السبت، 14 أبريل 2018

إنّ الذي قال ربّنا الله ثم استقام بحقّ، سوف يكون في معنى الذي يخشى الله



حديث الجمعة 
27 رجب 1439هـ الموافق 13 إبريل 2018م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
"إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ"[فصلت 30]، هذه الآية، تكشف لنا عن السّلوك في طريق الحياة وفي طريق النّجاة، بما تحمله من معانٍ تتخطّى أيّ شكلٍ أو صورة، إنّما توضّح الأساس الذي يسلك عليه الإنسان.
"الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ"، ماذا تعني هذه الكلمات؟ هل هي مجرّد نطقٍ باللسان؟ أم هي حالٌ يقوم فيه الإنسان؟ أم هي قولٌ يحوّل الإنسان من حالٍ إلى حال؟ أم هي شرحٌ لشهادة أنّ لا إله إلّا الله؟ أم هي فهمٌ للإيمان بالغيب؟ إنّها كلّ ذلك، إنّها تعبيرٌ عن معانٍ ومفاهيم متعدّدة، كلّها تلتقي في معنىً واحد، "الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ".
"ثُمَّ اسْتَقَامُوا"، فما هي الاستقامة؟ هل الاستقامة هي مجرّد القيام بالشّعائر؟ هل الاستقامة هي في التّعامل مع النّاس بالعدل والقسطاس؟ هل هي السّير في الأرض بحثاً عن العلم والمعرفة؟ هل هي التّجمع على ذكر الله؟ هل هي التّواصي بالحقّ والتّواصي بالصّبر؟ هل هي الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر؟ إنّها كلّ ذلك.
وكانت هذه الآية: "الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا"، هي تفسيرٌ لشهادة أنّ لا إله إلّا الله، وتفسيرٌ لشهادة أنّ محمّداً رسول الله. ما هي نتيجة هذا القول وهذه الاستقامة؟ هل يكون نتيجة هذا القول وهذه الاستقامة، هو كبرٌ وتكبّر؟ أو خوفٌ وخشوعٌ وافتقارٌ إلى الله؟
إنّا ـ كما نذاكر دائماً ـ أنّ الحال الذي يخشى منه الذي يسير في طريق الله، هو أن يكون متكبّراً، أن يكون مغترّاً، أن يعتقد أنّه وصل إلى الكمال. ولذلك، فإنّ الذي قال ربّنا الله ثم استقام بحقّ، سوف يكون في معنى الذي يخشى الله، "...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء..."[فاطر 28]، سيكون في معنى: [أنا أقربكم من الله وأخوفكم منه](1).
لذلك، نجد الآية: "تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا"، إنّهم في خوفٍ وفي حزن، فيكونون بذلك أهلاً لأن "تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ"، وتقول لهم: "أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا"، فلا يزيدهم ذلك إلّا أن يكونوا أكثر خشيةً، وأكثر دعاءً، وأكثر طلباً، [إنّه ليُغان على قلبي حتّى أستغفر الله في اليوم سبعين مرة، أأغيان أغيارٍ يا رسول الله؟ بل هي أغيان أنوار](2).
فإذا نظرنا إلى واقعة الإسراء والمعراج في هذا الإطار، فإنّ الإسراء والمعراج كانا في إطار معنى: "تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا"، وأمّا ما نفهمه من نتيجة هذه الواقعة، أنّ الرّسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لم تزده هذه الآية من ربّه، إلّا افتقاراً إلى الله، [أنا أقربكم من الله وأخوفكم منه].
والإسراء ـ كما نتأمّل دائماً ـ هو تعبيرٌ عن حال الإنسان الذي قال ربنا الله ثم استقام، وهو في لباسه البشريّ، "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ..."[الإسراء 1]، وإذا كان الليل هو تعبيرٌ عن وقتٍ، فهو تعبيرٌ عن حجاب، هو تعبيرٌ عن وجودٍ بشريّ في قيام محدود.
وما المسجد الحرام، إلّا تعبيرٌ عن قيام الإنسان في وجودٍ حقيّ، نتيجةً لشهادته أنّ لا إله إلّا الله  وأنّ محمّدا ًرسول الله، بقوله ربنا الله واستقامته، "... وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ..."[الشورى 15]، فيكون بذلك أهلاً لأن تتنزّل عليه الملائكة، ولأن يُسرَى به من هذا الحال إلى حالٍ أعلى وأكبر وأقصى، وأن يُرِيَه الله من آياته الكبرى، "وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ".
فهل ينتهي الأمر عند ذلك؟ أم أنّ القيام على هذه الأرض مستمرّ، وتصبح العلاقة قويّةً بين الأرض والسّماء، "نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ..."[فصلت 31]، تعبيرٌ عن حال الإنسان، الذي يظلّ متمسّكا بقول ربنا الله وبالاستقامة، مفتقراً غير مستغنٍ، متواضعاً غير متكبّرٍ، يكون بذلك أهلاً لرحمة الله ولرعاية الله، وأن يكون وليُّه الله في الدنيا وفي الآخرة، وهذا من فضل الله، ومن مغفرة الله، ومن رحمة الله، "نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ"[فصلت 32].
        فـ"نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ"، لها دلالةٌ قويّةٌ في هذا الإطار. الدّلالة الأولى، هي استمرار الاستغفار، واستمرار قبول الاستغفار ـ بمعنى الغفور. فالإنسان الذي قال بحقّ ربّنا الله، والذي استقام بحقّ كما أُمِر، فإنّه سيكون في استغفارٍ دائم. إستغفارٌ حقّيّ لا يتوقّف، وإدراكٌ حقّيّ، "... وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ"[هود 47] ـ معنى الرّحيم.
وهكذا، نجد أنّ آيات القرآن تتكامل في معانيها، وتعبّر عن معنىً واحدٍ بصورٍ متعدّدة، وتقود الإنسان إلى المعنى الذي يحاول أن يكون عليه في حياته الأرضيّة، وفي إدراكه لعلاقته بالغيب.
عباد الله: هكذا، نحاول دائماً أن نتأمّل في آيات القرآن لنا، وأن نربطها بمعانٍ جاءت في آياتٍ أخرى، وفيما تعرّضنا له من فيوضات رسل الله وأحاديثهم وسُننهم، التي بُلّغنا إيّاها، والتي نتأمّل فيها كلّ يومٍ، بما أعطانا الله من قدرةٍ على التّأمّل والتّفكّر والتّدبّر، لا نكرّر ولا نردّد، وإنّما نُعمِل ما أعطانا الله من حياةٍ لنكون أحياءً، لا لنكون أمواتاً، لنكون متفكّرين، متدبّرين، ذاكرين، مستغفرين، حامدين، شاكرين.
نسأل الله: أن يوفّقنا دائماً، أن نتأمّل في آياته، وأن نتعلّم منها ما يجعلنا أفضل حالاً، وأفضل قياماً.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: هو أن نربط بين الآيات التي تحدّثنا عن "الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا"، وأن "تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا"، وبين سيرة رسول الله، وما حدث من واقعة الإسراء والمعراج، كتعبيرٍ واقعيّ عن "تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا"، وأنّ هذا يسبقه أن يكون الإنسان في حالٍ من إدارك علاقته بالله، فيقول ربّنا الله بحقّ، وأن يستقيم كما أُمِر بحقٍّ.
وأنّ الاستقامة وقول ربّنا الله قبلها، ليس مجرّد شكلٍ، وليس مجرّد كلامٍ أو قولٍ باللسان، إنّما له أبعادٌ كثيرة في الاعتقاد وفي السّلوك، في الفهم وفي العمل، في التأمّل وفي الذّكر. إنّها ليست مجرّد كلماتٍ، وليست مجرّد أشكال.
وهذا ما نذاكر به دائماً، حتّى لا يتحوّل الدين عندنا إلى كلماتٍ نردّدها، وإلى أشكالٍ نقوم فيها، وإنّما يكون هدفنا أن نتدبّر في الكلمات التي نقولها، وأن نقوم في الأشكال التي نؤدّيها، وأن نحاول دائماً، لنعلم أكثر، ولنقوم أفضل.
نريد بذلك أن نكون أهلاً لأن تتنزّل علينا الملائكة "أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا"، نكون أهلاً لرحمة الله، ولعطاء الله، ولبشرى من الله، بأن نكون أحياءً عند ربّنا نُرزق، ولا يزيدنا ذلك، إلّا أن نستغفر الله أكثر، وإلّا أن نطمع في رحمة الله أكبر.
هكذا تكون حياتنا، وهكذا يكون سلوكنا، هكذا يكون قولنا، وهكذا تكون استقامتنا.
عباد الله: نسأل الله: أن يحقّق لنا ذلك، وأن يجعلنا من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ..."[الزمر 18]، وأن نكون إلى الله دائماً مفتقرين، وفي رحمته طامعين، وله مستغفرين، هذا ما نطمع فيه وما نرجوه. نسأله الخير كلّ الخير، والحقّ كلّ الحقّ، والنّور كلّ النّور، لنا، وللنّاس أجمعين.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنّا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.      
___________________________ 

