الدّنيا، وبحبّ المال، وبحبّ الجاه، وبحبّ السّلطان ـ إلّا أنّ هذا أيضاً له جانبٌ إيجابيّ، فما أودع الله في الإنسان من حبٍّ لهذا الخير هو حبٌّ للحياة، فلولا هذا الحبّ الموجود في قلبه لهذه الدنيا، ما سعى فيها وما غيّرها وما تعاون مع إخوانٍ له.
فالخير أيضاً هنا هو الجانب الإيجابيّ في حبّ الحياة لخير الناس ولمعيشتهم على هذه الأرض. فكلّ إنسانٍ يحبّ أن يعيش عيشةً كريمة، وهذا لا غبار عليه طالما أنّه لا يعتدي على آخرٍ ولا يسلب آخراً ماله أو عرضه أو وطنه أو أيّ شيءٍ آخر.
 "...يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ..."، تشمل كلّ أسباب الحياة، وكلّ مناحي الحياة من اقتصادٍ، ومن سياسةٍ، ومن اجتماعٍ، من عدالةٍ ماليّة واقتصاديّة واجتماعيّة وقانونيّة وسياسيّة، العدالة بكلّ أنواعها، في كلّ مستوىً، وفي كلّ حالٍ، وفي كلّ منحى من مناحي الحياة.
لذلك، فحين يجتمع النّاس ونيّتهم الخير فإنّه تصدر عنهم هذه الدّعوات، يصدر عنهم طلب الحريّة، وطلب الكرامة الإنسانيّة، وطلب العدالة الاجتماعيّة، وطلب المعيشة الكريمة. إنّ هذا مطلوبٌ منّا أن يحدث في كلّ حياتنا في كلّ أحوالها، في كلّ مصنعٍ، وفي كلّ حقلٍ، وفي كلّ بيتٍ، وفي كلّ مؤسّسةٍ، في المجتمع بكلّ مؤسّساته، أن يكون هناك من يدعو إلى الخير، من يبحث عن الخير، من يتواصى بالحقّ والصّبر، ليصل إلى ما هو أفضل وأحسن وأقوم.
ويحدث أيضاً يوم تخرج الجموع على هدفٍ نبيل، فإنّها تدعو إلى هذه المعاني. وهذه تجربةٌ مررنا بها في مجتمعنا يوم خرج جموع النّاس يطلبون هذه المعاني، يطلبون الحريّة، يطلبون الكرامة الإنسانيّة، يطلبون العدل في كلّ صوره، في الحكم، وفي الاقتصاد، وفي المعيشة، في كلّ صورةٍ من صوره، ولكلّ صورةٍ من صوره.
فهنا كان حديث الحقّ لنا فيما حدث ـ لا نستطيع أن نرى فقط الجانب الماديّ من الحدث ـ فقد يعلّل بعض النّاس هذا الحدث بما كان يعانيه المجتمع، وهذا جانبٌ، إلّا أنّ هذه المعاناة هي دائمة ولم تطرأ على المجتمع، فهي من عشرات السنين قائمة.
وإنّما تحدث في لحظاتٍ أن يخرج الناس مجتمعين ليعبّروا عن رؤيتهم لحياتهم، ولكن لا يستمرّ هذا الحال كثيراً، فلا تستطيع الأمّة أن تتحمّل أن يكون النّاس في ثورةٍ دائمة، إنّما هي تظهر لوقتٍ قصير مذكّرةً الجميع بما يجب أن يكونوا عليه إن كانوا قد نسوا المبادئ الأساسيّة التي يجب أن يقوم عليها المجتمع، فهو حدثٌ تذكيريّ.
ولو نظرنا إليه من الجانب الغيبيّ، لوجدنا أنّه رسالةٌ من السّماء تذكّرنا بما يجب أن نكون عليه في حياتنا الطّبيعيّة المستقرّة. لذلك، فإنّ بعد هذا التذكير يرجع النّاس إلى حياتهم الطّبيعيّة، وقد يستفيدون ممّا ذكّروا به فيستقيمون في حياتهم، أو أنّهم ينسون ما ذكّروا به فيرجعون إلى ما كانوا عليه. وهكذا تكون الأحداث متتالية، قد نأخذ فترةً طويلة حتّى نستوعب الدّرس لنستقيم كما أُخبِرنا، وإن لم نفعل لجاءت تذكرةٌ أخرى، وهكذا.
