الأربعاء، 26 فبراير 2020

الإنسان باستعداده الفطريّ، وبمحاولته الدَّائمة لأن يتَّجه إلى الغيب، هو الطَّريق الوحيد الذي يهدي الإنسان إلى الحياة


حديث الجمعة
 27جماد الثاني 1441هـ الموافق 21 فبراير 2020م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به أن نقول زورا، أو نغشى فجورا، أو أن نكون به مغرورين. نتَّجه إليه أن يوفِّقنا لما يُحيينا، ولما يُخرجنا من الظُّلمات إلى النُّور، وأن نتفكَّر ونتأمَّل في آياته لنا، فيما ينفعنا، وفيما يُصلِحنا، وفيما يجعلنا في طريقه سالكين وعارجين.
فالإنسان وصلاحه هو بداية الطَّريق، البدء من الإنسان، والصَّلاح من الإنسان، وصلاح الإنسان أساسه الدُّعاء، والرَّجاء، والذِّكر، حتَّى يستطيع أن يتقبَّل آيات الله، وأن يكون أهلًا لاستقبالها، وأهلًا لفهمها وإدراكها، وأهلًا للتَّمييز بين ما هو خيرٌ وما هو شرّ، بين ما هو حقٌّ وما هو باطل.
لذلك، نجد دائمًا في بدايات أيِّ رسالة، أنَّ السَّالك والطَّالب يبدأ بنفسه، يبدأ مفكِّرًا، يبدأ متسائلًا، ومن خلال تساؤله يدرك أنَّ الهداية من الله، وأن التَّوفيق من الله قبل أيِّ شيء، فهداية الله للإنسان فوق أيِّ صورة، وفوق أيِّ وسيلة، وفوق أيِّ دعوة، لذلك نقرأ الآية: "مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا".
"يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً"، وكثيرًا ما نذاكر في هذه الآية؛ لأنَّ كثيرًا من النَّاس يتساءلون: وكيف يكون ذلك؟ ويعتقدون أنَّهم إن لم يفهموا ذلك فهناك خطأٌ ما، فإنَّهم يتطاولون في بعض الأحيان، ويريدون أن يُصحِّحوا ما جاءت به الآيات، مع أنَّ الواقع يؤكِّد على أنَّ الآيات تهدي كثيرين، ويُضِلُّ بسوء فهمها كثيرين، ومنها هذه الآية نفسها.
بل أنَّنا في أحداث الحياة، وفي فهم بعض المغالين لآيات الله، نجد هذا المعنى أيضًا، فيفسِّرون آيات الله بشكلٍ لا يقبله الإنسان الصَّالح، فيقتلون ويعتدون بظنِّ إيمان، وبظنِّ أنَّهم يُطبِّقون آيات الله.
ولذلك، نرجع إلى ما بدأنا به الحديث لنُوضِّح أنَّ الإنسان باستعداده الفطريّ، وبمحاولته الدَّائمة لأن يتَّجه إلى الغيب طالبًا داعيًا أن يوفِّقه أن يكون أهلًا لاستقبال المعاني، ولأن يفهمها، ولأن يقوم فيها ـ هو أمرٌ أساسيّ، وهو الطَّريق الوحيد الذي يهدي الإنسان إلى الحياة، وإلى أن يكون عبدًا لله، ونفهم بهذا معنى الآية: "مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا".
فقبل أن يخوض الإنسان في أيِّ قضيَّة عليه أوَّلًا أن يُعِدَّ نفسه لها بالذِّكر، وبالدُّعاء، وبالطَّلب، وهذا ما يؤهِّله لأن يستقبل ما فيها من حقيقة. وهناك أمثلةٌ كثيرة، فيما يفهمه النَّاس من آيات الله ومن سُنَّة رسول الله، ما يُؤدِّي بهم إلى اتِّخاذ موقفٍ معيَّن لا يقبله آخرون؛ لأنَّه يتعارض مع ما هم له أهل، وما صاروا إليه من دعاءٍ، وطلبٍ، ورجاء.
فإذا نظرنا إلى سيرة الإنسان على هذه الأرض في مراحلها المختلفة، نجد الإنسان وهو ينتقل من حالٍ إلى حال، ومن مرحلةٍ إلى مرحلة، فقد يكون في ظلامٍ وفي غفلةٍ عن حقيقته وعن معنى وجوده، وقد يفيق إلى أنَّه يريد أن يُغيِّر هذا الحال الذي هو عليه، فهو في غفلته ربَّما يكون قد قصَّر في حقِّ هذا الوجود، فلم يُدرِّب نفسه ولم يجاهدها، فلم يَدعُ ربَّه، ولم يجاهد نفسه.
ثم حدثت له إفاقة، فاتَّجه إلى ربِّه، وجاهد نفسه، وسأل قومه: ماذا أفعل في هذا الحال؟ كيف أُصحِّح ما كان في الماضي؟ فيقول له بعض النَّاس أنَّ ما فاتك من صلاةٍ ومن صومٍ عليك أن تُعوِّضهما، بل أنَّ ما فاتك من صومٍ لا يمكن أن تُعوِّضه، ويستندون في ذلك إلى قراءةٍ لحديثٍ بمعنى أنَّ من أفطر يومًا من رمضان بدون عذرٍ فلن يُعوِّضه صوم الدَّهر كلِّه(1).
حين يُعرَض هذا على الإنسان الذي دعا ربَّه، وأفاق إلى حقيقته، لا يرى في هذا القول قولًا تقبله هذه الفطرة، فهو يريد أن يبدأ من جديد، إنَّه مولودٌ جديد، فيجد معنى: "التَّائب من الذَّنب كمن لا ذنب له"، وأنّه كمولودٍ جديد، بل يجد في أقوال البعض أيضًا في فهمهم لحالته أنَّه عليه أن يبدأ من جديد، وما فات فات، وليُخلِص فيما هو آت، وليدعُ الله دائمًا فيصلِّي، ويجاهد نفسه دائمًا فيصوم، وليكن مدركًا لحقيقة أمره، ولمعنى وجوده من أنَّ كلَّ ذلك لأن يصلح ويفلح، وأنَّ كلَّ ما فات طالما قد وصل به إلى أنَّه غيَّر نفسه، وأصلح حاله، وأدرك حقيقته، فهو في معنى: إتبع السَّيِّئة بالحسنة تمحها(2).
