السبت، 5 يونيو، 2004

مبادىء أساسية فى طريق العبودية لله

نستعين بالله ونستنصره.. ونعوذ به أن نقول زورا أو نغشى فجورا أو أن نكون مغرورين..
نتجه إليه ونتوكل عليه ونبدأ باسمه الرحمن الرحيم..
نبدأ في كل أمر من أمور حياتنا
وفي كل حديث من أحاديثنا
ونحن نطلب رحمة ومغفرة وتوفيقا في رسالتنا على هذه الأرض التي خلقنا من أجلها.. وتواجدَنا لتحقيقها.
نعلم ونتعلم أن حديث الحق وآياته موجهة للمتقين
الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون في سبيل الله..
ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(البقرة 2: 2، 3)
لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (الواقعة 56: 79) 
الذين طهروا قلوبهم ونفوسهم وأرواحهم وعقولهم وكل جوارحهم..
حتى يكونوا أهلا لنفحات الله ورحماته.. وأهلا لكلمات الله وآياته..
عباد الله..إن البدء يكون من الإنسان كما نتعلم ذلك دائما

وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (غافر 40: 60)
 من تقرب إلي  ذراعا تقربت إليه باعا ومن جاءني مشيا جئته هرولة[1]
وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم[2]
 إن كل قيمة حقية .. كل علم حقي .. كل سلوك مستقيم يبدأ من الإنسان..
فإذا بدأ الإنسان طريق الحق .. بدأ يسلك في طريق الحق..
ساعده الله برحمته..
وأعانه على أن يكون في هذا الطريق بحكمته وبقدرته..
إنا حين ننظر على هذه الأرض في علومها، وفيما يملكه الإنسان من قدرات في هذا القيام.. في هذا الوجود الأرضي، نجد أن الإنسان يتعلم أكثر من ممارساته هو، ومن تأمله وتفكره وتدبره..
فمهما حضر الإنسان من جلسات علم، واستمع إلى أحاديث كثيرة، لا تصل إليه هذه الأحاديث إلا بأهليته وإمكاناته على استقبالها واستيعابها..
إذا ظن الإنسان أنه كوجود سلبي سوف يغيِّر ما فيه
بمجرد تواجده في جماعة تذكر الله
فإن هذا لا يكون .. إلا يوم يتفاعل مع هذا الحضور..
ويبدأ في إعمال عقله، وفي إعمال قلبه في كل ما يستمع إليه، وفي كل ما يُعرض عليه..
إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ (الرعد 13: 11)
لذلك كان جهاد الإنسان هو الأساس الذي يمكِّنه من أن يصبح عبدا لله خالصا..
وأن يصبح قياما أفضل ووجودا أحسن وخلقا أكرم..
لا تنتظروا تغييراً من خارجكم..
ولكن عليكم أن تبدءوا أن تغيروا ما في نفوسكم من ظلام ومن جهل ومن اتجاهات خاطئة..
تغيروا كل ذلك بأن تبدءوا في المحاولة في الاتجاه إلى داخلكم..
وفي النظر إلى ما أنتم عليه..
ماذا أنتم فاعلون؟
إلى ماذا تتجهون؟
من الذي تقصدون؟
ومن الذي عليه تتوكلون؟
وما الذي تطلبون؟
إنها تساؤلات يجب على كل إنسان أن يسأل نفسه عنها..
ويجد إجابات عليها من داخله..
ويتفاعل على هذا الأساس.. ويتعامل على هذا الأساس..
"كن كيف شئت فإني كيفما تكون أكون"[3]
إننا نتعلم في ظاهر أمورنا على هذه الأرض أننا لننجز عملا علينا أن نضع هدفا
ونحوّل هذا الهدف إلى أمور نريد أن نحققها ملموسة لنا..
فإذا حققنا هذه الأمور حققنا الهدف الذي وضعناه..
وكل أمر من هذه الأمور يحتاج إلى مجموعة من السلوكيات، ومن المعاملات التي علينا أن نقوم بها حتى نحقق هذا الأمر..
فإذا كان هدفك أن تكون عبدا لله
 وإذا كان مقصودك وجه الله..
فما هي الأمور التي يجب أن تحققها حتى تكون كذلك؟..
الأمر الأول :
أن تكون في حياتك مخلصا فيما تعمله للإخلاص في حد ذاته..
وللإتقان في حد ذاته..
