الاثنين، 30 يوليو 2018

مقياس الذي لا يُكذّب بالدّين: هو أن يكون متعاطفًا، متآلفًا، متّصلًا بكلّ كائنات الله، وليس بخرق العادات


حديث الجمعة 
1 شوال 1439هــ الموافق 15 يونيو 2018م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
"... الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ..."[الأعراف 43].
الحمد لله، الذي جعلنا من المتأمّلين، المتفكّرين، الذّاكرين، الرّاجين وجه ربّهم، المستغفرين، الطّالبين لرحمته، وعفوه، ونعمته.
نحسب أنفسنا كذلك، ونستعين بالله أن نكون أكثر استقامةً في مفهومنا وفي إدراكنا، مستغفرينه دائمًا أن نقول زورًا، أو نغشى فجورًا، أو أن نكون به مغرورين. فنحن نطمع في رحمته، وفي عطائه الغير محدود، وفي كرمٍ بلا حدودٍ أو قيود، وفي رحمةٍ تشملنا جميعًا، وتجعلنا أكثر فهمًا، وأكثر إدراكًا، وأكثر ذكرًا، وأكثر عملًا.
جاءت لنا آيات الحقّ، لتُعرّفنا معنى الدّين، "أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ"[الماعون 1 ـ 3]، "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ، أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ"[التين 4 ـ 8]، "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ..." [آل عمران 19]، "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ..."[آل عمران 85].
إذا أخذنا هذه الآيات التي ذكر فيها لفظ الدّين، أو كلمة الدّين، وتأمّلنا في السّياق، لنعرف معنىً من معاني الدّين ـ لنا ـ لوجدنا أنّ الدّين هو ما تستريح له ضمائرنا، وما تستحسنه عقولنا، وما تطمئنّ له قلوبنا.
"أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ"، لو نظرت إلى هاتين الآيتين، ووضعت نفسك كإنسانٍ وأنت ترى يتيمًا، وترى مسكينًا، وما هو موقفك تجاهه، ما هو تفاعلك معه؟ الإنسان السّويّ، سوف يتعاطف مع هذا الإنسان الذي لا عائل له، ولا حول ولا قوّة له. وأمّا الذي لا يشفق على هذا اليتيم، ولا يتعاطف معه، ولا يحاول أن يساعده، ولا يتحرّك قلبه بأيّ عاطفةٍ تجاهه ـ هذا الإنسان، هو الذي وُصِف بأنّه "يُكَذِّبُ بِالدِّينِ".
فالدّين هنا، هو أن تجدك متعاطفًا مع اليتيم، ومع المسكين، ومع الفقير، ومع الضّعيف، ومع الصّغير، بل أنّ هذا يشمل أن تكون متعاطفًا مع كلّ كائنٍ بشريّ، كلّ كائنٍ حيّ، تشعر به، تتألّم لألمه، وتفرح لفرحه. إن كنت كذلك، فأنت لست ممن يُكذّبون بالدّين. فالدّين، هو كلّ ما هو أحسن، وأفضل، وأقوم.
فإذا جاءت الآيتان التّاليتان: "فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ"[الماعون 4، 5]، فهما تربطان بين "الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ" وبين من هو عن صلاته ساهيًا، فلو أنّه كان مقيمًا لصلاته حقًّا، لتحوّل إلى كائنٍ متعاطفٍ مع الكائنات الأخرى، أمّا إن لم يُقِم صلاته بحقٍّ، فهو من "الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ"[الماعون 6، 7]، لا يكتفي فقط بأنّه لا يتعاطف ولا يُعطي، وإنّما يحاول أن يمنع المتعاطفين.
إنّ هذه الآيات، تضع مقاييس ومعايير، يمكن للإنسان أن يقيس نفسه عليها، وهي معاييرٌ ومقاييسٌ يمكن التّعرّف عليها في حياتنا البشريّة.
قد يتساءل البعض في الطّريق، عن إن كان هناك تقدّمٌ في سلوكهم. وإذا رجعنا إلى بعض الكتب التي تتحدّث عن ذلك، فربّما نجد أنّ الكثيرين يتحدّثون عن الأحوال، وعن الكرامات، وعن خرق العادات، وهم ينتظرون ذلك، ليقولوا أنّهم قد تقدّموا، أم لم يتقدّموا. وقد يحدث للإنسان بعض خرقٍ للعادات، فإذا انقطع ذلك، ظنّ أنّه قد تراجع، أو قد لا يحدث له ذلك كليّةً، فيقول أنّه لا يستفيد من طريقه، ولا يكسب من سلوكه.
إلّا أنّ هذه الآيات، تضع لنا مقياسًا آخر، هل يرِقّ حال الإنسان؟ هل يكون الإنسان أكثر تعاطفًا مع كائنات الله وخلقه؟ هل يكون الإنسان أكثر حبًّا للآخرين؟ "لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه"(1)، هل هو فعلًا يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه؟ إنها أسئلةٌ قد تبدو بسيطة، ولكنّها في الواقع، لو سألنا أنفسنا هذه الأسئلة بحقّ، سوف نكتشف أنفسنا، ونكتشف حالنا.
فإذا نظرنا إلى الآيات الأخرى، التي تتحدّث عن الدّين أيضًا، التي ذكرناها الآن، "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ" ـ جاءت مرةً أخرى، "فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ"، سنجد أنّنا في نفس المعنى.
"فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"، فما هو الأجر الغير ممنون؟ ويسبقها "إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ"، هو أن ينعكس ذلك على تصرّفاتهم، وسلوكهم، وأحاسيسهم. يجدون أنّ ما أمرهم به الدّين، من أمورٍ تساعدهم على أن يتطوّروا ـ وهذا هو الأجر الغير ممنون.