هذا الفهم موجود، والفهم المُتشدِّد موجود بظنِّ إيمان، والفهم المُتسامح موجود بظنِّ طلبٍ ورجاء ومغفرةٍ وتوبة، أنا عند ظنِّ عبدي بي إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرٌّ (3).
هذا مُجرَّد مثالٍ على أنَّ أهليَّة الإنسان هي التي تُحدِّد الطَّريق الذي يتَّخذه، وأنَّه بذلك ينجو في حياته، ويختار طريقه الذي يُحييه، أو أنَّه يختار طريقه الذي يُميته، كلُّ ذلك يكون بما هو له أهل، وما هو له أهل يجيء باتِّجاهه بقلبه وبعقله وبوجوده لله، بدون أن يسمع من الآخرين، وبدون أن يتأثَّر بأيِّ شيء وبأيِّ فهم، عليه أن يبدأ بنفسه فردًا، يبدأ بنفسه آدمًا، يبدأ بنفسه إنسانًا، يبدأ بنفسه عبدًا، يبدأ بنفسه داعيًا طالبًا.
فالبدء يكون كذلك، يكون من رغبة الإنسان نفسه، من إحساسه بضعفه، ومن إحساسه بافتقاره، لن يُغيِّر إنسانٌ إنسانًا، قد يساعد إنسانٌ إنسانًا، وقد يجد إنسانٌ ما يطلبه في إنسانٍ يرسله الله له، ولكن البداية دائمًا تكون من رغبةٍ صادقةٍ في كلِّ فرد لأن يبدأ طريقه، لأنَّه بذلك سوف يستطيع أن يُميِّز بين الخير والشرِّ، بين الطَّيِّب والخبيث، الذي ينفعه والذي يضرُّه.
أمَّا إذا لم يكن مُعَدًّا لذلك، وبدأ في الاستماع لما يُقال هنا وهناك، فسوف يكون حائرًا ضالًّا، لا يعرف طريقه، ولن يجد أمامه إلَّا أن يرجع إلى بداية الطَّريق ليبدأ بدءًا صحيحًا، وهو أن يتَّجه إلى الله، وأن يذكر الله، يصل إلى كلِّ ما وصل إليه الصَّالحون، والأنبياء، والرُّسل، "لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ" "وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى"، ووجدك قبل ذلك "يَتِيمًا فَآوَى".
إنَّه تعبيرٌ عن الإنسان في بدئه، ومُحمَّدٌ ـ رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ـ كان مثالًا لذلك، "أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى". وكما نذاكر دائمًا أنَّ اقتداءنا برسول الله قبل البعثة هو الطَّريق إلى الصَّلاح والفلاح؛ لأنَّ كلَّ إنسانٍ على هذه الأرض هو يتيمٌ، وهو ضالٌّ وهو عائلٌ لا يعرف كيف يَعول من يَعوله، ولا أن يَعول نفسه، وعليه أن يتَّجه إلى الله ليستقبل رسائل الله، فيخرجه الله مما هو فيه، إلى ما هو أفضل وأحسن وأقوم، فيستقبل رسائله، ويستقبل رحماته، ويستقبل هديه.
"آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ".
عباد الله: نسأل الله: أن نبدأ دائمًا بدايةً صحيحة، ونحن نستطيع أن نبدأ في كلِّ يوم، بل في كلِّ لحظة، بأن نرجع إلى قلوبنا، وأن نرجع إلى عقولنا، وأن نتَّجه إلى ربِّنا، وأن نسأله عونًا، وأن نسأله رحمةً، وأن نسأله فضلًا، وأن نسأله كرمًا، وأن نسأله علمًا، وأن نسأله هدايةً، هكذا نكون عبادًا لله صالحين.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نُوضِّحه اليوم: أنَّ البداية من الإنسان، وأنَّ عليه أن يبدأ بأن يتَّجه إلى الغيب، يسأله هدايةً، ويسأله توفيقًا، ويسأله صلاحًا وإصلاحًا، يسأله قدرةً على أن يُميِّز بين الحقِّ والباطل، بين النُّور والظَّلام، بين ما يهديه وما يُضلُّه، بين ما يُحييه وما يُميته، بين ما يجعله عبدًا لله وما يجعله ضالًّا لا يعرف طريقه.
هكذا تكون البداية، البداية من الإنسان دائمًا، وهذه البداية يمكن أن نبدأها في كلِّ يوم، وفي كلِّ لحظة، الإنسان في حاجةٍ دائمة إلى أن يرجع إلى الحقِّ فيبدأ منه، والحقُّ هو أن يبدأ بنفسه.
فهو ليس أمرًا زمنيًّا، نبدأ ثم نسير بلا نهاية، إنَّنا نسير لنبدأ مرَّةً أخرى، ونبدأ مرَّةً أخرى، وهكذا، وهذا معنى أنَّ السَّير في الله لا نهاية له(4)، لا نهاية له؛ لأنَّ الإنسان ينظر إلى كلِّ لحظةٍ على أنَّها بدءٌ جديد، وعليه أن يبدأ بدءًا جديدًا، وهو معنى من معاني الاستغفار، إنَّه ليُغان على قلبي حتَّى أستغفر الله في اليوم سبعين مرة، أأغيان أغيار يا رسول الله؟ بل هي أغيان أنوار(5).
عباد الله: نسأل الله: أن يساعدنا أن نبدأ في كلِّ لحظةٍ بدءًا جديدًا، وأن نستغفره دائمًا، وأن نرجع إلى الحقِّ دائمًا، وأن نكون أهلًا لرحمته، ونعمته، وكرمه، وجوده، ونعمته.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النَّاس حولنا.
اللهم ونحن نتَّجه إليك، ونتوكَّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلَّا إليك.
اللهم فاكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنَّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السَّاعة ذنبًا إلَّا غفرته، ولا همًّا إلَّا فرَّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلَّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.    
______________________

