الخميس، 7 فبراير 2019

دعوة رسول الله هي أن يتَّزن الإنسان بين طلبه الرُّوحيّ، وبين وجوده المادِّيّ


حديث الجمعة 
26 جمادى الأولى 1440هـ الموافق 1 فبراير 2019م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
"الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ..."[الأعراف 43].
الحمد لله الذي جعلنا نتأمَّل في آياته، ونتفكَّر في آلائه، ونذكر نعمته علينا، ونتواصى بالحقِّ والصَّبر بيننا.
نتذاكر بالمعاني التي جاء بها كتاب الله، ليُخرِجنا من الظُّلمات إلى النُّور، نتأمَّل في وجودنا، فيما نتَّجه إليه، فيما يجعلنا نتَّجه إلى أعلى، وفيما يجعلنا نتثاقل إلى أرضنا، نتعلَّم من أخطائنا ومن حسناتنا، ندرك أنَّ وجودنا له رسالة، وأنَّ رسالتنا أن نسعى في الأرض، وأن نسير في الأرض فننظر كيف خلق الخلق.
ندرك أنَّ كلِّ ما جاء به ديننا من عباداتٍ، ومن مناسك، ومن معاملاتٍ، ومن أمرٍ ونهيٍ، هو تعبيرٌ عن قضيَّة وجودنا، لا نعبد أشكالًا ولا صورًا، وإنَّما نعبد الله الذي "... لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..."[الشورى 11]، فنشهد أنَّ لا إله إلَّا الله، شهادةً تُخرِجنا من الشَّكل والصُّورة.
ونتعلَّم من سير الأنبياء والرُّسل والأولياء وعباد الله الصَّالحين، مدركين أنَّ الله أرسل إلينا رسلًا ليكونوا قدوةً لنا وأسوة، علاماتٍ على الطَّريق، يرشدوننا ويُوجِّهوننا بشهادة أنَّ محمَّدًا رسول الله، "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ"[البقرة 285].
إنَّ حديثنا دائًما، هو حديثٌ ينبع من الواقع، وينبع من تساؤلاتنا، وينبع من احتياجنا للمعرفة. لذلك، فهو موجَّهٌ لمن يتساءلون، ولمن يطلبون، ولمن يشعرون باحتياجهم إلى معرفةٍ أكبر، وإلى فهمٍ أعمق لما جاء به الدِّين، ولما جاءت به آيات الله لنا. أمَّا الذين لا يملكون أيَّ أسئلةٍ ومكتفون بما هم عليه، فهذا الحديث ليس موجَّهًا لهم.
إنَّ بداية طريق الإنسان، هو تساؤله عن معنى حياته، وعن معنى وجوده على هذه الأرض، وستظلُّ الإجابة على هذا السُّؤال غيبًا عليه، ولكن سيحاول دائمًا أن يجد إجابةً، ليتمكَّن من العيش على هذه الأرض.
وهنا، نشهد حكمة الخالق في خلقه، فقد أوجد الله في الإنسان رغباتٍ لِمَا خَلَق على هذه الأرض، فخَلَق عنده الرَّغبة في المعرفة، وخَلَق أيضًا له الرَّغبة في أمورٍ مادِّيَّة على أرضه، وأوجد له احتياجاتٍ عليه أن يُحقِّقها، وحبَّب له معنى الحياة في هذا الكون، فتولَّدت بذلك عنده أهدافًا أرضيَّةً، تجعله يتحرَّك عليها، وهذه نعمةٌ من الله عليه، فانشغل بهذه الأهداف الأرضيَّة، فأصبحت ـ بالنِّسبة له ـ سببًا لوجوده، وسببًا لمعيشته.
وفي نفس الوقت، ذكَّره الله بأنَّ هذه الأرض ليست إلَّا مرحلةً من مراحل حياته، "وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى"[الضحى 4]، وعلَّمه وأوجد فيه ضميرًا وحسَّا بمعنى العدالة، وبمعنى الاستقامة، وبمعنى العطاء والخشية، وأخبره عن نفسه وظلامها، وبظلام النَّاس من حوله، "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ، مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ"[الناس 6:1].
"إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلَّا الْمُصَلِّينَ"[المعارج 22:19]، هذا التَّوازن بين حبِّ الإنسان لوجوده وأهدافه المادِّيَّة، وبين خشيته لله، وإدراكه أنَّ وجوده له أهدافٌ أبعد من هذه الأهداف المادِّيَّة، هو الذي يجعل الإنسان يتَّزن في قيامه، وفي سلوكه، وفي طريقه، وفي حياته.
ومن هنا، كانت الدُّنيا بكلِّ أبعادها، تلعب دورًا في ارتقاء الإنسان في طريقه الرُّوحيّ، حتَّى حياته الأرضيَّة وما فيها من دوافع لوجوده بجسده ومتطلَّباته. لذلك، كانت دعوة رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أن يتَّزن الإنسان بين طلبه الرُّوحيّ، وبين وجوده المادِّيّ.
فحين جاء له البعض يقولون أنهم قد تخلَّوا عن وجودهم المادِّيّ والأرضيّ، وأنَّهم تفرَّغوا لجانبهم الرُّوحيّ والمعنويّ، قال لهم: أنا لست كذلك، أنا أصوم، وأفطر، وأعمل وأسعى(1) و[إنَّ الله يحبُّ إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه](2)، وأنَّ كلَّ إنسانٍ عليه أن يسعى في هذه الأرض، ليخدم النَّاس، [خيرُ النَّاس أنفعهم للنَّاس](3). لذلك، نحن لا نُفرِّق بين أيِّ عملٍ على هذه الأرض، سواء كان هذا العمل دنيويًّا أو عملًا تعبُّديًّا، إنَّه عملٌ في طريق الله.