أن يتطوّروا إلى حالٍ أفضل، بالمعايير التي تحدّثنا عنها، يصبحون أكثر تعاطفًا مع اليتيم، ومع المسكين، ومع الفقير، ومع المريض، ومع الجاهل، ويعلمون أنّ الدّين له بعدٌ آخر، وهو أن يحوّلهم ممّن يُكذّبون بالدّين، إلى أنّهم يصدّقون بالدّين. يُصدّقون، بمعنى الإيمان، وبمعنى العمل الصّالح، أنّ له تأثيرًا عليهم، أنّه يُغيّرهم.
ويُغيّرهم، ليس بأن يخرقوا العادات، أو أن يملكوا الكرامات، أو أن يشفوا المرضى، أو أن يتصوّروا أنّ دعاءهم يكون مستجابًا، فيتحقّق فورًا ـ ليس كلّ هذا هو ما يكشف عن أنّ الإنسان قد كسب من دينه، وإنّما حين يتطوّر ليكون أكثر تعاطفًا مع كائنات الله. والدّين، هو أن تكون كذلك، ومن "يُكَذِّبُ بِالدِّينِ"، هو من ليس كذلك.  
هكذا، نتأمّل في معنى الدّين ـ بالنّسبة لنا ـ لعلّنا بهذا التأمّل، نُرجِع البصر إلى داخلنا، لنحاسب أنفسنا قبل أن نُحاسَب، لننظر هل نحن فيمن "يُكَذِّبُ بِالدِّينِ"، أم أنّنا خرجنا من هذا المعنى، وأدركنا أنّ الدّين هو الأفضل والأحسن والأقوم، وهو في أن تكون متّصلًا برباطٍ روحيٍّ معنويّ مع كلّ الكائنات. هذا ما نتعلّمه من هذه الآيات.
فنسأل الله: أن نكون من المدركين لمعنى الدّين ـ بالنّسبة لنا ـ وأن نكون من الذين لا يُكذّبون بالدّين، وأن نكون في صلةٍ مع كلّ خلق الله، صلة رحمةٍ ومحبّة، صلةٌ تُمكّننا من أن ننقل كلّ خيرٍ للآخرين، وأن نستقبل كلّ خيرٍ منهم.
نسأل الله: أن يحقّق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
ما حاولنا أن نُوصّله اليوم من مفهوم: هو في معنى الآيات التي يُذكر فيها الدّين، وتناولنا آيتين: "أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ"، والآيتين الأخريين: "فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ، أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ".
الذي لا يُكذّب بالدّين، هو من يكون متعاطفًا، ومتآلفًا، ومتّصلًا بكلّ كائنات الله، وأن يتفاعل معهم تفاعلًا فيه رحمة، وفيه محبّة، وفيه تعاون، وفيه رفق ـ وأنّ ما أُمِر به الإنسان من عباداتٍ، هو لمساعدته أن يكون كذلك، وأن يُطوّر في وجوده هذا الإحساس.
وهذا مقياسٌ، يمكن للإنسان أن يستخدمه، ليعرف هل هو من المصلّين السّاهين عن صلاتهم، أو من المصلّين الغير ساهين عن صلاتهم؟ هل هو من الصائمين حقًّا، أم هو من الصّائمين بامتناعه عن الطّعام والشّراب فقط؟ هل هو في ذكره وبذكره تَغيَّر، أم أنّ ذكره لم يزده ولم يضف إليه شيئًا؟
لا ننظر إلى خرقٍ للعادات، أو إلى فعل الكرامات، وإنّما أن نتغيّر لنكون متآلفين، متحابّين، متعاطفين، معطائين، مزكّين، مساعدين، نؤدّي واجبنا ونخدم كلّ من نستطيع أن نخدمه.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون كذلك، وأن يحقّق الله لنا ذلك.
اللهم وهذا حالنا وهذا قيامنا، نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.
_______________________

(1) حديث شريف. الراوي: أنس بن مالك. المحدث: البخاري. المصدر: صحيح البخاري.

  


الهدف هو أن يرسخ في قلوبنا وعقولنا أنّ الله أقرب إلينا من حبل الوريد وأنه معنا أينما كنّا


حديث الجمعة 
23 رمضان 1439هــ الموافق 8 يونيو 2018م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
"... الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ..."[الأعراف 43].
عباد الله: [إنّ في أيّام دهركم لنفحات فتعرّضوا لها](1)، نفحات الله قائمةٌ ودائمة، تَعرُّض الإنسان لها، هي قضيّة الإنسان ـ كيف يتعرّض لهذه النّفحات.
كلّ الأديان كشفت عن كيف يتعرّض الإنسان لنفحات الله، جاءت لنا بعباداتٍ تعبّر عن إقامة هذه الصّلة، وعن كيفيّة التّعرّض لنفحات الله، كلّ العبادات، هي تعرُّضٌ لنفحات الله، كلّ المعاملات، هي تعرُّضٌ لنفحات الله.
بل أنّ الآيات التي تكلّمت عن زمانٍ أو مكانٍ، يكون الإنسان فيه أكثر عرضةً لنفحات الله، ما هي إلّا تحفيزٌ للإنسان أن يقوم صادقًا في عبادته، وأن يكون متّجهًا لربّه خالصًا له في قيامه، وأن يكون متأمّلًا في معنى المكان وفي معنى الزّمان.
فالحجّ على سبيل المثال، هو تعبيرٌ عن تحفيز الإنسان بوجوده في مكان، تحفيز عقله ليتأمّل، وتحفيز قلبه ليذكر، وتحفيز جسده ليتحرّك لهذا المكان، وليتعبّد في هذا المكان، ليعطيه ذلك قوّةً تساعده على أن يكون أكثر توجّهًا، وأكثر تفرّغًا، وأكثر فراغًا، يستقبل نفحات الله بدون حائلٍ من نفسه، وبدون حائلٍ من ظلامها، وبدون حائلٍ من غفلتها.