(1)    حديث: "من أفطر يومًا من رمضانَ مُتعمِّدًا لم يقْضِه ولو صام الدَّهرَ". الراوي: أبو هريرة، المحدث: الإمام أحمد، خلاصة حكم المحدث: ليس يصح.

(2)    حديث شريف نصه: "اتق الله حيث كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن". الراوي: أبو ذر الغفاري، المحدث: ابن العربي، صحيح.

(3) يقول الحديث القدسي: أنا عند ظن عبدى بى ، إن ظن خيراً فله ، وإن ظن شرا فله. أخرجه أحمد ابن حنبل (الجامع الصغير للسيوطي ج2 ص82).

(4)  مقولة صوفية.

(5)    الحديث الشريف كما أخرجه مسلم هو :" إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ". الجزء الثاني هو ما قيل عن رؤية للإمام أبي حسن الشاذلي حيث رأى الرسول صلى الله عليه وسلم.


 

 


الخميس، 20 فبراير 2020

إيمانك بالغيب هو البُعد الرُّوحيّ في وجودك وإيمانك بتأثير الشَّهادة عليك هو البُعد المشهود في حياتك


حديث الجمعة 
20 جماد الثاني 1441هـ الموافق 14 فبراير 2020م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
عباد الله: إنَّ الإنسان على هذه الأرض مخاطبٌ من الحقِّ في كلِّ لحظةٍ وحين، في كلِّ تعاملٍ، في كلِّ عملٍ، في كلِّ حادثةٍ، في كلِّ ظاهرةٍ، في كلِّ ما يتجلَّى له من الغيب، وفي كلِّ ما يدركه من الشَّهادة، فوجب على الإنسان أن يَتقبَّل، وأن يَتأمَّل في كلِّ ما يتلقَّاه.
هناك ظواهرٌ في الحياة الدُّنيا لا يستطيع الإنسان أن يُفسِّرها بمعرفته الأرضيَّة، ولا بعلومه الدُّنيويَّة، عليه أن يتأمَّلها ويتدبَّرها لتكون عنوانًا وتعبيرًا عمَّا وراء الظَّاهر، وما فوق الطَّبيعة، فيتعلَّم أنَّ هناك أمورًا تظهر ولا تعليل لها، على الأقلِّ في لحظة حدوثها، وفي لحظة مشاهدته لها.
فالغيب وهو غيبٌ مكانيّ، هو أيضًا غيبٌ زمانيّ؛ لأنَّ أمورًا كثيرة كانت غيبًا عن الإنسان في لحظةٍ ما، ثم تبيَّن له ما وراءها في لحظةٍ تالية، وهناك أمورٌ منذ الزَّمن البعيد، ومنذ تاريخ البشر، أمورٌ لا زالت غيبًا عن الإنسان.
هذه الأمور الغيبيَّة، وهذه الحقائق الكونيَّة التي وراء الطَّبيعة تتجلَّى للإنسان في صورٍ مُتعدِّدة، ليتذكَّر دائمًا أنَّه دون الطَّبيعة، وأنَّه تحت الطَّبيعة، وأنَّ هناك الكثير الذي لا يعلمه.
وهناك الكثير أيضًا من الظَّواهر الكونيَّة، والتي يعرف الإنسان عن أسبابها ومُسبِّباتها، ولكن أيضًا ينتهي به الحال أن يقف عند سببٍ لا يعرف ما وراءه، ولذلك فإنَّ مقولة: [ويطول بنا إسناد عنعنةٍ حتَّى إلى الذَّات](1)، هي تعبيرٌ عن ذلك. والمقصود هنا، أنَّك لو بحثت وراء أيِّ أمرٍ، لوجدت أمرًا، ولو بحثت وراء هذا الأمر، لوجدت أمرًا آخر، وهكذا، وهذا معنى: [ويطول بنا إسناد عنعنةٍ حتَّى إلى الذَّات].
إنَّنا نشاهد كلَّ يومٍ على هذه الأرض ظواهر جديدة، وهي ليست جديدةً بقانون الحياة، ولكنَّها جديدةٌ بالنِّسبة لنا، فقد تكون موجودةً في قديم، أو كانت موجودةً في قديم، ولكن لم تُسجَّل، ولم تُنقَل إلينا، فنراها مرةً أخرى في حياتنا التي نعيشها.
كلُّ هذه الظَّواهر التي لا تعليل لها من ناحية السَّبب والمُسبِّب في قانوننا الأرضيّ، وفي وجودنا الأرضيّ، فكلُّ ظاهرةٍ لها سببٌ ولها مُسبِّب، من هذه الظَّواهر ما نستطيع أن نُحلِّله، وأن نجري التَّجارب لنعرف ما هو هذا المُسبِّب، وظواهر أخرى لا نستطيع أن نفعل ذلك.
والإنسان أيضًا هو كيانٌ من وجودٍ مادِّيّ، هو جسده الخاضع لهذه القوانين الأرضيَّة، هو روحه التي لا تخضع لهذه القوانين الأرضيَّة، ولذلك فإنَّ كلَّ المعاملات، وكلَّ العبادات الرُّوحيَّة هي ما تختصُّ بهذا الوجود الرُّوحيّ في الإنسان، فالذِّكر هو علاجٌ لهذا الوجود الرُّوحيّ، هو غذاءٌ لهذا القيام الرُّوحيّ، وكلُّ العبادات هي إحياءٌ لهذا الوجود الرُّوحيّ.
وكما أنَّ الإنسان يحتاج لحياة وجوده المادِّيّ لطعامٍ، وشرابٍ، ودواءٍ، وممارساتٍ رياضيَّةٍ دائمة للحفاظ على هذا الوجود المادِّيّ ـ فهو في حاجةٍ إلى غذاءٍ روحيّ، وإلى ممارساتٍ روحيَّة تساعد وجوده الرُّوحيّ على النَّماء، وهو موجودٌ في هذا القيام المادِّيّ، ومتخلِّلٌ له.
لذلك، فإنَّ هذه الممارسات الرُّوحيَّة، هي جزءٌ أساسيّ في المفهوم الرُّوحيّ ككلٍّ، نستطيع أيضًا أن نقول أنَّ كلَّ الأمور الغيبيَّة في حياة الإنسان هي أمورٌ روحيَّة، وأنَّ كلَّ المعاملات المشهودة في حياة الإنسان هي معاملاتٌ سلوكيَّة، والدِّين قائمٌ على التَّعاملات الرُّوحيَّة، وعلى التَّعاملات المادِّيَّة السُّلوكيَّة.
فالذِّكر كلُّه أساسه معاملاتٌ روحيَّة، قد يكون لها انعكاسٌ مادِّيّ، أو أن يكون لها علاقةٌ بوجودٍ، أو تعاملٍ، أو حالٍ مادِّيّ.
فالصَّوم مثلًا هو تعرُّضٌ لنفحات الله بجانب الإنسان الرُّوحي، وفي نفس الوقت يساهم فيه الجسد بامتناعه عن شهواته، وعن طعامه وشرابه، فيكون للجسد دورٌ، إلَّا أنَّ العبادة أو الصَّوم فوق الجوع والعطش؛ لأنَّه مرتبطٌ بفهمٍ روحيّ في معنى وجود الإنسان المعنويّ، وتَعرُّضه لنفحات الله الرُّوحيَّة. 
والصَّلاة كذلك فيها شقٌّ مادِّيّ يقوم به الجسد، ولكن هذا الشِّقُّ ليس الأساس، وليس الهدف، إنَّما هو تعبيرٌ عن معنىً أعمق.
وتعاملات الإنسان المادِّيَّة مع الآخرين هي لها شقٌّ مادِّيّ أساسيّ، فهي تقوم على التَّعامل في المادَّة، ولكن هناك الجانب الرُّوحيّ وراءها، المراقب للمعاملة، وأن يكون الإنسان عادلًا في معاملته بينه وبين نفسه، فإذا فقد الإنسان هذه الرِّقابة الدَّاخليَّة، يكون في معنى المطفِّفين، "الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ".
وهذا التَّداخل بين ما هو روحيّ وما هو مادِّيّ، هو قائمٌ في كيان الإنسان الذي هو مُكوَّنٌ روحيّ، ومُكوَّنٌ مادِّيّ.
كلُّ المفاهيم، وكلُّ المذاهب، وكلُّ الأديان، وكلُّ الفلسفات التي تتناول قضيَّة الإنسان، فيها الشِّقُّ الرُّوحيّ، وفيها الشِّقُّ المادِّيّ. ما يَفرُق بين الشِّقين هو أنَّ الشِّقَّ الرُّوحيّ يعتمد على الإيمان في الأساس، "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ"، هو شقٌّ إيمانيّ يصل الإنسان له بعقله المُجرَّد. أمَّا المعاملات والعبادات في ظاهرها يقوم بها الجسد في أفعالٍ لها صورةٌ مادِّيَّة، مرئيَّة، دنيويَّة، ولكن وراءها إيمانًا بالغيب.
لذلك نجد الكثير من الآيات تتحدَّث عن "الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ"، فالإيمان أساسيّ لإدراك علاقة الإنسان بالغيب، والتَّطبيق في الدُّنيا أساسيّ؛ لأنَّه تعبيرٌ عن هذا الإيمان، "مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً"، هذا هو القانون.