محاولة الإنسان الدَّائمة، أن يتوازن في سلوكه وفي طريقه، هي الصِّراط المستقيم، الذي نطلبه دائمًا في كلِّ قراءةٍ لنا للفاتحة، "اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ ..."[الفاتحة 7،6]، الصِّراط المستقيم، الميزان، الأمر الوسط، الاتِّزان.
فنحن في طريقنا، إنَّما نحاول دائمًا، أن نذكِّر أنفسنا بهذه المعاني التي حدَّثتنا بها آياتٌ كثيرة، ولكنَّ أكثر النَّاس لا يلتفتون إليها، إنَّما يلتفتون إلى بعضٍ من هذه الآيات، التي تُحدِّثهم عن عباداتٍ أو معاملاتٍ شكليَّة، ولا ينظرون إلى الآيات التي تُحدِّثهم عمَّا في نفوسهم وعمَّا في قلوبهم، من أفكارٍ، ومن اتِّجاهاتٍ، ومن تساؤلات، وإنَّما يكتفون بظاهر الأمر وقشور العبادات، دون أن يتعمَّقوا في جوهرها.
عباد الله: نسأل الله: أن يجعلنا من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ..."[الزمر 18].
فحمدًا لله، شكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نلقي الضَّوء عليه اليوم: هو ماذا نقدِّم في طريقنا وفي أحاديثنا، من معانٍ نراها في جوهر ديننا وفي القلب منه، ونشعر بأنَّ كثيرًا من النَّاس لا يلتفتون إلى هذه الأعماق الموجودة في آيات الله، والتي تخاطب قلوبهم ووجدانهم وعقولهم، لتُخرِجهم من الظُّلمات إلى النُّور، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن الباطل إلى الحقّ، فتجعل لحياتهم معنى، وتنير لهم طريق الحياة، فيرون في كلِّ أفعالهم ومعاملاتهم، ذكرًا لله، وتعاملًا مع الله.
لا يُقصِرون تعاملهم مع الله على شكل منسكٍ يؤدُّونه، أو أيِّ صورةٍ يعبدونها، وإنَّما يُكبِرون الله دائمًا، ويسعون في طريقه في كلِّ حياتهم، وفي كلِّ وجودهم، حتَّى يكونوا حقًّا عبادًا لله، ورجالًا في الله. هذا ما نُذكِّر به أنفسنا دائمًا، "... فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ"[الذاريات 55]؛ ولأنَّنا في حاجةٍ دائمة لأن نَذكُر، ولأن نتذكَّر، ولأن نُذكِّر، فالإنسان ينسى ويبتعد عن الحقيقة.
وإذا كانت الأهداف الدُّنيويَّة التي خلقها الله له ليستطيع أن يعيش على هذه الأرض، هي نعمةٌ من الله عليه، إلَّا أنَّ انشغاله بها عن معنى حياته الحقيَّة والرُّوحيَّة، تصبح نقمةً عليه، إن لم يدرك أنَّها لخيره، وأن يرى فيها تعاملًا مع الله، فيُحسِن فيها، ويُتقِن فيها، ويتعامل مع الله فيها، فيرى فيها نعمة الله عليه، فلا يُفرِّط فيها، وإنَّما يحاول أن يقدِّم أحسن ما عنده، وأن يكون متَّزنًا فيما يعطيه وفيما يأخذه.
وهذا قانونٌ دائم، "وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ"[المطففين 3:1]. مراقبة النَّفس في الأخذ والعطاء، هي من القيم الأساسيَّة، التي هي تعاملٌ مع الله.
نسأل الله: أن يجعلنا أهلًا لذلك، وأن يوفِّقنا لذلك.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النَّاس حولنا.
اللهم ونحن نتَّجه إليك، ونتوكَّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلَّا إليك.
اللهم فاكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنَّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السَّاعة ذنبًا إلَّا غفرته، ولا همًّا إلَّا فرَّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلَّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنَّا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.   
_____________________
(1)    جاء ثلاثُ رهطٍ إلى بُيوتِ أزواجِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يَسأَلونَ عن عبادةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلما أُخبِروا كأنهم تَقالُّوها، فقالوا: أين نحن منَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ قد غفَر اللهُ له ما تقدَّم من ذَنْبِه وما تأخَّر، قال أحدُهم: أما أنا فإني أُصلِّي الليلَ أبدًا، وقال آخَرُ: أنا أصومُ الدهرَ ولا أُفطِرُ، وقال آخَرُ: أنا أعتزِلُ النساءَ فلا أتزوَّجُ أبدًا ، فجاء رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: (أنتمُ الذين قلتُم كذا وكذا؟ أما واللهِ إني لأخشاكم للهِ وأتقاكم له، لكني أصومُ وأُفطِرُ، وأُصلِّي وأرقُدُ، وأتزوَّجُ النساءَ، فمَن رغِب عن سُنَّتي فليس مني). الراوي: أنس بن مالك، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، خلاصة حكم المحدث: صحيح.
(2)   حديث شريف أخرجه أبو يعلي والطبراني (كتاب المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة للإمام السخاوي).
(3)   حديث شريف أخرجه القضاعي، الجامع الصغير للسيوطي، وأخرج الحاكم في مستدركه الحديث بلفظ: "خير الأصحاب عند الله خيرهم لصحابه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره".   


