الخميس، 12 مايو، 2016

علينا أن نعمل بما نعلمه، مع ضآلته النسبية بالنسبة لعلوم الله، وأن نحاول أن نتعلم أكثر

حديث الجمعة
23 جمادى الآخر 1437هـ الموافق 1 أبريل 2016م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من الشيطان الرجيم، نعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، نطمع في رحمته وفي مغفرته وفي هدايته، نتجه إليه في كل أعمالنا وفي كل معاملاتنا وفي كل أحوالنا، طامعين في كرمه وفي جوده وفي فضله وفي توفيقه، مدركين أن التوفيق من عند الله، وأن النصر من عند الله، وأن الهداية من عند الله، "...مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا"[الكهف 17].
إدراكنا لهذه المعاني هو إدراكٌ تجريديٍّ غيبيّ. هو إيمانٌ بالغيب، إيمانٌ بأننا لا نحيط بكل شيء، بل أننا نحيط بقليلٍ جداً من علمٍ محدودٍ وقدرةٍ محدودة، "....لاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ"[البقرة 255].
إلا أن هذا لا يجعلنا نغفل عما نحن قائمون عليه، ولو كان قليلاً جداً، بل أن هذا القليل الذي نعرفه والذي نحيط به، هو ما يمكن أن يغيِّرنا على هذه الأرض، وهو ما يُمَكِّننا أيضاً أن نغيِّر ما حولنا. لذلك فهذا القليل بما يمكن أن يُحدِثه فينا هو كثيرٌ وكثيرٌ جداً.
إن الإنسان على هذه الأرض يحتاج أن يتعلّم، وأن يتعرّف على من حوله وعلى ما حوله، أن يتعلّم ما يستطيع به أن يقدّم خدمةً لإخوانه في البشرية، قدرته على خدمة الآخرين هي ما تُمَكِّنه أن يواصل حياته عليها.
حين ننظر على هذه الأرض، نجد أن الذي يتعلّم شيئاً مفيداً ـ به يستطيع أن يساعد الناس في حياتهم، يستطيع أيضاً بذلك أن يساعد نفسه، ويستطيع بذلك أن يغيِّر أشياءً حوله، وأن يغيِّر أولاً ما فيه. لذلك، فإننا مطالبون بأن نتعلّم، وأن نكون بتعلُّمنا نَعلَم، "...هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ..."[الزمر 9].
علينا أن نبحث دائماً عما يمكن أن نغيِّر به حياتنا، "...قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..."[العنكبوت 20]، دعوةٌ إلى البحث عن قانون هذه الأرض، وعن أسباب التواجد عليها، وعن أسباب ما يمكن أن نستخدمه لنُغيِّر حياتنا.
لذلك، فإن الإنسان مطالبٌ بأن يكون في سعيٍ دائم للتعلُّم وللبحث عن الحقيقة في كل مناحي الحياة، ليس فقط في العلوم الطبيعية، أو في العلوم الهندسية، أو في العلوم الرياضية، وإنما أيضاً في العلوم الإجتماعية، والعلوم الإنسانية، والعلوم الإقتصادية ـ في كل مناحي الحياة.
لا مانع أن يحلم الإنسان بأن يخلق مجتمعاً فاضلاً، وأن يؤمن مع مجموعةٍ تؤمن بما يؤمن به، أن يُكوِّنوا مدينةً فاضلة. وقد حلم الفلاسفة في قديمٍ بذلك، فتحدثوا عن المدينة الفاضلة، وتصوروا صورةً حاول البعض أن يحققها بصورٍ مختلفة على مر التاريخ. ربما فشلوا في ذلك، وربما يئسوا لوقتٍ ما، ولكن ذلك لا يمنع من أن يحاولوا مرةً أخرى بأسلوبٍ آخر.
بل أننا نجد على هذه الأرض في بعض المجتمعات التي لم تسلك مسلك الأولين، وأقامت مجتمعاتٍ بصورةٍ مختلفة، إلا أنها أقرب ما يكون إلى أن تكون مدينةً فاضلة. فالقضية هنا إذاً ليست شكلاً نتصوره، ولكن هو تفاعلٌ مع الواقع الذي يجعلنا نحاول دائماً أن نغيِّر هذا الواقع إلى صورةٍ أفضل وإلى صورةٍ أحسن.
لذلك، فإن الإسلام يوم تكلّم عن ذلك، تكلّم عن ألا تعبد صورة، ولا تعبد شكلاً، ولا تعبد فكراً محدداً، ففكرك يمكن أن يتغيَّر، لا يوجد فكرٌ صحيحٌ مائة بالمائة، وانما هناك دائماً نسبةٌ من الخطأ يمكن أن تصيب هذا الفكر.
لذلك، فالتفاعل مع الواقع، ومع ناتج التطبيق، هو الذي يغيِّر من فكر الإنسان إلى فكرٍ آخر، ومن ثم يغير الواقع ـ كواقع ـ إلى واقعٍ آخر، هذا التحول الدائم هو ما وجِّهنا إليه أن نكون متفاعلين مع واقعنا، "وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ"[الذاريات 6].