فإذا أدركنا هذا المعنى على أيِّ مستوىً كان، فإنَّنا نكون بذلك مسلمين، والمسلم هو من عرف كيف يسلك في هذه الحياة طلبًا للأعلى، فسلم النَّاس من لسانه ويده؛ لأنَّه عرف أنَّه يتعامل مع الله في كلِّ معاملةٍ.
والإسلام الحقيقيّ أساسه الإيمان، والإسلام الشَّكليّ لا يوجد به إيمان، "قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ"، فالإيمان والإسلام في حقيقتهما متداخلين، ولذلك فإنَّ علينا أن نُفرِّق بين استخدام كلمة الإسلام في سياقاتها المختلفة.
فالإسلام دين الفطرة، قانون الحياة، يدخل فيه الإيمان، واستخدام الإسلام كظاهر حالٍ لإنسان ليس هو الإسلام الحقيقيّ، إذا رأيتم الرَّجل يدخل المسجد فاشهدوا له ـ أيضًا نقول ـ: بالإيمان أو بالإسلام(2)، أيًّا كان، فهذا لا يدلُّ على أنَّه كذلك، وإنَّما هو ظاهر حال، ونحن لا نستطيع أن نحكم على ما في القلوب.
وهذا توجيهٌ ألَّا يحكم الإنسان بالظنِّ، إنَّما إذا كانت هناك علاماتٌ يستطيع بها أن يستدلَّ على شيءٍ، حتَّى لو اختلف ما في قلب الإنسان، فهو لا يجب أن يحكم بظنِّه، ولكن حُكمَه لا يعني أنَّ الذي حكم عليه هو مؤمنٌ أو مسلم.
وأولى بذلك أن يكون حُكمُه كذلك على نفسه، فلا يحكم على نفسه بظاهر قوله أو بظاهر فعله، وإنَّما يحكم على نفسه؛ لأنَّه أدرى وأعلم بنفسه من أيِّ إنسانٍ آخر، بما يرى نفسه عليه. فإذا وجد نفسه ليس مؤمنًا، وليس مسلمًا، وهو يدرك أنَّ الحياة في الإسلام وفي الإيمان، فواجبٌ عليه أن يتَّجه إلى ربِّه بالدُّعاء والرَّجاء، وأن يستعين بقوَّةٍ منه أن يساعده أن يكون فيما هو أفضل وأحسن كما يرى ويفهم.
كلٌّ بقدرته، وكلٌّ بسعته، فالقضيَّة أن تكون كما تعتقد، "كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا"، فأنت حاسب نفسك بنفسك، هل أنت قائمٌ فيما تقول أنَّه الأفضل، وفيما تعتقد أنَّه الأفضل، أم أنَّك تقول شيئًا، وتعتقد شيئًا، وحالك شيءٌ آخر.
لا تجزع إذا وجدت فرقًا، فهذا هو حال الإنسان، وإنَّما عليك أن تتَّجه إلى الله بالدُّعاء والرَّجاء أن يساعدك، أن تفعل ما تقول، وأن تقوم فيما تقول وفيما تعتقد وفيما تظنُّ أنَّه الأفضل والأحسن والأقوم.
ونقول هنا تظنُّ؛ لأنَّك لا تملك رؤيةً كليَّة، أنَّ ما تظنُّه هو الحقيقة الكليَّة، "الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ"، فهذا هو تعبيرٌ عن أنَّ الإنسان يقوم في خشيةٍ فيما يعتقد، ولكن عليه أن يقوم فيما يعتقد؛ لأنَّ هذا هو كلُّ ما يملك.
لا يملك الإنسان أن يُقدِّر عقيدته بأنَّها الحقيقة المطلقة، وإنَّما عليه أن يَصدُق معها، حتَّى وهو يدرك أنَّها ليست مطلقة، فهذا ما يمكنه، وهذا معنى: "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ".
عباد الله: نسأل الله: أن نكون في طريق الحقِّ، وفي طريق الحياة.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نُوضِّحه اليوم: هو تعامل الإنسان مع كلِّ ما يشاهده من ظواهر على هذه الأرض، هناك ظواهرٌ لا تستطيع أن تعرف أسبابها، وهناك ظواهرٌ تستطيع أن تعرف أسبابها إلى حدٍّ ما. تعاملك مع هذه الظَّواهر يقوم على الإيمان بأمرين، إيمانٌ بالغيب، وإيمانٌ بالشَّهادة.
إيمانك بالغيب هو أنَّك لا تستطيع أن تحيط بكلِّ شيء، وأنَّك محدودٌ، وأنَّك مفتقرٌ، وأنَّ الله وراء كلِّ شيء، وقبل كلِّ شيء، وأعلم بكلِّ شيء، و"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ"، فتذكُر بشهادة أنَّ لا إله إلَّا الله، وتُسبِّح بشهادة أنَّ لا إله إلَّا الله، ويرسخ في وُجدانك أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ لا موجود بحقٍّ إلَّا الله.
وحين تنظر إلى الظَّواهر التي تستطيع أن تعرف أسبابها تؤمن بالشَّهادة، وتؤمن بأنَّ الله قد أعطاك قدراتٍ تستطيع بها أن تعرف وأن تعلم، فتشهد أنَّ لك قدراتٍ، وأنَّ الله قد يَسَّر لك من يُعلِّمك ومن يُعرِّفك، في وجودك، وفيما أرسل لك من رسل، وأنبياء، وأولياء، وعبادٍ لله صالحين، ومُعلِّمين ـ فتشهد بذلك أنَّ مُحمَّدًا رسول الله تعبيرًا عن الرِّسالة الدَّائمة. رسالة الغيب والشَّهادة، رسالة الفطرة، رسالة التَّعريف بقانون الحياة الذي أساسه الغيب والشَّهادة.
هكذا نتعلَّم أنَّ في كلِّ أمرٍ غيبًا وشهادة، عبادتنا فيها غيبٌ وشهادة، ومعاملاتنا فيها غيبٌ وشهادة، وإيماننا فيه إيمانٌ بالغيب وإيمانٌ بالشَّهادة، لا نخلط بين الإيمان بالغيب والإيمان بالشَّهادة. وهذا الخلط يجيء يوم تحاول أن تتعامل مع ما هو غيبٌ عليك بالأدوات التي تتعامل بها مع الشَّهادة، وأن تتعامل مع الشَّهادة بالأدوات التي تتعامل بها مع الغيب.
فأنت في الشَّهادة تستطيع أن تُثبت بعقلك المُجرَّد أمورًا كثيرة نتيجة ما فيك من قوَّةٍ إدراكيَّة، وتستطيع أن تُحلِّل، وأن تخرج بنتائج وبقوانين أرضيَّة تحكم الأشياء، ولكنَّك بعقلك لا تستطيع أن تُثبت أمورًا غيبيَّة، ولا تستطيع أن تتناولها بالتَّحليل، والتّفسير، والخروج بقوانين ثابتة بظنِّك؛ لأنَّها فوق إدراكك، وإنَّما تعلم بوجودها، وتعلم أنَّ أيَّ أمرٍ استطعت أن تخوض فيه فهو خرج من دائرة هذا الغيب إلى دائرة الشَّهادة.
وهذا قانونٌ إلهيّ، أنَّ بعض الأمور التي هي غيبٌ عليك اليوم يمكن أن تتكشَّف لك غدًا "لاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء"، وهذا هو العلم المادِّي الذيّ لم نكن نعرف الكثير، وعرفنا بالنِّسبة لمعرفتنا السَّابقة الكثير، ولكنَّه قليلٌ قليلٌ قليل ممَّا لا نعرفه.
إيمانك بالغيب هو البُعد الرُّوحيّ في وجودك، وإيمانك بتأثير الشَّهادة عليك، وبمعاملاتك، وكلِّ ما تفعله، هو البُعد المشهود في حياتك.
هذا ما تعلَّمناه، أو ما عرفناه، أو ما تأمَّلناه، نتذاكر به بيننا لعلَّه ينفع بعضنا، ونعلم أنَّ الله أعلم، وأنَّ ما عَلِمنا إلَّا القليل، فنسأله مغفرةً ورحمةً، وأن نكون ممَّن يلجؤون إليه، ويتوكَّلون عليه، ويتوسَّلون بجاه رسوله لديه، وأن يجمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، اللهم وأنت أقرب لنا منَّا، وأعلم بما في صدورنا، تعلم ما في نفوسنا ولا نعلم ما في نفسك، وأنت علَّام الغيوب.
اللهم ونحن نتَّجه إليك، ونتوكَّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلَّا إليك.
اللهم فاكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنَّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السَّاعة ذنبًا إلَّا غفرته، ولا همًّا إلَّا فرَّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلَّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.
______________________