(1) "إني أتقاكم لله وأخشاكم له" حديث شريف أخرجه مسلم في صحيحه كما ورد في موطأ مالك ومسند أحمد  بصيغ مختلفة.

(2) الحديث الشريف كما أخرجه مسلم هو :" إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ". الجزء الثاني هو ما قيل عن رؤية للإمام أبي حسن الشاذلي حيث رأى الرسول صلى الله عليه وسلم.






الخميس، 12 أبريل 2018

الحياة، هي في إعمالنا لما أعطاه لنا خالقنا والموت، في التّخلّي عن هذا العطاء


حديث الجمعة 
20 رجب 1439هـ الموافق 6إبريل 2018م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.

الحمد لله، الذي يسّر لنا طريقنا، وهيّأ لنا جمعاً نتواصى فيه بالحقّ والصّبر بيننا، نتدبّر آيات الله لنا، ونُرجِع البصر إلى داخلنا، لنتعلّم ممّا فطرنا الله عليه ـ لنكون أحياءً لا أمواتاً. أحياءٌ بذكر قلوبنا، وتأمّل عقولنا، وعمل أجسادنا ـ لا أمواتٌ بالنّظر إلى قديمٍ لا نراه، وبالتّخلّي عن أن نذكر بقلوبنا، وأن نفكر بعقولنا، وأن نعمل بأجسادنا.
الحياة، هي في إعمالنا لما أعطاه لنا خالقنا. والموت، في التّخلّي عن هذا العطاء.
عباد الله: إنّ قدرة  الإنسان على التّغيير، تتناسب مع ما يعلم، كّلما علم أكثر، كلّما استطاع أن يغيّر أكثر. والعلم، هو في إعمال العقل، والنّظر إلى ما يحيط بالإنسان. وهذا ما نراه جليّاً في العلوم المادّيّة، التي برع الإنسان فيها في القرون الحاليّة، فقد استطاع أن يعلم الكثير عن الأرض وما فيها، وبهذا العلم، استطاع أن يغيّر كثيراً، وأن يُبدع أدواتٍ كثيرة.
وهذا هو الحال، مع ما يمكن أن يغيّر الإنسان سلوكه به، فتغييره لسلوكه، يأتي من مراقبته لنفسه وللنّاس حوله، كيف يتعامل النّاس مع أحداث الحياة حولهم، وكيف يتعامل هو مع هذه الأحداث، كيف يقرأ هو آيات الله، وكيف يقرأ النّاس آيات الله، ما هو هدفه من قيامه على هذه الأرض؟ وما هو هدف النّاس من قيامهم على هذه الأرض؟
هذا التّأمّل والتّفكّر فيما يحدث حول الإنسان، في سلوك أفراد المجتمع، وفي معاملاتهم، وفي فهمهم، وفي إدراكهم ـ يجعل الإنسان قادراً أن يتعلّم أكثر عن نفسه، وعن وجوده، وعن قيامه. وبهذه المعرفة عن نفسه، يستطيع أن يغيّر نفسه إلى الأفضل.
فإذا أخذنا مثلاً من تعامل الإنسان في واقعه، مع ما توارثه، من معتقداتٍ، ومن أسلوب حياةٍ على هذه الأرض، كيف يتعامل مع هذا الموروث؟ الكثيرون يتعاملون مع هذا الموروث، على أنّه الحقّ المطلق، فلا يبحثون في أنفسهم، ولا يُرجِعون البصر إلى داخلهم، بل أنّهم إذا اتّجهوا إلى داخلهم وجدوا خواءً، لم يجدوا شيئاً، ولهذا، يتّجه الكثيرون منهم إلى هذا التّراث، يقرؤونه، وينفّذونه بظاهر شكله وحرفه، غير قادرين على أن يتدبّروه ويتعلّموه، ويفرّقوا بين ما هو صالحٌ لزمانهم وما هو غير صالح، ما هو صالحٌ لمجتمعهم وما هو غير صالح.
إنّ فهم أيّ قضيّةٍ، لا يمكن أن يكتمل إلّا بفهم الإطار الذي ظهرت فيه هذه القضيّة، وهذا لا يعني محدوديّة الحكم في هذه القضيّة في الإطار الزّمنيّ أو المكانيّ، وإنّما يعني فهمها، يعني فهم مقصدها، الهدف منها، والغاية التي تؤدّي إليها.
وهذا هو الفارق بين الحياة والموت ـ كما بدأنا حديثنا ـ فالحياة، هي في أن نفهم كلّ يومٍ جديداً علينا. الحياة، هي أن تكون عندنا القدرة على أن نعكس البصر إلى داخلنا، فنجد شيئاً، نجد علماً، نجد قدرةً على التّمييز بين الطّيّب والخبيث، بين ما يُعقل وما لا يُعقل.
ولا محلّ لأن نخاف أن نخطئ، فالخطأ وارد، والخطأ ضروريّ في نفس الوقت، فأنت تتعلّم من الخطأ أكثر مما تتعلّم من الصّواب، والأخطاء التي تحدث لك، ربما تعلّمك أكثر كثيراً ممّا يصادفك من إصابةٍ ـ تراها كذلك ـ في قضيّةٍ معيّنة.
فالصّواب لن يدفعك إلى التّغيير، ستظلّ كما أنت. أمّا الخطأ، فسوف يدفعك لأن تتعلّم كيف تتغلّب عليه. واكتشاف الخطأ، هو أكبر معرفة. لذلك، فالمحاولة مع الخطأ، أمرٌ مطلوب. قدرتك على الرّجوع إلى الحقّ ـ يوم تجده ـ هي التي تشجّعك أن تجرّب. أمّا إذا كنت من الذين يصرّون ويكابرون، فهذا الخطأ الأكبر؛ لأنّه لن يجعلك ذلك، قادراً على أن تكتشف الحقّ.
ومن هنا، كان الكبر والمكابرة هو ما يخشاه الإنسان، يخشى أن يقع في ذلك، وذكر الله، هو الذي يساعده ألّا يقع في ذلك. وذكر الله، معناه أن الله أكبر، وأنّك ما أوتيت من العلم إلا قليلا، وأنّك إنسانٌ يخطئ ويصيب، وأنّك مهما علمت، فإن ما علمته، هو نقطةٌ في بحرٍ لا نهائيّ، ومهما اعتقدت أنّك كَمُلت، فإنّ الكمال لا نهاية له، ومهما ظننت أنّك عرجت، فإنّ العروج لا نهاية له.
وقد أشار القوم إلى ذلك في مواضع كثيرة، [وجودك ذنبٌ لا يقاس به ذنب]، تعبيرٌ عن ذلك، و [رُبَّ معصيةٍ أورثت ذلاً وانكساراً، خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزّاً واستكباراً](1). ورسول الله ـ صلوات الله وسلامه ـ يعلّمنا ذلك، [أنا أقربكم من الله وأخوفكم منه](2).
وخوف الله، ليس كما يتصوّر النّاس، في رسم صورةٍ، أنّ الله سوف يعاقبهم إذا ارتكبوا ذنباً، أو تركوا طاعةً، فالله أكبر من ذلك، ولا يمكنك أن تتصوّر علاقتك به، فهو الذي يحدّد هذه العلاقة، وهو أكبر من أيّ تصوُّر.
إنّما الخوف من الله، هو في شعورك أن تصل أنت ـ في حالك ـ أن تنسى معنى الأكبر، ومعنى الأفضل، ومعنى العُلوّ، ومعنى الرّقيّ، ومعنى لا نهاية المعرفة ولا نهاية الكمال.
ولذلك، أنت في حاجةٍ دائمةٍ لأن تُذَكَّر بذلك، وربّما يكون ذلك، من خلال أخطاءٍ ترتكبها، وتُكشَف لك من خلال ضعفٍ في نفسك، ويُكشَف لك، فتتّجه إلى الله أكثر، وتذكره أكثر، ذكراً تجريديّاً، ليس محدّداً بصورةٍ ولا بشكلٍ، إنّما هو طلبٌ من قوّةٍ لا نهائيّة، ولكنّها قريبةٌ منك، أقرب إليك من حبل الوريد*، ومعك أينما كنت**، "... ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ..."[غافر 60] ، هذا الدّعاء هو سرّ التّواصل، هو سرّ الذّكر، هو الذّكر، أن تظلّ في طلبٍ متواصلٍ، وألّا تنسى هذا الطّلب، وهذه هي الصّلاة، أن تكون في صلاةٍ دائمة.