وليلة القدر، هي مثالٌ ـ أيضًا ـ على التّحفيز بالزّمان، فهي وإن كانت موجودةٌ في كلّ زمان، إلّا أنّ انتظارك لها في زمنٍ محدّد، أو في فترةٍ زمنيّةٍ محدّدة، هو تحفيزٌ للإنسان أن يكون أكثر ذكرًا، وأكثر توجّهًا، وأكثر إعدادًا لنفسه، ليستقبل فيوضات الله ورحماته، ولأكثر تأمّلًا في معناها. وإذا أدرك أكثر، لكان معناها كزمنٍ مستمرّ لا يتوقّف، يكون حافزًا له لأن يذكر الله أكثر، ولأن يتّجه إلى الله أكبر، ولأن يعدّ نفسه لتقبّل نفحات الله في كلّ وقتٍ وحين.  
إنّ ظاهر مفهوم أيّ آيةٍ، يكون له وقعٌ في حياة الإنسان، ولكن إذا أسرف الإنسان في تجسيده لظاهر الآية، وتصوّر أشياءً لا وجود لها، بظنّ إيمانٍ، فإنّ ذلك يُخرِجه عن أن يتقبّل ما فيها من معنىً باطنيّ، وهذا أمرٌ، يصلح لمساعدة الإنسان على أن يستقيم في فهمه لظاهر الآيات وباطنها. فظاهرها، يجعله يتذكّرها دائمًا في حياته الأرضيّة الزمنيّة، ويكون تذكّره لها، سببًا في أن يتأمّل في معناها وفي مغزاها.
فإذا تصوّر النّاس ليلة القدر، في ليلةٍ معيّنة فرديّة من العشر الأواخر من رمضان، فقد يكون ذلك تحفيزًا لهم لأن يكونوا أكثر قربًا من معنى الحقّ فيهم، وليتذكّروا أيضًا معنى ليلة القدر كليلة الوصل، وليلة الاتّصال، وليلة القرب، وليلة العفو، وليلة الرّحمة، وليلة النّور الذي هو قائمٌ، دائمٌ، متاحٌ، للإنسان في حياته على هذه الأرض، فلا يسرفوا في تجسيدها، ولا في شكلها، ولا في وقتها، ولا في علاماتها، ولا في كلّ هذه الأشياء التي يتقوّلون بها. 
إنّنا نتأمّل دائمًا، في معنى ربط هذه الليلة بشهر الصّوم، والذي نتحدّث عن معناه كثيرًا، في معنى أن يعيش الإنسان بروحه، في ألّا يتثاقل الإنسان إلى أرض ذاته، وأن يكون بقيامه وصومه أهلًا لأن يقوم في ليلة القدر.
إنّنا نذاكر بهذه المعاني دائمًا، حتّى  يرسخ في قلوبنا وفي عقولنا، أنّ الله أقرب إلينا من حبل الوريد، ومعنا أينما كنّا، ندعوه فيستجيب لنا، نطلب مغفرته فيغفر لنا، نطلب رحمته فيرحمنا، نطلب نوره فينير قلوبنا، نطلب علمه فيعلّم عقولنا، نطلب منه قوّةً تعيننا على أنفسنا فيمدّنا بقوّةٍ من قوّته.
عباد الله: "هذا الدّين القيّم أوغل فيه برفق، فإن المنبتّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى"(2)، إنّ المتسرّعين في فهم الآيات، والمجسّدين للمعاني، الذين لا يتعمّقون، ولا يتأمّلون، ولا يتدبّرون ـ هؤلاء، مثل هذا المنبت،ّ الذي لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، الذين لا يفقهون، ولا يبصرون، ولا يسمعون.
نريد أن نكون من الذين يسمعون، ويبصرون، ويفقهون، ويتعلّمون، ويتدبّرون، ويذكرون، ويعبدون، ويعملون عمَلًا صالحًا، به إلى الحقّ يتقرّبون، وحول ذكره يجتمعون، ولوجهه يقصدون.
عباد الله: نسأل الله: أن يجعلنا كذلك، وأن يجعل منّا أداة خيرٍ وسلامٍ ورحمةٍ لأنفسنا، ولمجتمعنا، ولأرضنا.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن نجعل من فهمنا الظّاهريّ لآيات الله، سببًا لنتعمّق في دلالة هذه الآيات، وألّا نقف عند ظاهر الكلمات بفهمٍ قديم، أو بفهمٍ سطحيّ، وإنّما نغوص في أعماقها.
وأنّ أيّ آياتٍ تتحدّث عن المكان أو الزمان، هي لتحفيز الإنسان ليتأمّل في دلالة المكان وفي دلالة الزّمان، وهذا ما يجعل الإنسان أكثر صدقًا، وقدرةً على أن يقوم في معنىً من معاني هذه الآيات. فإذا كان في مكانٍ، كان قيامه في هذا المكان، يحمل له الكثير من المعاني التي تقرّبه من معنى الحقّ فيه أكثر. وإذا قام في زمانٍ، حفّزه هذا الزّمان أن يكون أكثر ذكرًا، وأكثر تأمّلًا لما في هذا الزّمان من معنى.
وهذه قضيّةٌ، يمكن للإنسان أن يفهمها في كثيرٍ من الأمور الدّينيّة التّعبّديّة، بل في كثيرٍ من المعاملات المادّيّة. فكلّ عبادٍة، وكلّ معاملةٍ ـ لها شقٌّ ظاهريّ، ولها مفهومٌ باطنيّ. الشقّ الظّاهري، يحمل الرّسالة. والشقّ الباطنيّ، هو ما يجب أن تقوم فيه وأنت تؤدّي هذا الفعل الظّاهريّ. هذا الفهم، هو أداةٌ لفهم معانٍ أكثر، ولفهم أوامر في ديننا أكثر، وفهم آيات الله أكثر.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ..."[الزمر 18]، والذين لهم آذانٌ يسمعون بها، وعيونٌ يبصرون بها، وقلوبٌ يذكرون بها، وعقولٌ يتفكّرون بها، وأجسادٌ يعملون بها، أن نكون عبادًا لله صالحين، لوجهه قاصدين، ومعه متعاملين، وعنده محتسبين.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنبًا إلّا غفرته، ولا همًّا إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.
