الأربعاء، 4 مايو، 2011

الشريعة الإسلامية .. والقيم الإنسانية المشتركة

  • خطبة الجمعة 26 جمادى الأولى 1432 هـ الموافق 29 أبريل 2011م   
  • أعد للنشر بواسطة: عائشة رافع
  حين ننظر لعبارة "تطبيق الشريعة الإسلامية سنجد أنها عبارة تحتاج لكثير من التوضيح والتحديد لأن تطبيقها في الواقع ليس شيئا بعيدا عن قيم إنسانية مشتركة بين جميع الأطياف من الشعوب
حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله. الحمد لله الذي جمعنا على ذكره وعلى طلبه وعلى مقصود وجهه. الحمد لله الذي جعل لنا بيننا، حديثاً متصلاً، نتواصى فيه بالحق والصبر بيننا، نتدبر أمور حياتنا، ونتدبر حديث الحق لنا، مدركين أن في كل آيةٍ نقرأها، مقصداً، علينا أن نتبعه، لنتفهَّم ما في هذه الآية، من معانٍ ومن أبعادٍ، في حياتنا وفي معاملاتنا، وأن الله يوم خلقنا، أوجد فينا فطرةً وعقلاً وقلباً، يُمكِّننا كل ذلك، من أن نعرف ونتلمس، طريق الحق والفلاح.
وكما نقول دائماً، إن الناس جميعاً، في مشارق الأرض ومغاربها، في كل مذاهبها، في كل أممها ومجتمعاتها، تبحث عما هو أفضل لها، في حياتها الدنيوية. والقيم الأساسية متماثلة، فالكل يُقدِّر ويُكبِر العدل، والكل يُقدِّر ويُكبِر التكافل، والكل يُكبِر و يُقدِّر أن يكون كل إنسانٍ في المجتمع، قادراً أن يعيش حياةً كريمةً، الكل يحاول بكل طرقه، أن يجد السبل التي تُمكِّنه من تحقيق هذه المقاصد. لذلك، فإنا نجد في آيات الحق لنا، ما يتوافق مع هذه القيم، الموجودة في فطرتنا.

المشكلة، ليست في المقاصد، وإنما في تنفيذها، وفي تطبيقها، وفي تفاصيل هذا التطبيق. لذلك، فإن تصور البعض، أن هناك حلولاً جاهزة، فيما جاءت به الأديان لهذه التفاصيل، هو تصورٌ قاصرٌ، لأنَّا نجد أن الأحكام التي جاءت في كل دين، بما في ذلك دين الإسلام، إنما هي أحكامٌ كلية، توضح المقصد، وتوضح مدى فداحة الجرم، من خلال ما تشير إليه، من حدٍ لهذا الجرم.
كلما اشتد الجرم، كلما اشتد الحد الذي تُظهِره وتُخبرنا عنه، وما هذا الحد، إلا كاشفٌ لمدى فداحة الجرم، في المقام الأول. المشكلة الأساسية، هي في تطبيق هذا الحد، لأنه وهو أمرٌ جلل، يؤدي بتطبيقه، إلى حالٍ لا يمكن الرجوع فيه. لذلك، فقد فهم السابقون، أنه يجب أن تكون هناك ضوابط، لمثل هذه الأمور، هذه الضوابط، نختلف فيها، ولا يوجد إنسانٌ، يمكنه أن يَدَّعي، أنه يملك الحق المطلق في هذه الضوابط.
فالقضية إذاً، أكبر من أن تُختزل في كلماتٍ، مثل تطبيق الشريعة، دون تقنينٍ لهذا التطبيق، ودون وضع الضوابط له، كما لو أن تطبيق الشريعة، هو أمرٌ هين، إن تطبيق الشريعة في المجتمع، يحتاج أن يُقنَّن، وأن تُوضع له الضوابط ـ وكما قلنا ـ فإن هذا، فيه اختلافٌ كثير.
فإذاً، تَصَوُّر أي فردٍ أو أي جماعةٍ، بأن تقول أن مرجعيتها هي الإسلام، هذا ليس أمراً واضحاً، لأن الجميع من هذا المنطلق، مرجعيتهم هو الإسلام. الإسلام هنا، في مفهومه الشامل، الذي هو يعبر عن ضمير الإنسانية، عن القيم التي قلنا أنها موجودةٌ، في الشرق وفي الغرب، وفي الشمال والجنوب.
هذه القيم، موجودةٌ في البشرية، منذ القدم، والإسلام، ما جاء إلا ليكشفها، في الرسالة المحمدية، وأن يُوضحها، وأن يُظهرها، وأن يُركِّز على ما يمكن أن يُعلِي من شأن المجتمع، وما يمكن أن يحط من قدره، ولكن ترك مساحةً للمجتمع، أن يبحث في التطبيق.
ولذلك، كان الخطاب دائماً إلى الأمة:
"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ..." [آل عمران 110]
"...تَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ" [العصر 3].