لا تزكِّ نفسك، "... فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ"[النجم 32]، "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ ..."[آل عمران 191]، ماذا يقولون؟ يقولون: "... رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"[آل عمران 191]، إنّهم لا يقولون: سبحانك، سوف تُدخلنا الجنّة؛ لأنّنا تفكّرنا فيما خلقت، وقمنا فيما أمرت، وسوف تفعل ذلك بالقطع. لا يقولون ذلك.
إنّما يقولون: "فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"، ويقولون أيضاً: "رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ"[آل عمران 192]، إنّهم يعبّرون عن معنى الخشية، إنّهم يدركون أنّهم لا يستطيعون أن يحكموا على أنفسهم، أو أن يزكّوا أنفسهم مهما فعلوا ومهما عملوا، وإنّما تظلّ العلاقة بينهم وبين ربّهم، هي علاقة طلب مغفرة، وطلب رحمة، [لا يدخل الجنّة أحدكم بعمله، حتّى أنت يا رسول الله؟ حتّى أنا، ما لم يتغمّدنِ الله برحمته](3).
والرّحمة هنا، معناها، أنّك لا تدرك معنى علاقتك بالله، فعلاقتك بالله هي أكبر من أن تتصوّرها، ورحمة الله أكبر من أن تتصوّرها، ورحمته أمرٌ غيبيّ عليك. لذلك، فأنت حين تطلب رحمة الله، فإنّك تطلب أمراً غيبيّاً أيضاً، إنّما تأثير هذا الأمر عليك، هو أن تكون في الحال الذي خُلِقت من أجله.
 الإنسان بذلك، يكون في معنى العبوديّة لله؛ لأنّه يفعل كلّ ما هو قادرٌ عليه بعلمه ـ في ظنّه ـ وفي نفس الوقت، يطلب رحمة الله. العبوديّة لله، تؤدّي إلى التّفكر والتّعلّم والذّكر والعمل، كما تؤدّي إلى الدّعاء والرّجاء والطّلب، لرحمة الله، أن تتغمّد الإنسان.
ويظلّ الإنسان في حجابٍ إلى ما شاء الله، لا نعرف كيف سنكون بعد انتقالنا من هذه الأرض، إنّما إدراكنا لمعنى لا نهائية الخالق، أنّنا نخرج من حجابٍ لحجاب، ومن حالٍ لحال، ومن قيامٍ لقيام،  [ويطول بنا إسناد عنعنةٍ حتّى إلى الذّات](4)، فقد يُكشَف حجابٌ لندخل حجاباً، كما يكتشف الإنسان علماً ليدخل في جهلٍ لعلمٍ آخر، من علمٍ إلى علم، ومن معرفةٍ إلى معرفة، ومن حجابٍ إلى حجاب.
عباد الله: نسأل الله: أن يجعلنا من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ..."[الزمر 18]، ومن الذين يرجعون إليه، ويتوبون إليه، ويستغفرونه في كلّ وقتٍ وحين، ويرجون عفوه ورحمته، أن نكون عباداً له خالصين، ولوجهه قاصدين، عنده محتسبين، وعلى ذكره مجتمعين.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أنّ علينا أن نتعلّم مما نراه، وأن نتعلّم كيف ننظر إلى داخلنا، وأن نتواصل مع قلوبنا وعقولنا في كلّ أمرٍ يحدث لنا، في كلّ كلمةٍ نسمعها، في كلّ آيةٍ نقرؤها، في كلّ ما نتوارثه من معارفٍ، في كلّ شيء، علينا أن نتفاعل مع كلّ ما نسمعه ونراه ونقرؤه ـ حتّى نكون أحياءً.
أمّا إذا توقّفنا عن ذلك، بأن نردّد بلا معرفةٍ، وأن نتحرّك بدون علمٍ، وأن نؤدّي بدون فهمٍ ـ فإنّنا بذلك نكون أمواتاً، وأنّ ظنّ العلم ـ في بعض الأحيان ـ بأن يقف الإنسان عند ترديد كلماتٍ سابقة، وأن يكون كلّ علمه، هو أن قال هذا وقال ذاك، ويعتبر أنّ هذا علمٌ، ربّما يكون ظاهر هذا العلم، يؤدّي إلى مواتٍ وليس إلى حياةٍ.
وهذا هو الفارق الأساسيّ بين الذين يرون الدّين أشكالاّ وصوراّ، وكلماتٍ تُردّد، وعباداتٍ تُؤدّى، دون أن يتفاعلوا مع هذه الكلمات، ومع هذه العبادات، ومع هذه الآيات، وإنّما يقتصر علمهم على أن يقولوا من قال هذا ومن قال ذاك ـ الفارق بين هؤلاء، وبين علماء الحقيقة، أو الذين حاولوا أن يكونوا في طريق الحقيقة، ممّن يُطلَق عليهم المتصوّفة، أو من زهدوا هذه الدنيا بشكلها، أو من بحثوا عن الحقّ وتذوُّقِه. الفارق بين الذين أخذوا الظّاهر، وبين الذين أرادوا أن يُرجِعوا البصر إلى داخلهم، وأن يتذوّقوا الكلمات بقلوبهم، وأن يتدبّروها بعقولهم، أدركوا أن الدّين هو تفاعلٌ بين ما أُرسِل وبين الإنسان.
ولذلك، كانوا يقولون أنّ الفقيه، ليس الذي ينقل عن إنسانٍ آخر، ولكنّ الفقيه، هو من يتدبّر في آيات الله وفي أحاديث رسول الله، ليستخرج منها ما يجب أن يقوم فيه الإنسان، وأنّ ما يستخرجه الإنسان، هو أمرٌ خاصٌّ به، قد لا يصلح لغيره. ولذلك، فإنّ كلّ إنسانٍ مطالبٌ بأن يبحث عن الحقيقة بقدره.
وهنا، دائماً ما نفرّق ـ نحن ـ بين ما نصل إليه من علمٍ، وبين المنهج الذي يوصّلنا إلى هذا العلم. فالمنهج الذي يوصّلنا للعلم هو المطلوب، وليس ما نصل إليه. كلّما اتّسع علمك، كلّما وصلت إلى شيءٍ أكثر عمقاً. ولذلك، فلن يصل النّاس إلى نفس الشّيء، وإنّما سوف يصل كلّ فردٍ لما هو له أهل، "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ..."[البقرة 286].
ولكن عليك أن تُعمِل ما أعطاك الله، بقدرك، مهما كان صغيراً، ومهما كان ضئيلاً، لكن أن تهمل عقلك وقلبك ووجودك، فهذا هو الغفلة عن ذكر الله. ذكر الله، هو أن تُفعّل كلّ ملكاتك، في محاولةٍ لأن تكون في صلةٍ مع الحقّ، وأن تكون دائماً قائماً في هذه الصّلة.
فإذا أدّى بك العلم الظّاهريّ إلى إحساسٍ بأنّك أدركت كلّ شيء، وأنّك علمت كلّ شيء، وأنّك أحطت بكلّ شيء، وأنّ ليس هناك شيءٌ لم تعرفه ولم تدركه، وأنّك بذلك في معنى الكمال، فهذا أكبر خطأٍ ترتكبه؛ لأنّ؛ "... فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ"[يوسف 76]، وعليك ألّا تنسى أنّ تطلب رحمة الله، وأن تعلم أكثر، وأن تفهم أكثر.
فإذا كان هذا حال الذين يظنّون أنفسهم علماء، بتحصيلهم لعلومٍ مادّيّة، فهو أيضاً صحيحٌ بالنّسبة لمن يتّجهون إلى الباطن، ويعتقدون أنّهم وصلوا إلى أعلى مرتبةٍ روحيّة على هذه الأرض. في كلتا الحالتين، ينسى الإنسان أنّه عبدٌ لله، وأنّه في معراجٍ لا نهائيّ، عليه ألّا ينسى ذلك.
عباد الله: نسأل الله: أن يجعلنا إليه مفتقرين، غير متكبّرين ولا متعالين، وإنّما لرحمة الله طالبين، ولوجهه قاصدين، نسأله أن يجعلنا أهلاً لرحمته، وأهلاً لعلمه وحكمته.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن أرضنا، وعن بلدنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّا إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم فألّف بين قلوبنا، اللهم طهّر قلوبنا، اللهم ألّف بين أرواحنا، اللهم طهّر أرواحنا، اللهم زكّي نفوسنا، اللهم اثلج صدورنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.    
________________________________________________