________________________
(1)           "إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها". الراوي: أبو هريرة، المحدث: العراقي – إسناده مختلف فيه.
(2)           حديث شريف أخرجه البزار عن جابر في الجامع الصغير للسيوطي ضعيف " إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى"، ويقويه حديث صحيح عن أحمد بن حنبل بلفظ :"إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق " صحيح .




الأحد، 29 يوليو 2018

إنّ التّوازن بين المطلق والمقيّد يساعد الإنسان في فهمه واستقامته، يجعله في معنى العبوديّة لله حقًّا.


حديث الجمعة
16 رمضان 1439هــ الموافق 1 يونيو 2018م
السيد/علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من الشّيطان الرّجيم، نعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، طامعين في هدايته وفي رحمته، فـ"...مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا"[الكهف 17].
عباد الله: إنّ الطّريق في الله، هو علاقةٌ بين العبد وربّه، والعلاقة بين العبد وربّه، هي علاقةٌ تبدأ من العبد في أحوالٍ، وتبدأ من الرّبّ في أحوالٍ أخرى. "...ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..."[غافر 60]، علاقةٌ تبدأ من العبد، "إبدأ بنفسك ثم بمن تعول"(1)، علاقةٌ تبدأ من العبد. "مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ"، علاقةٌ تبدأ من الرّبّ.
لذلك، ولنفهم هذا المعنى، سوف نجد أنّ الله من وراء كلّ شيءٍ بإحاطته، فهو وراء الإنسان، يساعده أن يبدأ طريقًا قويمًا، يساعده أن يدعوه، فهو من ناحية التّجريد هو وراء كلّ شيء، وبذلك، فالبدء منه، هو يساعد الإنسان أن يكون ذاكرًا، وأن يكون عابدًا، وأن يكون مجاهدًا. أما من جانب التّقييد، فالإنسان هو الذي يبدأ، ما نراه نحن هو بدؤنا، هو عملنا، نرى عبادتنا، معاملاتنا.
لذلك، حين نتأمّل في أنّ "مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا"، تأمُّلنا فيها، أنّه القانون المجرّد؛ لأنّه في الواقع، أنت لا تستطيع أن تقول أنّ الله قد أضلّ فلانًا، فالله لا يُرَى.
إنّك تستطيع أن تقول أنّ إنسانًا هدى إنسانًا، أو أضلّ إنسانًا؛ لأنّك ترى الهادي والمهتدي، وترى المُضِلّ والضّالّ، ولكنك لا تستطيع أن تقول ذلك مع الله، وإنّما تؤمن بأنّ ما يحدث على الأرض، وراءه الله في كلّ الأحوال، في كلّ صورةٍ، وفي كلّ شكل. ولكنّ هذا لا يمنعك من أن تتصرّف في قائمك، بما تراه أنت، وبما تفهمه أنت، من معنى الهداية والضّلال.
وهذه قضيّةٌ، كثيرًا ما نذكرها؛ لأنّ الخلط بين فهمك المجرّد وبين واقعك المقيّد، يسبّب بلبلةً، ويسبّب تشويشًا على رؤيتك لما هو قائمٌ من الحقّ.
ولذلك، نجد في أمورٍ كثيرة، أنّ ما أعطاك الله من قدرةٍ على التأمّل والتفكّر والتدبّر في واقعك، وعلى التّمييز بين ما تقبله وما لا تقبله، هو الواقع الذي يجب أن تقف وتستند إليه.
ونجد أنّ النّاس في عصورٍ كثيرة، اختلفوا بسبب فهمٍ مطلق، أرادوا تقييده، أو حالٍ مقيّد، أرادوا تعميمه. وقد اختلفوا كثيرًا على الآيات التي تصف الله، "...يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ..."[الفتح 10]، ماذا تعني؟ هناك من يريد أن يجسّد الله، وأن يجعل هذا المعنى المطلق، معنىً مقيّدًا، يفهمه بصورةٍ مجسّدة، ويختلفون في التّجسيد وفي التّصوير، مع أنّه يكفي أن نُكبِر الله عن أيّ صورةٍ، ولا ندخل في أمورٍ غيبيّة، بمحاولة تقييدها وتجسيدها.
وكذلك، الأمور المقيّدة التي تخصّ حياتنا الأرضيّة، فقد جاءت آياتٌ وأحاديثٌ تتحدّث عن واقعٍ معيّن، وعن حكمٍ معيّن، ولم يكن هذا الحديث إلّا مثالًا لتطبيقٍ لمقصدٍ عامّ، فجعل البعض من هذا التّقييد وهذا المثال، قانونًا عامًّا.
وهذا، ما نعاني منه إلى الآن، في الذين يطلقون أنّنا نريد أن نحكم بما أنزل الله، ويتصوّرون هذا الحكم في صورٍ شكليّةٍ محدّدة، مع أنّ آيات الله توضّح لنا، أنّ هذه الأمور مرجعها إلى الأمّة، "وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ..."[آل عمران 104]، وتوضّح لنا الآيات، المقاصد الكليّة: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ..."[النحل 90].
طالما أنّ أيّ تطبيقٍ على الأرض، يلتزم بهذه المقاصد، فإنّه حكم الله. فمحاولة تعميم المثال، وإطلاق المقيّد، سبّب مشاكلَ كثيرة للبيئات والمجتمعات التي تدّعي انتماءها إلى الإسلام.
وهذا ليس في الإسلام فقط، وإنّما أيضًا في الدّيانات الأخرى، في أمورٍ كثيرة، ولا نريد أن نتطرّق إلى أمورٍ بذاتها، فكلٌّ يستطيع أن يجد مثل هذه الأمور، وقد ضربنا مثلًا فيما نقوله، من مفاهيمٍ في المعاني المطلقة عن الذّات الإلهية، وعن المعاني المقيّدة في الأحكام الأرضيّة المادّيّة.
