الأحد، 1 نوفمبر، 1998

فى عصرنا الجديد - الإنسانى والمقدس تناغم .. لا صراع

يشيع بيننا الآن تعبير "العصر الجديد" ليعني في كل مجال من مجالات المعرفة شيئا معينا يتوقع أن يسود في القرن الحادي والعشرين ويختلف عما شاع في القرن العشرين .. وإذا كان هناك بعض النظريات في العلوم التي ستقلب مجالات كثيرة رأسا على عقب، فهناك أيضا لمحات مما يبشر بتغيير في رؤية الإنسان لنفسه.‏
بدأ هناك إدراك ما بالبعد الروحي في الإنسان بعد أن كانت الرؤية المادية هي الأكثر سوادا في القرن العشرين. هذا الإدراك يعبر عن نفسه في انتشار دوائر وجمعيات وتجمعات تحاول تنمية هذا الجانب من خلال التأمل وإيقاظ الوعي الروحي وتنشيط الطاقة الروحية بصور كثيرة ومتعددة في العالم أجمع وتلقى إقبالا من كثيرين يقول معظمهم بأنه يشعر بفراغ ما داخلي ويحتاج إلى شئ معنوي يملأ هذا الفراغ.‏

يصاحب هذا الوعي رفض لكلمة "الدين" و "الأديان"، وهذا لأن المفهوم السائد عن الدين بأنه يفرض على الإنسان أوامر معينة تتنافى مع العقل ومع حرية الإنسان، وأن الأديان كانت سببا للحروب بين الدول كما أن الحضارة الغربية لم تحقق ما حققته من تقدم إلا من بعد أن تخلصت من أي سلطة دينية من أي نوع. أحد الحجج التي كانت تطرح لفترة طويلة هو أن الدول التي يقال أنها متدينة أصبحت من الدول المتخلفة حضاريا. هذه مفاهيم شائعة لسنا بصدد تفنيدها أو نقدها نقدا تفصيليا، لكن النقطة الأساسية هي أن التجربة الإنسانية مع الأديان أوجدت نوعا من حساسية ما تجاه فكرة التمسك بالأديان.‏
نحن نتوقع أن يكون العصر الجديد هو قراءة جديدة للأديان .. لا إلغاء لها .. قراءة تؤدي إلى وعي كبير بأن الأديان جاءت لتعلم الإنسان أن يكون على أعلى مستوى من الوعي الروحي والفهم في امتداد الحياة والعمل من أجله، واحترام العقل، ولتعمير هذه الأرض باستغلال كل قدراته من عقل وموهبة وابتكار.‏
هل من الممكن أن تعمل كل قدرات الإنسان في تناغم؟
هل من الممكن ألا تتعارض أهداف الإنسان في حياته الأرضية مع ما هو مطلوب لحياة أخروية زاهرة؟
هل من الممكن ألا تتعارض تعاليم الأديان مع العقل والحرية؟
هل من الممكن أن يكون الفهم للأديان هو طريق للحب والتفاهم والسلام وليس للحروب؟
أصحاب " طريق إلى البيت" يقولون أن هذا ممكن إذا ما قدمت المعرفة الحقيقية للإنسان.‏
هل هناك ما يحجب هذه المعرفة؟
نعم .. يحجب المعرفة أن الوعي السائد في الأرض ينمّ عن خبرة محدودة جدا في رؤية الإنسان للعلاقة بين ما هو "مادي" وما هو "روحي" ..بين ما هو "إنساني" وما هو "مقدس" أو "علوي".. هذه الخبرة المحدودة أفرزت وعيا زائفا يحتاج لجهود وجهود لتغييره. الوعي غير الحقيقي والمنتشر جدا هو أن هذه العلاقة طبيعتها "الصراع".‏
فالبعض يتوهم قوة غاشمة لا حيال له معها، وأنه الطرف الأضعف في هذا الصراع، فيقبل على نفسه أن يكون مجرد شئ صغير تحركه هذه القوة، وبدافع من الخوف لما يمكن أن تفعله به فهو يذعن لما يتوهمه أيضا "إرادتها وأوامرها ونواهيها". هذا هو بدرجات مختلفة سلوك معظم من يقولون بأنهم "متدينون". تلك هي طبيعة علاقتهم مع "الله" الذي يتصورون. الفرق الوحيد بينهم وبين الإنسان البدائي هو أنهم يغلفون مشاعرهم وأفكارهم بغطاء الإدعاء بأنهم سعداء بهذه العلاقة.. وبأنهم يقتنعون بتفوق هذه القوة وبخضوعهم لها. فلا يجرئون على الإفصاح بوجود "صراع" .. لكن من السهل أن تكتشف وجوده في كل مقولة أو دافع لفعل لهم.‏