(1)  مقولة لابن عطاء الله السكندري.

(2)  "إني أتقاكم لله وأخشاكم له" حديث شريف أخرجه مسلم في صحيحه كما ورد في موطأ مالك ومسند أحمد بصيغ    مختلفة.

        * "... وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" [ق 16].

       ** "... وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ..."[الحديد 4].

(3)  حديث شريف رواه أحمد بهذا اللفظ ، ورواه البخاري ومسلم هكذا : "سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لن يُدخِل الجنة أحداً عمله ، قالوا ولا أنت يا رسول الله ، قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة ".

        (4) مقولة لمحي الدين بن عربي.





الدّين هو تفاعلٌ بين الآيات وبين الإنسان، تفاعلٌ يُمكّنه من أن يكون إنساناً حقّاً


حديث الجمعة 
6 رجب 1439هـ الموافق 23 مارس 2018م
السيد/ علي رافع


حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
عباد الله: إنّا نذاكر أنفسنا دائماً، بأن نتأمّل في آيات الله، وأن نعكس هذا التأمّل إلى داخلنا، لنرى مدى استقبالنا لما فهمناه، ولما أدركناه.
وآيات الحقّ توقظ في داخلنا معانٍ، ربّما تكون نفوسنا قد حالت بيننا وبينها، فإذا استمعنا إلى الآيات، وأرجعنا البصر إلى داخلنا، وجدنا ما كانت نفوسنا بظلامها تخفيه عنّا.
إنّ داخل الإنسان أسرارٌ كثيرة، وعلومٌ كثيرة، وثرواتٌ كثيرة، كما ما هو موجودٌ في الأرض في داخلها. والنّاس، ينقّبون عن هذه الثّروات في داخل الأرض، فيجتهدون، ويطوّرون آلاتٍ وأدواتٍ تُمكّنهم من رؤية ما في داخل الأرض، ثمّ يستخدمون آلاتهم للوصول إلى ما هو مخبّأٌ في داخلها.
والإنسان في حاجةٍ إلى ما يُمكّنه أن يرى ما في داخله، قبل أن يتّجه بالتّنقيب عمّا هو موجودٌ فيه، وآيات الله، هي أدواتٌ تساعده على أن يرى ما في داخله، "الرَّحْمَٰنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ،عَلَّمَهُ الْبَيَانَ، الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ، وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ"[الرحمن 1 ـ 9]، هذه الآيات، يوم يتأمّل فيها الإنسان، ستساعده أن يرى ما في أعماقه.
"خَلَقَ الْإِنسَانَ،عَلَّمَهُ الْبَيَانَ"، "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا .."[البقرة 31]، "وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ"[الذاريات 21]، تأمُّلنا في هذه الآية وفي غيرها، هو ما أدّى بنا أن نتفهّم ما أشرنا إليه في بداية حديثنا، من أنّ الإنسان فيه أسرارٌ كثيرة، "عَلَّمَهُ الْبَيَانَ"، تعبيرٌ عن ذلك. فإذا كنت في البداية، لا تدرك أنّ بك أسراراً كثيرة، وقرأت هذه الآية، وتأمّلت فيها، لبدأت تفكّر في معنى: "عَلَّمَهُ الْبَيَانَ"، وكيف تربط بينها وبين "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا".
ما هو البيان؟ قد تقول أنّه قدرتك على التّعبير، وهو أيضاً أمرٌ مهمّ، فقد تَميّز الإنسان بهذه القدرة بصورةٍ واضحةٍ جليّة، واستطاع أن يحوّل هذه القدرة إلى قواعد وإلى أصولٍ، ويحلّلها ويبحث فيها، في علوم اللغويات والصّوتيات، وهذا جانبٌ من العلم ومن البيان، وواحدٌ من الملكات التي يملكها الإنسان.
        والإنسان، يملك ملكاتٍ كثيرة، من قدرةٍ على الرّؤية وعلى التّعرّف على الأشياء من ناحية البصر، كما أنّ عنده قدرةً على الرّؤية العقليّة، وهي تحليل الأمور وتفهّمها والتّعرّف على ما وراءها، عنده هذه القدرة على التّحليل وتحويل نتائجه إلى علمٍ جديد، يخزّنه في أعماقه، ويبقى لديه مخزوناً في عقله وفي وجدانه.
فإذا تعلّم الإنسان ذلك، أدرك معنى: "عَلَّمَهُ الْبَيَانَ"، ومعنى خَلْقِه كإنسان، عنده هذه القدرات والإمكانات. هذه الآية، تجعله ينتبه إلى هذه القدرات والإمكانات، التي ربّما يستهين بها ولا يُفعّلها ولا يُقدّرها، ويعرف أنّ عنده قدرةً على الرّؤية، وليس مجرّد النّظر. فهناك فارقٌ بين أن تنظر فتبصر أشياءً بخارجها وتستخدم عينيك لترى ذلك، وبين الرّؤية التي هي تنظر إلى عمق الشّيء وتحلّله.
إن الذي يبصر فقط بعينيه، لا يرى الجمال من القبح، وإنّما تستوي عنده الأشياء، فهي أشياء لا تعني بالنّسبة له إلّا أنّه يراها، فإذا كانت حائلاً في طريقه، يتجنّبها، وإذا كانت ليست كذلك، يتركها، لا ينظر إليها، لا يرى فيها جمالاً ولا قبحاً، لا فائدةً ولا ضرراً.