و"وَاقِعٌ" هنا لها دلالاتٌ مختلفة، قد نفهمها أن الدين قائمٌ بمعنى قانون الله على هذه الأرض، وهو قائمٌ دائمٌ لا يَنتظر أحداً أن يطبّقه أو أن يقيمه، إنما هو واقعٌ وقائمٌ، أراد الناس أم لم يريدوا، فهم الناس أو لم يفهموا، "إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا"[مريم 93]، فهذا قانونٌ دائم.
أما الإنسان فهو متغيِّرٌ، فكره متغيِّر، ودينه الذي يعتقده هو متغيِّر مع قدرته وإمكاناته، مع بيئته، ومع تفاعله، مع فهمه لما يقرؤه وتفضيله لصورةٍ على صورة، وقدرته على التمييز بين خيرٍ وشر، بين حقٍ وباطل، بين نورٍ وظلام.
لذلك، فإن كل إنسانٍ له دينه، ونقصد بالدين هنا هو مفهوم الإنسان عن الحياة، وتوجُّهه في هذه الحياة، وقدرته في هذه الحياة، وإرادته في هذه الحياة، وهدفه من هذه الحياة. لا نتكلم عن طقوس، ولا نتكلم عن مناسك، وإنما نتكلم عن مواقف، عن إيمانٍ داخليّ، ما يؤمن به في داخله وما يعتقده في داخله.
فالإنسان عليه أن يصحِّح مفاهيمه دائماً، واتجاهاته دائماً، لا يتوقف عند فهمٍ أو عند اتجاه، وإنما عليه أن يكون مُغيِّراً مُتغيِّراً. هذا التغيُّر يجعله حياً، ليس جامداً، وإنما مبدعاً بدوام تطورٍ وعلوٍ وارتقاء، وقد يكون كذلك بتغيُّره متغيِّراً إلى أدنى والى أسفل، هذا واردٌ.
ولكن الاهتمام في التغيُّر الدائم هو أن يجعل الإنسان يكسب تجربةً ويتعلّم درساً ربما يجعله يفيق بعد غفلة، وقد يجعله يغفل بعد إفاقة، ولكن هذا التغيُّر يُكسِبه حياةً، ويُكسِبه قدراً يُمَكِّنه من مواصلة الحياة ومن التعامل مع الحياة.
لا يجب أن يخاف الإنسان أن يخطيء وهو يعمل، لأنه لو خاف فلن يعمل، وإذا لم يعمل ولم يخطيء فهو أسوأ من أن يعمل ويخطيء فيتعلم. لذلك، كان الحديث [إن لم تذنبوا وتستغفروا، لأتى بقومٍ آخرين يذنبون ويستغفرون، فيغفر الله لهم](1)، [كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون](2)، هكذا نتعلّم سرّ المغفرة، وسرّ الإستغفار، وسرّ التعلُّم من الخطأ.
[من اجتهد فأخطأ فله أجر، ومن اجتهد فأصاب فله أجران](3). أجره يوم يخطيء هو أنه قد تعلّم أنه قد أخطأ فتعلّم درساً، فله أجره، له مكسبٌ من هذا التعلُّم. وإن أصاب فقد استفاد أنه قد عرف الصواب، وبفعله الصواب أفاد غيره فله أجران. وقد يتعلّم بعد ذلك أن هذا الصواب الذي ظنه هو خطأ، فيكون قد كسب مرةً أخرى، وهكذا في دوام تعلُّم، والذي أخطأ فتعلّم من خطئه فأصاب بعد ذلك، كسب أجران أيضاً، وهكذا.
فنحن في تعلُّمٍ دائم، نخطئ ونصيب، نكسب في كل حال. ولكن إن بقينا لا نجتهد، لا نعمل، لا نخطئ، لا نصيب، لا نفعل شيئا، فنحن جامدون، واقفون، لا نتحرك، لا نضيف معرفةً إلى معارفنا، ولا علماً إلى علمنا، ولا تجربةً إلى تجاربنا.
وهذا ما بدأنا به حديثنا، بأن قلنا: أن التعلُّم هو الأساس الذي يجعلنا نخدم من حولنا، ومن خدمتنا نكسب في حياتنا، و نكسب حياتنا الأخرى. نخرج أحياءً من هذه الأرض، بالتعلُّم والبحث والخدمة.
وإدراك أن هذا الذي ندركه مع محدوديته إلا أنه مفيدٌ جداً،  فلا يجب أن نقول: وماذا هذا الذي نعلمه؟ إننا لا نعلم إلا القليل، علينا ألا نعمل شيئاً، وألا نبحث عن شيء، فمهما عرفنا فهو قليلٌ، وعلينا أن نعبد الله فقط ـ بمفهومٍ سلبيٍّ للعبادة.
وهو ظنٌّ أنك حين تجلس في مكانك، وتردد بعض كلماتٍ دون أن تعيها، ودون أن تفهمها، ودون أن يكون هدفك منها أن تغيِّرك إلى ما هو أفضل وأحسن، بظن أنه مجرد عملٍ ماديّ لسانيّ حركيّ، فإن ذلك هي العبادة. فتظن أنك بذلك تؤدي ما هو أفضل على هذه الأرض. إنك بذلك تخسر أشياءً كثيرة.