عباد الله: إنّ ما نحاول أن نقدّمه في طريقنا، هو تأمّلٌ فيما حدث في تاريخنا، بأن نرجع إلى أصولنا، وأن نقرأ آيات الله لنا، قراءةً واقعيّةً، تُرينا الحقّ حقًّا، وتُرينا الباطل باطلًا، بمنظورٍ إنسانيّ فطريّ، نجتمع عليه جميعًا، محاولين أن نُصلِح مجتمعنا، وأن نُصلِح بيئتنا. هي محاولةٌ، وهي اجتهادٌ، وقد أُمِرنا أن نحاول، وأن نجتهد، وأنّ [من اجتهد فأخطأ فله أجر](2).
ودائمًا، الإنسان سيكون كذلك؛ لأنّ أيّ صوابٍ، حتّى يراه الإنسان، هو خطأٌ برؤيةٍ أعمق. لذلك، فتطبيق هذا الحديث في شقّه الأوّل، هو القائم في حياة البشر، [من اجتهد فأخطأ فله أجر](3)، تشجيعٌ على أن يحاول الإنسان، وأن يجتهد الإنسان، وأن يتأمّل الإنسان، وهذا دوره في الحياة.
عباد الله: نسأل الله: أن يساعدنا أن نكون أداة خيرٍ وسلامٍ ورحمة لنا، ولبلدنا، ولأرضنا.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم، وما نكرّره دائمًا: أنّ إدراك ما هو مطلقٌ كمطلقٍ، وما هو مقيّدٌ كمقيّدٍ، يساعدنا كثيرًا في فهم أمورٍ قد تلتبس علينا، سواء في علاقتنا بربّنا، أو علاقة ربّنا بنا، وسواء في مفهوم تطبيقاتٍ على أرضنا، أو في التّسليم بغيبياتٍ، دون أن ندخل في تفاصيلها وتجسيدها.
إنّ هذا التّوازن بين المطلق والمقيّد، بين الغيب والشّهادة، يساعد الإنسان كثيرًا، في فهمه وفي استقامته، في حياته وفي طريقه، في سلوكه ومجاهدته، في ذكره وتأمّله وتدبّره، يجعله في معنى العبوديّة لله حقًّا.
نسأل الله: أن يجعلنا عبادًا له حقًّا، وأن يجمعنا على ذكره دائمًا، وأن يوفّقنا في طريقنا، وفي ذكرنا، وفي حياتنا.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنبًا إلّا غفرته، ولا همًّا إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا. 
___________________________________
(1)     حديث شريف، الراوي: جابر بن عبدالله، المحدث: الألباني، خلاصة حكم المحدث: صحيح.
(2) ، (3) حديث شريف نصه: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" المحدث: ابن تيمية .



الطّريق في الله لا نهاية له، والطّريق يبدأ من صحوة الإنسان وإعماله لقدراته التي أعطاها الله له.


حديث الجمعة 
9 رمضان 1439هــ الموافق 25 مايو 2018م
السيد/علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
عباد الله: تدبّروا آيات الله، واذكروا الله كثيرًا، وسبّحوه بكرةً وأصيلا، حتّى يتبيّن لكم طريق الحقّ، وطريق الحياة. وهذا ما قام به عباد الله في قديمٍ، وما يقومون به في حاضرٍ، وما سيقومون به في مستقبل.
إنّه الذّكر الدّائم، والتفكّر الدّائم، وإدراك معنى الحياة، من داخل الإنسان، ونتيجةً لذكره وتأمّله. فالطّريق، يبدأ من صحوة الإنسان، ومن إعماله لقدراته التي أعطاها الله له. فإذا نظرنا إلى سيرة الرّسل، والأنبياء، وعباد الله الصالحين ـ نجدهم جميعًا قد بدأوا بذلك.
فإبراهيم ـ عليه السّلام ـ تفكّر في معنى وجوده، وسبب وجوده، وما وراء هذا الوجود. ومحمّدٌ ـ عليه الصّلاة والسّلام ـ رفض حال قومه، ونأى بنفسه أن يكون مثلهم، واختلى ذاكرًا ربّه، مدركًا أنّ هناك قوّةً وراء هذا الكون.
وعباد الله بعد ذلك، وجدوا قومهم وبيئتهم تتحدّث عن الدّين كشكلٍ وصورة، فأعملوا عقولهم، وذكروا بقلوبهم، وتأمّلوا فيما يقوله النّاس حولهم، وأيضًا نأوْا بأنفسهم عن أن يكونوا مثل النّاس حولهم، ولجأوا إلى الله، ذكروا بقلوبهم، وتأمّلوا بعقولهم، فأدركوا ما لم يدركه النّاس، وأكبروا الله في قلوبهم، وفي عقولهم، وفي نفوسهم، عن أيّ صورةٍ أو شكل.
والآيات، توضّح هذه المعاني، حين تتكلّم عن: "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ..."[آل عمران 191]، سيصلون إلى نتيجةٍ: "... رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا ..."[آل عمران 191].
وهذه هي البداية، لينطلق الإنسان في رحلة الحياة، "رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا"، قد وجد الإنسان بذلك سببًا لوجوده، وإن كان لا يعرفه بشكلٍ محدّد، وإنّما يكفيه أن يدرك أنّه ما خُلِق باطلًا، يكفيه أن يدرك أنّ هناك هدفًا من خِلْقته، وهدفًا من وجوده.
"يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ"[الانفطار 6 ـ 8]، يتأمّل في هذه الآية، فيعرف أنّ له صورًا كثيرة، وأنّه كان في حالٍ، وهو الآن في حالٍ، وسيكون غدًا في حالٍ آخر، وفي صورةٍ أخرى.
