الاثنين، 16 يوليو، 2001

الإسلام ودلالة الشهور العربية

  • المؤلف: حسن العسيلى
  • تأملات للسيد حسن العسيلي
هناك علاقة تربط بين الشهور العربية ومفاهيم السلوك الحقي للإنسان على ظهر الأرض، هذه العلاقة وثيقة،  وهناك ارتباط واضح بينهما ذلك لأن كل اسم من أسماء هذه الشهور، بل وترتيبها يرمز إلى مراتب ودرجات عن الحق.
قال الحق في كتابه العزيز " إن أنزلناه قرآنا عربيا " و فسر سيدي الإمام رافع معنى "عربي" أنه دلالة على أن هذا القرآن قد "عرى بي"، أي أنه قد أظهرني وكشف الحجاب عنى، أي عن الحق سبحانه و تعالى، فاظهر أفعاله وصفاته وأشار ضمنا إلي ذاته وكذلك هي الشهور العربية تكشف عن مدلول أسمائها، و تبين مراحل السلوك من خلال انتقال العرض الزماني من شهر إلي شهر، فكل شهر يختلف في زمانه و مدلوله عن الشهر الذي يسبقه ثم الشهر الذي يليه، وهكذا كانت الأزمان علي مر التاريخ البشري، لا يتشابه فيها زمانان، فكل زمان له تجلي، يتجلى الله فيه للناس باسم من أسمائه وصفة من صفاته العلية، وكل صفة و اسم يظهر به الحق، يتناسب والناس الموجودة في ذلك الزمان، وأهليتهم، ومراد الله بهم، وما يريد الله كشفه وإظهاره من خلالهم.
والشهور العربية هي علي الترتيب : المحرم - صفر - ربيع الأول - ربيع الآخر - جمادى الأولى - جمادي الآخرة - رجب - شعبان - رمضان - شوال - ذو القعدة - ذو الحجة.

ويلاحظ أن الشهور العربية تبدأ وتنتهي بشهر من الأشهر الحرم، دلالة علي أن ما يصلح به أول الزمان يصلح به آخره، وأول الزمان هو بداية السنة الهجرية، والهجرة هجرة إلي الله و رسوله، تقتضي التجرد عن الدنيا وما فيها، وتقتضي الإحرام استعدادا لهذه الرحلة والتي تنتهي آخر ما تنتهي بالحج أو بشهر ذي الحجة، و كأن الحق يخاطبنا قائلا أن هدف الرحلة الحياتية من خلال الاثني عشر شهرا إنما هي حج البيت، و كما قيل " الحج عرفة" فكأن المراد من الرحلة هو تحصيل المعرفة، معرفة الحق سبحانه و تعالي.
    " و في أنفسكم أفلا تبصرون "(الذاريات 51 :21)
    " إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا "(آل عمران 3 :96)
        أي أنه " بك "، و القلب بيت الرب،
وقيل أنه "من عرف نفسه فقد عرف ربه"... و بذلك كانت أول الشهور العربية تشير إلي حال من استعد للهجرة، وآخرها يشير إلي هدف الهجرة، فتعالوا نتدبر معا هذه الشهور في تتابعها، لنستخلص سويا المعني المراد.....
  •  شهر المحرم .. أي ذو الحرمة، وهو يطلق في اللغة علي الإبل التي يصعب ركوبها، وكأن ظهورها قد حرقت، وهو أول شهور السنة الهجرية، وثالث الأشهر الحرم المتتابعة.
ومع بداية الهجرة يُحَرِّم المحرم القاصد وجه الله و رسوله كل ما حرمه الله و رسوله، كقول الحق "إنما حرمت عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير وما أهل به لغير الله"(البقرة 2 :173)، ثم أنه بعد ذلك يحرم بقلبه عن كل ما يمنعه أو يعطله عن متابعة وجهته "وولي وجهك شطر المسجد الحرام و حيث ما كنتم فولوا وجهكم شطره "(البقرة 2 :144)، و هو بذلك و إن كان يمارس حياته الطبيعية المادية، إلا إنها لا تعطله عن بلوغ هدفه الذي ارتضاه، بل إنه يتخذها مطية لبلوغ ذلك الهدف، فهو مع كل فكر، وقول، وعمل، وسلوك يعلم تماما أن مقصوده وجه الله، فإذا علم الله صدق نيته و قوة توجهه، جعل له نقطة حق يقتدي بها في توجهه فكان شهر صفر.