وحين تجيء الآية لتقول لك: "...وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا..."[القصص 77]، لا تعني فقط أنك يجب أن تأخذ حظك فيها من متعةٍ أو ما إلى ذلك، فهذا ليس هو المقصود الأول، وإنما لا تنسى أنك يمكن أن تكسب في الله من خلال قيامك على هذه الدنيا. فهذا هو التأمل الذي نتأمله في هذه الآية، ونذكره دائماً.
عباد الله: نسأل الله: أن يجعلنا من الذين يتعلمون ويبحثون، وللناس يخدمون ويساعدون، ولربهم يذكرون وإليه يرجعون ويستغفرون، يطلبون منه رحمةً وقوةً وفضلاً وكرماً وعطاءً.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أننا ونحن نشعر بضآلتنا في هذا الكون، وبضآلة ما نعلم ونعرف، إلا أننا يجب أن نعمل بما نعلمه، وأن نحاول أن نتعلّم أكثر، فهذا القليل النسبيّ بالنسبة لعلوم الله ولإحاطة الله، هو كثيرٌ جداً بالنسبة لنا، ونستطيع أن نتعلّم الكثير بالنسبة لنا من هذا القليل بالنسبة لله.
بل أن في هذا القليل ما يُكسِبنا هذه الحياة، وما يغيِّرنا إلى ما هو أفضل وما ينطلق بنا إلى ما هو أعلى، وهذا سرّ الحياة فينا، وهذه هي أمانة الحياة التي حملها الإنسان. والحياة التي حملها الإنسان ليست في أن يجعله ذلك يتحرك، أويتعلّم، أو أن يفعل أفعالاً بعينها فقط، وإنما هذه الحياة تُكسِبه حياةً دائمة، حياةً أبدية، "وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ"[آل عمران 169].
وسبيل الله هو ليس فقط في حربٍ أو صراعٍ ماديّ، وإنما هو مواصلة المحاولة على هذه الأرض فيما أنت قائمٌ فيه، تريد أن تغيِّره إلى أفضل وإلى أحسن وإلى أقوم. هذا الذي تحاوله هو تفاعلك مع هذه الأرض، تفاعلك مع هذا الواقع، فلن تكون عبداً لصورةٍ، أو شكلٍ، أوخرافةٍ، أو ظن علمٍ أو معرفةٍ أو دينٍ، وإنما تكون عبداً لله. 
والعبودية لله تعني أنك تُكبِر الله عن أي شكلٍ وصورة، وتتعامل مع الله فيما تجلّى به عليك؛ في قوانينه التي أوجدها، وفي أسباب الحياة التي مَكَّنك من أن تعرفها، أو أن تعرف بعضها، أو تعرف قليلاً منها. وعبودية الله هي إدراكك بالغيب، وللغيب، وللشهادة.
إدراكك للغيب هو أن كل شيءٍ الله من ورائه بإحاطته، "إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا"، إرادةٌ كلية، وإحاطةٌ كلية، ومشيئةٌ كلية. وشِقّ الشهادة في العبودية هو أن تصدُق فيما تجلّى الله به عليك، في قوانينه الأرضية، وفي أسبابه الحياتية، "...قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..."، "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..."[آل عمران 191]، ويدركون أن "...رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"[آل عمران 191].
وعذاب النار هو ألا يكونوا أحياءً ، ألا يستجيبوا لما يحييهم، لا يستجيبون لله ولرسوله وهو يدعوهم لما يحييهم هذا هو عذاب النار الذي تشير إليه هذه الآية ـ في تأملنا وتدبرنا.
هؤلاء الذين استجابوا لله ولرسوله وهو يدعوهم لما يحييهم، هم الذين يعملون، هم الذين يغيِّرون، هم الذين يتعلّمون قبل كل شيء، هم الذين يبحثون عن الحقيقة، هم الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، يذكرونه غيباً، ويذكرونه شهادةً في أحوالهم، هم الذين يتحابُّون، يتآلفون، يرجون الخير لهم ولكل إخوانهم، لا يحقدون ولا يكرهون، قلوبهم صافية وعقولهم منيرة، يبحثون عما هو أفضل لهم ولغيرهم، يتّجهون ويتعاملون مع الله في كل أحوالهم، لا يرجعون إلا لله، ولا يطمعون إلا في الله، ولا يسألون إلا الله، ويشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا اليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا همّاً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.
________________________