يتأمّل في آيةٍ وآيةٍ وآية، عمّا يجب أن يفعله على هذه الأرض، وهو لا يعرف تمامًا ما سيكون عليه، فتخبره الآيات عمّا يجب عليه أن يفعل، "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ..."[العنكبوت 20]، "وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ..."[التوبة 105]، "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"[الذاريات 56].
فالذّكر والتأمّل يجعل الإنسان يشعر أنّ له قضيّة، وإدراكه لذلك، يؤدّي به أن يُعمِل كلّ طاقاته التي وهبه الله إيّاها، لِمَا يرى أنّه الخير على هذه الأرض. وكلمة طريق، تعبيرٌ جيّدٌ عن هذا الحال، فأنت حين تريد أن تقصد مكانًا ولكنّك لم تره من قبل، وإنّما عرفت الطّريق إليه، لا يمكنك أن تسأل: أنّي أريد أن أرى وأكون في المكان الذي أقصده، قبل أن أسير إليه. وإنّما أنت تسير في الطّريق، وأنت تهدف أن تصل إلى مقصدك.
والحياة، هي الطّريق، ووجود الإنسان على هذه الأرض، هو الطّريق. والطّريق سوف يؤدّي بك إلى ما ستكون عليه، وإلى ما ستصبح عليه. 
هكذا، نتعلّم من آيات الله لنا، وممّن سبقونا في هذا المجال، وهم يتحدّثون عن الطّريق والسّلوك، وأنّ الإنسان عليه أن يدرك، أنّ محاولته ليجسّد هدفًا يصل إليه، منشغلًا عن الهدف الأكبر، الذي هو غيبٌ عليه ـ هو ما يعطّله ويُخرِجه عن الطّريق القويم.
فقد يرى بعض الطّالبين، أنّهم إذا وصلوا إلى رضاءٍ كاملٍ، وتسليمٍ كامل، فهذه هي نهاية الطّريق. ولذلك، هم في دائم شكوى من حرّ الاختيار والتّدبير، وضعوا تصوُّرا أنّهم سيكونون قد حقّقوا هدفهم، إذا وصلوا إلى برد الرّضا والتّسليم.
ولذلك، قال الشّيخ لمريديه: [إنّي أشكو من برد الرّضا والتّسليم، كما تشكون أنتم من حرّ الاختيار والتّدبير، فتساءلوا: كيف يكون ذلك؟ فقال: أخشى أن تشغلني حلاوتهما عن ذكر الله](1)، وذكر الله، هو ذكر الغيب، هو ذكر من "...لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..."[الشورى 11]، وأنّ هدفك ومقصودك، لا تستطيع أن تُصوِّره أو أن تجسّده، كما أنّك لا تستطيع أن تجسّد وتصوّر الله.  
فلتكون في الطّريق، فإنّك تطلب ـ دائمًا ـ الغيب، وتنشغل بسيرك، وبخطواتك، وبما تقوم به، وبما تفعله وتعمله، "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ"[الفاتحة 6، 7]. إنّه الطّريق الدّائم، الذي ينشغل الإنسان فيه بلحظته، وأن يكون في عملٍ يراه صالحًا، ويحسبه كذلك. هكذا، نتعلّم كيف نكون في الطّريق، وكيف نكون على الصّراط المستقيم.
عباد الله: إنّنا في هذا الشّهر الكريم، يمكننا أن نجعل منه بدايةً لطريقٍ مستقيم، وإن كنّا ندرك ـ دائمًا ـ أنّنا يمكننا ذلك في كلّ وقتٍ وحين، إلّا أنّ ما هيّأ الله لنا في هذا الشّهر ـ كرمزٍ ـ لأن يعيش الإنسان بروحه ومعناه، فيمكننا أن نركّز همّتنا أن نكون كذلك، وأن نحقّق ذلك.
إنّ وجودنا المقيّد، في بعض الأحيان، يحتاج أن يضع هدفًا زمنيًّا، بتوقيتٍ زمنيّ ليحقّقه، وعبادة الصّوم في هذا الشّهر، هي مساعدةٌ للإنسان بقيامه الماديّ المقيّد، والذي يريد وقتًا محدّدًا يؤدّي فيه عملًا، وبذلك، يمكن أن نستفيد من ذلك، بأن نركّز في هذا الشّهر، في التأمّل والتفكّر والتّدبّر، وفي أن نذكر الله كثيرًا، بقدر استطاعتنا. نريد أن نخرج من هذا الشّهر، وقد أضفنا إلى وجودنا الرّوحيّ والمعنويّ، طاقةً تساعدنا فيما بعد هذا الشّهر.
وإن كنّا يجب أن نكون كذلك دائمًا، في هذا الشّهر وما بعده، إلّا أنّنا نَعلَم نفوسنا، وظلام نفوسنا، وتعجُّل أمرنا، "إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا"[المعارج 19 ـ 21]، يمكن أن نحاول في هذا الوقت القصير، الذي نعيشه في هذا الشّهر، أن نحقّق هدفًا يساعدنا بعد ذلك.
وكلّ الأهداف الكِبار، تأتي من تحقيق أهدافٍ صغرى، تكمّل بعضها بعضا، حتّى يصل الإنسان إلى مرتبةٍ أفضل، تُمَكّنه من أن يسير إلى الأفضل، والأفضل، وهكذا، في طريقٍ لا نهائيّ، يرتقي فيه الإنسان في الله، في "... اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ"[المعارج 3].
نسأل الله: أن يساعدنا على ذلك، وأن يحقّق لنا ذلك، وأن يجمعنا دائمًا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام  على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أنّ الطّريق في الله لا نهاية له، وأنّ هدف الإنسان هو غيبٌ عليه، إنّما هو يدرك بتأمّله وتفكّره وتدبّره في آيات الله حوله، يدرك معنى: "رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا"، ويدرك ـ أيضّا ـ أنّ نفسه ربّما تصوّر له العكس، بأنّ ليس هناك هدفٌ سيصل إليه، فلذلك يقول: "... فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"[آل عمران 191].