وإنسانٌ آخر، يرى الأشياء فتوحي له بمعانٍ كثيرة، فيرى القبح والجمال، ويميّز بينهما، ويتأمّل فيما وراء الأشياء، وكيف وُجِدت، وكيف خُلِقت، "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ..."[العنكبوت 20]. إلتفات الإنسان إلى هذه القدرات، يوم يتأمّل في: "خَلَقَ الْإِنسَانَ،عَلَّمَهُ الْبَيَانَ".
فإذا رأى ذلك في وجوده، علِم أنّ هذه القدرات، يمكن أن تنتج أشياءً كثيرة، وعلوماً كثيرة، فقدّر وجوده، قدّر عقله، وقدّر قلبه، وقدّر كلّ إمكاناته وقدراته. فبذلك، يكون قد اكتشف شيئاً في أعماقه، كشف هذه القدرة فيُفعّلها في أن يتفهّم أكثر الحياة من حوله، وأن يتأمّل في آيات الله أكثر من حوله، ويعلم أنّ عنده أدواتٍ تُمكّنه من ذلك، وهي ذكر الله، هي تنمية هذه القدرات فيه.
تُذكِّره آيات الله: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ..."[البقرة 286]، والتّكليف هنا، هو عطاءٌ وليس مجرّد أوامر تنفّذ، وإنّما تنفيذها يؤدّي إلى رقيٍّ للإنسان، وإلى أن يصبح الإنسان أكثر قرباً من الحقيقة، فيتعلّم الإنسان من آيات الله، هذه الأدوات.
"وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ"، فيا أيّها الإنسان الذي علمناك البيان، إعلم أنّك إلى الرّفعة مخلوق، وإلى السّماء متّجه، وأنّ السّماء هي مقصودك، وأنّ الحياة الآخرة هي مطلوبك، وأنّ استمرارك في الحياة هو طريقك، وأنّ ذلك لا يكون إلّا بأن تقيم العدل فيك، وأن تقيم العدل في تصرّفاتك ومعاملاتك.
"وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ"، فالميزان هنا، هو عمل الإنسان، والتّوازن في الأخذ والعطاء. هذه الوسيلة، تجعل الإنسان أكثر قدرةً على الرّؤية، وعلى أن يجد ما يبحث عنه في أعماقه، وهذا يشمل كلّ شيءٍ يرقى بالإنسان. وآياتٌ كثيرة، تُذكِّر الإنسان بذلك، وتربط بين فهمه ورقيّه، وبين آيات الله حوله وفي داخله.
"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ"[آل عمران 190]، ماذا يفعل هؤلاء؟ ماذا يفعل أولو الألباب؟ "... يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ..." [آل عمران 190].
هذه الأدوات التي أُعطِيت للإنسان، ليكون أكثر قدرةً على أن يرى ما في داخله، وأن يرى فيما هو الكون عليه ـ ما وراء هذا الكون، وأن يصبح قادراً أن يصل إلى أعماق وجوده، ليستخلص ما في هذه الأعماق من حكمةٍ موجودةٍ فيه بفطرته، وأن ينظر في الخَلْق حوله، ليبحث فيما يحدث حوله، عن قوانين تُمكّنه من أن يعرفها أكثر.
 وهذا ما نعبّر عنه كثيراً بمعنى: أنّ الدّين هو تفاعلٌ بين الآيات وبين الإنسان، تفاعلٌ يُمكّنه من أن يكون إنساناً حقّاً. 
آياتٌ وآيات، تُمكّن الإنسان من أن يعلم، وأن يتعلّم، وأن يبحث في أعماقه، وهو في نفس الوقت، يعلم أنّ كلّ ما يراه، هو مرتبطٌ بقدرته هو على أن يرى، وأن يسمع، وأن يتأمّل، وأن يتفكّر، وأنّ هذه القدرات وهذه الطّاقات، لا تكتمل إلا بعطاء الله. فالغيب موجودٌ دائماً في حياة الإنسان، والإنسان ما هو إلّا ظلٌّ لله على هذه الأرض.
"اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ..."[النور 35]،  وبنور الله ترى كلّ شيء، ولكن رؤيتك مرتبطةٌ بقدرتك على الرّؤية. فكما نرى الضّوء وهو يسقط على الأشياء، فبانعكاسه عنها، تراها، وإذا لم يوجد الضّوء لن ترى شيئاً، ولكن أيضاً هناك جانبٌ فيك، فإذا كنت لا ترى، فلن ترى، "... صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ"[البقرة 171].
فهنا، نجد أنّ هناك أطرافاً كثيرة في هذه القضيّة، هناك الغيب، وهناك الشّيء الذي ينعكس مِنْ عليه ما سقط عليه مِنْ غيب، وهناك الإنسان الذي يستقبل هذا الانعكاس. إذا أدركنا ذلك، علِمنا معنى: "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ".
كلّ هذه المعاني، إذا نظرنا إلى داخلنا، لوجدنا أنّها موجودةٌ فينا بفطرتنا، وإن كنّا نعبّر عنها بصورةٍ أخرى، إذا أردنا أن نكون أكثر دقّةً، ونظرنا إلى ما وصلت إليه البشريّة من مفاهيم كثيرة في أسلوب الحياة على هذه الأرض، لوجدنا أنّ هذه التجّربة البشريّة، تعكس ما هو موجودٌ في فطرة الإنسان.
الإنسان في قديم، كان لا يحاول أن يبحث عن أيّ وسيلة يُقوِّم بها أشياءً تحدث له، ويظنّ أنّها لا قبل له بها، وأنّها غيب، فكان يخلط بين ما يستطيع أن يفعله، وبين أنّ هناك أشياءً لا يعلمها، فيستسلم بما فيه من ظلامٍ ومن رغبةٍ في التّكاسل وعدم الفعل، عن أن يأتي بأيّ أمرٍ يقرّبه من أن يحلّ مشكلةً، أو أن يقاوم مرضاً، أو أن يغيّر شيئاً في هذه الأرض.