(1)  "إن لم تذنبوا وتستغفروا لأتى الله بقوم آخرين يذنبون ويستغفرون فيغفر الله لهم" حديث شريف أخرجه مسلم.

(2)    قال صلى الله عليه وسلم :  " كل بنى آدم خطاء وخير الخطائين التوابون "، أخرجه أحمد بن حنبل والترمذى ـ الجامع الصغير جـ2 صـ92 .

(3)    حديث شريف نصه: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" المحدث: ابن تيمية .




إن ما نستطيع أن نتعامل معه هو ما هو مشهودٌ لنا، وأول مشهودٍ لنا هو وجودنا

حديث الجمعة 
16 جمادى الثاني 1437هـ الموافق 25 مارس 2016م
     السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشكر دائماً لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: تدبروا آيات الله بعقولكم وقلوبكم، متجهين إلى الله دائماً أن يفتح قلوبكم لتتلقوا ما تحمله هذه الآيات من نورٍ ورحمة، تحيي قلوبكم، وتنير عقولكم، وتطهر أرواحكم، وتزكي نفوسكم.
مدركين أن الخطوة الأولى تبدأ منكم، "من تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً ، ومن جاءني مشياً جئته هرولةً"(1)، "...ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..."[غافر 60]، "...عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ..."[المائدة 105]، "...وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"[النحل 118]، "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ"[الزلزلة 8،7]، [كلكم راعٍ، وكلكم مسئولٌ عن رعيته](2).
إن ما نستطيع أن نتعامل معه هو ما هو مشهودٌ لنا، وأول مشهودٍ لنا هو وجودنا، هو ذاتنا، هو قيامنا البشريّ، هو وجودنا الإنسانيّ، هي إرادتنا، هي قدرتنا، عقولنا، قلوبنا، ضمائرنا. لذلك، وجب علينا أن نُفعِّل هذه الطاقات الكامنة فينا، وأن نُعمِل ما أودع الله فينا من قدرة العقل، ونعمة الإحساس، وتمييز الضمير.
ومن فعل ذلك، هيأ نفسه لتوفيق الغيب. "فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى، وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى"[الليل 11:5].
"مَن أَعْطَى"، هو بدءٌ يبدؤه الإنسان، هو كل ما يصدر عن الإنسان، هو كل ما يقدم الإنسان لأخيه الإنسان، بعلمٍ، أو خدمةٍ، أو مالٍ، أو علاجٍ، أو تعليمٍ ـ أي شيءٍ يستطيع أن يقدمه.
وفي هذا العطاء يتعامل مع الله، وهذا هو معنى "...وَاتَّقَى..."، لأن العطاء إذا كان بغير تقوى، وبهدفٍ ماديٍّ فقط، فإنه يفقد هذه الطاقة التي تُصلِح حال الإنسان، وتجعله مهيأً لأن يُيَسر للحسنى، "...لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى..."[البقرة 264].
فالبدء إذاً من الإنسان، وهذه هي أولى خطوات الطريق. إن بعض الناس يتصورون أنهم يريدون أن يعرفوا حكمة وجودهم على هذه الأرض، ولماذا خلقهم الله، إنهم يريدون أن يتكلموا مع الله، يريدون أن يسألوا الله: لماذا خلقهم؟ ولم يبدأوا هم بأن ينظروا إلى كيانهم وإلى وجودهم، فلينظروا فيما يستطيعون أن ينظروا إليه، ويبدأوا في التفكير من هذا الوجود القائم، الذي هو خلق الله، ليسألوا أنفسهم أولاً: ماذا يريدون هم الآن؟
إنهم قائمون على هذه الأرض فماذا يريدون؟ ولماذا يريدون هذا أو ذاك؟ لماذا يحبون أمراً ويكرهون آخراً؟ إنهم حين يسألون هذا السؤال، سوف يجدون أن هذا ما هم فيه قائمون، وقد لا يجدون تفسيراً لكثيرٍ مما هم فيه قائمون، وما هم فيه يرغبون، وما له يعملون، وللطريق الذي فيه يسيرون. وجودهم فيه سرٌّ لا يعلمونه يحركهم، وهناك في أعماق نفوسهم ما يجعلهم يفضلون أمراً ويكرهون أمراً آخر.
فإذا أرادوا أن يسألوا الله فليبدأوا بسؤال أنفسهم، وليبدأوا بإعداد أنفسهم لما يرون أنه الخير وأنه الصلاح والفلاح. وليعلموا أنه لا مانع من أن يتجهوا إلى الله بسؤالهم، بأن ينير طريقهم، وأن ينير بصائرهم، وأن يعلمهم ما هم قادرون عليه، "...لاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء..."[البقرة 255]، فيؤهلهم لأن يعلموا أكثر، يوم يكونون أهلاً لهذا العلم، بأن يبحثوا ويتفكروا ويتدبروا.
ويضرب لنا مثلاً في "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ.."[آل عمران/191]، ماذا يفعلون؟ "...يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..."[آل عمران 191]، يتفكرون فيما هو مشهودٌ لهم في وجودهم، وفي الموجودات حولهم، في العالم المنظور، فيجدون إجابةً على سؤالهم بتفكرهم في خلق السماوات والأرض، "...رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً..."[عمران 191]، يدركون أن وراء هذا الخلق حكمة، ووراء خلقهم حكمة، وأن عليهم في قيامهم هذا أن يتفاعلوا بما أودع الله فيهم من سرٍّ، فيتدبرون، ويذكرون، ويتعلمون، ويدركون أن الطريق في الله لا نهاية له.
فنحن نتكلم على اللا نهاية وعلى ما لا نهاية له، مع أننا لا نستطيع أن نتصور ذلك واقعاً ملموساً؛ لأن هذا هو سرّ اللا نهاية، أنه إدراكٌ بأن هناك ما لا ندركه، فنعبر عن هذا الذي لا نستطيع أن ندركه باللا نهاية.
إن عقولنا محدودة، يوم نرى أن الكون يتمدد ويتسع بسرعةٍ متناهية في الكِبَر، إلى أين يتسع، وأين يتسع، وفيمَ يتسع؟ لا نستطيع أن نعلم، ونقول في عالمٍ لا نهائيّ، فندرك أننا لا نستطيع أن ندرك، فنرجع إلى حاضرنا، وإلى واقعنا، وإلى ما نستطيع أن نقدمه اليوم في حياتنا، مميزين بين الحق والباطل بالنسبة لنا، بين الخير والشر بالنسبة لنا.
مدركين دائماً أن الحاضر وإخلاصنا فيه هو ما يُحيي مستقبلنا، وهو ما يُصلِح ماضينا. فالحاضر هو الذي يجب أن نركز فيه، وأن نقوم فيه، وأن نعمل فيه، وأن نعطي بقدر استطاعتنا، وأن نخلص في عطائنا متقين الله.
عباد الله: هكذا نتعلم من آيات الله، ونقرأ ما فيها من توجيهٍ إلهيٍّ لنا، بأن نعكس البصر إلى داخلنا، وأن نتعلم من وجودنا ومن قائمنا ومن حاضرنا، لنكون عباداً له خالصين، ولنكون عباداً له صالحين. هكذا نُذكِّر أنفسنا دائماً حتى لا نضل الطريق، وحتى نكون في طريق الله سائرين، داعينه دوماً أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، ولا الضالين.
نسأل الله: أن يوفقنا لذلك، وأن يجعلنا أهلاً لذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
______________________