الطَّريق ليس مجرَّد تجمُّع أجساد، وإنَّما هو وعيٌ يقوم في الإنسان


حديث الجمعة 
19 جمادى الأولى 1440هـ الموافق 25 يناير 2019 م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
الحمد لله الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه، الحمد لله الذي جعل لنا طريقًا نسلكه، وذكرًا نجتمع عليه، وقبلةً نتَّجه لها، وهدفًا نريد أن نُحقِّقه، فكان فضله علينا عظيما، وكانت نعمته بنا كبيرة.
عباد الله: إنَّ الإنسان في طريقه في الله، يحتاج إلى صحبةٍ وإلى أُخوَّةٍ في طريق الله، يأخذ القويُّ بيد الضَّعيف، ويعلِّم العالم من جَهِل، ويُذكِّر الذَّاكر من نسى، ويتواصى الجميع بذكر الله، يتواصى الجميع بالحقِّ، ويتواصون بالصَّبر. وهذا، ما تُعلِّمنا الآيات:" وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ"[العصر 3:1].
لذلك، فنحن نُذكِّر أنفسنا جميعًا بمعنى الطَّريق في الله، وبمعنى الصُّحبة في الله، وبمعنى التَّجمُّع على ذكر الله، وهو أمرٌ ضروريٌّ للإنسان في طريق الحياة. والتَّجمُّع ليس مجرَّد تجمُّع أجساد، إنِّما هو تجمُّع أرواح. لذلك، قال القوم: [ربَّ قريبٍ منَّا وهو بعيدٌ عنَّا، وربَّ بعيدٍ عنَّا وهو قريبٌ منَّا](1).
وديننا يُعلِّمنا ذلك، يوم وجَّهنا أن نستقبل قبلةً واحدةً نتَّجه إليها جميعًا، فكانت القبلة هي رمزٌ للتَّجمع والصُّحبة، والاتِّجاه إلى قبلةٍ واحدة هو رمزٌ من النَّاحية المكانيَّة والزَّمنيَّة. إنَّما التَّجمُّع الحقيقيّ، هو يوم تكون للقبلة معنى عند كلِّ فردٍ من أفراد الجمع.
لذلك، حين تَوجَّه الصُّوفية إلى رسول الله بقولهم: [يا قبلتي في صلاتي .. إذا وقفت أصلِّي. جمالكم نصب عيني .. إليه وجَّهت كلِّي](2)، فهم يرون القبلة معنىً حيّ، يرون القبلة هي معنى لرحمة الله المهداة، ولنعمة الله المجزاة، ولرسول الله الدَّائم بمعنى الحياة، ووصلة الحياة، ونور الله، وفضل الله، وعلم الله، وكلمة الله، وروح الله.
ففي أدبيَّاتهم وحديثهم، لم يكن الرَّسول ـ بالنِّسبة لهم ـ هو قيامٌ مادِّيّ تواجد على الأرض في فترةٍ زمنيَّةٍ ومضى، وإنَّما هو معنىً دائم، وروحٌ باقية، [زُويت لي الأرض مسجدًا وطهورا](3)، هكذا قال رسول الله.
فنحن نتعلَّم ونُخبَر في آيات الله، أنَّ الأنبياء، والرُّسل، والشُّهداء، والأولياء، وعباد الله الصالحين ـ أحياءٌ عند ربهم يُرزقون، "وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ"[آل عمران 169]، "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"[الأحزاب 56].
والصَّلاة، دعاءٌ بالصِّلة. والصِّلة، تكون بالحيِّ وبالحياة. والحيُّ، لا يعني التَّواجد في ذاتٍ، وإنَّما هو أكبر من ذلك. لذلك، كان التَّوجُّه الدَّائم إلى قبلةٍ مجرَّدة، حتَّى تظلَّ دائمًا رمزًا على هذا المعنى الحيّ.
نقول هذا، حتَّى لا نٌحدِّد الصُّحبة والجمع في أجسادٍ معدودة تتجمَّع في مكان، وإنَّما الجمع هنا، هو كلُّ إنسانٍ على هذه الأرض، عنده فهمٌ في معنى التَّوجُّه إلى قبلته، وعنده فهمٌ في معنى الحياة، وعنده فهمٌ أنَّه مرتبطٌ بإخوانٍ له في الله في كلِّ مكانٍ وفي كلِّ زمان، وأنَّه بتوجُّهه إلى هذه القبلة، إنَّما يقيم صلةً بكلِّ إنسانٍ حيٍّ على هذه الأرض، فيتواصل معه، ويرتبط به، ويأخذ منه مددًا، ويعطي هو مددًا.
[المؤمنون كجسدٍ واحد، إذا اشتكى منه عضوٌ، باتت له باقي الأعضاء بالحمَّى والسَّهر](4)، تعبيرٌ أخبرنا به رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ في تواجده بالذَّات المحمَّديَّة، فكان تعبيرًا باقيًا، دائمًا، ممتدًّا.
وإذا كان المسلمون جميعهم، يتَّجهون بأجسادهم وبأنظارهم إلى القبلة الموجودة في بكَّة المباركة، إلَّا أنَّ ذلك لا يعني أنَّهم يتَّجهون حقَّا بقلوبهم وأرواحهم، إلَّا من رحم الله ووعى رسالة الإسلام له، وعرف القبلة معنىً حيًّا يتَّجه إليه، فوعي الإنسان وإدراك الإنسان، هو الذي يحدِّد روابطه، ويحدِّد أُخوَّته، ويحدِّد صحبته، فـ [المرء على دين خليله، فلينظر أيُّكم من يخالل](5)، الحديث هنا، ليس مجرَّد مصاحبةٍ مادِّيَّةٍ أو شكليَّةٍ أو دنيويَّة، وإنَّما هي مصاحبةٌ حقيَّةٌ، نورانيَّةٌ، روحيَّة.