  • شهر صفر .. الصفر في اللغة هو الخالي من الأشياء، وهو عند الحسابين رقم يدل علي الرتبة الخالية من الكمية، وعلامته نقطة، ودرجة الصفر هي نقطة البدء، و الله هو الأول.
قلنا أن من صدق إحرامه وتوجهه، أوجد الله له نقطة حق يتوجه إليها ويصاحبها في سلوكه، فكان شهر صفر هو المعبر عنه بالنقطة، رمزا يرمز به لتلك النقطة الحقية، وكما أن الصفر في اللغة هو الخالي من الأشياء، فكذلك هي نقطة الحق تكون خالية عن كل ما سوي الله، إنها ترمز إلي الرجل الصالح، إلي القيام الحقي، إلي النور الرباني الذي لا ينقطع أبدا تواجده عن ظهر الأرض، إنه السراج المنير المعبر عنه في كتاب الله بعباد الرحمن، فيقول الحق " وعباد الرحمن الذين يمشون علي الأرض هونا و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما "(الفرقان 25 :63)
إن كل صفر أي كل نقطة، هي في حد ذاتها دائرة، و نقطة علي دائرة أخري لنقطة أكبر منها، فكانت النقط المتواجدة علي الدائرة، والمتوجهة إلي نقطتها تعبر عن كل من صدق في إحرامه متوجها إلي الله في شهر المحرم، و كانت نقطة المركز بالنسبة لهم، إنما هي الوسيلة لبلوغ الهدف النهائي من الرحلة و هو حج البيت، فالنقطة تعبر عن البيت، وهو بيت موضوع لبيت مرفوع، فكانت النقطة دلالة علي الهدف المنشود تحقيقه في آخر الشهور العربية وهو ذو الحجة. و يقول الحق في كتابه العزيز " وكل شئ أحصيناه في إمام مبين " (يس 36 :12) فكان الإمام المبين إنما هو نقطة الحق في شهر صفر، و كان من أدرك النقطة مؤهلا لميلاد الحق فيه، إيذانا بقدوم هلال شهر ربيع الأول ثم ربيع الآخر.
  • شهري ربيع الأول ثم ربيع الآخر ..الربيع في اللغة هو النهر الصغير، وهو أيضا الأخضر من النبات أي أن الربيع هو عين كل حياة، " وجعلنا من الماء كل شئ حي "(الأنبياء 21: 30) والماء أصل كل أخضر يتقوت عليه الإنسان فترجم ميلاد الرسول في هذا الشهر عن حقيقته وكان رسول الله خلقه القرآن، ووصف القرآن علي لسان " عمرو بن هشام" الملقب بأبي جهل بقوله : "إن أعلاه لمثمر و إن أسفله لمغدق"، فعبر بذلك اعدي أعداء رسول الله عن حقيقته فانتصر الله بذلك لرسوله علي يد أعدائه لا علي يد أحبائه.
و كان ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم في يوم 12 ربيع الأول، فأشار بذلك التاريخ إلي معني "ربيع الآخر " أي إلي من تحقق به مستكملا رحلته الحقية عبر الشهور العربية حتى ذي الحجة وهو الشهر الثاني عشر، فكان رقم 12 يحمل في طيا ته الكمال والاكتمال في الحقيقة المحمدية، و كان شهر ربيع الآخر يعبر عن تكاثره " إنا أعطيناك الكوثر " (الكوثر 108 :1 )، و إلي قوله الحق " هو الذي يراك حين تقوم و تقلبك في الساجدين "(الشعراء 26 :218-219).
وبذلك كان شهرا " ربيع الأول " و "ربيع الآخر" يعبران تمام التعبير عن كل من توجه إلي نقطة حقية في "شهر صفر "فكان ذلك إيذانا و تلويحا لبدء ميلاد الحق فيه مرموزا له بربيع الأول، ثم بشري التحقق به في نهاية السنة الهجرية مرموزا له بشهر ربيع الآخر .. إلا أن ذلك يكون للقلة،
"وما أكثر الناس و لو حرصت بمؤمنين "(يوسف 12 :103) أما الكثرة فتراهم مخاصمين لنقطة الحق حتى لو عرفوه، فعبرت الشهور العربية عن ذلك بشهري جمادى الأولي ثم جمادى الآخرة.