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن نبدأ بأنفسنا، وأن نبدأ بحاضرنا، وأن نبدأ بقدراتنا وبإرادتنا وبضمائرنا، بعقولنا، بقلوبنا، نقدم ما نستطيع أن نقدمه، أن نكون في معنى "..مَن أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى"، ليُيَسّر لنا الله اليُسرى. يُيَسّر لنا طريق الصلاح والفلاح، ليعدنا لنكون أهلاً لنفحاته ورحماته.
وهذا أملنا أن نكون أهلاً لرحمة الله، وأن نكون من الذين يخشون الله، "...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء..."[فاطر 28]. فأن نكون علماء نخشى الله، خشيتنا هي معنى تقوى الله، هي معنى "وَاتَّقَى" بعد العطاء.
وكما أن التقوى تعني التعامل مع الله، فهي تعني في نفس الوقت خشية الله، وخشية الله ألّا يتصور الإنسان نفسه قد وصل إلى الكمال، "...وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ..."[آل عمران 28]، يحذركم الله قانونه، وقانون الله أن يكون الإنسان متواضعاً مفتقراً إلى الله.
لذلك، نجد معنى "...مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى".  "بَخِلَ"، امتنع عن العطاء، بظن أنه قد أعطى الكثير ولا يجب أن يفعل أكثر. "وَاسْتَغْنَى"، ظن أنه ليس في حاجةٍ إلى رحمة الله ولا إلى توفيق الله فقد وصل إلى الكمال. "وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى"، ظن أن ليس هناك أحسن ولا أفضل ولا أقوم ولا أعلى، ظن أنه قد وصل إلى الأفضل، ولا يوجد أفضل.
فخشية الله هي ما علمنا إياه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ [لا يدخل الجنة أحدكم بعمله، حتى أنت يا رسول الله، حتى أنا ما لم يتغمدن الله برحمته](3)، إنها خشية الله؛ لأن الإنسان كما أن فيه نور الله ففيه ظلام نفسـه، "وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ..."[يوسف 53].
وهكذا، فإن الإنسان لا يستطيع أن يحكم أنه قد هزم نفسه، لا يستطيع أن يقول كما قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ [كان لي شيطان، ولكن الله أعانني عليه فأسلم](4)، لا يستطيع أحدٌ منا أن يقول ذلك.
ورسول الله وقد رأى ذلك وقاله، ما منعه ذلك من أن يقول: [ها أنا رسول الله بينكم ولا أدري ما يفعل بي غدا](5)، لم يمنعه ذلك أن يقول: [لن يدخل الجنة أحدكم بعمله، حتى أنت يا رسول الله، حتى أنا]. يعلمنا أن مهما كشف الله للإنسان، فربما رأى إنسانٌ أنه قد وصل مقاماً ما، إلا أنه عليه أن يتأدب مع الله، كما علمه رسول الله.
ونجد الصوفية وقد تعلموا هذا الدرس، حين يخاطب الشيخ مريده، فيقول له: [أنا أخشى من برد الرضا والتسليم، كما تخشى أنت من حَرِّ الاختيار والتدبير](6)، إذا كان الإنسان في حاله يشكو من صعوبة الاختيار ومن قسوته وقسوة التدبير فيما يجب أن يفعله وما لا يجب أن يفعله، فهو يحاسب نفسه دائماً، هذا ما نقول عنه حَرّ الاختيار والتدبير، فشيخه يقول إني وقد تغلبت على ذلك وأصبحت راضياً ومُسَلِّماً، إلا أنني أيضاً أخشى من هذا الحال.
فأنت وأنت في حرِّ الاختيار والتدبير تلجأ إلى الله وتسأل الله أن يوفقك، فإذا كنت في برد الرضا والتسليم، فربما تنسى أن تذكر الله وأن تسأل الله؛ لأنك أصبح كل شيء عندك سواء، استوى تبرها بترابها عندك، ربما يكون الأمر كذلك، إلا أن ذلك لا يجب أن يشغلك عن ذكر الله، وعن طلب أن تكون أكبر في الله، وأن ذلك إن انشغلت به عن ذكر الله، ربما رجعت إلى ما هو أدنى من ذلك، وأدنى من أدنى من ذلك، وهذا معنى "...وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ..."، فهذا قانونه.
فالقضية ليست مقاماً تصل إليه، وليست حالاً تصل إليه، ولكن القضية الدائمة هي أن تكون في انشغالٍ دائم بذكر الله، وفي أن تكون أفضل في الله، وأن تكون أهلاً لرحمة الله، وهكذا يعلمنا رسول الله أيضاً في قوله: [إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم سبعين مرة، أأغيان أغيار يا رسول الله؟ بل هي أغيان أنوار](7).
 عباد الله: فلنبدأ بأنفسنا، ولنبدأ بأن نُرجِع البصر إلى داخلنا، وليسأل كلٌّ نفسه: ماذا يريد، وما هو هدفه، وما هي قبلته، ومن هو رسوله، ومن هو قدوته؟ ماذا يرجو من هذه الحياة، وماذا يرجو من وجوده عليها؟ يسأل نفسه بصدق، ويسأل نفسه فيما يفعله وفيما يقدمه، وليحاول دائماً أن يكون فيمن أعطى واتقى وصدق بالحسنى، وأن يبتعد عن أن يبخل أو يستغني أو يكذب بالحسنى، بل يكون دائماً في عطاءٍ دائمٍ مستمرٍ، في تقوى الله دائمٍ مستمرٍ، وفي خشية الله في دوامٍ وفي استمرار.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا   منجى منك إلا إليك.
    اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
    اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
    اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
    اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
    اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
    يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.
_____________________