استخدم كل دينه للاستعلاء على الآخرين ..أراد كل أن يفرض معتقده بالقوة .. باسم الدين يتم الاعتداء على شعوب وتغتصب الأراضي والبيوت .. باسم الدين تسود الكراهية والفرقة بين البشر..باسم الدين يتكاسل الإنسان ولا يعمل طاقاته وقدراته .. باسم الدين يضع مفاهيم خاطئة وتسود معتقدات تؤدي بالتجمد والتخبط والتلوث.‏
وهناك البعض الذي يرى أنه انتصر في صراعه على هذه القوة المزعومة، لقد اكتشف بالعلم والمنهج العلمي والتجربة العلمية ما استطاع به السيطرة بقدر كبير على الكثير من مظاهر الطبيعة، إنه يطمئن تماما أنه يستطيع أن يطور أدواته ليعرف ما لا يعرفه. كفانا إذن -هذا ما يقوله أصحاب هذا المفهوم- من الحديث عن أي "قوة عليا" أو "مقدس" أو "حياة أخرى" أو مثل هذه الأشياء التي توهمها الإنسان البدائي بجهله وبخوفه من المجهول، ويتوهمها المتدينون الذين لازالوا مسجونين في مرحلة من الفكر تجاوزها التاريخ. أصحاب هذا الفريق حسموا الصراع لصالحهم وأعلنوا "موت الله".‏
ومع ذلك لم تخل الأرض من الحقيقة ..الحقيقة ليست كلمات تردد .. ولكنها تجارب حية .. أصحابها هم الرسل والأنبياء والحكماء وكل من فهم حقيقة وجوده .. حقيقة عطاؤها غير مجزوز ولا نراه .. موجود في التراث الروحي للبشرية .. ولا نقرؤه .. موجود في أثير الكون .. ولا نتنسمه .. حان الوقت لأن تبدأ البشرية مدخلا جديدا لفهم رسالة الإنسان .. أي فهم ما جاءت به الأديان.‏
إن الوعي الروحي الذي جاءت به الأديان.. والمعرفة المتاحة ..لم ينتفع بهما الإنسان بعد ..فالأمر ليس تاريخا وتأريخا لأحداث دينية وسيرة حياة الأنبياء.. وليس ترديدا لأقوال وتقليدا لسلوك.. وليس مفاهيم ومعتقدات جامدة فاقدة للحياة.. وليس صراعا بين المادة والروح.. أو الإنساني والمقدس.‏
ننتظر أن يكون الوعي الروحي الوليد في العصر الجديد بشيرا بفهم جديد للعلاقة بين ما هو "روحي" وما هو "مادي" ..وسلوك الإنسان بين المستويين
أصحاب " طريق إلى البيت" يرون أن العلاقة بين ما هو "مادي" وما هو "روحي" ..بين ما هو "إنساني" وما هو "مقدس" أو "علوي".. "علاقة تناغم وتكامل وانسجام" .. وحتى نعرف كيف يكون هذا التناغم نحن نحتاج أولا للتخلص من تداعيات المدخل الذي وضع هذه الأبعاد في علاقة "صراع". ونحتاج ألا نغلق الباب تماما أمام ما هو من "الأديان" بل أن نميز "جوهر الدين مما خلط به من مفاهيم المدعين .. من هنا فنحن نحتاج إلى مدخل جديد وقراءة جديدة.‏
من هنا فهدف " طريق إلى البيت" قديم .. لأنه يتوافق مع الهدف الذي جاءت من أجله الرسالات السماوية والرسل والأنبياء والحكماء .. فما جاءوا ليقولوا للإنسان عن إله، فالإنسان عرف وجود إله أو قوة عليا منذ وجود البشرية، وما جاءت الأديان لتوقف نشاط الإنسان أو قدراته أو لتعطل عقله .. إنما جاءت لتعلمه كيف يحقق "الانسجام" بين مستويي وجوده .. الروحي والمادي.. وجاءت كل رسالة مصدقة للرسالات قبلها وتدحض الحجج الزائفة والمفاهيم الخاطئة والمعتقدات التي لاأساس لها من الصحة وأضافها الناس بجهلهم إلى أصل الدين.‏
من أجل محاولة للتعبير عن فهم في الإنسان .. والكون .. والأديان .. ما الأرض وما السماء .. كيف يلتقيان الآن .. وما بعد الآن .. كيف يتناغمان في الإنسان ..يحتوينا " طريق إلى البيت".‏
الانتماء ل"الطريق" انتماء فوق اللون أو الجنس أو العرق أو اللغة أو الوطن أو أسماء الديانات.‏
في "البيت" نحاول أن نقرأ أنفسنا في قراءتنا للمفاهيم والمعاني التي جاءت في الرسالات وحياة الحكماء والمعاني التي حملها المرشدون الروحيون، تحتضنها وتكملها ولا تناقضها تعاليم الإسلام، وحين نقول الإسلام فإننا نطبق منهجا في القراءة أساسه أن "محمدا لم يفرق بينه وبين رسل الله، وإن محمدا لم يفرق بين كتابه وبين ما جاء مع الأنبياء من كتب الله، وإن محمدا لم يفرق بين معارفه، وبين ما جاء من المعارف، عن أنبياء الله ورسله، وإن محمدا لم يفرق بين ما قام عنده كنبي، وما قام عند الأنبياء كأنبياء، وبين ما يقوم عند الخلق إذا اصطفاهم الحق كعباد له. إن ما أعطى محمد من معرفة، إن ما أعطى محمد من علم، إن ما أعطى محمد من حكمة ليس بعيدا عن متابع له، أو مقتف لأثره على دينه، وعلى ما فعل، وعلى ما آمن، وعلى ما علّم وعلى ما بلّغ وعلى ما هدى" (الرائد رافع محمد رافع 1957).‏
أي أن الأمر بالنسبة لأصحاب "طريق إلى البيت" لا يقوم على مفاضلة أو مقارنة بين دين ودين أو تعاليم وتعاليم أو رسول برسول. ولكن يقوم على الإيمان والاقتناع بأن هناك معان أساسية للإنسان -كل إنسان- يوجهنا إليها الرسول أو النبي كما عاشها وفهمها وخاض التجربة واستجابت السماء لتجربته وحملت للبشرية من خلاله معان كثيرة ومعرفة للإنسان الذي يحب أن يخوض التجربة. نحن نحب أن نقرأ هذه المعاني وننهل من المعرفة ونحن نخوض تجربتنا، حيثما توجد هذه المعاني وحيثما توجد المعرفة وحيثما يوجد الإرشاد لما يساعدنا في تجربتنا.‏
نحن حين نقول "الإسلام" نقول من منطلق أن هذا هو ما يقوله الإسلام نفسه في أساسياته وهو أنه جاء مصدقا لكل ما قبله بل إن المسلم هو من يؤمن بكل الأنبياء والرسل والكتب السماوية. إذا كان هناك مفهوم آخر يجعل سلوك المسلم يختلف عن هذا المفهوم فذلك-كما قلنا من قبل-لأن تعامل البشر مع الرسالات جميعا وما فيها الإسلام قام على مفهوم "الصراع" والصراع بطبيعته لابد وأن يكون فيه التفرقة بين "أنا" و"الآخر" والمقارنة والمفاضلة وحب الاستعلاء والتفاخر والتميز والتفوق ودحض الآخر والإقلال من شأنه وهزيمته وإلغاؤه…إلى آخر تلك الصفات التي لابد وأن توجد طالما أن المدخل هو "الصراع".‏
حين يكون المدخل لعلاقة الإنسان بنفسه وبكل من وما حوله أساسها "الانسجام والتناغم" وهو ما نقدمه في " طريق إلىالبيت" فهذا يترتب عليه أيضا منهج مختلف تماما .. فنحن من الظاهر المتنوع نبحث عن المعنى المشترك، ونحن لا نتنافس بل نتكامل، ونحن لا نريد أن يهزم أحدنا الآخر بل نريد أن ينفع كل منا الآخر إذا كان انتماؤنا إلى "الإسلام" فهو انتماء بهذا المعنى، معنى التجربة المشتركة بين كل من عاش "التناغم". نعبر عن هذا الانتماء بأننا كما نقرأ أنفسنا وقوانين الحياة حولنا في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ونقدمها لقرائنا، فإننا نشير إلى نفس المعاني كما أعرب عنها كتاب سماوي آخر أو حكيم أو نبي أو إنسان عادي في أي ثقافة وأعرب عن هذه المعاني. كما أننا نرحب بكل من يحب أن يشاركنا تجربة الحياة في "تناغم"