لذلك، فإنّ الإنسان في حياته يمرّ كذلك بهذه الدّورة، فقد يحدث له حدثٌ يجعله يفيق من غفلته وأن يرجع إلى ربّه وأن يتوب إليه، وأن يحاول أن يسلك طريقاً صحيحاً فيه حياةٌ وفيه نجاة، وقد يستمرّ على ذلك لفترة ثم يعود مرةً أخرى إلى غفلته، فيجيئ ما يذكّره فيرجع، [كلّ ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون](2).
هكذا نتعلّم من أحداث الحياة، ما جاء في آيات الله، والآية "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ..."[آل عمران 104]، هي منهجٌ كامل؛ لأنّه قال بعد ذلك "...وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"[آل عمران  104]. "... وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ..."، هي تعبيرٌ عن أنّهم يدعون إلى الخير؛ لأنّ الخير في أن تعرف وأن تأمر بما هو معروف أنّه يؤدّي إلى الصلاح والفلاح.
فتبحث عن هذا في تجربتك الخاصّة وفي تجارب الأمم حولك، لتعرف ما يصلح هذا المجتمع. وتبحث أيضاً عن أسباب الفشل فيما حدث في مجتمعك وما حدث في مجتمعاتٍ أخرى، فتنهى عن هذا المنكر الذي يؤدّي إلى الخيبة، وإلى الفشل، وإلى التناحر، وإلى التقاتل، وإلى الفقر، وإلى العوز، وإلى المرض ـ كلّ ذلك هو المنكر. المنكر هو كلّ ما يؤدّي إلى فساد، وإلى ظلام، وإلى حياةٍ غير سويّة، إلى فقرٍ، وإلى جهلٍ، وإلى مرضٍ، ينهون عن كلّ ذلك.
ونحن نرى فيما يحدث حولنا أنّ الكلّ إذا تكلمّ فهو لا يستطيع أن يتكلّم إلّا بأنّه يريد الخير وأنه يعمل من أجل الخير، وهذا واقعٌ. وكلّ إنسانٍ في داخله وفي دعوته دعوةٌ إلى الخير، ولكن المشكلة الكبرى أنّ الأمور تختلط على النّاس، فربّما يظنّ البعض أنّ هذا خيرٌ، ثم يؤدّي هذا الفعل إلى شرٍّ يصيب المجتمع.
لذلك، فنحن في حاجةٍ إلى هذا المعنى "...يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ..."، أن يكون هناك تناصح وأن يكون هناك تواصي، وأن يكون التّواصي من جهاتٍ متعدّدة، من زوايا مختلفة، من رؤى مختلفة، حتّى إذا اجتمعنا على أمرٍ تكون احتماليّة الخير فيه أكبر بكثيرٍ من احتماليّة الشّر والفشل. لذلك، في أيّ مجتمعٍ هناك حاجةٌ للرؤى المختلفة وللأصوات المتعدّدة.
ولو نظرنا في تاريخنا لوجدنا أنّ الفشل الذي أصاب الأمّة في مراحلها المختلفة هو في عدم وجودٍ يسمح بهذا التّعدد وبهذا الاختلاف الذي يؤدّي إلى الخير، فـ "...يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ..." تعني أنّ هناك رؤىً مختلفة، كلٌّ يرى أنّها الخير، فيتواصون بهذه الرؤى بمعنى أنّهم يبحثون عن الأفضل منها.
فالتّواصي بالحقّ بين النّاس لا يعني أنّهم يعرفون الحقّ فيقولونه، ولكن يعني أنّهم يتواصون بما يرون أنّه الحقّ، وهناك اختلافٌ بين الحقّ المطلق وبين ما أرى أنا أنّه الحقّ، فالرؤى تختلف. كلّنا هدفنا الحقّ، حتّى إذا كان الأمر كذلك ـ إذا استثنينا أهل الشر، أو أهل الظلام، أو أهل الفساد، أو أهل الغفلة ـ كلّ من يرى أنّه يريد الحقّ قد تكون له رؤيةٌ مختلفة ليصل إلى الحقّ.