  • جمادى الأولي - جمادى الآخرة : " جماد " في اللغة تقال لذم الرجل البخيل ويقال " أجمد فلان " أي دخل في شهور جمادى فاشتد بخله و قل خيره، ومنها أيضا " الجمد" أي الصلب المرتفع عن الأرض.
المعرض عن الحق، المخاصم له، المعاند لنوره، هو من جحد نعمة الله عليه فلم يشكر هذه النعمة، نعمة تواجده وإيجاده ليكسب الحياة الدائمة التي لا موت فيها ولا انحلال "و قليل من عبادي الشكور "(سبأ 34 :13)، فكان اعراضه بخلا و شحا منه لمالك الملك الذي وهبه نعمة الحياة و فرصة الوجود " الذين يبخلون و يأمرون الناس بالبخل " (النساء 4 : 37)، و يصفهم الحق في موضع آخر بقوله "وأما من بخل و استغني وكذب بالحسنى فسنسيره للعسري "(الليل 92 : 8-9-10)، .. وقلنا أيضا أن " الجمد " هو الصلب المرتفع عن الأرض، وهي الحجارة والصخور الصماء شبه بذلك الحق المعرضين عنه، البخلاء ببذل نفوسهم من أجله، بالحجارة الصماء التي لا حياة ظاهرة فيها " وتحسبهم أيقاظا و هم رقود "(الكهف 18 :18). إلا أن الحق يحدثنا عنهم في موضع آخر قائلا "ثم قست قلوبهم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة، وأن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، وأن منه لما يشقق فيخرج منه الماء، وأن منها لما يهبط من خشية الله، وما الله بغافل عما تعملون " (البقرة 2 : 74) .....فعنون الحق بذلك من كان أهلا لشهر رجب، ورجب شهر الله، فانفجرت من طبيعته الحجرية الماء، الذي هو أصل الحياة بعد أن كان ميتا، وهم القلة المغبوطة، المصطفاة وذلك لقول الحق: وأن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار فكان ذلك استثناء لتعميم وكانت هذه القلة هي المؤهلة لرؤية هلال شهر رجب.
  • شهر رجب: يقال في اللغة " رَجَبَ " فلانا أي خافه، وهابه، وعظمه، وهو من الأشهر الحرم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "رجب شهر الله " أي أنه الشهر الذي تتجلى فيه عظمة الله، " ولمن خاف مقام ربه جنتان "(الرحمن 55 :46)، وشهر رجب يحمل في طيات اسمه معني الجبر، أي أن الله يجبر فيه ما انكسر و التوي من الأخلاق البشرية ليكملها فتستقيم علي مراد الله بها " اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين "(الفاتحة 1 :5-6-7)، أي أن الله يجبر من خافه وعظمه، فيرده بعد ميله واعوجاجه إلي الصراط المستقيم ومن هنا قال الرسول" أنا أقربكم من الله وأخوفكم منه "، فافترق الناس في ذلك الموضع، فمنهم من خاف الله وعظمه فجبره الله و رسوله، ومنهم من ظل علي التوائه واعوجاجه، فكان بعيدا بقيامه عن رحمة الله، ورحمة الله إنما هي في رسول الله "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " (الاتبياء 21 :107)، فكان ذلك استهلالا لشهر شعبان.
  • شهر شعبان: جاء الاسم في اللغة من شَعَبَ، وتشعب الشيء شِعبا أي فرقه ويقال شعب الصدع أي لمه و أصلحه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " شعبان شهري " أي أنه عندما أشهر محمدا رسولا لله وقدوة للناس، اختلف فيه الناس فريقين، فريق آمن و تابع، وفريق ولي واستكبر مؤثرا عليه الحياة الدنيا " بل تؤثرون الحياة الدنيا و الآخرة خير و أبقي "(الأعلى 87:16-17)، و أن ذلك ليس بالأمر الجديد علي البشرية يا محمد، بل هي سنة الناس علي الدوام من قديم الزمان و لذلك يكمل الحق قوله في الآية السابقة بقوله " إن هذا لفي الصحف الأولي صحف إبراهيم وموسى "(الأعلى 87:18-19) .. أما من آمن و تابع، فلقد تعرض لنفحات الله و رسوله واستجاب لهما، فحيا بوجوده " يأبها الذين آمنوا استجيبوا لله و للرسول إذا دعاكم لما يحييكم "(الأنفال 8 :24)، أما الشعب الآخر الذي تفرق عن الحق، وآثر الحياة الدنيا فقد مات بانقطاعه عن مصدر الحياة وقطع بذلك وجوده عن ديمومة الحياة " وما يستوي الأحياء ولا الأموات" ( فاطر 35 : 22) فكان المستجيب بذلك عرضه لهلال شهر رمضان.