هذا الإدراك، الذي هو بداية الطّريق، يجعله يبحث عمّا يجب أن يفعله في حياته، فيدرك أنّ عليه أن يُفعِّل كلّ طاقاته، فيما هو ظاهرٌ له، ليتعلّم منه، "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ"، وأنّه سوف يظلّ كذلك، يتحرّك من حالٍ إلى حال، ومن مقامٍ إلى مقام.
فإذا وصل إلى مقامٍ، عليه أن يذكّر نفسه أنّ هناك أعلى، وأنّ هذه هي مرحلةٌ سيمرّ بها، ولكن هناك ما هو أعلى وأفضل، فلا يتوقّف عن السّير، وعن العمل، وعن العبادة، وعن الذّكر، وعن التأمّل والتّدبّر ـ إنّما يواصل مسيرته.
وعليه أن يُعمِل ويُطوِّر من نفسه، مستخدمًا ما يسّر الله له من عباداتٍ ومناسك، ليجعل منها أداةً تُحرِّكه إلى الأمام، وتنقله من حالٍ إلى حال، فتكون نيّته في كلّ عباداته، هي أن يُفعِّلها لتغيّره.
وشهر الصّوم كمثالٍ لذلك، هو أداةٌ، لو صامه الإنسان حقًّا، وذكّر نفسه دائمًا بمعنى الصّوم ـ لأدّى ذلك إلى تغييرٍ في داخله، وفي فهمه، وفي متطلباته ـ يغيّره من حالٍ إلى حال. يكون هذا رجاؤه، ويكون هذا طلبه، ويدعو الله أن يحقّق له ذلك، وأن يساعده على ذلك، ويكون أمله في الله كبير، أن يحدث هذا التّحقّق في وجوده، وفي قيامه.
عباد الله: نسأل الله: أن يحقّق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنًبا إلّا غفرته، ولا همّا إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.
________________________________

(1) في حوار بين الشيخ إبن مشيش وتلميذه أبي الحسن الشاذلي: "قال العارف الشاذلي ترددت هل ألزم القفار للطاعة والأذكار أو أرجع إلى الديار لصحبة الأخيار فوُصِف لي شيخ برأس جبل فوصلت لغاره ليلا فبت ببابه فسمعته يقول اللهم إن قوما سألوك أن تسخر لهم خلقك ففعلت فرضوا وأنا أسألك عني اعوجاج الخلق حتى لا يكون لي ملجأ إلا أنت، فقلت يا نفس انظري من أي بحر يغترف هذا الشيخ فأصبحت فدخلت عليه فأرهبت من هيبته فقلت كيف حالكم، فقال إني أشكو إلى الله من برد الرضا والتسليم كما تشكو من حر التدبير والاختيار، فقلت أما شكواي من حرهما فذقته وأما شكواي من بردهما فلماذا؟ قال أخاف أن تشغلني حلاوتهما عن الله تعالى…". من كتاب فيض القدير بشرح الجامع الصغير لمؤلفه عبد الرؤوف المناوي.



الدّعوة إلى الله كما تحمل معنى الغيب الغير مدرك، فإنّها تحمل أيضًا التّعامل مع الشّهادة المدركة.


حديث الجمعة 
2 رمضان 1439هــ الموافق 18 مايو 2018م
السيد/علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
الحمد لله، الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.
الحمد لله، الذي جعل لنا بيننا حديثًا متّصلًا، نتواصى فيه بالحقّ والصّبر بيننا، نتدبّر آيات الله لنا، ونحاول أن نكون صادقين في تأمّلنا، مدركين أنّ "... وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ"[يوسف 76]، وأنّ المقصود في النّهاية، ليس أن نصل إلى حقيقةٍ مطلقة، وإنّما أن نحاول، وأن نجتهد، وأن نجاهد، وأن نعمل، وأن نذكر، وأن نتأمّل ونتدبّر.
إدراكنا، أنّنا مهما علمنا، فعلمنا محدود، وأنّنا مهما عرفنا، فمعرفتنا قابلةٌ للخطأ والصّواب، بل في الواقع، فليس هناك خطأٌ أو صواب، إنّما هناك محاولةٌ لأن يقوم الإنسان فيما يرى هو، أنّه الأفضل والأحسن والأقوم، "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..."[العنكبوت 46]، ، و "... تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ..."[آل عمران 64].
      فالدّعوة هنا، إلى المحاولة للبحث عمّا هو أفضل في حياتنا، وتلك هي معرفة الله، وهي الدّعوة إلى الله، "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ"[فصلت 33]. الدّعوة إلى الله، لها وجهان، وجهٌ غيبيّ، ووجهٌ مشهود.
الوجه الغيبيّ، هو أن تعرف أنّك لا تستطيع أن تعرف الله، فهو غيبٌ، ولا نحيط بشيءٍ من علمه إلّا بما شاء، ويوم نحيط بشيءٍ من علمه، يصبح هذا الشّيء هو المشهود، هو ما نستطيع أن نراه بوجودنا المادّيّ.
فالدّعوة إلى الله، كما تحمل معنى الغيب الغير مدرك، فإنّها تحمل أيضًا التّعامل مع الشّهادة المدركة، وهذا هو الأمر الوسط، وهذه هي الصّلاة الوسطى، وهذه هي الدّعوة إلى الحضرتين بالحضرتين، حضرة الغيب، وحضرة الشّهادة.
لذلك، نجد في الآيات اللّاحقة لـ "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ"، توجيهٌ إلى ما يجب أن يقوم فيه الإنسان على هذه الأرض، توجيهٌ يستطيع كلّ إنسانٍ أن يلمسه، "وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ"[فصلت 34]، كلّ إنسانٍ يستطيع أن يميّز بين الحسنة والسّيئة بعقله، وبقلبه، وبإدراكه لعلاقاته مع من يحيطون به.
