الأحد، 1 نوفمبر، 1998

لماذا يرفض الطفل إن شاء الله

جاءتني صديقة وأخذنا نتجاذب أطراف الحديث، فذكرت لي ضاحكة عن طفلها الذي غضب كثيرا وأخذ يبكي عندما طلب منها أن تشتري له لعبة أعجبته، فردت قائلة: "إن شاء الله". كان الطفل فطنا إذ اعتبر أن عبارة "إن شاء الله" تهربا من الموقف، ورفضا لرغبته في اقتناء اللعبة.‏
هكذا نستخدم الكثير من العبارات الجميلة استخداما تقليديا لا نعنيه وبذلك تصبح غير ذات دلالة، ولا معنى لها. كان الطفل محقا في غضبه، فلا بد أنه تعرض لمواقف مماثلة فأصبحت عبارة "إن شاء الله" عبارة سلبية. وإذا ترسخ هذا في وجدانه فإن تداعياته على سلوكه المستقبلي ستكون سلبية أيضا.‏
ذلك أنه سيستنتج أن الإنسان إذا أراد أن يقدم على فعل شئ صادقا، سيكون في غير حاجة إلى استخدام هذه العبارة، وأما إذا أراد أن يؤجل أمرا إلى أجل غير مسمى، فهو ينسب موقفه إلى الله (استغفر الله).‏

وفي واقع الأمر فإن هذه العبارة يجب ألا تقال إلا عندما يكون الإنسان واثقا أنه سيقوم بالعمل، وليس العكس" ولا تقولن إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله". نية القيام بالفعل يجب أن تكون حاضرة قائمة، وإدراك أن هناك عاملا غيبيا قد يحول بيني وبين الوصول إلى الغاية التي أريدها يجب أيضا أن يكون حاضرا. وفي هذا تذكرة دائمة للإنسان أنه يجب عليه ألا يطغى أن رآه استغنى. فمهما كانت قوته، وقدرته وإرادته فإن إدراكه للقوى الغيبية يجب أن يكون حاضرا وبهذا يحدث التوازن بين الهمة والثقة في النفس من ناحية وبين تقوى الله من ناحية أخرى. هذه الخشية تعتبر له وجاء ووقاية من طغيان النفس وتجبرها.‏
سيدرك الميسور ماديا أنه ليس قويا بماله وإنما بإيمانه، فقد يضيع كل شئ في لحظة. ويدرك من في يده السلطة أنها لن تنفعه إذا فقدها، فليس له أن يتمسك ويستمسك بها. إذا حافظ الغني على ماله، وعمل من بيده السلطة على أن يظل في موقعه، فهذا أمر طبيعي تماما، ولكن إتباع الأسباب مع إدراك العامل الغيبي، والتأدب معه، يعطي الإنسان خشية، ويجعله في استقامة في أي موقع يتخذه.‏
وعندما يتحدى الإنسان إرادة الله، ويظن أنه قادر عليها، فإنه سرعان ما تنكسر شوكته وتتحطم عزيمته إذا ما جابهته العقبات، وإذا جاءت الريح بما لم تشته السفن. بينما الوعي بالمشيئة الإلهية، يمنح الإنسان قدرة مستمرة على التكيف مع ظروفه، ومحاولة دائمة لعدم فقدان الهمة والثقة، مدركا أنه إذا ما أُغلق باب، فقد يكون هناك آخر في طريقه إلى الانفراج.‏
تحكي لي صديقة أخرى عن تجربة قامت بها مع الله وهي في سن الشباب والمراهقة، فقد كانت سعيدة مقبلة على الحياة، وتشعر أن كل شئ جميل في يدها، ولا ينقصها شئ. وكانت تسمع الدروس الدينية من أسرتها القبطية. وفي هذا السن المتفتح أرادت أن تقوم بتجربة فقالت يا ربي ها أنا قادرة أن أفعل كل شئ، إذا أردت أن أذهب إلى السينما اليوم ما الذي يمكن أن يمنعني! إنني أستطيع أن أتفق مع صديقاتي وأن نذهب، فهل تستطيع أن تمنعني؟
واتفقت فعلا مع صديقاتها، وفي طريقها إلى السينما وقعت وكسرت قدمها، وكان من المستحيل أن تكمل طريقها إلى ما أرادت أن تذهب إليه، وذهبت إلى المستشفى بدلا من السينما لتضع قدمها في جبس لمدة طويلة تعدت الشهر.‏
تقول لي صديقتي: من هذه الحادثة أدركت أن الله يحبني، فلم يتركني في الضلال، ولكن نجاني، وكلما ظننت أنه تخلى عني فإنني أجد دائما أن ما ظننته سوءا هو في صالحي. أخرج من مكاني في عملي ظلما، فإذا بي أقابل رفيق الحياة في المكان الآخر، ويصبح هذا الارتباط بالنسبة لي هو نعمة أحمد الله عليها دائما. ولهذا فإنني لا أفقد الأمل أبدا. ولا تخلو الحياة من الصعاب والآلام والمشاكل، ولكن يضيئها لي إنني أعرف أن حكمته لا نحيط بها علما، ومحبته غامرة. وهذا يشد أزري ويساعدني.‏
هذه الصديقة تجاوزت السبعين من العمر، ولكنها تقبل على الحياة من حيث الجد والاجتهاد والعمل بما لا يستطيعه الشباب، حتى أن ابني الشاب كان في زيارتها، ورأى الجهد الذي تبذله في عملها، فعاد إلى المنزل وقد ملأه النشاط والحماس، وبدأ في تنظيم حجرته وأدواته وقد كنت قد أفرغت كل ما في جعبتي من النصح والإرشاد له أن ينظم أموره، ووعدني بعد هذا أنه لن يعود إلى ما كان عليه. قال أنه "يخجل من نفسه" كلما تذكر جهد هذه السيدة في عملها وجديتها فيه.‏
"إن شاء الله" عبارة تفتح للإنسان أبوابا مغلقة، وتسلحه بإرادة قوية، فلا تخذله النتائج أبدا، طالما استقام في الأسباب. لا تستخدم "إن شاء الله" تهربا وتأجيلا لأمر، ولكن كن واعيا بها، مدركا لمعناها، سترى كيف يمكن أن تغير الحياة وجهها لك، وكيف يمكن أن تغير رؤيتك لها