الاثنين، 16 مايو، 2011

حراك المجتمع المصرى لإقامة العدل

  • خطبة الجمعة 27 ربيع الثاني 1432 هـ الموافق 1 أبريل 2011م 
  • أعد للنشر بواسطة: عائشة رافع
 إن ما يحدث من حراكٍ، في مجتمعاتٍ حولنا، وفي مجتمعنا في المقام الأول، إنما هو مشهدٌ، ورسالةٌ تتكرر، لبيان سنة الله في الكون، ولحديثٍ من الغيب لنا، لنتعلم قوانين الحياة، وأسباب الحياة، وسنن الله في الكون.
حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشكر دائماً لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: انظروا حولكم، وتأملوا فيما يدور من أحداثٍ، في مجتمعكم، وفي أمتكم، تدبروا هذا الانتشار للمفاهيم، وللرغبة في التحرر، ولرفض الظلم والظلام، والاستعداد للفداء والتضحية بالنفس، في سبيل كلمةٍ حرة، وحياةٍ كريمة، وعدالةٍ حقيقية. إنها ظاهرةٌ إلهيَّة، وحديثٌ إلهيّ، يخاطب الناس جميعاً، في مشهدٍ واحدٍ يتكرر، بين قوى الخير، وبين قوى الشر، بين كلمة الحق، وكلمة الباطل.
نرى المشهد يتكرر، في كثيرٍ من البلدان. نرى الظلام، الذي لا يسمع، ولا يريد أن يسمع، لكلمة الحق. نرى الظلام، الذي لا يرى إلا الجاه والسلطان، نرى الظلام، الذي لا يرى إلا الدنيا الفانية، نرى الظلام، المتثاقل إلى الأرض ـ كما نرى الحق، وهو يحاول، أن يعبر عما يجيش في صدور أصحابه، من رغبةٍ في حريةٍ، وفي عدالةٍ، وفي حياةٍ كريمة، لا يزيده بطش الظلام، إلا تمسكاً بكلمة الحق.
في مشاهد سابقة، كنا نرى الظلام، وقد تمكن بأدواته، من أصحاب كلمة الحق، وهذا واردٌ، في قانون هذه الحياة. إلا أننا نرى اليوم، أن أصحاب كلمة الحق، لهم قوةٌ كبيرةٌ، تغير وتُبدِّل، وهذا واردٌ أيضاً، في قانون هذه الحياة. فلننظر إلى أنفسنا، ولنعلم أن وجودنا، هو صورةٌ مصغرة، من هذا الذي يحدث حولنا، فالكون متماثلٌ، وإن اختلفت أحجام كائناته