فإذا اجتمعنا نريد هذه الرؤى المختلفة، لا نريد رؤيةً واحدة نظلّ نردّدها ونكرّرها، كلامٌ نظلّ نكرّره ونعيده، إنّما نريد أن نرى اختلافاً حتّى يتبيّن الحقّ الذي ينفعنا اليوم ويرشدنا إلى ما هو أحسن وأقوم.
فهنا، حين نظرنا في القديم، كان نظام الحكم في السّالف، في العصور الأولى للإسلام مبني على القوّة، مبني على نظريّة  المتغلّب، أنّ من يتغلّب ويأخذ الحكم فإنّه يجب أن يُطاع، ولا توجد أيّ صورةٍ في المجتمع لأن يقول إنسانٌ رأياً مخالفاً في نظام الحكم أو في قرارات الحاكم. فالحاكم يصبح شبه إلهٍ يأمر فيُطاع، وهذا ما أدّى مع مرور الوقت إلى ما نحن عليه في هذه المجتمعات من غفلةٍ ومن تدنّي ومن جهلٍ في جميع مناحي الحياة ـ أحد الأسباب، ليس السبب الوحيد، وإنّما هو أحد الأسباب.
لذلك، فإنّ الأحداث تفسّر لنا آيات الله وأوامره، التي هي أوامر كاشفة وليست أوامر تفرض شيئاً غير موجود، إنّها تكشف عن سُنن الحياة وعن قوانين الحياة، التي إن اتّبعناها نجونا وإن لم نتّبعها فشلنا.
عباد الله: نسأل الله: أن يجعلنا من الذين يقرأون آيات الله لنا، ويتعلّمون من قراءتهم، ويعرفون أنّ هناك رؤىً كثيرة، وأنّ علينا أن نتواصى بيننا، وأن نكون من الذين "...يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ...".
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أنّ أحداث الحياة هي تعبيرٌ عن آيات الله التي عَلّمنا والتي أنزلها علينا برسالة السّماء وبأن بعث رسولاً يدعو الناّس إلى الحقّ وإلى الخير وإلى السّلام، ويعلّمهم أن اختلافهم هو أساس نهضتهم، لو شاء الله لجعلكم أمّةً واحدة، ولكن جعلكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، وجعل لكلّ إنسانٍ رؤيته ولكلّ إنسانٍ نظرته.
فعلينا أن نتواصى بهذه الرؤى، وأن نتعلّم من اختلافنا، وأن نبحث عمّا يؤثّر إيجاباً لإصلاح مجتمعنا ـ وهذا هو معنى الأمّة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله. هكذا أردنا أن نقول اليوم: أنّ كلّ حدثٍ حدث لنا هو تعبيرٌ وإرشادٌ لنا وتفسيرٌ لما نجده في آيات الله لنا، لعلّنا نتعلّم من أحداث الحياة حولنا.
ولعلّنا نجتمع حقّاً على الخير وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالمعنى الشامل والعام للمعروف والمعنى الشامل والعام للمنكر، ليس في صورٍ تعبّديّةٍ أو منسكيّةٍ كما يفسّر البعض في بعض البلدان، فينسبون لأنفسهم أنّهم الذين يدعون إلى المعروف وينهون عن المنكر بأن يجبروا النّاس على أن يتعبّدوا، أو على أن يصلّوا، أو على أن يرتدوا زيّا معيّناً.
وإنّما الأمر بالمعروف أكبر من ذلك بكثير، إنّه كلّ الخير في كلّ مناحي الحياة، إنّه العدل، إنه الحريّة، إنّه العدالة الاجتماعيّة، إنّه الكرامة الإنسانيّة، إنّه المجتمع الفاضل، إنّه المجتمع المنتج، إنّه المجتمع الذي يتعلّم فيه الجميع، والذي يُطبّب فيه الجميع، والذي يعيش الجميع فيه عيشةً كريمة.
عباد الله: نسأل الله: أن يحقّق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.    

_______________________

(1)  حديث شريف: "لا تجتمعُ أمتي على ضلالةٍ". المحدث: ابن حزم، المصدر: أصول الأحكام، خلاصة حكم المحدث: هذا وإن لم يصح لفظه ولا سنده فمعناه صحيح.

(2)  قال صلى الله عليه وسلم: "كل بنى آدم خطاء وخير الخطائين التوابون"، أخرجه أحمد بن حنبل والترمذى ـ الجامع الصغير جـ2 صـ92.