(1)   حديث قدسي أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلي بشبر، تقربت إليه ذراعاً وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة". 

(2)    جاء بسنن الترمذي: ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم أنه‏ ‏قال ‏" ‏ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه ، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"‏.

(3)    "لا يُدخل أحدكم الجنة عمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة وفضل" حديث شريف رواه أحمد بهذا اللفظ ورواه البخاري ومسلم هكذا "سددوا وقاربوا وابشروا فإنه لن يُدخل الجنة أحدكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمه ".

(4)    جاء الحديث في مسند أحمد بن حنبل بصيغ متعددة منها " ليس منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الشياطين قالوا وأنت يا رسول الله قال نعم ولكن الله أعانني عليه فأسلم " . وأيضاً " ما منكم من أحد إلا ومعه قرينه من الملائكة ومن الجن قالوا وأنت يا رسول الله قال وانا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم ولا يأمرني إلا بخير " وكذلك: " فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم قلنا ومنك يا رسول الله قال ومني ولكن الله أعانني عليه فأسلم " كذلك جاء بصيغ مختلفة عند مسلم والترمذي والنسائي والدرامي .   

(5)    حديث شريف ، نصه (قال صلى الله عليه وسلم :"هذا أنا رسول الله , والله ما أدرى ما يصنع بي") ، وفى رواية أخرى " قال صلى الله عليه وسلم :ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل بى ولا بكم" .(أخرجه احمد ابن حنبل- مسند احمد بن حنبل).

(6)    في حوار بين الشيخ إبن مشيش وتلميذه أبي الحسن الشاذلي: "قال الشيخ إبن مشّيش لتلميذه أبي الحسن رضي الله عنهما ( إنّي أشكو برد الرضا والتسليم كما تشكو أنت حرّ التدبير والإختيار )".

(7)    الحديث الشريف كما أخرجه مسلم هو :" إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ". الجزء الثاني هو ما قيل عن رؤية للإمام أبي حسن الشاذلي حيث رأى الرسول صلى الله عليه وسلم .