(1)     مقولة للسيد محي الدين بن عربي.

(2)    حديث شريف نصه: "إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد ، فاشهدوا له بالإيمان، فإن الله يقول: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة)". الراوي: أبو سعيد الخدري، المحدث: الترمذي. 


تأمَّل يا إنسان في وجودك، وفي مُوجِدك


حديث الجمعة 
13 جماد الثاني 1441هـ الموافق 7 فبراير 2020م
السيد/ علي رافع


حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
عباد الله: إنَّ ديننا يخاطبنا في كلِّ ما جاء به، وفي كلِّ ما يجيء به من آياتٍ ورسائل تُوجِّهنا إلى طريق الحياة، وكلُّ إنسانٍ يأخذ من هذه الآيات بما هو له أهل، هذا الدِّين القّيِّم أوغل فيه برفق، فإنَّ المُنبتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى(1).
إذا نظرنا إلى واقعنا، وإلى واقع الإنسان في القديم وفي الحاضر، نجد أنَّ الإنسان بتواجده على هذه الأرض نسيَ وينسى ما أودع الله فيه من قدرات، "وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا"، وهذا وصفٌ لحال الإنسان.
"إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى"، واستغناء الإنسان هو في إحساسه بأنَّ كلَّ ما يريده هو حياته الظَّاهريَّة، عدم شعوره بأنَّه في حاجةٍ إلى طاقةٍ نورانيَّة، يعتقد أنَّه بقدراته المادِّيَّة قد استغنى عن حياته الرُّوحيَّة، فينشغل بالدُّنيا وما فيها دون أن يتأمَّل في رسائلها له. وهذا هو واقعنا، ليس فقط ما نفهمه وما نقرؤه من آياتٍ عن الإنسان، ولكن إذا نظر الإنسان إلى نفسه، ونظر الإنسان إلى من حوله، لوجد الحال كذلك.
الإنسان في غفلةٍ عن معنى حياته، وعن معنى وجوده، بانشغاله بذاته، وبانشغاله بمادِّيّ قيامه، وحاجاته، ومتطلَّباته، هذا واقعٌ لا ننكره في القديم والحاضر، وبالقياس، فسوف يكون الحال كذلك في القادم. فمع أنَّ الإنسان بما أودع الله فيه من عقلٍ وقلب، إلَّا أنَّه لا يُعمِلهما، ولا يستعين بهما في فهمه وإدراكه، وإنَّما يستعين بهما من أجل مادِّيِّ قيامه.
فلذلك، نجد في تاريخ البشريَّة معنى الرَّسول، والنبيِّ، والرِّسالة، والكتاب، "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً"؛ لأنَّه مع أنَّ الكتاب موجودٌ في الإنسان بأمانة الحياة التي حمَّلها الله للإنسان، إلَّا أنَّ الواقع هو أنَّ الإنسان في حاجةٍ إلى تذكير. ولهذا، كانت الرِّسالات السَّماويَّة، وكان عباد الله الصَّالحين، وكان الأنبياء، وكان الحكماء، وكان العقلاء ـ كلُّ هؤلاء جاءوا ليُذكِّروا الإنسان برسالته على هذه الأرض، وهذا ما نطلق عليه دين الفطرة.
ولذلك، كانت الآية "لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ"، ومفهوم الدِّين الواحد. والدِّين في المقام الأوَّل ليس هو مُجرَّد أوامر ونواهي، أو مناسك وعبادات، إنَّما هو إيمانٌ وعقيدة. وليستقيم الإنسان في دين الفطرة، أو دين الحياة، أو أيِّ دينٍ ممَّا أُنزِل إلينا، فكلُّهم دينٌ واحد، وكلُّهم يدعو إلى معانٍ واحدة، ففي كلِّ دينٍ توضيحٌ وكشفٌ للإيمان، وبماذا يؤمن الإنسان، ولذلك نجد شهادة أنَّ لا إله إلَّا الله وأنَّ مُحمَّدًا رسول الله، هي أساس العقيدة، والتَّوجيه الذي نفهمه من هذه الشَّهادة هو الإيمان بالغيب، والإيمان بالشَّهادة.
تأمَّل يا إنسان في وجودك، وفي مُوجِدك، هل تستطيع أن تعرف ما وراء هذا الوجود، أو أن تحيط به؟ إنَّك تؤمن ـ وهذا هو طريقك ـ تؤمن بأنَّ هناك قوَّةً وراء هذا الكون، وهذا ما تُشير إليه الآية: "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ"، وما لفظ الجلالة: الله، إلَّا إشارةٌ إلى هذا الغيب، وما هذه الكلمة في كلِّ دينٍ إلَّا إشارةٌ إلى هذا الغيب.
وهذا ما يصل إليه الإنسان أيضًا بفطرته حين يتأمَّل في قدراته، وينظر إلى وجوده، وينظر إلى ما أعطاه الله من عقلٍ ـ أو هكذا أطلقنا عليه ـ أو من وعيٍ، أو من قدرةٍ على التَّجريد، أو ما أوجد فيه من علمٍ مُسَبَّق، أو ما أوجد فيه من فطرةٍ ـ كلُّ هذه الكلمات تشير إلى نفس المعنى، وهي قدرة الإنسان الدَّاخليَّة التي تُمكِّنه من أن يؤمن بالغيب.
وفي نفس الوقت، حين ينظر في هذا الكون لما يستطيع أن يراه، ويبحث وراءه، ويُنقِّب فيما يحدث، وكيف يحدث، بقدراته، وإمكاناته، وملاحظاته، وقدرته على الإدراك، قدرته على المشاهدة، قدرته على السَّمع، قدرته على الحِسِّ، قدرته على الحركة وعلى الفعل ـ حين يمارس هذه القدرات، ثم يُرجِع ما يشاهده وما يلاحظه إلى العقل، إلى هذه القدرة الدَّاخليَّة، الفطريَّة، الذَّكيَّة، يُمكِّنه ذلك من أن يعرف أشياءً أخرى، وهذا ما نطلق عليه العلم التَّجريبيّ الذي نفهم به ما يدور حولنا. فهذه هي الشَّهادة.
وما كانت كلُّ الأسباب المشهودة لنا إلَّا رسائل من الله إلينا، وما كان ظهور الرُّسل إلَّا شهادةٌ تحمل رسائل الله لنا، فكانت شهادة أنَّ مُحمَّدًا رسول الله هي تعبيرٌ عن إيماننا بالشَّهادة، وما كان تذكير الإنسان للإنسان إلَّا إيمانٌ بالشَّهادة، وما كان معنى التَّواصي بالحقَّ والتَّواصي بالصَّبر إلَّا تذكيرٌ بالشَّهادة.
فالعقيدة الرَّاسخة هي الأساس الذي يبني عليه الإنسان، وما كانت كلُّ الأوامر الأخرى إلَّا للبناء فوق هذا الأساس، وهي ما يمكن أن يصل إليه الإنسان يوم يُعمِل هذه الفطرة وهذه القدرة الموجودة في داخله، وبإعماله لهذه القدرة الدَّاخليَّة سوف يصل إلى مكارم الأخلاق، وإلى حُسن التَّعامل مع الكائنات، وإلى العمل الصَّالح المثمر، وإلى التَّعاون والتّكافل مع إخوانه، وإلى كلِّ القيم الصَّالحة التي جاءت في كلِّ الأديان، فما جاءت إلَّا لتُذكِّر الإنسان بما يستطيع أن يصل إليه؛ لأنَّ الإنسان ـ كما قلنا في بداية الحديث ـ غافلٌ عن هذه المعاني فيه.  
فيتصوَّر الإنسان أنَّ الدِّين شيءٌ مُحدَث، وأنَّ الأشياء التي أمَر بها، أنَّ الأمر هو الذي أكسبها صلاحها، ولا يعلم أنَّ الصَّلاح موجودٌ فيها بذاتها، وأنَّ الدِّين ما جاء إلَّا ليُذكِّر بها، فكلُّ عملٍ صالحٍ هو صالحٌ لأنَّه كذلك، وما الأمر به إلَّا كشفٌ لصلاحه. وما الأمر به إلَّا ليتبيَّن للإنسان حين يعرض هذا الأمر على ما يمكن أن يصل إليه بعقله فيجده متطابقًا مع ما أُمِر به، فيعلم أنَّه الحقُّ، ويعلم أنَّ الرِّسالة التي وصلت إليه هي الحقُّ فيستقبلها.   