لذلك، فإنّ التَّجمُّع في طريق الله، هو أن نتَّجه جميعًا إلى قبلةٍ واحدة، بمفهومٍ واعٍ، بمفهومٍ روحيٍّ معنويّ، تكون القبلة نصب أعيننا دائمًا، في صلواتنا، في تسبيحنا، في معاملاتنا، في نومنا ويقظتنا، في ركوننا وسكوننا وحركتنا، في مسيرنا وتوقُّفنا، في كلامنا وصمتنا، في كلِّ لحظةٍ من لحظات حياتنا. وهكذا، عبَّر القوم حين قالوا: [لو غاب عني رسول الله طرفة عينٍ، ما عددت نفسي من المسلمين](6).
إنَّ ما نقوله، موجودٌ في آيات الله لنا، وفي تراث أوليائه الذين تفكَّروا وتدبَّروا، وقبل ذلك، فيما ترك رسول الله لنا من عترةٍ، ومن حديثٍ باقٍ. باقٍ؛ لأنَّه حديثٌ حيٌّ تناقله النَّاس بأفهامهم، فزادوا فيه أو أنقصوا، ولكن كلُّ إنسانٍ صادقٍ، حين يقرأ أيَّ حديثٍ، سوف يرى ما فيه من صدقٍ ومن حقٍّ، وسوف يترك ما فيه من زيفٍ وإضافة، وسوف يُكمل فيه ما حُذِف منه، وسوف يعرف حديث رسول الله حقًّا بقلبه، وبعقله، وبإحساسه وضميره. فالحديث الأصليّ موجودٌ في أثير هذه الأرض، لم يفارقها، وكلُّ إنسانٍ أعدَّ نفسه بحقٍّ، سوف يجد صدىً في قلبه لكلِّ حديثٍ حقيّ.
بل أنَّه سوف يجد أيضًا صدىً في قلبه لكلِّ حديثٍ قيل من وليٍّ، أو نبيٍّ، أو عبدٍ لله صالح ـ سوف يجده موجودًا في فطرته التي فطره الله عليها؛ لأنَّ فطرة الله فيها كلُّ العلم، وفيها كلُّ النُّور، وفيها كلُّ الحياة.
ولذلك، تكلَّم القوم عن العلم اللدُّنيّ، "... عَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا"[الكهف 65]، وكلُّ إنسانٍ عنده من العلم اللدُّنيّ بقدره، بصفائه، بأهليَّته، بقدرته. لذلك، نقول دائمًا، أنَّ القضيَّة ليست أن نقول كلُّنا نفس الكلام، أو نشعر كلُّنا نفس الشُّعور، وإنَّما كلُّنا عنده ما يشعر به، وما يعلمه بقلبه وفطرته، وهذا هو المهمّ. كيف تتواصل مع فطرتك؟ وكيف تتَّجه إلى قلبك، وهذا هو العلم الحقيقيّ، والذي نحاول جميعًا أن نقومه، بأن نتواصى بيننا بالحقِّ وبالصَّبر، وأن نتواصى بيننا بالآليَّات والأدوات التي تمكِّننا من أن نتواصل مع داخلنا، ومع بيئتنا، ومع كوننا.
وآيات الحقِّ ترشدنا إلى ذلك، وتعلِّمنا ذلك، وتضرب لنا مثلًا لنفهم ذلك، "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ ..."[آل عمران 191]، هؤلاء الذين يتَّجهون دائمًا إلى داخلهم، متذكِّرين معنى حياتهم، وموجدهم، وإلههم، وربِّهم، وموجد وجودهم، وخالق كيانهم، من أودع سرَّه فيهم، ومن فطرهم على ما فطرهم عليه، وأقامهم فيما أقامهم عليه، الحيُّ القيُّوم.
بالذِّكر، بالتَّوجه إلى القلوب، واستحضار معنى الغيب ـ بالنِّسبة للإنسان ـ الذي هو أقرب إليه من حبل الوريد، يكون الذِّكر. وإذا فعل الإنسان ذلك، فتح الله عليه وعلَّمه ما هو له أهل، فهذا اتِّجاهٌ إلى الدَّاخل، "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ ...". وهناك اتِّجاهٌ إلى الخارج، "... وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"[آل عمران 191].
بالذِّكر، وهو تأمُّلٌ إلى الدَّاخل، وبالتَّفكُّر في آيات الله وخلقه، وهو تأمُّلٌ إلى الخارج، يتغيَّر الإنسان ويتعلَّم الإنسان، وهذا قانونٌ في الظَّاهر والباطن. ففي الظَّاهر، نجد أنَّ الذين كشفوا كشوفاتٍ واخترعوا اختراعاتٍ، هم من استطاعوا أن يتأمَّلوا في داخلهم وخارجهم، شاهدوا ما يحدث حولهم، وشاهدوا ما يحدث فيهم بعقولهم، وفكَّروا وتدبَّروا، وحاولوا أن يربطوا بين كلِّ ما يشاهدونه، فوصلوا إلى علمٍ، لم يصل إليه من لم يحاولوا ومن لم يجتهدوا، في أن يربطوا بين كلِّ ما يشاهدون.
"... قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ..."[الزمر 9]، وهل يستوي الذين يعملون والذين لا يعملون، وهل يستوي الذين يتأمَّلون والذين لا يتأمَّلون، وهل يستوي الذين يذكرون والذين لا يذكرون؟
لذلك، وُجِّهنا أن نحاول بقدرنا، بقدر استطاعتنا، فـ "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ..."[البقرة 286]، أن نجتهد، وأن نعمل، وأن نتعلَّم، وأن نشاهد ما يحدث حولنا، كلٌّ بقدره، وكلٌّ بإمكاناته، "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ..."[العنكبوت 20]، دعوةٌ لكلِّ إنسانٍ أن يحاول في هذا الاتِّجاه، بهذه المحاولة، يتغيَّر الإنسان ويتعلَّم الإنسان.
ويوم يكون قائمًا في هذا المنهج، سوف يكون مرتبطًا بإخوةٍ له قاموا في هذا المنهج أيضًا، فيجد مددًا روحيًّا يساعده في أن يتعلَّم أكثر، وأن يفهم أكثر، وأن يتواضع أكثر، وأن يفتقر إلى الله أكثر، وأن يدعو الله أكثر، وأن يجتمع على ذكر الله أكثر، وأن يذكر الله في قلبه أكثر ـ فيكون عبدًا ربَّانيًّا، عبدًا حقيًّا، عبدًا نورانيًّا.