 


 

إحساس الإنسان بأنانيته وأنه هو الحق المطلق هو شركٌ عظيم

حديث الجمعة 
9 جمادى الثاني 1437هـ الموافق 18 مارس 2016م
السيد/ علي رافع

      حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
            نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ونعوذ به من الشيطان الرجيم.
        نسأله رحمةً وكرماً ومغفرةً وقوةً ومدداً، لنكون أهلاً لرحماته ونفحاته، فنكون عباداً له خالصين صالحين، طريقنا سالكين، ووجهه قاصدين، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولا توفيق إلا من عند الله، ولا نجاة إلا برحمة الله.
        عباد الله: رحمة الله وسعت كل شيء، رحمته للناس جميعاً فهو رب العالمين، يغفر الذنوب جميعاً، "إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء..."[النساء 48]. فما هو الشرك في هذه الآية؟ الصوفية قالوا: [وجودك ذنبٌ لا يُقاس به ذنب](1)، فإحساس الإنسان بأنانيته وأنه هو الحق المطلق هو شركٌ عظيم، لأن الإنسان بذلك جعل نفسه رباً للعالمين.
        أما الإنسان الذي يعلم أن كل إنسانٍ له قدرته، وله فهمه، وله إدراكه، وله سعته، "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ..."[البقرة 286]، الإنسان الذي يرحم الآخرين لا يتكبر عليهم، ولا يحكم عليهم، وإنما يقبلهم فهم خلق الله، وقد علمنا الله في كتابه أن نكون رحماء.
        "وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا"[الفرقان 63]. عباد الرحمن يرحمون من في الأرض، لا يتكبرون عليهم، ولكن يقولون لهم سلاماً، فهم وإن أدركوا أن فهمهم يختلف مع هؤلاء الذين يجهلون الكثير، إلا أنهم يدركون أيضاً أن هذا قَدْرُهم، وهذا فهمهم، وهذه سعتهم.
        وقولهم سلاما يعني أنهم لا يصنعون معهم صراعاً ولا حرباً ولا كراهيةً، وإنما يعطونهم مما أعطاهم الله، لعل الله يكشف عنهم جهلهم ويعلمهم أكثر، لعلهم يفيقون إلى معنى الحق فيهم، فيتسعون قليلاً، فيتعلمون مما يرون ومما يشهدون ومما يسمعون، فيقِلّ جهلهم ويزيد علمهم.
        إنا إذا نظرنا في هذا التأمل، لوجدنا أن الذين يؤلِّهون أنفسهم ليسوا هم فقط الطغاة، الذين يتجبرون ويتكبرون ويستغلون الناس، ويريدون أن يحققوا أطماعهم الدنيوية والمادية والنفسية بجبروتهم وبتحكمهم وبطغيانهم، ليسوا هم فقط هؤلاء، إنما هم الذين يتكلمون باسم الدين، فيجعلون من أنفسهم أوصياء على هذا الدين، ويجعلون من أنفسهم متكلمين باسم الله، فكلامهم كلام الله، وإرادتهم إرادة الله، وفهمهم فهم الله، وعملهم عمل الله ـ إنهم بذلك جعلوا أنفسهم آلهةً.
        وهذا ما رأيناه في كل العصور وفي كل الديانات. تظهر فئةٌ من الناس تنسب إلى أنفسها الحقيقة المطلقة، فهم الذين يتحدثون باسم الدين، وهم الذين يعرفون الدين، وهم الذين يُدخِلون الناس الجنة، وهم الذين يُخرِجون الناس من النار، وهم الذين يعلمون والآخرون لا يعلمون، وهم الذين يفقهون والآخرون لا يفقهون، هم الذين يرحمون ويعذبون، وهم الذين يحكمون بين الناس، يجعلون هذا مؤمناً وهذا كافراً.
        ظهرت هذه الفئة في كل الديانات، ولا زالت تظهر إلى الآن. لذلك، فالقضية ليست أن تقول أنني مؤمن، وليست القضية أن تقول هذا حلال وهذا حرام، ولا أن تقوم في مناسك أو في عبادات، أو أن تؤدي معاملاتٍ بشكلٍ ما، فكل هذا لا يعفيك ـ إن كنت تعتقد أنك الوحيد الذي على صواب ـ من أن تكون في معنى "إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ...".
        ومعنى ذلك أيضاً ـ إذا أدركنا في تأملنا ـ أنك بذلك لا تكون أهلاً لمغفرة الله ولا لرحمة الله؛ لأنك لا تعترف بضعفك، ولا تعترف بافتقارك، ولا تعترف بأنك ربما تكون في مسلكٍ على خطأ وأن الآخرين قد يكونون على صواب. عدم اعترافك بذلك، وعدم تواضعك، وعدم افتقارك إلى الله، "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ"[فاطر 15] ـ إنك بذلك تضع حجاباً من ظلام يحول بينك وبين نور الله ورحمة الله وفضل الله، "...وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"[النحل 118].
        فرحمة الله وسعت كل شيء، ونور الله نور السماوات والأرض، ومغفرة الله لكل إنسان، ولكن الإنسان هو الذي يصنع حجاباً من ظلامٍ يحول بينه وبين هذا النور وهذه الرحمة وهذه المغفرة. إن المدخل إلى الاستغفار هو الاعتراف بأنك أذنبت، والذنب هو ذنبٌ نسبيّ.
        الذنب هو مفهومٌ في معنى أنك أتيت بفعلٍ سبَّب قوةً مظلمة لوجودك أو لمن حولك. واستغفارك هو أن تطلب من الله قوةً لتزيل هذا الظلام الذي أحدثته سواء في نفسك أو فيمن حولك، وهذا بعد أن تكون اعترفت بذلك، وأدركت ذلك، فمحاسبة النفس هي ضروريةٌ وخطوةٌ أساسية حتى تطلب الاستغفار.