كلُّ هذا في التَّعامل نستطيع أن نلحظه، فكلُّ تعاملٍ صالحٍ يَنتج من فطرتنا ومن عقولنا، وما رسائل الحقِّ لنا به إلَّا لتذكيرنا، فإذا وجدنا اختلافًا بين ما نفعله وبين ما نتلقَّاه، فكَّرنا، ورجعنا، وتأمَّلنا، لنجد الحقَّ.
فقد نجد الحقَّ فيما بُلِّغنا به، وأنَّنا انحرفنا عنه، بأن نرجع إلى عقولنا وقلوبنا، ونبحث فيهما عمَّا هو الحقُّ، وقد نجده متوافقًا مع ما بُلِّغنا إيَّاه. وإذا حمل لنا إنسانٌ رسالةً وقال أنَّها من الحقِّ، وعرضناها على قلوبنا وعقولنا، فذهبت عقولنا إلى عدم التَّوافق معها، أدركنا أنَّ هناك خطأً ما، فلا نُسِّلم أبدًا إلَّا بما نجده في قلوبنا وفي عقولنا، ونعيد التَّفكير في كلِّ ما نتلقَّاه، ونبحث عن مصدره حتَّى نتوافق.
وهذا أمرٌ حتميّ؛ لأنَّ حياتنا مملوءةٌ بالمفاهيم الخاطئة التي تُنسب إلى الحقِّ، ولذلك وجب علينا أن نُعمِل كلَّ الأدوات حتَّى نكتشف ما يتوافق مع فطرتنا، والإنسان مسئولٌ عمَّا يفعل، مهما قيل له، ومهما حاول الذي يقول له أن يُوحِي إليه بأنَّه يتكلَّم باسم الله أو بحكم الله، فواجبٌ عليه أن يبحث، وأن يعرف.
عباد الله: الحقُّ يُعلِّمنا ذلك يوم يُشير إلى أنَّ هناك آياتٍ متشابهات، ويفهمها النَّاس بمفاهيم مختلفة، وهذا من فضل الله ورحمته؛ لأنَّ المتشابهات هنا هي ما تحتمل أكثر من معنى، وهو أمرٌ شائعٌ في اللغة، وأمرٌ شائعٌ في نزول الحقِّ إلى الواقع، وإلى التَّطبيق، وإلى عالم المادَّة، وإلى عالم اللغة، ومن هنا يكون كلُّ إنسانٍ مسئولًا، ولا يستمع إلى إنسانٍ آخر بظنِّ أنَّه أعلم منه، ومسئولًا أن يبحث، وأن يتعلَّم، وأن يعرف.
إذا اختار أن يتخلَّى عن هذه المسئوليَّة، فهو أيضًا مسئولٌ عن ذلك، "إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ"، يوم يقول الشَّيطان: "وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم"، "وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"، فالمسئوليَّة هنا هي مسئوليَّة الإنسان.
ما نريد أن نُوضِّحه هنا هو أنَّ دين الفطرة، وهو موجودٌ في الإنسان، هو الأساس الذي نحتكم إليه، وأنَّ الدِّيانات ما جاءت إلا لتُذكِّر الإنسان بمعاني الفطرة فيه، وتتوافق مع ما فيه.
وأنَّ الجزء الآخر من الدِّين والذي يتعلَّق بأداء مناسك ـ كما نُشير دائمًا ـ ما هي إلَّا تعبيرٌ عن أسلوب حياةٍ يُوضِّح ويساعد الإنسان على مواصلة حياته، وهذا ما نتحدَّث عنه كثيرًا في معنى الصَّلاة، وفي معنى الصَّوم، وفي معنى الزَّكاة، وفي معنى الحجِّ، فكلُّها وسائل للإنسان ليتواصل مع الحقِّ الأعلى، وإذا شعر بالافتقار، وبالحاجة، وبالطَّلب، فإنَّه يتوجَّه إلى الغيب في كلِّ عباداته وفي كلِّ ذكره.
فهو مع إدراكه لقدرته على أن يفهم وعلى أن يدرك، إلَّا أنَّه أيضًا في لحظاتٍ حين يغمُّ عليه الأمر، ويريد أن يبحث عن الحقيقة، فقد لا يجد أمامه إلَّا أن يتَّجه إلى الغيب، وأن يُوصَل بالغيب، وأن يدعو الغيب فيصلِّي، وأن يجاهد نفسه الأمَّارة بالسُّوء فيصوم، وأن يتَّجه إلى قبلة الحقِّ على أرضه ليأخذ مددًا، وليأخذ قوَّةً، وليساعد إخوانه في البشريَّة، فيأخذ بهذه المساعدة طاقةً روحيَّةً ومعنويَّة تساعده على معرفة طريقه الرُّوحيّ الحقِّيّ.
عباد الله: نسأل الله أن يوفِّقنا لما فيه خيرنا، ولما فيه صلاحنا
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نُوضِّحه اليوم: هو معنى أنَّ الإسلام دين الفطرة، وما هي فطرة الإنسان التي فطر الله الإنسان عليها، وما هي علاقة الإنسان بفطرته مع ما تلقَّاه ويتلقَّاه من رسائل الغيب، ومن كتبه، ومن سيرة رسله، وسيرة أنبيائه وأوليائه، ما يسمعه وما يقرؤه، كيف يتعامل معه، وكيف يستفيد منه، وأنَّ عليه أن يعرض كلَّ أمرٍ على قلبه وعلى عقله، حتَّى يتبيَّن له أنَّه الحقُّ، فالحقُّ بالنِّسبة للإنسان هو ما يعتقده كذلك، هذا في تفاعله مع حياته الأرضيَّة.
بجانب ذلك، يدرك أنَّ هناك غيبًا لا يستطيع أن يحيط به، فلا يتكلَّم باسمه، ولا ينسب إليه أمرًا، ولا يحاول أن يستخدم هذا الغيب لإقناع إنسانٍ آخر، بتصوُّره أنَّه هو الذي يعلم الغيب ويعلم ما أراد الغيب، وهذا ما يمارسه الكثيرون بظنِّهم أنَّهم يوم يتلون آيةً أنَّهم بذلك يُردِّدون حكم الله وأمر الله، وأنَّ هذا هو ما يريد الله.
الله أعلم دائمًا بمراده، ونحن حين نقرأ فإنَّنا علينا أن نأخذ ما نقرؤه لنفهمه بقلوبنا وعقولنا، فإذا كانت قلوبنا طاهرة، مسَّ قلوبنا معنى من المعاني الحقيَّة، ولا نستطيع مع ذلك أن نقول أنَّ هذا هو المعنى الوحيد لآيةٍ أو لكلمةٍ سمعناها، أو قرأناها، أو تلوناها.
فنحن في تفاعلٍ دائم مع آيات الله، نأخذ منها، ونتفكَّر ونتأمَّل فيها، ونذكرها، ونتذكَّرها، لنتفاعل معها وتتفاعل معنا، فيُنتِج هذا التَّفاعل حياةً، ويجعلنا أحياءً بتفاعلنا معها وتفاعلها معنا، وهذا هو الذِّكر.
"فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى، سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى، وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى، الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى، ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى"، "سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى" الذي لا يقول أنِّي عالِمٌ عَلِمت ما أراد الله، وإنَّما يخشى الله، يقول هذا ما فهمت، وهذا ما شعرت، وهذا ما أحسست، والله أكبر، والله أعلم.
هذا هو الذي سينتفع من التَّذكير، وسينتفع من الذِّكر، وسينتفع من التَّوجيه، وسينتفع من تلاوته، وسينتفع من قراءته، وسينتفع من استماعه، أمَّا الذي يُردِّد دون وعيٍ ولا فهم، ويُقصِر المعنى على صورةٍ واحدة أدركها، ويعتقد أنَّه لا معنىً آخر لها، فهو بذلك لا يخشى، إنَّه يتجرَّأ على الغيب.
عباد الله: نسأل الله أن يوفِّقنا لما فيه خيرنا، ولما فيه صلاحنا، وأن يجعلنا عبادًا له خالصين، لوجهه قاصدين.
اللهم وهذا حالنا، وهذا قيامنا، نتَّجه إليك، ونتوكَّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلَّا إليك.
اللهم فاكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنَّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.  
اللهم لا تجعل لنا في هذه السَّاعة ذنبًا إلَّا غفرته، ولا همًّا إلا فرَّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلَّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.
______________________