وهذا ما نطمع أن نكون في الطَّريق إليه، وأنَّنا مهما علمنا فإنَّنا نجهل الكثير، فلا نغترُّ بعلمٍ، ولا نغترُّ بفهمٍ، ولا نغترُّ بذكرٍ، ولا نغترُّ بأيِّ صورةٍ نراها ولا بأيِّ حالٍ نقوم فيه. فالله أكبر دائمًا، ومهما عملنا ومهما ذكرنا، فنحن لا زلنا في بدايات الطَّريق؛ لأنَّ الطَّريق لا نهاية له؛ ولأنَّ المعراج في الله لا نهاية له، "... وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً"[الإسراء 85]، "... لاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء ..."[البقرة 255]. هكذا، نتدرَّب ونتعلَّم الأدب في طريق الله، وفي سلوك هذا الطَّريق.
نسأل الله: أن نكون من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ..."[الزمر 18]، وأن نتفقَّه في ديننا وفي أحوالنا وفي كلِّ ما يحيط بنا، وأن نتَّجه إلى قلوبنا، وأن نذكر بقلوبنا، وأن نعيش بأرواحنا، وأن ننطلق بأرواحنا، وأن نكون أهلًا لرحمة الله ولفضل الله ولنعمة لله.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو أن نُذكِّر أنفسنا بمعنى الطَّريق لنا، وأنَّ الطَّريق ليس مجرَّد تجمُّع أجساد، وإنَّما هو وعيٌ يقوم في الإنسان، وكلِّ من قام فيه الوعي الصَّالح، الذي يؤهِّله للَّتقدُّم إلى الأمام وإلى الارتفاع إلى أعلى، هو في طريق الله، ومجتمعٌ على صحبةٍ له في الله.
وأنَّ رمز هذا التَّجمُّع، هو أن تكون له قبلةٌ واحدة، وأن يكون له أو لهم جميعًا هدفٌ واحد واتِّجاهٌ واحد يتَّجهون إليه، وطريقٌ واحد يسيرون فيه، وهو طريق الذِّكر، والتَّأمُّل، والتَّدبُّر، والتَّواضع، والافتقار إلى الله، والمحبَّة للنَّاس جميعاً، ولكلِّ كائنات الله، ولكلِّ خلق الله.
كلُّ إنسانٍ تحلَّى بهذه الصِّفات، وتدرَّب على أن يكون هذا هو سلوكه، وهذه هي حياته، يكون في طريق الله، ويكون في أُخوَّةٍ مع كلِّ إنسانٍ يفعل ذلك، وهذا سرٌّ من أسرار الحياة، عُلِّمنا إياه في كثيرٍ من الآيات والأحاديث.
فالآيات تصف لنا حال هؤلاء، "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ..."، والذين يسيرون في الأرض فينظرون كيف بدأ الخلق، والذين يفتقرون إلى الله، "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ"[فاطر 15].
وعلَّمتنا إياه أحاديث رسول الله في أنَّ [الدِّين المعاملة](7)، وفي أنَّ [المرء على دين خليله، فلينظر أيُّكم من يخالل](8)، وفي معنى الجماعة والتزام الجماعة. ولكنَّ النَّاس أخذوا هذه الأحاديث بظاهرها، ولم يعلموا أنَّ لها بعدًا أعمق من ذلك؛ لأنَّها لا تعني مجرَّد أجسادٍ تجتمع، أو إنسانٍ يصادق إنسانًا أو يُخَالِلـه في الله بالذَّات، وإنَّما هو أن يكون ذلك طبقًا لمنهجٍ ربَّانيّ، وهو التَّوجُّه إلى قبلة الحياة، وإلى معنى الحياة، وإلى رحمة الله، وإلى نور الله.
فحين نتوحَّد جميعًا في اتِّجاهنا، وفي معرفة قبلتنا، فإنَّنا نتوحَّد أيضًا في أُخوَّتنا في الله، وفي أن نكون في الذين يتواصون بالحقِّ ويتواصون بالصَّبر.
نُذكِّر بذلك كثيرًا؛ لأنَّ "... الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ"[الذاريات 55]؛ ولأنَّنا في حاجةٍ دائمةٍ لأن نُذكِّر أنفسنا، حتَّى لا تتحوَّل صحبتنا أو جمعنا إلى شكلٍ وإلى صورة، كأيِّ شيءٍ آخر، وقد تحوَّل بيننا إلى شكلٍ وإلى صورة، وفقد المعنى والجوهر.
نريد أن نحافظ دائمًا، على جوهر جمعنا ومعنى وجودنا، لنكون صحبةً في الله دائمة، نتَّجه إلى الله بقلوبنا وأرواحنا، ونشعر بما قاله الصُّوفيّ: [يا قبلتي في صلاتي إذا وقفت أصلِّي. جمالكم نصب عيني .. إليه وجَّهت كلِّي](9)، أن نشعر بهذا الجمال الرُّوحيّ، والمعنويّ، والحقِّيّ، حين نتَّجه إلى قبلتنا.
عباد الله: نسأل الله: أن يجمعنا دائمًا في طريقه، وأن يجمعنا على ذكره.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النَّاس حولنا.
اللهم ونحن نتَّجه إليك، ونتوكَّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلَّا إليك.
اللهم فاكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنَّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا في طريقك سالكين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السَّاعة ذنبًا إلَّا غفرته، ولا همًّا إلَّا فرَّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلَّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.
____________________