[وتحسب أنك جرمٌ صغير وفيك انطوى العالم الأكبر](1).
وحين ننظر إلى أصغر وحدةٍ في هذا الكون، وإلى أكبر وحدةٍ نستطيع أن نراها، نجد أنهما متماثلتان، مركزٌ يطوف حوله أجرامه، فيه قوىً موجبة، وقوىً سالبة، ومن خلال اتزانٍ دقيقٍ، تبقى هذه الوحدات، في حركتها وفي تجاذبها
"وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ " [الرحمن 9:7].
"وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ "، الحديث مُوجَّهٌ إلينا، إلى كل إنسان. كل إنسانٍ، مطالبٌ بأن يقيم الميزان. وإذا اختل الميزان في المجتمع، فإن قانون الحياة، يحرك القوة التي تَعْدِل هذا الميزان، وهذا قانونٌ من قوانين الحياة. فهناك ميزانٌ للمجتمع، وهناك ميزانٌ في داخل كل إنسان. إن الحراك، الذي نشهده في مجتمعاتنا، إنما هو حراكٌ ليَعْدِل الميزان، لأن قوانين الحياة، تدفع في هذا الاتجاه. ونجاح أي مجتمعٍ، هو أن يكون مجتمعاً متوازناً، ونجاح أي إنسانٍ، هو أن يكون إنساناً متوازناً.
إذا كانت الأمور الجمعية، تقف وراءها، قوة الجماعة، مساندةً بالغيب، فإن توازن الإنسان، يقف وراءه، ما أودع الله في الإنسان، من ضميرٍ حي، مسانداً بالغيب الذي يحيط به
"لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" [الأنعام 103]
"... مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ..." [الحديد 4]
"...وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" [قـ 16]
هكذا، نتعلم مما يحدث حولنا، لنعكس البصر إلى داخلنا، لنرى واقع أمرنا، وواقع حالنا، لنحدد مقاصدنا وأهدافنا، ولننظر أين نحن من هذه المقاصد، أين نحن مما نعتقد، أين نحن مما نردد، أين نحن مما نفهم. هل تتحول أفهامنا، إلى واقعٍ في حياتنا وفي وجودنا، أم أننا بعيدين عن هذه المفاهيم التي نرددها؟ هل نحن نقيم الميزان حقاً، أم أننا نخل بهذا الميزان؟ هل نتوازن بين ما نعطي وما نأخذ، بين ما نفعل وما نقول، بين ما يقع منا على الآخرين، وما يقع من الآخرين علينا؟ هل نعطي لمجتمعنا، بدعائنا وقلوبنا، ما نرى أنه الحق؟ وهل نشعر حقاً، بعطاء الله لنا، من خلال ما يحيط بنا، فنرى رحمة الله بنا، وكرم لله بنا، ونعطي من كرم الله، ومن رحمة الله؟ هل نرى هذا التوازن، في حياتنا وفي وجودنا؟ وهل إذا وجدناه مختلاً، هل نسعى إلى اتزانه، وإلى إصلاحه؟
لنعكس البصر إلى داخلنا، ولنحاسب أنفسنا، ولنستغفر الله ليساعدنا، ولنطلب عوناً من الله ليعيننا، ولنطلب مدداً من الله ليُقوِّينا، حتى نقيم الميزان، وحتى لا نطغى في الميزان، وحتى نكون حقاً، قائمين أمراً وسطاً، نسير في طريق الله، ونخطو خطواتٍ إلى الأمام، ونعرج في معراج الله، إلى أعلى في حياتنا وفي وجودنا، طالبين رحمةً، وفضلاً، وكرماً، وعطاءً دائماً لا ينقطع.
عباد الله: نسأل الله: أن يحقق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله. عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن ما يحدث من حراكٍ، في مجتمعاتٍ حولنا، وفي مجتمعنا في المقام الأول، إنما هو مشهدٌ، ورسالةٌ تتكرر، لبيان سنة الله في الكون، ولحديثٍ من الغيب لنا، لنتعلم قوانين الحياة، وأسباب الحياة، وسنن الله في الكون.
وأن من الرسائل، التي يحملها هذا الحراك، هو رسالة العدل، وإقامة العدل، ليكون الإنسان والمجتمع والأرض كلها، قياماً متوازناً. كما أوجد الله الاتزان، في خلق هذا الكون، في أصغر وحدةٍ فيه، وفي أكبر وحدةٍ فيه، مع الفهم، بأن الأصغر، فهو متناهٍ في الصغر بلا نهاية، وأن الأكبر، هو متناهٍ في الكبر بلا نهاية. فالأصغر فيما نراه، والأكبر فيما نراه في خلق الله، هو وجودٌ متوازن. وأوجدنا الله، ونحن نملك أدوات التوازن، وجعل رسالته لنا، أن نقيم هذا التوازن، بأدواته التي أوجد فينا. فإذا أردنا الحياة، نقيم توازناً، وإذا أردنا الفناء، يختل توازننا:
"وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ "
ومن هنا، كان كل كائنٍ حي، يحمل أمانة الحياة، يريد بأمانة الحياة فيه، أن يقيم هذا الاتزان. وتحاول قوى الباطل فيه، التي لا ترى هذا، ولا تفهم هذا، ألا تفكر إلا في لحظتها، وإلا في شهوتها، فلا معنى عندها لهذا التوازن، ولا معنى عندها لمعنى الحياة الباقية، كل ما يشغلها، هو لحظتها الراهنة، وحياتها الفانية، لا تفكر إلا عند أقدامها.
نرى ذلك، متجسداً في الحكام الطغاة، الذين لا يرون إلا عند أقدامهم، لا يرون إلا أنفسهم، وطغيانهم، وكراسيهم، وسلطانهم. يقولون نفس الكلام، ويكررون نفس المنطق، لأنهم جميعهم، لا يرون إلا أنفسهم. وهذا، تعبيرٌ عن معنى الظلام في الإنسان، الذي هو كذلك، لا يرى إلا نفسه، ولا يرى إلا دنياه، ولا ينظر أبعد من ذلك.
الإنسان، هو كيانٌ قائمٌ بذاته، نجاته في أن يتوازن، فيحيا. وهذا، ما دعت إليه جميع الأديان:
اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ[الأنفال 24]
فلنقرأ هذه الرسالة، التي يبعثها الله لنا، فيما يحدث حولنا، ولنتجه إلى الله أن يساعدنا، أن نكون قياماً متوازناً، وأن نكون باتزاننا، أداة خيرٍ لاتزان مجتمعنا، ندفع بالخير، ونسأل الخير، وندعو الخير، لنا، ولمجتمعنا، ولأمتنا.
اللهم وهذا حالنا، وهذا قيامنا، نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن مجتمعاتنا، وعن أرضنا ـ عن كل بلدٍ فيه طاغية.
اللهم ونحن ندعوك، أن ترفع هذا الظلم، عن شعوب مجتمعاتنا، وعما يقاسونه من طغاتهم، ومن ملوكهم، ومن رؤسائهم، ومن حكامهم.
اللهم فاجعل بلادنا بلاداً آمنة، وبلاداً سالمة.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً فيها رضاك إلا قضيتها، ولا طاغيةً في أي بلدٍ إلا هزمته، ولا ظالماً في أي مجتمعٍ إلا كسرته.
اللهم فاجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم فارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.
  1. مقولة للإمام علي كرم الله وجهه