(1)    مأخوذ من حديث شريف أخرجه البزار عن جابر في الجامع الصغير للسيوطي ضعيف "إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى"، ويقويه حديث صحيح عن أحمد بن حنبل بلفظ: "إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق" صحيح.



السبت، 1 فبراير 2020

كلَّ إنسانٍ مخاطبٌ بآيات الله، وكلُّ إنسانٍ سوف يتلقَّى هذا الخطاب بأهليَّته واستعداده


حديث الجمعة 
6 جماد الثاني 1441هـ الموافق 31 يناير 2020م
السيد/ علي رافع

حمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
عباد الله: فلتتدبَّروا في آيات الله بعقولٍ منيرة، وقلوبٍ طاهرة، لتصل إليكم رسائل الحقِّ ترشدكم وتُوجِّهكم إلى ما فيه صلاحكم، وإلى ما فيه خيركم، وإلى ما فيه نجاتكم.
إن آيات الحقِّ تخاطب كلَّ إنسان، وكلُّ إنسانٍ قادرٌ أن يتقبَّل ما تحمله هذه الآيات من معانٍ ومن طاقةٍ روحيَّةٍ تُحيي قلبه، وتُزكِّي نفسه، وتُطهِّر روحه. كتاب الله هدايةٌ لكلِّ إنسان، كلُّ إنسانٍ يأخذ منه بقدر سعته، وبقدر استطاعته، كلٌّ يأخذ بما هو له أهل، ليتذاكر بما تلقَّاه مع إخوانه بما تلقُّوه، بما هم له أهل.
"وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ"، فكلٌّ يدعو إلى الله بما تعلَّم، وبما عَلِم، "مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ"، من الذين أدركوا قانون الحياة، وعَلِموا أنَّ الله قد أودع فيهم أمانة الحياة، فجعلهم يعرفون ويُفرِّقون بين الحقِّ والباطل، وبين النُّور والظَّلام، وبين الحياة والموت، فقالوا إنَّنا من المسلمين.
فالإسلام ليس مُجرَّد لفظ، أو لقب، أو كلمة نطلقها على أسلوب حياةٍ فقط، وإنَّما هو منهجٌ كاملٌ لكلِّ حياة الإنسان في أبعادها المختلفة، في بُعدها الدَّاخليّ في تعامله مع نفسه، وفي بُعدها الخارجيّ في تعامله مع النَّاس. "قَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ"، عرف الحسنة والسَّيِّئة، عرف الحقَّ والباطل، عرف النُّور والظَّلام، "وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ".
وهذا موجودٌ في كلِّ إنسان، موجودٌ فيه بالفطرة، فـ"ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"، وهنا نتعلَّم أدب الحوار، وأدب التّواصي. والأحسن ـ كما نقول دائمًا ـ هو ما نستحسنه جميعًا، وما نتعارف عليه جميعًا، فإذا ذكر إنسانٌ إنسانًا بما هو أحسن، "فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ".
هذا أسلوبٌ عامٌّ في التَّواصي، وفي الحوار، وفي التَّذكير، في كلِّ قضايا الحياة، في مفهومك في آيات الله، في آيات الله التي تُوجِّهك في جميع مناحي الحياة، فيما يخصُّك كإنسان، وفيما يخصُّ مجتمعك. ما يخصُّ حال الإنسان، "ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"، في مفهومك في آيات الله، فآيات الله تحمل الأحسن دائمًا.
ولذلك علَّمتنا الآيات أنَّ هناك آياتٍ متشابهات، وهذه الآيات المتشابهات هي التي يقرؤها كلُّ إنسانٍ ويفهمها بما يراه وبما يستحسنه، وهذا مطلوبٌ؛ لأنَّ هذه الآيات موجودةٌ ليقرأها الإنسان في دوام، وهي تحمل الأحسن للإنسان في كلِّ بيئةٍ، وفي كلِّ عصرٍ، وفي كلِّ حالٍ، فإذا أراد البعض أن يحصروا معانيها في معنىً واحدٍ، فهم بذلك يحدُّون انتشارها، واتساعها للنَّاس جميعًا.
ولهذا نفهم "ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"؛ لأنَّها لها علاقةٌ بالمجتمع، وبالبيئة، وبالحال الذي يعيشه جماعةٌ ما من النَّاس، هذا الحال الذي يدفع فيه الإنسان بالتي هي أحسن، "وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا"؛ لأنَّ هذا يحتاج إلى تدريبٍ للإنسان، تدريبٌ يجعله قابلًا لكلِّ صورةٍ، لكلِّ صورةٍ فيها أحسن؛ لأنَّ طبيعة النَّفس البشريَّة تريد أن تُحدِّد صورةً واحدة، لا تريد أن تتعامل مع مفاهيم كثيرة. "وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ"؛ لأنَّ التَّدريب والصَّبر هو إعدادٌ لنفحةٍ من الله، ولاصطفاءٍ من الله، ولا يُلقَّاها إلَّا ذو حظٍّ عظيم.
إنَّنا نرى اليوم أنَّ كلَّ من فهم أمرًا، ظنَّ أنَّه الحقُّ المطلق، وهذه طبيعة النَّفس البشريَّة، لذلك فإنَّ تقبُّل كلِّ صورةٍ هو نتاج تفكُّرٍ، وتأمُّلٍ، وتدبُّرٍ، وذكرٍ، ودعاءٍ، وممارسةٍ، وتدريبٍ، حتى يصبح الإنسان كذلك.
[لقد أصبح قلبي قابلًا لكلِّ صورةٍ، وقد كان قبلًا لا يقبل إلَّا من هو لديني دان](1)، كلَّ صورةٍ فيها شيءٌ من الحقِّ، فالطبيعة وما فيها، فيها حقٌّ، [فمرعىً لغزلانٍ وديرٌ لرهبان](2)، فكلُّ جماعةٍ، وكلُّ من نقول أنَّهم على دينٍ ما، فيهم شيءٌ من الحقِّ والحقيقة.