(1)    من أقوال الإمام علي - كرم الله وجهه - : "رُبَّ بَعِيدٍ: أَقْرَبُ مِنْ قَرِيبٍ، وَقَرِيبٍ: أَبْعَدُ مِنْ بَعِيدٍ، وَالْغَرِيبُ: مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبِيبٌ".

(2)    ، (9) من أشعار ابن الفارض:

 أنتم فروضي ونفلي                      أنتم حديثي وشغلي

يا قبلتي في صلاتي                       إذا وقفت أصلي

جمالكم نصب عيني                  إليه وجهت كلي

(3)    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي‏:‏ أرسلت إلى الأبيض والأسود والأحمر، وجعلت الأرض لي مسجدا وطهورا، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت جوامع الكلم‏".‏ ‏العسكري في الأمثال - عن علي‏.

(4)    حديث شريف نصه: "مثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمِهم وتعاطفِهم كمثلِ الجسدِ الواحدِ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالحمى والسهرِ". الراوي: النعمان بن بشير، المحدث: ابن تيمية ، المصدر: مجموع الفتاوى، خلاصة حكم المحدث: صحيح.

(5)    ، (8) حديث شريف: "المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخالل" الراوي: أبو هريرة، المحدث: الألباني.

(6)    مقولة للسيد أبي الحسن الشاذلي.

(7)    مقولة للإمام علي بن أبي طالب: (الصلاة عادة، والصوم جلادة، ومعاملة الناس هي العبادة).



فكر الإنسان وذكره هو خاص به، لكن ما يؤثر على نموه الروحي أكثر هو تعامله مع الناس وكل الكائنات