ومع مرور الوقت، وبالتّجربة، وجد الإنسان أنّ عنده قدراتٍ تُمكّنه من التّغيير، فبدأ يفكّر في خلق أدواتٍ وأدواتٍ، ليعيش على هذه الأرض في صورةٍ أفضل، إلى أن وصل أن يفصل بين قدراته وبين الغيب؛ لأنّه رأى أنّ البعض يستخدم الإيمان بالغيب، لإفشال أيّ محاولةٍ للتّغيير.
وهذا ما حدث في تاريخ الأديان في مجتمعات كثيرة، من أنّ الإيمان بالدّين كغيبٍ، أدّى إلى تَعطُّل هذه المجتمعات عن أن تتعلّم، أو أن تُغير، أو أن تفهم ما تراه من ظواهر في الطّبيعة وفي الحياة، ففصل بين الغيب وبين الشّهادة، وآمن بالعلم المادّيّ على أنّه الوسيلة لأن يتقدّم الإنسان على هذه الأرض، حتّى لا تُعطّله هذه المفاهيم الزّائفة، التي كان يروّجها من ينتسبون إلى الدّين.
ولكنّ الإنسان في حاجةٍ دائمةٍ لمن يُذكّره أنّ ـ ربّما ـ الذي وصل إليه، لا يكون هو الأفضل بالنّسبة له. ومن هنا، كانت الرّسالات السّماويّة وهي تحاول في داخلها أن توضّح هذا الرّباط، وهذا الفصل أيضاً، بين الغيب والشّهادة
فنجد أنّ الإسلام بالرّسالة المحمّديّة، ركّز على هذه الأمور، وكذلك الآيات التي جاء بها كتاب الله، المرسل مع رسول الله محمّدٍ بن عبد الله، جاء ليوضّح كثيراً من هذه الأمور، ولكنّ الذين لا يقرأون، ولا يتأمّلون، ولا يتدبّرون ـ حوّلوا الآيات إلى عكسها.
جاءت الآيات لتُكبِر من الإنسان وقدراته، ومن الاجتماع على أمرٍ، ومن التّفهّم لِما هو موجودٌ على هذه الأرض، وأعطت الإنسان هذه الأمانة، وهذه الخلافة على الأرض، ولكنّ بعض النّاس رفضوا أن يأخذوا هذه الأمانة، وظنّوا أنّ الدّين هو أن يتّبعوا تعليماتٍ صمّاء، لا روح فيها، ولا تفاعل معها، فحوّلوا كلّ ما آتاهم ليتفهّموا ويتفكّروا ويتدبّروا، إلى تكرارٍ لكلماتٍ جوفاء، ولأمورٍ لا معنى لها، إلّا من رحم الله.
والذين فصلوا الغيب تماماً عن حياتهم، لو قرأوا آيات الله التي تحثّهم على أن يفعلوا ما يفعلون على أرضهم بعلمهم، وأنّ هذا لا يتعارض مع أن تكون لهم صلةٌ بربّهم وغيبهم، بل أنّ هذا ربّما يساعدهم أكثر على فهم أرضهم وحياتهم.
فجاء مفكّرون كثيرون وفلاسفة، ليتأمّلوا في هذه الأمور ويتدبّروها، وينقدوا هذه النّزعة التي تفصل الإنسان تماماً عن غيبه وعن ربّه، وأن الإنسان لا يعني أنّه مؤمنٌ بالله، أو بالغيب، أو بما وراء الطّبيعة ـ  أن يأتي بأفعالٍ لا معنى لها على أرضه، بظنّ أنّ هذا الغيب يأمره بذلك، وإنّما على العكس تماماً، عليه أن يتفكّر، ويتعلّم ما هو أفضل له بقدراته، وأن يعلم أيضاً، أنّه في حاجةٍ لأن يكون على صلةٍ بالغيب، ليكون أكثر قدرةً على الحياة في صفاءٍ، وفي سلام.
هكذا نتعلّم من آيات الله لنا، وننظر في أرضنا، لنتعلّم ممّا حدث عليها، ومما يحدث عليها، في حياتنا، وفي معاملاتنا، وفي المجتمعات حولنا، وفي مجتمعاتنا ـ لنفهم أكثر، ونتعلّم أكثر.
نسأل الله: أن يجعلنا من "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" [آل عمران 190].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أنّ الإنسان في حاجةٍ دائمة، لأن يتعلّم من آيات الله، وأن هذا التّعلّم يساعده أكثر على أن يكتشف ما في داخله من أسرارٍ ومن حقائق، وأن يرى قبل ذلك معنى الحقّ فيه ومعنى الحقّ حوله بنور الله، ويعلم أنّ رؤيته، هي رؤيةٌ تتناسب مع أهليّته، ومع ما أعدّ نفسه له، فلا يطلق الأحكام، ولا يعتقد أنّ ما يراه هو الحقّ المطلق.
وإنّما قد يكون هناك ما هو أفضل منه، لو هو قوّم نفسه أكثر، وعلّم نفسه أكثر، ودرّب نفسه أكثر، وذكر الله أكثر، وصدق فيما يقوم فيه، وأقام العدل فيه، وأقام العدل بينه وبين غيره، فأقام الوزن بالقسط ولم يخسر في الميزان، وأدرك معنى ما علّمه الله من بيان، وما خلقه عليه، وأقام فيه هذه القدرة على أن يزن الأمور، وجعل هذا الميزان فيه، هو ما يرفعه إلى أعلى، وما يرقى به إلى السّماء.
عباد الله: علينا أن نتدبّر آيات الله، وأن نربط بينها وبين أن نعكس البصر إلى داخلنا، وأن نرى العالم حولنا أكثر، لا نكون فقط ننظر بعيوننا، ولكن ننظر ونرى بعقولنا وعيوننا.
عباد الله: نسأل الله: أن يجعلنا أهلاً لذلك، وأن يوفّقنا لما هو أفضل لنا، ونستغفر الله أن نكون قد قلنا زوراً، أو غشينا فجوراً، أو كنّا بما علمنا مغرورين.
نسأل الله دائماً: أن يغفر لنا ما تقدّم من ذنبنا وما تأخّر، وأن يجعلنا أهلاً لرحمته الدّائمة القائمة المستمرّة، وأن نكون له دائماً راجعين، وعليه متوكّلين.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.


