الخميس، 24 مايو، 2001

الإنسان به رحمانه وبه شيطانه .. فمن سيكون رفيق الطريق؟

  • من خطبة الجمعة 17 سبتمبر 1999 م الموافق 7 جمادى الآخرة 1420 للهجرة
عباد الله: إن الإنسان على هذه الأرض تواجد، وبه رحمانه، وبه شيطانه، فيه الخير، وفيه الشر، فيه النور، وفيه الظلام، فيه الحق، وفيه الباطل. وهذه حكمة الله، أن خلقه كذلك، وأوجده على ذلك.
والإنسان بما فيه من سر الله، قائم من وراء رحمانه و شيطانه، بما أودع الله فيه من قدرة على الإدراك، ومن قدرة على الذكر، ومن قدرة على العمل .
والرحمن في الإنسان، أو معنى الرحمن في الإنسان، يحاول أن يدفعه إلى التعرض لنفحات الله، وإلى العمل الصالح الذي يكسب به في الله، ويرتقى به في الله -.كما أن معنى الشيطان فيه، يحاول أن يدفعه إلى طريق السوء، وإلى أن يفقد حياته الحقية، وإلى أن يدنو إلى أسفل سافلين .
هكذا يقوم الإنسان على هذه الأرض، بين هذين الحالين، و هما محصلة ما يتعرض له، و ما يقوم فيه، فان أكثر من تعرضه لنفحات الله ورحماته، تناقص معنى الشيطان فيه، و إذا تعرض للظلمات، تناقص معنى الرحمن فيه، وهكذا .. تدور الأيام به، ويدور الزمان به، متقلبا بين الحالين، وبين المعنيين، إلى أن يستقر حاله في مقام ما. ورسول الله صلوات الله وسلامه عليه يعلمنا ذلك بقوله:
" كان لي شيطان و لكن الله أعانني عليه فاسلم فهو لا يأمرني إلا بخير "1
يعلمنا كذلك هذا المعنى الذي نتحدث عنه بقوله:
إن الشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم
ضيقوا مسالك الشيطان بالجوع و العطش2
كل مولود من بني آدم يمسه الشيطان بأصبعه إلا مريم ابنة عمران وابنها عيسى عليهما السلام3
وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي (يوسف 12:53)
ونفس وما سواها - فألهمها فجورها وتقواها - قد أفلح من زكاها - وقد خاب من دساها (الشمس 91: 7-10)
فالآيات والأحاديث تعلمنا هذا الذي نتحدث عنه .. تعلمنا أن فينا معنى الحق، و معنى الباطل، معنى التقوى، ومعنى الفجور. فإذا وجد الإنسان نفسه تنزلق في مز الق الظلام، فيجب أن يتوقع ذلك من النفس الأمارة بالسوء فيه، فلا عجب في ذلك، إنما عليه أن يتعلم كيف يتعامل مع نفسه وهي تنزلق في هذا المنزلق. هذا ما نرشد إليه في ديننا بمجاهدة النفس، ليس فيما تنـزلق إليه، ولكن كأسلوب عام، يؤدى في النهاية إلى أن يُحرج الإنسان من هذا المنـزلق، " ضيقوا مسالك الشيطان بالجوع و العطش "، تجمعوا على ذكر الله "
وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر(العصر 103: 3)
وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة - أولئك أصحاب الميمنة (البلد 90: 17، 18)
إن مجاهدة النفس لا تكون بالقول، إنما تكون بالعمل، القول ما هو إلا مقدمة لعمل جاد، إذا لم يتحول القول إلى عمل جاد صالح، فلا قيمة له
كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (الصف 61: 3)
على الإنسان أن يستمر في محاولته، في مجاهدته، في تعرضه لرحمات الله ونفحاته، في تجمعه على ذكر الله، حتى لو رأى نفسه تنـزلق إلى الظلام، لا يجب أن يبعده ذلك عن أن يجتمع على ذكر الله، و إنما يحاول ويحاول، لا يستمع إلى قول نفسه له: وكيف تلجأ إلى الله وأنت في هذا الظلام وأنت في هذا الذنب؟ كيف تجرؤ على أن تجتمع على إخوان لك في الله وقد انزلقت واتجهت إلى الهاوية؟ لان هذا هو ما تريده نفسه الأمارة بالسوء، تريد أن تبعده عن مصدر الحق، وعن مصدر النور، وعن مصدر الرحمن، وعليه ألا يستمع إليها، إنما كلما ازداد ظلاما، ازداد في نفس الوقت تعرضا لنفحات الله، داعيا الله، مستغفرا تائبا راجعا إلى الله
والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله
(آل عمران 3: 135)
ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله (الزمر 39: 53)
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء (النساء 4: 48)
" اتبع السيئة الحسنة تمحها "4
إن الحسنات يذهبن السيئات(هود 11: 114)
كل هذا تشجيع لمن آتي بسيئة - لا أن يقف عندها ويقول إني اخجل من أن اتجه إلى الله بعد هذه السيئة. عليه أن يلجأ إلى الله، وأن يتجه إلى الله، وأن يستغفر الله، وأن يرجع إلى الله، وأن يجتمع على ذكر الله، وأن يكثر من صلاته في الله، ومن صلته بالله، ومن دعائه واستغفاره، ومن مجاهدة نفسه بجميع الطرق - وكلما عاد إلى ظلامه، ازداد رغبة في التوبة، وازداد رغبة في قوة من الله تعينه على أن يتطهر مما هو فيه، وتغيره مما هو فيه، وهو يعلم تماما أن تغييره لا يكون إلا بتعرضه لنفحات الله
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (الرعد 13: 11)
تغييرهم لما بأنفسهم هو أن يتعرضوا لنفحات الله، لا يبتعدوا عن طريق الله، إنما يقتربوا من طريق الله. في اقترابهم تغيير لما تدعوا إليه أنفسهم من البعد و القطيعة، و الله يغيرهم بعد ذلك، و يطهرهم بعد ذلك
الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور(البقرة 2: 257)
إذن آمنوا وهم في ظلمات، لأنهم يتجهوا إلى الله، ويسألوا الله، ويتعرضوا لنفحات الله، وإن كانوا في ظلمات فان الله سيخرجهم من هذه الظلمات.
هكذا نتعلم مجاهدة النفس، وهكذا نتعلم أن نكثر من تعرضنا لنفحات الله، حتى نتطهر، وحتى نكون اكثر صلاحا، واكثر فلاحا .نسأل الله أن يحقق لنا ذلك وأن يجعلنا أهلا لرحمته وأهلا لنعمته.
عباد الله: إن الأمل فى الله كبير، والطمع في الله اكبر، والإنسان عليه أن يجاهد دائما، ويحاول دائما، إلى آخر لحظة لوجوده على هذه الأرض، فلا يأس من روح الله، ومن رحمة الله، ومن نعمة الله، ومن أن يغير الله ما بالإنسان.
هكذا يجب أن يكون الإنسان، يسأل الله في كل وقت، ويتعرض لنفحات الله في كل وقت، ويجاهد في كل وقت. فإذا غفل رجع، وإذا أذنب استغفر، وإذا أساء احسن، لا يتمادى في سيئة، ولا في ذنب، ولا في قطيعته، إنما يرجع إلى الله، ويتوب إلى الله، ويستغفر الله. وهكذا كر، و فر، حتى يستقر في رحمة الله، وفي نعمة الله، وفي عطاء الله، وفي نور الله. يستقر في معنى رحمانه، في معنى حقه، في معنى نوره. هذا ما نتعلمه في ديننا، وما نتعلمه في طريقنا، وما نتعلمه في حياتنا، حتى نكون عبادا لله، ورجالا في الله، وإخوانا في الله.
  1. جاء الحديث في مسند أحمد بن حنبل بصيغ متعددة منها: "ليس منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الشياطين قالوا وأنت يا رسول الله قال نعم ولكن الله أعانني عليه فأسلم". وأيضا "ما منكم من أحد إلا ومعه قرينه من الملائكة ومن الجن قالوا وأنت يا رسول الله قال وأنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم ولا يأمرني إلا بخير". وكذلك: "فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم قلنا ومنك يا رسول الله قال ومني ولكن الله أعانني عليه فأسلم". كذلك جاء بصيغ مختلفة عند مسلم والترمذي والنسائي والدارمي
  2.  ذكر الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين أن الرسول قال لعائشة: ضيقي مسالك الشيطان بالجوع
  3. مسند أحمد. أيضا أخرجه كل من البخاري ومسلم بصيغ مشابهة
  4. أخرجه الترمذي