وهنا، نحن نتحدّث عن الشّهادة، في الشّهادة، أنت تعلم الحسنة والسّيئة بالنّسبة لك، وبالنّسبة لإدراكك، لا نقول بالمطلق، فأنت لا تستطيع أن تعلم المطلق. الحسنة والسّيئة هنا، هما بالنّسبة للإنسان، ولما يرى الإنسان أنّه الأحسن أو الأسوأ.
"ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"[فصلت 34]، إفعل ما ترى أنّه الأحسن، وما ترى أنه الأقوم. وهنا، مثلٌ ضمنيّ في علاقتك بالآخرين، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ"[فصلت 34]، فالأحسن هنا، الذي تراه بحقّ، هو أن تضع نفسك في موضعٍ لا تنحاز فيه لنفسك، ولا تنحاز فيه لمصلحتك، وإنّما تنحاز فيه إلى مصلحة الآخر، وإلى رؤيته، وإذا كنت تستطيع أن تساعده في ذلك.
لا تجابه العنف بالعنف، وإنّما تجابهه بفهم علاقتك بالآخرين، وهذا هو معنى التّسامح، ومعنى التّراحم. لا تجعل الغضب يستولي عليك، وإنّما أنظر إلى الأحسن في هذا الموقف، تفهّم الرّؤية الأخرى والنّظرة الأخرى، فقد يُعميك الغضب والنّفس الأمّارة بالسّوء، عن أن ترى حقّ الآخر لديك.
فالأحسن، أن تحاول ألّا تقع في أن تظلم إنسانًا، أو أن تؤذي إنسانًا، هذا هو الأحسن والأفضل والأقوم، وليس الأحسن أن تأخذ من إنسانٍ ما ليس من حقّك، ولا تبرّر لنفسك ذلك، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ"[فصلت 34].
نيّتك، أنّك تريد أن تصل إلى ما يرضيك ويرضيه، دون ظلمٍ، ودون غبنٍ، ودون استخدامٍ لقوّةٍ، وإنّما أن يكون هناك تراضٍ بينك وبينه، إنّ هذه النيّة منك، ترسل رسالة تسامحٍ إلى الآخر، وتجعله يتفاهم ويتعامل معك بحقّ.
إنّ الآيات، توضّح لنا ما في النّفس البشريّة من أسرار، مقدرتك على فعل ذلك، أن تتوازن بين إيمانك بالغيب وإيمانك بالشّهادة. والبحث عن الأحسن دائمًا فيما أنت قائمٌ فيه، يحتاج منك إلى مثابرةٍ، وإلى مجاهدةٍ، وإلى صبرٍ جميل، "وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا"، يُلقَّى هذا الحال، هذا القيام، "وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ"[فصلت 35].
وهنا، حين نتأمّل في معنى ذي حظٍ عظيم، سوف نجد هنا، هذا التّعبير يشير إلى أهليّة الإنسان لرحمة الله، فرحمة الله وتوفيقه، هي الحظّ العظيم. لذلك قال القوم: [العناية صدف]، أن يكون الإنسان أهلًا لرحمة الله، هو أمرٌ لا يستطيع الإنسان أن يحدّده بمعايير، وإنّما يستطيع أن يحاول أن يكون أهلًا لذلك.
أمّا أن يتلقّى هذا المعنى العظيم، فهذه رحمة الله وعنايته ومشيئته، لا يستطيع الإنسان أن يحدّدها، لا يستطيع أن يقول أنّني فعلت كلّ شيءٍ، فواجبٌ على الله أن يرحمني، لا يستطيع أن يقول ذلك؛ لأنّ هذا يتعارض مع الشقّ الأول، وهو أنّنا لا نستطيع أن نعرف مشيئة الله، ولا أن نعرف تقدير الله، ولا أن نعرف حكمة الله.
فالإنسان، عليه أن يحاول أن يكون أهلًا لرحمة الله، ويأمل في ذلك، ويدعو بذلك، ولكن لا يستطيع أن يقرّر ذلك، أو أن يحدّد ذلك، أو أن يضع شكلًا لذلك.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون من الذين يدعون إلى الله، وأن يكون هذا هو أحسن قولنا، وأن نعمل صالِحًا، وأن نسير في طريق الحقّ والحياة، وأن نتفهّم آيات الله.
عباد الله: نسأل الله: أن يحقّق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو تأمّلٌ في معنى الدّعوة إلى الله، في معنى الآية: "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ"، وأن نكون من الذين يدعون إلى الله، بقدر مفهومنا، وبقدر إدراكنا.
نحاول دائمًا، أن نميّز بين ما نراه من أحسنٍ وسيّئ، وأن نرجع إلى قلوبنا وعقولنا، لتقدير ذلك فيما يحيط بنا، وأن تكون اختياراتنا، أن ندفع بالتي هي أحسن. وأن نذكر الله كثيرًا بقلوبنا، حتّى نستطيع أن نميّز. وأن نتأمّل بعقولنا كثيرًا في كلّ أمرٍ، حتّى نستطيع أن نفرّق. وأن نرجع إلى ضمائرنا كثيرًا، حتّى يتبين لنا الحسن من السّيئ.
وإذا اخترنا، اخترنا الحسن مهما كانت تداعياته، ورفضنا السّيئ مهما كان ظنّنا في مكاسبٍ قد نحصل عليها منه. إنّها محاسبة النّفس ومراقبتها، إنّه السّلوك في طريق الله، إنّه كسب الحياة. فإذا أردنا أن نكسب الحياة، فعلينا أن نحاول أن نكون كذلك، لنكسب حياتنا بأن نكون أهلًا لرحمة الله.
وكسبنا، هو أملٌ ورجاء لا نقدّره نحن، وإنّما يقدّره الله، و "... اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ..."[الأنعام 124]، وحيث يضع رحمته، كلّ ما نستطيع أن نفعله في حياتنا، أن نحاول بقدر علمنا، وأن نذكر بقلوبنا، وأن نعمل بأجسادنا كلّ ما نرى فيه الخير، ونرى فيه الصّلاح والفلاح.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنبًا إلّا غفرته، ولا همًّا إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.