الأحد، 25 مارس 2018

كيف يكون الإنسان هذا "النَّجْمُ الثَّاقِبُ"؟


حديث الجمعة 
28 جمادى الآخرة 1439هـ الموافق 16 مارس 2018م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
عباد الله: تدبّروا آيات الله، واعلموا أنّ كلّ ما جاءت به آيات الله، موجودٌ في فطرتكم، فيما تعقلون، وفيما تستحسنون، وفيما عليه تجتمعون، في كلّ ما يُصلِح حالكم، في كلّ معروفٍ عرفتموه، وفي كلّ منكرٍ تركتموه.
"فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ"[الطارق 5]، يوجّهكم أن تنظروا إلى كيفيّة خَلْقِكم على ظاهر أرضكم، وفي هذا، انطلاقكم إلى سماء وجودكم، "السَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ"[الطارق 1 ـ 3].
إنّ كلّ بدايات الآيات، التي قد يرى البعض فيها أنّها مجرّد قسمٍ بظاهرة، ولا يربطون بين هذا القسم وبين ما يجيئ بعده، لا يحاولون أن يفهموا، أو أن يتأمّلوا، أو أن يتدبّروا، بين هذه البداية وبين ما يجيئ بعدها.
فلنتأمّل معاً في معنى هذه الآيات، ونقول: نتأمّل ـ كما نقول ذلك دائماً ـ؛ لأنّ الله أعلم بآياته، وإنّما نحن مطالبون بأن نتفكّر ونتدبّر فيها، كلٌّ بقدره. فالذي يرى أنّها مجرّد قسمٍ، ثم يذهب بعد ذلك إلى الآيات، فهذا فهمه. والذي يريد أن يتعمّق أكثر، فهذه رغبته، ليتعلّم، وليتفكّر، وليتدبّر.
السّماء في دوامٍ ترمز إلى الأعلى، وإلى ما وراء هذا الكون، إلى الغيب الذي نصبو إليه في معراجنا، وفي محاولة رقيّنا بوجودنا. وطارق هذا الغيب، طارق هذا الغيب هو الإنسان في وجوده، الذي يبحث عن الحقيقة، يبحث عن معنى حياته ومعنى وجوده. إنّه كالنّجم الذي ينطلق إلى أعلى، الذي يخترق هذه الحجب التي تمنعه عمّا وراءها.
كيف يكون الإنسان هذا "النَّجْمُ الثَّاقِبُ"؟ لا يكون كذلك، إلّا بأن يرجع إلى وجوده، وإلى خَلْقه، وإلى قيامه، وإلى فطرته ـ إذا أراد أن يكون نجماً ثاقباً، ينطلق في سماء العُلا، فعليه أن يرجع إلى أصوله وإلى جذوره.
"فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ"، ينظر إلى نشأته الأولى، وقد كان في "...  فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ"[المؤمنون 13]، مضغةٌ غير مخلّقة*، ثمّ تخلّقت، بدايته قانونٌ أوجده الله للتّكاثر على هذه الأرض، وجعل من هذا القانون سبباً لوجوده الأرضيّ، جعل لكلّ شيءٍ سببا.
خلق الله الإنسان، وهنا ندرك الفرق بين المعنى المجرّد الذي هو وراء كلّ شيء، فالله هو الذي أوجد كلّ شيء، وخلق كلّ شيء، كمعنىً مجرّدٍ مطلق، وخلق الأسباب ـ أيضاً ـ التي يمكن أن تشاهدها على أرضك بتحقيق هذا الخَلْق. فهذا أوّل درسٍ يفهمه الإنسان، أنّ وجوده على هذه الأرض، مرتبطٌ بقوانينها التي أوجد الله، وعليه أن يتعلّمها وأن يتفهّمها.
وكما خلقه، فإنّه يُرجِعه، وإن كان قد أوجده بقانونٍ، فسيرجعه** بقانون. وإذا كان الإنسان قد تعلّم اليوم بعضاً من قانون إيجاده، ففي قديمٍ لم يكن يعلم شيئاً، وسوف يعلم عن قانون إرجاعه، يوم يكون في وجودٍ، منه يرجع، كما هو اليوم في وجودٍ، فيه خُلِق.
"... كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ"[الأنبياء 104]، وهذا أمرٌ غيبيٌّ علينا، له تجلٍّ في الظّاهر، في وجودنا، وفي تكاثرنا، وفي خَلْقِنا على هذه الأرض.
فإذا أردت أن تكون "النَّجْمُ الثَّاقِبُ"، فعليك أن تتعلّم قوانين هذه الأرض، وعليك أن تسير في الأرض فتنظر كيف بدأ الخلق، وعليك أن تجتهد وتتعلّم، وأن تبحث وتُطوّر، وأن تبني وتعمّر. وتعلم أن وجودك على هذه الأرض، له وقتٌ، ومحدودٌ بوقتٍ، لا حول لك ولا قوّة، وُجِدت ولا تعرف متى تغادر.
إنّك اليوم، عندك من القدرة ما تستطيع به أن تغيّر على هذه الأرض، خلّفك الله على هذه الأرض، "... إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ..."[البقرة 30]، ومكّنك عليها، بما أعطاك من قدرةٍ على العلم والتّعلّم، ولكن هذه الطّاقة محدودةٌ بوقت، "يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ"[الطارق 9]، سيجيئ وقتٌ عليك وأنت على هذه الأرض، حتّى قبل أن تغادرها، لا تستطيع أن تفعل شيئاً.
إنّك وأنت تستطيع أن تفعل شيئاً، دائماً تُذكّر نفسك أنّ لا حول ولا قوّة إلّا بالله، بل أنّك في كثيرٍ من الأمور لا تستطيع أن تفعل شيئاً، وأنت في هذا الوضع تكون في معنى: "يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ" أيضاً، تصبح قدراتك محدودة، وهي كذلك دائماً، ولكنّك في أمورٍ ترى أنّك تغيّر فعلاً، وتحدث فارقاً في حياتك وحياة من حولك، وفي أحيانٍ أخرى، لا تستطيع أن تفعل شيئاً، "يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ، فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ"[الطارق 9، 10].
تأمّل في كلّ ذلك، وتعلّم كيف تتعامل مع كلّ حالٍ من هذه الأحوال، لماذا؟ لتكون "النَّجْمُ الثَّاقِبُ".
وكما تنظر إلى نفسك، أنظر في كلّ الظّواهر التي تحيط بك، "وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ، وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ"[الطارق 11، 12] أنظر إلى ما يأتيك من الغيب في كلّ صُوَرِه، في كلّ الظّواهر التي تحدث ولا تعرف لها سبباً، بل فيما يحدث لك ولا تملك له دفعاً.
فقانون "السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ"، هو كلّ ما يجيئ لك من الغيب، إنّه في ردّ أعمالك إليك، سواء كانت هذه الأعمال أعمالاً صالحة، أو أعمالاً طالحة.
"وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ، الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ، يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ"[الهمزة 1 ـ 3]، "وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ"، تجعله: "كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ"[الهمزة 4]، يرى نتيجة هذا الفهم، وهذا الفعل.
كالإنسان الذي "..دَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا"[الكهف 35]، فوجدها "... خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا ..." "[الكهف 42]، إنّه الحديث الذي يخاطب الغيب به الإنسان.
وكذلك، كالحال الذي وصفه بعض القوم حين قالوا: [ضاقت ولمّا استحكمت حلقاتها .. فُرجت وكنت أظنّها لا تفرجُ](1)، "وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ"، جاءت بالفرج.
"وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ"، إنّه كلّ ما يُحدثه الإنسان على هذه الأرض، إنّه كالأرض يوم تُخرِج كلّ ما فيها، هو يُخرِج ما فيه من خيرٍ أو شرّ، وتجيئ السّماء بالرّجع، فهي علاقة الأرض بالسّماء، والسّماء بالأرض.
"إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ، وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ"[الطارق 13، 14]، قد لا يجد بعض النّاس لهذه العلاقة وجود، يرون هذا الحديث هزلاً، ويرى المؤمنون أنّه قولٌ فصل؛ لأنّهم يدركون أنّ حدود رؤيتهم على هذه الأرض ضيّقةٌ وقاصرة، وأنّ هناك ما يدركون، وهناك ما لا يدركون وما لا يعلمون، وهذا هو الإيمان بالغيب.
"إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا، وَأَكِيدُ كَيْدًا، فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا"[الطارق 15 ـ 17]. الكافرون هنا، هم من لا يعملون بقانون الحياة، لا يتفكّرون، ولا يتدبّرون، يعتقدون أنّهم يعلمون كلّ شيء، ويدركون كلّ شيء، ويفقهون كلّ شيء، لا يُرجِعون البصر إلى داخلهم، وإلى وجودهم، وإلى حياتهم، وإلى أرضهم، ولا يحبّون أن يقولوا أنّهم لا يعلمون، وأنّهم لا يدركون، فهم العالمون المدركون العارفون بكلّ شيء.
هؤلاء الذين يظنّون ذلك، هم الكافرون؛ لأنّ الكفر هو ألّا ترى، بل أن تحاول أن تخمد ما ترى، وأن تضع حاجزاً حتى لا ترى، فتنكر كلّ شيء، وترفض كلّ شيء، تعيش في عالمٍ اصطنعته، وفي وجودٍ تصوّرته، لا تريد أن تنظر إلى ما هو حولك بصدق، ولا إلى خَلْقِك بصدق، وإلى ما يحدث لك بصدق.
"إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا"، هذا هو حالهم. والكيد هنا، أنّهم يوظّفون كلّ ما أعطاهم الله ليخفوا حقيقتهم، وليحاولوا أن يخفوا عن النّاس ـ كذلك ـ حقيقة وجودهم. إنّ الذين "يَكِيدُونَ كَيْدًا"، هم الذين يسيرون ضدّ تيار الحياة وضدّ قانون الحياة، بظنّ أنّهم يفهمون، فهل سوف يصلون إلى شيء؟
هل تستطيع أن تسير ضدّ قانون الحياة في أيّ أمرٍ، وفي أيّ حال؟ هل تستطيع أن تزرع بلا ماء، وأن تحصد بلا عناء، وأن تُلِين الحديد بلا نار، وأن تغيّر نفسك دون علم، وأن تُصلِح مجتمعك بلا معرفة، وأن تُقيم مجتمعاً بلا عدل؟
هؤلاء الذين يتصوّرون ذلك، هم الذين "يَكِيدُونَ كَيْدًا"، والحقّ قانونه سارٍ لا يتغيّر، من الأزل إلى الأبد، ما دام هذا الوجود قائماً، وهذا تأمّلنا في معنى: "وَأَكِيدُ كَيْدًا، فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا"، وهذا قانون الله على هذه الأرض، أنّه يعطي الإنسان وقتاً كافياً لعلّه يفيق، ولعلّه يرجع إلى الحقيقة.
يعطيه من الآيات ما قد يجعله يفيق، يعطيه بقانون "السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ"، لعلّه يفيق ويخرج من كفره إلى إيمانه "... الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا ..."[النساء 137] ، هناك من لن يرجع إلى كفره، وهناك من سيرجع ويزداد في كفره، هكذا هي الحياة.
فلو نظرنا إلى هذه السّورة وآياتها، إنّها تعطينا فهماً عن معنى وجودنا، وكيف ننطلق في سماء معراجنا، ولا يكون ذلك إلّا بالرّجوع إلى أصولنا، والتأمّل على أرضنا، والإيمان قبل كلّ شيءٍ بالغيب، "ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ..."[البقرة 2، 3].
عباد الله: نسأل الله: أن نقرأ آيات الله، وأن نتعمّق في فهمها، وأن نكون أهلاً لتلمّس معانيها، ونستغفر الله أن نقول زوراً، أو نغشى فجوراً، أو نكون بما أعطانا الله مغرورين، إنّما نستغفره دائماً، ونرجع إليه دائماً، نسأله رحمةً، ومغفرةً، وفضلاً وكرماً.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله .
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن نتأمّل في آيات الله، وأن نتأمّل في الآيات التي تربط بين معراجنا وبين واقعنا على أرضنا، والآيات التي تأمّلنا فيها اليوم، هي من الآيات التي فيها هذا الرّبط، ومن السّور التي أوضحت بآياتها هذه العلاقة، بين الانطلاق في السّماء وبين ما يجب أن نفعله على الأرض. وضّحت العلاقة بين الغيب والشّهادة، وبين الذين يؤمنون والذين يكفرون، وما هو عليه الإنسان في واقع هذه الحياة الأرضيّة.
فإذا قرأنا هذه الآيات، تعلّمنا كيف نكون أكثر قراءةً لواقعنا، ولحالنا، ولوجودنا، ولخَلْقِنا، ولكلّ الآيات حولنا، ولحديث السّماء لنا، ولما تُخرِج الأرض من داخلها، فيما نفعله في أرضنا، وفي أرض وجودنا، في قيامنا، في أجسادنا، في ذواتنا التي هي أرضٌ تتصدّع وتُخرِج ما فيها، سواء كان ما تُخرِجه صالحاً أو طالحاً، سواء كان ما تُخرِجه نافعاً أو غير نافع.
الإنسان هو أرضٌ، والغيب بالّنسبة له سماء، وعلاقته بالغيب هي علاقة تلقّي نفحاتٍ، سواء كان ظاهرها عذاباً، أو ظاهرها رحمةً، "... بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ"[الحديد 13]. وقد يكون ظاهره رحمةً وباطنه عذاباً، يوم لا يفهم الإنسان ما أنعم الله به عليه، ولا يُحسِن ما أعطاه الله، فقد أعطاه كثيراً، ظاهره رحمة، ظاهره عطاء، ظاهره نعمة، ظاهره خير ـ ولكن هو بالنّسبة له، يوم لا يعرف كيف يتعامل معه، هو عذابٌ؛ لأنّه لن يجعله أفضل.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون أهلاً لنفحات السّماء، وأن نتعلّم ممّا يصيبنا، وأن نُخرِج أحسن ما فينا، وأن نتعلّم، وأن نحاول أن نُحسِن فيما نقوم به، بقدر استطاعتنا، وبقدر فهمنا، وبقدر عقولنا، وأن نجتمع دائماً على ذكر الله، وعلى طلب الله، وعلى مقصود وجه الله، وأن نتواصى بالحقّ والصّبر بيننا، وأن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وأن نكون عباداً لله صالحين.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه النّاس حولنا.
اللهم ونحن نتّجه إليك، ونتوكّل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك.
اللهم فاكشف الغمّة عنّا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنّا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه السّاعة ذنباً إلّا غفرته، ولا همّاً إلّا فرّجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلّا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا، يا أرحم الرّاحمين ارحمنا.
________________________________
  * يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ..."[الحج 5]. 
  ** "إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ"[الطارق 8].
   (1) من شعر الإمام الشافعي:
ولربّ نازلةٍ يضيق لها الفتى ..... ذرعاً وعند الله منها المخرجُ
ضاقت فلمّا استحكمت حلقاتها ..... فُرجت وكنت أظنّها لا تفرجُ