فأنت لا تعمل عملا لتُرضي أحدا، فإذا لم يكن يَرضى رجعت عنه وإن كان فيه خير..
وإنما أنت تعمل العمل للخير في حد ذاته..
ولأنك ترى أنك قادر على ذلك..
وأن هذه وظيفتك التي يجب أن تحققها..
بذلك تتعرض إلى اختبارات كثيرة:
أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (العنكبوت 29: 2)
لتحقق هذا الأمر هناك سلوكيات كثيرة يجب أن تقوم فيها:
أن تتجه بالدعاء أن يعينك الله على نفسك الأمارة بالسوء..
وهذا ما شرعه لك الدين من عبادات كلها دعاء
في صلاتك دعاء.. وفي صومك دعاء.. وفي حجك دعاء.. وفي ما تقدمه من زكاة دعاء..
كل هذه العبادات
وكل هذه السلوكيات
وكل هذه المعاملات..
هي لتحقق هذا الأمر:
أنك تتعامل مع ما ترى أنه الخير وأنه الحق وأنه الحياة..
الأمر الثاني هو:
أنك حين تنظر إلى داخلك وتعكس البصر إلى داخلك وتسأل ما هو الهدف؟
لا تجد إلا أنك تريد أن تكسب حياتك في الله..
لا ترى هدفا آخر تريد أن تحققه..
وهذا الأمر يستلزم مجاهدة النفس بكل صور المجاهدة..
ويشترك مع الأمر الأول في العبادات التي يظهر فيها جليا مجاهدة النفس..
"ضيقوا مسالك الشيطان بالجوع و العطش"[4] ..
عدم إتباع النفس الأمارة بالسوء.. والاستعانة بالله على ذلك.
الأمر الثالث هو:
أنك حين تنظر إلى خارجك لا تجد إلا الله..
فكل ما يقع عليك تعلم أنه من الله..
وكل ما يقع منك تعلم أنه من الله..
فلا تشعر بفضل لك
ولا تشعر بأنك عبد لأحد تفضّلَ عليك..
فالفضل من الله والعطاء من الله..
ولا تنقم على أحد لذاته..
وإنما تعلم ما وقع عليك هو لتطهيرك، ولأن تتعلم شيئا،
ولتصل لهذا الحال فتدريبه في معاملاتك مع الناس
وأن تحول هذا الكلام إلى واقع تعيشه..
وكثيرا ما نتعرض لمثل هذه الأمور، فعلينا أن نتذكر هذه الكلمات..
إذا استطعنا أن نحولها إلى واقع..
وإذا لم نستطع استعنا بالله على نفوسنا حتى نكون كذلك..
والأمر الرابع :
ألا تفرط فيما أعطاك الله وعلّمك
أن تكون سببا للخير أو أنك قد تكون سببا للشر..
 فلا يجعلك الأمر الثالث - الذي ترى فيه أن كل شيء من الله - تقع في أوحال الطريق
فتفقد طريقك وتختلط عليك الأمور..
وإنما يجب أن تكون إنسانا يميز بين الحق والباطل وبين الخير والشر..
وأن لا تفرط فيما أعطاك الله من نعمة..
تتعامل بها في الخير وتسلك بها في الخير
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذاريات 51: 56)
إلا ليعرفون.. إلا ليعملون.. إلا ليعمرون..
تقدر ما فيك من نعم الله، ومن إرادة الله التي أعارها إليك بمعنى أمانة الحياة التي حمّلك إياها..
وهكذا دواليك نجد أمورا كثيرا نريد أن نحققها هي في واقع الأمر كل ما وُصف في الدين بأنه من صفات عباد الله.. كل هذه الصفات والتي ذكرنا منها القليل هي أمور يمكن أن يقيسها الإنسان، وأن يعرف إن كان قد قام فيها أو لم يقم.
وهكذا نجد أن هذه الأمور هي في واقع الأمر أمورا نسبية..
فما من كمال إلا وعند الله أكمل منه..
وإنما نحن نخطو خطوات في طريق الله..
فإذا حققنا أمرا عرفنا أن علينا أن نتقنه أكثر..
ولكننا اليوم أفضل من الأمس..
وهذا ما نريد أن نكون عليه دائما..
أن يكون يومنا أفضل من أمسنا..
وأن يكون غدنا أفضل من يومنا..
خطوات وخطوات.. وهذا هو الجهاد في سبيل الله..
وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (العنكبوت 29: 69)
 (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (فصلت 41: 30 )
عباد الله.. نسأل الله أن نكون في طريق الصلاح والفلاح
وأن نكون في الصراط المستقيم
وأن نكون عبادا لله صالحين، لوجهه قاصدين، ومعه متعاملين وعنده محتسبين..
عباد الله..إن المقصود وجه الله..
وهذا هو الهدف أن نكون عبادا لله..
ولنحقق هذا الهدف علينا أن نغيّر أنفسنا إلى الأفضل وإلى الأقوم..
والأقوم والأفضل هو الصفات التي وُصف بها عباد الله..
وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (الفرقان 25: 63)
رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ (النور 24: 37)
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (آل عمران 3: 191)
 وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (الكهف 18: 28)
صفات كثيرة.. وأحوال كثيرة..
لأنها كل الحياة بكل أبعادها..
بكل ما يختص بدنيانا في ظاهرها وما يختص بآخرتنا..
وما الدنيا والآخرة إلا عالم واحد هو عالم الله.. خلق الله.. كون الله.
على الأرض في كل معاملاتنا هناك توجيهات:
"إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه"[5]
"قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (العنكبوت 29: 20) 
آيات كثيرة تحثنا على العمل الجاد وعلى العلم الجاد..
وفي نفس الوقت لا يبعدنا ذلك عن أن نكون في اتجاه إلى الغيب
وفي ذكر لله بالدعاء وبالرجاء.. وبالصلاة.. وبطلب العون والقوة والرحمة..
ونحن نُختبر بذلك في كل أمورنا:
أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (العنكبوت 29: 2)
وما هذه الفتنة إلا لنقوّم أنفسنا..
لنعرف ما نحن عليه وما صرنا إليه..
فإن وجدنانا قد نجحنا حمدنا الله
وإن وجدنانا قد فشلنا استعنا بالله حتى ننجح في المرة القادمة..
لا نيأس من رحمة الله ولا من فضل الله ولا من كرم الله..
ونؤمن بما أودع الله فينا من رحمته ومن سره ومن قوته، أننا بعون الله وبالاستعانة برسول الله سنحقق إن شاء الله معنى العبودية لله..
أملنا في الله كبير وطمعنا في الله أكبر..
ووسيلتنا الرحمة المهداة والنعمة المجزاة.. رسول الله..
نطمع في شفاعته وفي وسيلته أن نكون أهلا لها.
وأن نكون أهلا لشفاعة رسول الله هو أمر عظيم..
والشفاعة لا تكون لمن لا يقدرونها، وإنما تكون لمن يعرف قيمتها وقوتها..
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (النساء 4: 64)
لم يكن استغفار رسول الله لهم إلا لمن جاءوه واستغفروا الله..
أدركوا خطأهم وظلامهم..
وطلبوا قوة على أن تعينهم على هذا الظلام
وكان طلبهم هذا هو شفيعهم
وهو السبب الذي استغفر رسول الله لهم..
فلا يكون ذلك إلا للإنسان الذي أدرك ذنبه..
وأراد أن يكون حقا عبدا لله
وسعى في هذا الاتجاه..
فجاء رسول الله واستغفر الله..
هذا سعي..
وبذلك يكون أهلا لأن يستغفر رسول الله له
فيمنحه قوة على هذه القوة التي ولِّدت من داخله..
هذا هو القانون..
لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ  (الرعد 13: 11)
فابدءوا
ولو بالقليل
وسوف يتعاظم هذا القليل يوم تكونوا فيه صادقين..
 (من خطبة الجمعة20 إبريل 2001م الموافق 26 محرم 1422هـ)

  1.  حديث قدسي أخرجه البخاري ومسلم وأحمد
  2. هذا جزء من نفس الحديث القدسي والذي أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجة والترمذي وأحمد هكذا: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة
  3. يقول الحديث القدسي: تعالى أنا عند ظن عبدى بى ، إن ظن خيراً فله ، وإن ظن شرا فله. أخرجه أحمد ابن حنبل (الجامع الصغير للسيوطي ج2 ص82 )
  4. ذكر الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين أن الرسول e قال لعائشة: ضيقي مسالك الشيطان بالجوع
  5. حديث شريف أخرجه أبو يعلي والطبراني (كتاب المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة للإمام السخاوي ص 122)