حديث الجمعة 
12 جمادى الأولى 1440ه الموافق 18 يناير 2019 م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
عباد الله: إنَّ الإنسان على هذه الأرض، قائمٌ في حجابٍ من ظلام، لا يرى إلَّا القليل، ولا يسمع إلَّا القليل، يعتقد أشياء، ويُكذِّب أشياء، ويحتار بين هذا وذاك، يؤمن ويكفر، "..الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا ..."[النساء 137]، حال بعض النَّاس، يتقلَّبون من حالٍ إلى حال، بل أنَّ كلَّ إنسانٍ يتقلَّب من حالٍ إلى حال، فهو في لحظةٍ راضٍ كلُّ الرِّضا، وفي لحظةٍ ناقمٌ كلُّ النِّقمة، هذا واقعٌ يشهده كلُّ إنسانٍ في نفسه، وفي قيامه.
وكما نتعلَّم دائمًا، أنَّ آيات الله تصف حال الإنسان، "فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ، كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا، وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا"[الفجر 20:15]، "كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ، وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ"[الإنفطار 11:9]، آياتٌ تصف حال الإنسان، "أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ"[الماعون 3:1].
وكلُّ إنسانٍ فيه جانبٌ من هذا الحال، والخطاب موَّجهٌ للإنسان، ولكنَّ الإنسان فيه جانبٌ آخر، فيه فطرةٌ، فيه سرٌّ، فيه قوَّةٌ، فيه عقلٌ، فيه قلبٌ، فيه ضميرٌ، فيه إحساسٌ بالغير، وإحساسٌ بالصَّلاح، وإحساسٌ بالفلاح. كما نقول دائمًا: أنَّ الإنسان فيه الحقُّ، وفيه الباطل، فيه النُّور، وفيه الظَّلام، فيه الخير، وفيه الشرُّ، وفيه الإيمان بالغيب، وفيه الشكُّ بالغيب.
وما نراه على هذه الأرض من مشارب مختلفة، ومذاهب متعدِّدة، واتجاهاتٍ متباينة، ما هو إلَّا تعبيرٌ عمَّا في كلِّ إنسانٍ، فالإنسان الذي لا يرى إلَّا مادِّيّ الحياة، ولا يفكِّر إلَّا في مادِّيّ وجوده، هو موجودٌ في كلِّ إنسان، والإنسان المُسلِّم للغيب كليَّةً، هو موجودٌ في كلِّ إنسان.
لا نستطيع أن نفرِّق بين النَّاس، فنقول: أنَّ هؤلاء كلَّهم مسلمون لله، وأن هؤلاء كلَّهم غير مسلمين لله. كلُّ إنسانٍ فيه كلُّ الصِّفات المتعارضة والمتضاربة، إنَّما تتفاوت هذه النِّسب بين إنسانٍ وإنسان.
لذلك، فإنَّ حديث رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وهو يضرب المثل بنفسه ويقول: [كان لي شيطانٌ ولكن الله أعانني عليه فأسلم، فهو لا يأمرني إلَّا بخير](1)، إنَّما ليعلّمنا أنَّ كلَّ إنسانٍ هو كذلك، [كلُّ ابن أنثى مسَّه الشَّيطان، إلَّا ابن مريم](2)، [إنَّ الشَّيطان يجري من الإنسان مجرى الدَّم](3)، [ضيِّقوا مسالك الشَّيطان بالجوع والعطش](4).
ومجاهدة النَّفس، هي الطَّريق الذي أرشد إليه كلُّ الحكماء، وكلُّ العلماء، وكلُّ الأنبياء، وكلُّ الرُّسل. وهذا، جانب السُّلوك في الطَّريق إلى الحقِّ. والسُّلوك، فيه سلوكٌ فكريٌّ معرفيّ، وفيه سلوكٌ قلبيّ، وفيه سلوكٌ بالجوارح، وبالأفعال، وبالمعاملات، وبالنيَّات.
فأمَّا السُّلوك الفكريّ، فهو يؤدِّي بالإنسان إلى دروبٍ مختلفة، فهناك إنسانٌ يؤمن بالغيب حقًّا، ويعرف أنَّه ما أوتي من العلم إلَّا قليلا، فيقدِّر كلَّ ما يحدث على الأرض من أحداثٍ، وما يحدث له من أحداثٍ، مدركًا أنَّ قدرته على تفسير ما يحدث له، هو محدودٌ بعلمه، ومحدودٌ بقدرته. لذلك، يلجأ إلى الغيب دائمًا، وهذا هو معنى الدُّعاء.
وهناك إنسانٌ يرشده عقله، أنْ ليس له علاقةٌ بالغيب، وأنَّه يجب أن يفهم كلَّ شيءٍ بما يراه في وجوده المادِّيّ، ولا يلتفت إلى الغيب مطلقًا، لذلك، فهو في اعتراضٍ دائمٍ على ما لا يقبله عقله، بظاهر ما يرى أنَّه الصَّواب. وكلُّ إنسانٍ فيه جزءٌ من هذا الجانب، وهذا معنى من معاني "كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ"، تُكذِّبون بأنَّ هناك ما وراء هذا الكون، حتىَّ إذا تجلَّى عليكم بصورةٍ قد تبدو لكم غير مقبولة، فكلُّ إنسانٍ فيه هذا الجانب في وقتٍ من الأوقات، وقد يراجع نفسه وعقله، ويعرف حدوده، وقد لا يفعل ذلك.
جهاد القلب، هو الذِّكر، ومن النَّاس أيضًا من يجدون راحةً في أن يتَّجهوا إلى قلوبهم، إلى داخلهم، إلى وجودهم، ويتذكَّرون خالقهم، موجدهم، يتذكَّرون هذا المعنى الذي أوجدهم، والذي يحفظهم، والذي يرعاهم، والذي يلجؤون إليه، والذي يتوكَّلون عليه، يرونه في خلقتهم، في قلوبهم، في إحساسهم. وهناك من النَّاس من لا يفعلون ذلك إطلاقًا. وكلٌّ منَّا فيه جزءٌ من هذا، وجزءٌ من ذاك، وهذا معنىً من معاني: "كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ".
وهناك ممَّن "...يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ..."[آل عمران 114]، ويساعدون كلَّ كائنٍ على هذه الأرض، ويتعاطفون مع كلِّ الكائنات، فيعلِّمون مَنْ جَهِل، ويطبِّبون من مرض، ويعطون لمن لا يجد، يساعدون المحتاج، ويخدمون إخوانهم في البشريَّة بما علَّمهم الله، وبما هيَّأ لهم من الوسائل التي تجعلهم قادرين على أن يُخرِجوا إنسانًا من ضيقٍ إلى فرج، في كلِّ صورةٍ على هذه الحياة.
وهناك من النَّاس من لا يفعلون ذلك، لا يرون إلَّا أنفسهم، ولا يساعدون إلَّا أنفسهم، يعتدون على الآخرين، ويتخطُّون حدودهم، فيأخذون ما ليس لهم، معنى التَّعاطف لا وجود له عندهم، ومعنى المساعدة لا يعرفونه، ولا يقدرون عليه، تصفهم الآيات: "وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى"[الليل 9،8].
في الأمور العقليَّة والقلبيَّة، وإن اختلف فيها النَّاس، فإنَّها خاصةٌ بهم، في تقديرهم، في طريقة عيشهم، في فلسفة حياتهم، في معنى وجودهم ـ أمَّا في الأمور التي تتعلَّق بالآخرين، فهي لها تأثيرٌ حسنٌ على الآخرين، أو تأثيرٌ سيِّءٌ عليهم.
قد يختلف النَّاس فكريًّا، أو عقائديًّا، أو في كيف يذكرون، أو في مستوى ذكرهم، أو في استحضار معنى الرُّبوبيَّة عليهم، لكن تأثير الإنسان على الآخرين، هو أمرٌ خطير؛ لأنَّه يمكن أن يؤثِّر بصورةٍ حسنةٍ، أو صورةٍ سيِّئةٍ على الآخر، وذلك ما تكشفه الآيتين: "فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ"، ومعنى: [الدِّين المعاملة](5)، والعطاء، "فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى"[الليل 7:5].  
وهذا، له قيمةٌ كبرى، فهناك من يختلفون عقائديًّا، أو فكريًّا، أو في طريقة ذكرهم، أو في معنى الرُّبوبيَّة لهم، أو أو أو، كلُّ هذا قد نختلف عليه، وكلٌّ منَّا له جانبٌ من هذا ومن ذاك، ولكن ما يفعله الإنسان تجاه الآخر، هو أمرٌ جوهريّ.