  • شهر رمضان: مشتق في اللغة من رمض، ورمض الشيء أي اشتد حره و يقال " رمضت الأرض " أي أشتد عليها وقع الشمس، و" رمض الصائم "أي حر جوفه من شدة العطش،
ورمضت قدمه أي احترقت من الرمضاء و الرمضاء شدة الحر.
من ذلك نستنج أن رمضان هو شهر الجهاد والمعاناة، شهر الجهاد الأكبر ومن صفي فيه نفسه من شوائبها كان محلا لليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، وكان قلبه مهيأ لنزول الحق " فإذا قرأناه فاتبع قرأنه ثم إنا علينا بيانه "(القيامة 75 : 18-19). والآية من سورة القيامة تشير إلي حال القارئ وقيامه.
و الشعب المصطفي من شعبان يكون محلا لاختبار الله و ابتلائه، ليميز الله فيه الخبيث من الطيب
" أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، و لقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين "(العنكبوت 29 : 2-3)، والآية وردت في سورة العنكبوت، دلالة علي كون ذلك شرك يختبر الله به الناس لمعرفة قوة إيمانهم و يقينهم، ولقد أوجب الله صيام ذلك الشهر تعبيرا عن الجهاد الأكبر، الذي يصوم الناس فيه عن كل فكر وقول وعمل يخالف الفطرة النقية التي فطر الله الناس عليها، بل أن الصوم في حد ذاته هو عود حميد إلي الفطرة، ذلك أن الناس تعيش ذلك الشهر بأرواحهم، متخلين لفترة عن حاجات أجسادهم، فإن قاموا الشهر إيمانا و احتسابا غفر لهم ما تقدم من ذنبهم وما تأخر كما أخبر بذلك صلى الله عليه وسلم و ذلك لكونهم قد تخلوا عن مادي وجودهم مستجيـبـين لدعوة الحق " يأبها الذين آمنا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلي الأرض "(التوبة 9 :38)، والآية وردت في سورة التوبة دلالة علي أن من ينفر في سبيل الله متخليا عن أرض ذاته يكون محلا للتوبة، ثم تأتي آية أخرى في نفس السورة لتوضح جليا ذلك المعني في قول الحق " وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون "(التوبة9 : 81)، و"فقه" الشيء أي كشف غطائه، أي علم أن الحر المقصود إنما هو الجهاد المعبر عنه ب" الرمض " أي شدة الحر، فأبرز المعني دلالة شهر رمضان، فمن رابط وصابر وجاهد في الله حق جهاده، كان محلا لنصر الله ومغفرته ورحمته، والرحمة الكبرى هو أن يكون محلا لليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وكيف لا وهي معني رسول الله الذي كان خلقه القرآن، و الذي تنزل فيه كل أمر حكيم، ذلك هو المقصود من قوله صلعم " تركتكم علي المحجة البيضاء " أي علي الفطرة السليمة، فطرة الله التي فطر الناس عليها، فحق له أن يفطر علي حق برؤية هلال شهر شوال.
  • شهر شوال: الكلمة لغويا مشتقة من "الشوْل " وهو البقية من اللبن في الضرع، أو بقية الماء في الإناء، و الشوال بذلك يكون صيغة مبالغة عن كثير اللبن و الماء، و كلاهما فطرة التي لم تمتد إليها يد صانع، فكان الإفطار في شوال كناية عن الفطرة التي فطر الناس عليها " خلقنا الإنسان في أحسن تقويم "(التين95 :4)!، أي علي الفطرة النقية، فكانت نتيجة الجهاد في شهر رمضان سببا في عودة الإنسان إلي الفطرة، فطرة الله "التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون " (الروم30 :30) فمن عاد إلي الفطرة أذن له في رؤية هلال ذي القعدة.
  • شهر ذي القعدة: الاسم لغويا مشتق من" القعدْ " وهم الذين لا يمضون إلي الحرب، وكذلك يشير إلي "القَعِدة " وهو مقدار ما يأخذه القاعد في المكان، و شهر ذي القعدة هو أول الأشهر الحرم الثلاثة المتتابعة و سمي بذلك لأنهم كانوا يقعدون فيه عن الأسفار و الغزو
والمعني يكمن في كون من عاد إلي الفطرة النقية فقد وصل إلي نهاية الرحلة ومقصودها، و هو البيت الحرام، أو القبلة، فقعد واستقر فيه، إلا أنه لم يحج بعد .. قد انتهي سفره فقعد، و تغلب علي نفسه فسالمته فكف عن الجهاد والغزو، و ذلك معني حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا هجرة بعد الفتح " فالواصل إلي هذا المقام قد اشهر هلال شهر ذي القعدة فقعد وعكف في ساحة البيت انتظارا للحج الأكبر " وعهدنا إلي إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود "((البقرة 2 :125) والطائفين هم أهل شهر "صفر" ممن أدرك نقطة الحق فطاف حول النقطة في دائرتها، أما العاكفين فهم من قربوا النقطة في دورا نهم حولها، فعكفوا وقعدوا هناك انتظارا ليوم يكونون فيه من الركع السجود، دلالة علي الاستسلام التام لنقطة الحق وذلك لا يكون إلا بالتخلي تماما عن النفس في أرض المنحر بعد وقفة عرفة، فهم من السعداء الذين سمعوا منادي الحق يؤذن للحج "وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلي كل ضامر يأتينا من كل فج عميق " (الحج 22: 27). فمن استجاب للنداء من أهل ذي القعدة شاهد هلال شهر ذي الحجة.
  • شهر ذي الحجة: حج في اللغة تعني قصد المكان وقدم إليه وهو ثاني االأشهر الحرم المتتابعة.
الحج عرفة، أي أن من بلغ مبلغا من المعرفة الحقية جعلته يدرك وهم وجوده، و استحالة هذا الوجود المتخيل لسرعة فنائه وتلفه، أدرك حداثة هذا الوجود مع الوجود القديم، و كل حادث فان وزائل، والقديم فقط هو الباقي، فعرف قيومية وجوده الحادث بالقديم الباقي، الواحد الأحد الفرد الصمد، فأنكر وجوده وأثبت وجود الله، واجب الوجود لكل موجود، فعرف يوم أن وقف بعرفة أن إثبات وجوده ذنب لا يقاس به ذنب، فرجم شيطانه، ونحر نفسه قربانا لحقه، ففني عن زائف وجوده المغاير لوجود ربه، وبقي بربه القائم عليه بقيوميته وصمديته، فكان شهر ذي الحجة إشهارا لذلك المعتي في الإنسان و قد انمحى باطله.
تلك هي دورة الزمان في الشهور العربية وقد جاءت معبرة تماما عن الهدف من وجود الإنسان علي هذه الأرض، شارحة لمراحل تطوره و سلوكه، فكان كل شهر من شهورها إشهارا بطور من أطواره في رحلة الغرض منها التحقق بالله و رسوله " يأبها الإنسان أنك كادح إلي ربك كدحا فملاقيه " (الأنشقاق 84: 6). ذلك قسم من الله علي نفسه بلقاء عبده، شريطة أن يكدح مجاهدا لنفسه، ومؤهلا كيانه ووجوده للقاء ربه، والآية المذكورة من سورة الانشقاق دلالة علي ما إذا صدق الإنسان في جهاد نفسه بغية لقاء ربه انشقت منه ربوبيته، فلاقي الحق في وجوده وقيامه وذلك كقول الحق سبحانه وتعالي " ثم جعلنا الشمس عليه دليلا" (الفرقان25 :45) والآية من سورة الفرقان دلالة من الله علي بزوغ شمس المعرفة المنوه عنها بوقفة عرفة، إذا ما فرق الإنسان عنه باطله وبقي بحقه.