حتَّى الذين يؤمنون بالمادَّة عندهم شيءٌ من الحقيقة، إذ أنَّهم لا يَجرُون وراء الخيال، ووراء الوهم والظنِّ، وإنَّما يُطبِّقون قانون العلم المشهود، والواقع المحسوس، وهذا حقٌّ وواجبٌ على كلِّ إنسان، ففيهم شيءٌ من الحقِّ، فإذا جادل أحدهم، ودفع بهذا مع إنسانٍ آخر لا يؤمن بالعلم المادِّيّ، أو بأن يحترم الإنسان القانون المشهود، فتكون دعوته أفضل من هذا الذي يقول أنَّه مؤمنٌ بالغيب، ويُنكِر الشَّهادة.
وإذا دفع الذي يؤمن بالغيب بأنَّ هناك ما لا ندركه، مع إنسانٍ لا يؤمن بالغيب ويؤمن بأنَّ كلَّ شيءٍ مشهود، كانت دعوة الذي يؤمن بالغيب هي الأحسن؛ لأنَّها حقيقة، فنحن جميعًا لنا جانبٌ غيبيّ لا ندركه، وكلُّ الإيمان بالله واليوم الآخر هو إيمانٌ غيبيّ.
لذلك، فليس كلُّ إنسانٍ هو خيرٌ أو شر، هو حقٌّ أو باطل، هو نورٌ أو ظلام، ولكن في كلِّ إنسانٍ نورٌ، وفي كلِّ إنسانٍ ظلامٌ، والإنسان في جهاده مع نفسه يبحث عن أن يكون أكثر نورًا وأقلَّ ظلامًا.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون من الذين يدعون إلى الله ويعملون صالحًا، ويقولون أنَّهم من المسلمين، ومن الذين يدفعون بالحسنة والأحسن، ليكونوا في توافقٍ مع إخوانهم في البشريَّة.
نسأل الله: أن يحقِّق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
فحمدًا لله، وشكرًا لله، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أنَّ كلَّ إنسانٍ مخاطبٌ بآيات الله، وكلُّ إنسانٍ سوف يتلقَّى هذا الخطاب بأهليَّته واستعداده، وأنَّ الإنسان الذي يُدرِّب نفسه على ذلك، ويُدرِّب نفسه على أن يستمع إلى الآخر، وأن يدفع بالتي هي أحسن، وأن يستقبل أن يدفع الآخر بما هو أحسن، فيصلا إلى ما هو أحسن بينهما، فيتلاقيا ولا يتخاصما، لا تكون بينهما عداوةٌ، وإنَّما تكون بينهما ألفة.
هذا ما نفهمه في الآية: "وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ"، هذا فهمٌ يتخطَّى بعض التَّفاسير التي تنظر إلى الكلمات بظاهرها، فتجعل هذه الآية محصورةً في عداواتٍ شخصيَّة، أو في عداواتٍ مادِّيَّة، أو في معاملاتٍ ماليَّة، هذه الآية في فهمنا وفي تأمُّلنا تتخطَّى هذا كلَّه لتكون أسلوب حياة، وأسلوب فهمٍ في كلِّ معاني الحياة.
وهذا مثالٌ على كيفيَّة تلقِّي آيات الله، والتَّأمُّل فيها، والتَّدبُّر فيها، فنحن نتذاكر بما وجدناه، ونقبل ما وجد الآخرون أيضًا، لا نختلف، ولا نقول أنَّ هناك معنىً واحد، ولكن هناك معانٍ كثيرة، وأبعادًا كثيرة للآية الواحدة.
قدرتنا على تقبُّل ما يفهمه الآخرون هي مقياسٌ على سماحتنا، وعلى إدراكنا للاختلاف في المفاهيم، وأنَّنا يجب أن نتواصى بيننا بما نفهمه وندركه، قد نصل إلى معنىً واحد نقبله ليكون هو الذي نسير عليه، ويمكن أيضًا أن نتلاقى حتَّى ولو سار كلٌّ منَّا على مسارٍ مختلف، وإن كان هو مسارٌ متوازٍ مع المسار الآخر، لا يتصادم معه ولكن يتآلف معه، حتَّى ولو توازى معه بمعنى أنَّه ليس نفس المسار.
هكذا يُعلِّمنا ديننا أن نكون في تحابٍّ وفي تآلفٍ مع كلِّ البشر، نأخذ منهم ويأخذوا منَّا، وهذا أمرٌ يحتاج إلى تواصٍ، وإلى تدريبٍ، وإلى ذكرٍ دائمٍ، حتَّى يُؤهَّل الإنسان لذلك.
قد لا نستطيع أن نتعامل مع كلِّ النَّاس بهذا المعنى؛ لأنَّهم غير مُؤهَّلين، ولكن مع ذلك، علينا أن نُؤهِّل أنفسنا أن نأخذ منهم أيًّا ما كانوا يعتقدون، فهذا دورنا أن نكون مستقبلين، وذاكرين، متذاكرين، مُذكِّرين أيضًا بما عندنا.
نسأل الله: أن يوفِّقنا لما فيه خيرنا، ولما فيه صلاحنا، وأن يجعلنا أهلًا لرحمته، وأهلًا لنعمته.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النَّاس حولنا.
اللهم ونحن نتَّجه إليك، ونتوكَّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلَّا إليك.
اللهم فاكشف الغمَّة عنَّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنَّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السَّاعة ذنبًا إلَّا غفرته، ولا همًّا إلَّا فرَّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلَّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرَّاحمين ارحمنا.
__________________________

(1)    ، (2) من أشعار محيي الدين ابن عربي:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي                إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

وقد صار قلبي قابلا كل صورة                 فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف                      وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنى توجهت                    ركائبه فالحب ديني وإيماني