الله من وراء الكلِّ بإحاطته، وحافظٌ لكلِّ إنسانٍ، "كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ،  وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ"، نحن نحيط بكم بلطفٍ، وكرمٍ، وحفظٍ، أيًّا كنتم، إنَّها رحمة الله بعباده، يرزق كلَّ إنسانٍ أيًّا كانت عقيدته، وأيًّا كان فكره، وأيًّا كان ذكره، وفي نفس الوقت، فإنَّ قانون الحياة يرصد كلَّ حركةٍ، وكلَّ لفتةٍ، وكلَّ قولٍ، وكلَّ فعلٍ، "...يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى"[طه ]، "كِرَامًا كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ"[الإنفطار 12،11].
إنَّه قانون الحياة، أنَّ كلَّ فعلٍ له أثرٌ، وله تأثيرٌ، وله ردُّ فعلٍ على الإنسان، "إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ"[الإنفطار 14،13]. والأبرار، هم من أعطوا، واتَّقوا، وصدَّقوا بالحسنى. والفجَّار، هم من بخلوا، واستغنوا، وكذَّبوا بالحسنى.
وسيظلُّ الأمر غيبًا على الإنسان، إلى لحظةٍ فيها فصل. لحظةٌ، آيات الله تُطلِق عليها يوم الفصل، يوم الدِّين، السَّاعة، القيامة، "يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ"[الإنفطار 15]، وهي لحظةٌ تصفها هذه الآيات: "وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ"[الإنفطار 19:17].
إذًا، فأن تقوم حقًّا في إدراكٍ أنَّ "لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا" هو حالٌ، ليس مجرَّد كلامٍ نقوله في حياتنا، فكثيرًا ما نردِّد ذلك، أنَّ الأمر بيد الله، إنَّما هذا كلامٌ نقوله، أمَّا في يوم الدِّين، فإنَّه حالٌ تقومه، ترى ذلك واضحًا جليًّا، وليس مجرَّد كلام، وقد يصل الإنسان إلى هذا الحال وهو قائمٌ على هذه الأرض، [موتوا قبل أن تموتوا](6).
هذا ما نتعلَّمه من الآيات، وبتأمُّلنا فيها، قد نخطئ وقد نصيب، بل أنَّنا في كلِّ قولٍ نخطئ ونصيب ـ كما نذاكر دائمًا ـ فكلُّ أمرٍ له دلالاتٌ مختلفة، يأخذ منها الإنسان ما يأخذ، وعليه دائمًا أن يراجع نفسه، وأن يراجع فهمه، وألَّا يأخذ كلامًا بإطلاقه، إنَّما يتدبَّر في كلِّ قولٍ، ويرى ما يمكنه أن يرضى عنه ويستريح له، فهو المقياس، يأخذ بما هو له أهل، ويحاول أن يضع نفسه في الموقع الذي يرى فيه الخير له.
عباد الله: نسأل الله: أن يجعلنا أهلًا لرحمته، وأهلًا لعلمه وحكمته.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
______________________
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو أن نُعظِّم ممَّا يفعله الإنسان تجاه الآخرين، ففكره وذكره هو خاصٌ به، خاصٌ بقدرته على التكيُّف، وفهم الحياة من حوله، وعلى أن يجد في داخله السَّكينة والطمأنينة، "أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ"[الرعد 28]، لكن ما يؤثِّر على نموِّه الرُّوحيّ أكثر، هو تعامله مع النَّاس، [الدِّين المعاملة]، تعامله مع الكون كلِّه، مع كلِّ الكائنات.
وهذا مفهومٌ أساسيّ، نجد كثيرًا من الآيات والأحاديث توضِّحه، فالآيات تتحدَّث عمَّن"...أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى"، عطاء أوَّلًا. وتتحدَّث عن الذي "بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى"، بخل أوَّلًا، لا يعطي. والعطاء، هو قدرة الإنسان في أن يقدِّم ما عنده من طاقات، ومن معارف، ومن إمكانات لكلِّ النَّاس. والبخل، هو أن يمتنع الإنسان عن ذلك، وألَّا يرى إلَّا نفسه.
"وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ"[المطففين 3:1]، "أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ"[الماعون 5:1]، وهذا توضيحٌ، أنَّه إذا كانت الصَّلاة هي ذكرٌ ليطمئنَّ الإنسان، إلَّا أنَّها إن لم تؤتِ قدرةً على أن يعطي الإنسان، "فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ".
عباد الله: نقول هذا، وهو أمرٌ قد يكون واضحًا لكثيرين، إلَّا أنَّنا نحاول أن نُرسِّخه في وجداننا وفي قلوبنا، من آياتٍ تعلِّمنا ذلك، وتحثُّنا على العطاء، وأن نكون من الأبرار الذين يعطون، والذين يساعدون، والذين يعلِّمون، والذين يطبِّبون، ولا نكون من الذين يبخلون، ومن الذين يتقاعسون عن خدمة غيرهم، إنَّما نكون دائمًا في معنى العطاء؛ لأنَّ هذا مقياسٌ على حالنا الرُّوحيّ والمعنويّ، بل أنَّه تعبيرٌ عمَّا في داخلنا من فكرٍ وذكر.
فحتَى لو كنَّا في داخلنا، في ظاهر فكرنا، نتقلَّب بين حالٍ وحال، وفي ذكرنا نتقلَّب من حالٍ لحال، فإنَّ الأمر الذي نستطيع أن نراقبه دائمًا، هو عملنا، وعطاؤنا، ومعاملاتنا، فلا مانع من أن نتقلَّب في فكرنا، أو في ذكرنا، ولكن لو نظرنا دائمًا إلى عملنا، فإنَّ علينا أن نكون دائمًا من الذين يعطون ولا يبخلون، من الذين يساعدون ولا يتقاعسون، سوف يساعدنا هذا على أن نُقوِّم أفكارنا، وأن نُقوِّم ذكرنا.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون أهلًا لرحمته، ولنعمته، ولعلمه، وحكمته.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النَّاس حولنا.
اللهم ونحن نتَّجه إليك، ونتوكَّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلَّا إليك.
اللهم فاكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنَّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.
____________________

(1)  ، (3) جاء الحديث في مسند أحمد بن حنبل بصيغ متعددة منها "ليس منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الشياطين قالوا وأنت يا رسول الله قال نعم ولكن الله أعانني عليه فأسلم". وأيضاً "ما منكم من أحد إلا ومعه قرينه من الملائكة ومن الجن قالوا وأنت يا رسول الله قال وأنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم ولا يأمرني إلا بخير" وكذلك: "فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم قلنا ومنك يا رسول الله قال ومني ولكن الله أعانني عليه فأسلم" كذلك جاء بصيغ مختلفة عند مسلم والترمذي والنسائي والدرامي .

(2) حديث شريف "كل مولود من بني آدم يمسه الشيطان بأصبعه إلا مريم ابنة عمران وابنها عيسى عليهما السلام " مسند أحمد وأيضاً أخرجه كلاً من البخاري ومسلم بصيغ مشابهة.

(4) ذكر الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين أن الرسول قال لعائشة: ضيقي مسالك الشيطان بالجوع.

(5)  مقولة للإمام علي بن أبي طالب: (الصلاة عادة، والصوم جلادة، ومعاملة الناس هي العبادة).

(6)  مقولة صوفية.