        وتهيئتك لنفسك لاستقبال قوة المغفرة أساسية حتى يتحَوَّل استغفارك إلى واقع. وتَحَوُّل الاستغفار إلى واقع، هو أن تتغير إلى حالٍ تكون فيه مصدر نورٍ وليس مصدر ظلام، وأن تراقب نفسك، فربما يصيبك ظلامٌ يتطلب منك أن تراقب نفسك مرةً أخرى، في أن لا ينعكس هذا الذي أصابك على نفسك أو على من هو حولك، فتستغفر، وتستغفر، وتستغفر، [إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم سبعين مرة، أأغيان أغيار يا رسول الله؟ بل هي أغيان أنوار](2).
        هكذا نتعلم ديننا. دينٌ يساعدنا أن نكون في تراحمٍ بيننا، في تكافلٍ بيننا، نخدم بعضنا بعضا، ويساعد بعضنا بعضا، مجتمعٌ يدعو إلى الخير، ويدعو ويأمر بما هو معروفٌ أنه الأفضل، وينهى عما هو منكرٌ، لأنه يؤدي إلى أسوأ وإلى ظلام.
        هذا التفاعل مع آيات الله في واقع الحياة، هو تطبيق الدين في الحياة، ليس في تطبيق شكلٍ أو صورةٍ أو حكمٍ، وإنما هو التفاعل مع آيات الله وواقع الحياة، هذا التفاعل هو تطبيق الدين. أما الذين يبحثون عن شكلٍ يطبقونه أو عن صورةٍ ينفذونها، ويرسمون صورةً من خيالهم ومن أفكارهم ومن مفاهيمهم، ظانّين أنها الصورة الوحيدة ـ إنهم بذلك يضعون أنفسهم آلهةً، يريدون أن يطبقوا ما يتصورون.
        ولو أنهم افتقروا إلى الله، ورجعوا إلى الله، وتواضعوا لله، واحترموا أبناء مجتمعهم وإنسانيتهم، فسمعوا واستمعوا إلى ما يقول الكل ـ لأدركوا أن هذا التفاعل هو المهم. أما ما يصدر عن هذا التفاعل وما ينتج عنه، فهو ما يجب أن يطبقه المجتمع في حياته وفي وجوده. لذلك، نجد آيات كثيرة تحثنا على هذا التواصي بيننا وبين بعض، "وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ"[العصر 3:1].
        هكذا نفهم ديننا ونتأمل في آياته، مدركين أن هذا ما نعتقده، قد نخطئ وقد نصيب، بل أننا نخطئ ونصيب، ولكن واجبنا أن نتكلم بما نعتقد أنه الصواب، ونُنَبِّه من يسمعنا أن يتفكر فيما نقول، وألا يقبله إذا رأى فيه خطأً بالنسبة له. فنحن لا نقول صواباً مطلقاً، وإنما نقول هذا ما نعتقد، ونستغفر الله دائماً ونرجع إلى الله دائماً في كل لحظةٍ من لحظات حياتنا، وفي كل قولٍ من أقوالنا.
        نسأل الله: أن يوفقنا، وأن يرحمنا، وأن يغفر لنا، وأن يجعلنا أهلاً لرحمته، وأهلاً لحكمته، وأهلاً لعلمه ونوره ومغفرته.
        فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
       الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
       عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن علينا أن نتعلم معنى أن الله يغفر لعباده "إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء...". وتكلمنا عن معنى الشرك هنا ـ في مفهومنا ـ أن الإنسان يضع نفسه إلهاً مع الله، فيتكلم باسم الله، ولا يقبل أن يسمع من إنسانٍ آخر، وأن يتكبر على الناس بظن أنه هو الوحيد الذي يفهم ما أراد الله في أقواله وفي رسائله وفي آياته، فيجعل من نفسه طاغوتاً ومتجبراً ومتكبراً على الناس جميعاً.
       وهذا ما يجب أن يُراعِي كل إنسانٍ نفسه في ذلك، فلا يكون طاغيةً، ولا يكون جباراً، ولا يكون إلهاً، وإنما يتواضع لله، ويتواضع لخلق الله، ويتقَبَّل الآخرين ومفاهيمهم، ويتقَبَّل الاختلاف في الفهم وفي التفسير، وأن يتواصى مع إخوانه ليصل إلى ما هو أفضل وأحسن للمجتمع. إنه بذلك يكون في معنى العبودية لله، يكون أهلاً لمغفرة الله، يكون أهلاً لرحمة الله، وهذا ما نريده جميعاً أن نكون أهلاً لذلك.
       اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
       اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
       اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
       اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا .
       اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين .
        اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها   رضاك إلا قضيتها.
       اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
       يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.
_____________________

(1)            من قصيدة لعبد الغني النابلسي.


(2)            الحديث الشريف كما أخرجه مسلم هو :" إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ". الجزء الثاني هو ما قيل عن رؤية للإمام أبي الحسن الشاذلي حيث رأى الرسول صلى الله عليه وسلم .