لذلك، فيجب ألا نخلط، بين ما هو عامٌ ومجتمعيّ، وبين ما هو خاصٌ وفرديّ. ما هو عامٌ ومجتمعيّ، من قيمٍ ومن مبادئ، كل إنسانٍ يعمل في الشأن العام، عليه أن تكون مرجعيته، هي هذه المبادئ الكلية، التي تعارف عليها البشر، أياً كانت ديانتهم، وأياً كان جنسهم، وأياً كان مكانهم، وأياً كان زمانهم، بعد أن أدركوا قيمة الإنسان، ووجوده على هذه الأرض.
وإذا كان الإسلام، هو مبينٌ وموضحٌ لهذه المبادئ، فهذا في الشأن العام، هو المحور، وهو المرجعية، التي يجب أن نرجع إليها جميعاً. ليس كدينٍ ضد أديان، ولكن بمفهوم الإسلام ـ كما نقدمه دائماً ـ كدين الحياة، الذي يشمل كل الديانات، ويشمل كل القيم، وكل المبادئ، الموجودة في كل دينٍ سماوي، بل وفي كل دينٍ غير سماوي، كما يسمون البعض، في كثير من الأحيان. أما ما يخص الإنسان كفرد، في أموره الحياتية الداخلية، فيما يعتقد بينه وبين نفسه، ما يكمن في صدره، ما يرسخ في عقله، ما يستريح إليه قلبه، فهذا أمرٌ يخص الإنسان. لأنك لا تستطيع أن تفتح صدره، وتبحث فيه، لا تستطيع أن تحكم على فكره، أو أن تدخل إلى عقله، فتضع قانوناً، يعاقب العقول والأفكار، وكيف يكون ذلك، وأنت لا تستطيع أن تعرف ذلك؟
لذلك، يجب احترام حرية الفرد، في معتقده، وفيما يقوم به في داخله، وفيما يعبر عنه على أنه معتقده، دون أن يتبع ذلك، أن يفرض هذا المعتقد على الآخرين، أو أن يُلزمهم به، لأنه بذلك، يخرج من حدوده الفردية، إلى حدودٍ مجتمعية، لا يجب أن يتخطاها.
مفهوم الإنسان في دينه، في أموره الخاصة، هذا أمرٌ، هو مسئولٌ عنه، لا يمكن لأحدٍ، أن يفرض على الإنسان صورةً معينة، لمفهومٍ، أو لشكلٍ، أو لصورةٍ يجب أن يقوم فيها، لا يستطيع إنسانٌ، أن يحكم حكماً مطلقاً، على إنسانٍ آخر، إنما يكون ذلك، بالتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، بالتعليم، والتثقيف، والدعوة.
لذلك، يجب أن نُفرِّق، بين أمورٍ تُفرض بالقانون، وبين أمورٍ تُبلَّغ بالدعوة وبالتعلُّم وبالتوجيه، وهذه الأمور، قد نختلف فيها، ولكل إنسانٍ، أن يعبر عما يعتقد، وأن يختار كل إنسانٍ ما يعتقد، وما يستريح إليه.
عباد الله: علينا أن نتعلم من آيات الحق لنا، وهو يُكبِر معنى الجماعة، ويُقدِّر قيمة الفرد في المجتمع:
"... مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ..." [المائدة 32]
تقديرٌ للنفس البشرية، ولرسالتها على هذه الأرض:
"وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ ..." [آل عمران 104]، تقديرٌ لمعنى الأمة، ومعنى الجماعة. عباد الله: نحن في مجتمعٍ الآن، تتباين فيه الآراء، وتختلط فيه الأمور، نحن في حاجةٍ إلى فهمٍ أعمق، ولا يكون ذلك، إلا بحريةٍ أكثر، تظهر فيها كل المفاهيم على السطح، ويوجد نظامٌ، يحكم هذه العلاقات، فلا يجعل جماعةٌ، تعتدي على جماعاتٍ أخرى، وإنما يحترم رأي كل جماعةٍ، وينظر إلى ما سيكون عليه الأمر، بحيث لا يُسمح لجماعةٍ أياً كانت، بأن تقول أنها الحق المطلق، وأن تُهمِّش كل الآخرين، وألا يتكلم أي إنسانٍ، فأنه يتكلم باسم الله، أو باسم الدين، وأن حديثه هو الحق المطلق، وأن يُرسَّخ هذا في المجتمع.
فطالما أن إنساناً قد تكلم، فإنه يُرَدُّ عليه، ولا يجب أن يوجد حجابٌ، يمنع أي إنسانٍ، من أن يَرُد على إنسانٍ، إذا ذكر أن هذا هو رأي الدين، فليس هناك رأيٌ واحدٌ للدين، إنما هو رأي الإنسان، وهو تفكير الإنسان، والتصور بأن هناك أمراً واضحاً، وحديثاً واضحاً، وآيةً واضحة، لا تقبل الاجتهاد، هو أمرٌ غير صحيح. الصحيح، أن هذا الأمر، هو في المعنى والمقصد الكليّ، أما في تطبيقه، وفي المعاملة معه على الأرض وفي الواقع، فإن هناك مفاهيم كثيرة.
عباد الله: نسأل الله: أن يوفقنا، وأن يوفق مجتمعنا، أن يصل إلى بر الأمان، وأن يكون قادراً على التحاور، والتواصي، والتفاهم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله حقاً.
