الاثنين، 16 أكتوبر، 2000

لا إله إلا الله

  • المؤلف: علا بهجت بدوى
ترددت كثيرا قبل أن أفكر في كتابة تجربتي فى الطريق لأنني أعلم أنها في غاية التواضع بالمقارنة بغيري ولكن في النهاية قررت أن أكتبها لعل كلمة بها تفيد أي إنسان..
عرفت هذا الطريق منذ شهور قليلة وتعتبر هذه المدة قصيرة جدا ولكن بداخلي أشعر أن سنوات قد مرت منذ يوم وضعت قدمي لأول مرة على الطريق..
أراحني الطريق وعلمني الطريق.. الراحة جاءت نتيجة وجود صدى بداخلي لبعض المفاهيم التي كانت موجودة عندي وكان البعض يحاربونني بسببها مثل الشعور أن العبرة في الإنسان ليست بديانته ولكن بسلوكه وإيمانه الفعلي بأن لا إله إلا الله ومثل ضرورة الاهتمام بجوهر الأشياء وليس بمظهرها.

أهم ما تعلمته في هذا الطريق هو المعنى الحقيقي لقول "لا إله إلا الله محمد رسول الله " ولأن عصرنا عصر الماديات كنت دائما أجد الأصنام في المادة، أي المال ومشتقاته.. ولأنني عشت وتربيت في بيت ينظر دائما للمادة على أنها وسيلة وليست هدفا فأصبح ذلك أسلوبي في الحياة.. وظننت أنني فعلا أعيش معنى "لا إله إلا الله".. ولكنني فجأة في الشهور الأخيرة أدركت مدى سذاجتي فأصنامي كثيرة للأسف أولها زوجي وأولادي.. كنت أظن أن حبي لهم كبير لدرجة تجعلني أحطم أي شيء يحاول أن يضرهم واعتقدت أن هذا عمل عظيم من حقي أن أفخر به بل الأكثر من ذلك أنني كنت مقتنعة أن هذا هو ما يريده الله مني!!

حطمت أصنامى

ولكن مع بداية أولى خطواتي على الطريق تعلمت أن أواجه نفسي بصدق وأدركت خطورة أن يفعل الإنسان الخطأ وهو يظن أنه الصواب.. وبدأت بمحاولة تكسير أكبر أصنامي هذا الذي لو كان مصنوعا من الحديد لكان تكسيره أسهل من الجهد الذي احتاجه مني، ولكن بعون الله بدأ حجمه يتضاءل تدريجيا.. صحيح أنه لم يختف بالكامل فأحيانا أشعر أن صنما صغيرا في حجم الذرة يحاول أن يطل ولكني أعلم وكلي ثقة أنني طالما دعوت الله أن يعينني على تكسير جميع أصنامي فحتى هذا الصغير اللعين سوف يختفي بإذن الله إلى الأبد ومعه باقي أصنامي..

لا إله إلا الله

عندما اكتشفت المعنى الحقيقي لكلمة "لا إله إلا الله" وهي أن أحرر نفسي أولا من كل عبودية إلا لله، اكتشفت أيضا معنى "الله أكبر" فأدركت أن أي شيء ارتبط به في هذه الدنيا يجب أن أشعر دائما أن الله أكبر منه.

الله أكبر..كيف أمتلئ بالنور؟

بدأت أردد الله أكبر والمعنى يملؤني بالنور.. والنور يعينني على تحطيم أصنامي.. فكيف أمتلىء بالنور؟ تعلمت معنى رسول الله.. كان المعنى الحقى و الجديد بالنسبة لى هو مفهوم "محمد رسول الله"، و قد كان ذلك أصعب لي من فهم "لا إله إلا الله".. كانت الصعوبة أكبر لأن هذا المعنى الجديد لم يكن موجودا عندي إطلاقا لأنني كنت أعتقد أنني أقيم علاقة مباشرة بالله.. لم استطع أن أربط بين "لا إله إلا الله" وبين "محمد رسول الله" وكان هذا خطأي لأنني كنت أحاول أن أحَدِ المطلق وهذا مستحيل.. لقد قاومت مفهوم "محمد رسول الله" وكذلك مفهوم "المعلم" وربما يرجع ذلك إلى اختلاط المفاهيم في عقلي أو اعتقدت خطأ بأن المفهوم الجديد سيعني أن أقطع صلتي بمن توجهت إليه عمري كله.. وأدركت تدريجيا خطأي وبدأت أتلمس المفهوم الحقيقي لمعنى رسول الله ولمعنى المعلم وسجدت لله شكرا وحمدا لأنه أتاح لي فرصة وضع قدمي على أول الطريق داعية أن يثبتني عليه ويعينني على التقدم فيه.. وصد الله العظيم في قوله:
"من يطع الرسول فقد أطاع الله" (سورة النساء : 80)

رسول الله

مر عام على التحاقي بالطريق.. عام مليء بالتفاعلات الداخلية والتأملات.. ظننت أنني خطوت بعض الخطوات إلى الأمام حتى وجدت نفسي منذ ثلاثة أسابيع تقريبا في حالة ظلام داكن.. ظلام مخيف ومرعب لم أعهده من قبل.. فأصابني الذعر والرعب.. كيف ذلك وأنا قبل الطريق لم أصل أبدا لهذا القدر من الظلام؟ وأين كل المعاني التي أتذوقها وأحب الاستماع إليها وأشعر بصدى لها داخلي؟ وبقيت ثلاث ساعات في حديث مع نفسي وفي دعاء لربي وفي طلب العون من المعلم.. ثلاث ساعات من الجهاد المضني.. بدأت بعدها أهدأ قليلا وأرى بصيصا من النور ولكني لم أعد كما كنت تماما فقد بقى معي شعور بوحدة متزايدة حيث أنني منذ طفولتي كنت دائما أشعر بالوحدة الداخلية ولكن هذه المرة أصبح هذا الشعور متزايدا وقاتلا وهذا رغم وجودي بين أفراد أسرتي وأصدقائي الذين يحبونني وأحبهم.
وبدأت البحث مرة أخرى عن سبب ذلك وشعرت أن هذا الظلام الحالك وهذه الوحدة القاتلة إنما هي سبب للبحث عن معنى رسول الله بداخلي.. عن معنى النور الذي يضيء الظلام.. وعرفت أنه بدون هذه الرحلة الداخلية يظل الإنسان على الهامش ولا يحدث له قيام فى أي معنى من المعاني.
أعلم أن رحلتي سوف تكون شاقة جدا فكلما تمر فترة أشعر أنني أتعرض لاختبارات أصعب من التي سبقتها ولكني أثق أن يد الله سوف تظل ممدودة لي من خلال المعلم وأنه مهما كانت خطواتي بطيئة فبأذن الله سوف أرى النور يضيء بداخلي تدريجيا حتى أحقق الحلم الذي يراودني ليلا ونهارا وهو أن يظل دائما معنى رسول الله قائما بداخلي..

كيف أفسدت نفسي جلسات تأملي

سمعت كثيرا عن جلسات تأمل يذهب إليها بعض الناس ويشعروا فيها براحة فحضرت بعض هذه الجلسات مع سيدة إنجليزية ثم حضرت جلسة أخرى مع سيدة هندية.. وفي كل مرة كانت النتيجة نفسها تتكرر.. فشعوري أنني مضطرة إلى الجلوس بدون حركة كان يزيدني عصبية لدرجة تجعلني أترك الجلسة وأنا في حالة نفسية سيئة وحاولت أن أحلل الموقف لأفهم ما هو السبب في أن الجميع يعود إلى منزله في حالة هدوء وسكينة وأنا أعود بهذه الحالة السيئة فأرجعت ذلك إلى أسباب صحية حيث أنني أعاني من بعض المتاعب في عمودي الفقري..
وكنت أتحدث في هذا الموضوع مع إحدى الزميلات في الطريق وقالت لي أن سبب عدم قدرتي على تحمل الاستقرار في مكان واحد وبدون حركة لفترة يرجع إلى أن "النفس" هي التي تسيطر علي.. قالت لي هذا الكلام ولم تدرك أنها فتحت لي طاقة من النور لا أعرف كيف أشكرها عليها..
بدأت أحلل كل ما كان يحدث لي من منطلق جديد وأدركت أنني لم انتبه لهذا الجانب من سيطرة النفس عليّ وكان كل همي أن لا أنشغل بالحياة الخارجية ونسيت أن التحكم في جسدي وقدرته على السكون إنما هو تعبير عما بداخلي.. وعدم وجود تحكم في هذا المجال يعني أنني أفتقد للسكون الداخلي.. كم كانت رؤيتي محدودة مع نفسي!! وكم كنت موهومة أنني بدأت أفهمها!!
وقررت الجهاد في هذا المجال مع نفسي وبدأت بخطوات صغيرة مستعينة بالله ومسترشدة بما تعلمته في الطريق.. ولا أستطيع أن أقول أنني وصلت لدرجة عالية من التحكم في النفس ولكني خطوت بعض الخطوات التي أسعدتني للغاية..
تعلمت أن البداية تأتي دائما بالفهم ثم الدعاء ثم العمل وأشعر أن الله سيعينني على السير في طريق مجاهدة النفس حتى النهاية وإن كنت أعلم أن أمامي الكثير من الاكتشافات الأخرى في فهم نفسي الحقيقية وكل اكتشاف جديد يملؤني سعادة حتى وإن كان يحمل معه ضرورة الجهاد الكبير لأنه يجعلني أدرك أن يد الله ممدودة لي من خلال الطريق وأرجو ألا ينقطع هذا المدد أبدا