نسأل الله: أن يوفقنا لذلك، وأن يجعلنا أهلاً لذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن الدين بمبادئه ومقاصده، هو مرجعيةٌ للناس جميعاً، سواء قالوا ذلك، أو لم يقولوه. إن هذه المقاصد الكلية، يُعبَّر عنها في دساتير الأمم، كلٌّ بلغته. وإنما تتفق جميعاً، في حرية الإنسان، وفي ألا يفرض إنسانٌ رأيه على إنسان، وألا يعتدي إنسانٌ على إنسان، بأي صورةٍ من صور الاعتداء، وأن القانون، هو الذي يحكم المجتمع.
هذه المقاصد وهذه المبادئ، تتفق تماماً، مع مبادئ الشريعة الإسلامية، التي هي مبادئ كل الأديان، في أصولها وفي مقاصدها. لذلك، لا يجب أن تحتكر مجموعةٌ، هذه المبادئ لنفسها، إنما هي مبادئٌ كلية، أما أسلوب التنفيذ، فهو اجتهادٌ إنساني.
وهذا الاجتهاد الإنساني، لا يمكن أن يُنسب إلى أنه دين. فحين تُطبِّق هذه المبادئ، فأنت تجتهد في ذلك، آخذاً في اعتبارك، هذه المبادئ الكلية، وإنما حين تُطبِّقه على الأرض، فهو تفكيرك. فلا يستطيع إنسانٌ، أن يَدَّعي أنه يطبق الإسلام، كما يريد الله، هذا يُرجِعنا إلى معنى الدولة الدينية، التي يَدَّعي فيها فردٌ أو جماعةٌ، أنها هي الوحيدة، التي تعلم الدين.
لذلك، فإن أي إنسانٍ، يتعرض للتطبيق، لا يشفع له، أن مرجعيته إسلامية، بأن يُقبَل منه كل شيء، وإنما هو إنسانٌ يُرَد عليه، ويُعترض عليه، ويُختلف معه، وتتغير الأمور كيفما يرى المجموع، وكيفما ترى الأمة.
وكذلك، يجب احترام حرية الإنسان، في مفهومه عن دينه، وفي مفهومه عن الحياة
"...فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ..." [الكهف 29]
فهذا أمرٌ خاصٌ به، وإذا عبر عنه ـ مجرد التعبير ـ دون أن يفرضه على الآخرين، ودون أن يشكل تنظيماً مسلحاً ـ مثلاً ـ لفرضه، ولجبر الناس عليه، ولمقاتلة الآخرين لنشره، فإنه لا غبار عليه، لا يمكن أن تطبق عليه أي حدٍ أو أي قانون، لأنه أمرٌ خاصٌ به.
يُطبَّق عليه القانون، يوم يخرج عن حدوده، إلى حدود المجتمع، تكون فكرته، أن يخرج على المجتمع، وأن يجمع الناس للخروج على مجتمعه، وأن يخرج على القانون.
لذلك، يجب ألا نضع القوانين، التي تحد من حرية الإنسان، لأن هذا لا يدخل في المقاصد الكلية، التي أكبرت الاختلاف، وعلمتنا، أنه سنة من سنن الحياة، وأن كل إنسانٍ، يفكر بطريقةٍ مختلفةٍ عن الآخر، وأن هذا هو من سنن الحياة، ولاستمرار الحياة
وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ ..." [البقرة 251]
فيجب أن نُفرِّق، بين ما هو خاص، وبين ما هو عام، بين ما هو فرديّ، وبين ما هو جمعيّ ومجتمعيّ. عباد الله: نسأل الله، ونحن في هذه المرحلة الانتقالية، من حالٍ إلى حال، في مرحلة تغييرٍ، وفي مرحلة وضع أسسٍ جديدةٍ لمجتمعنا
نسأل الله: أن يوفقنا، ويوفق الناس جميعاً، ويوفق كل أفراد المجتمع، أن يتكاتفوا، وأن يعتصموا بحبل الله، ليضعوا أسساً جيدةً، يمكن أن نبني عليها، ويمكن أن نعيش في مجتمعٍ، يقبل بعضه بعضا، ويتكافل بعضه مع بعض، ويبحث أفراده عن خير مجتمعهم، وعن رفعته، وعن أن يكون أفضل وأحسن وأقوم، وان يكون مثلاً صالحاً، لمجتمعٍ صالحٍ، يدعو إلى الخير، ويدعو إلى الحق، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويؤمن بالله.
اللهم وهذا حالنا، وهذا اتجاهنا، نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم ألف بين قلوبنا اللهم احيي قلوبنا.
اللهم ألف بين أرواحنا اللهم طهر أرواحنا.
اللهم زكي نفوسنا اللهم اثلج صدورنا.
اللهم كن لنا في الصغير والكبير من شأننا.
اللهم كن لنا فيما نعلم، وفيما لا نعلم، وفيما أنت به أعلم.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً فيها رضاك إلا قضيتها، ولا ظلماً إلا كسرته، ولا طاغيةً إلا هزمته.
اللهم فاجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا