الجمعة، 17 مايو، 2013

علينا أن نسأل أنفسنا بصدق: هل نستطيع أن نعيش على هذه الأرض، ولا هدف لنا إلا الوجود عليها؟ أم أننا بداخلنا، وبفطرتنا، وبقلوبنا، وبعقولنا، نرى أن لنا حياةً ممتدةً، علينا أن نعمل على أن نعيشها، بما هو أفضل وأحسن وأقوم؟

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،
"... مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً"[الكهف 17].
عباد الله: قد علمنا ديننا، أن رسالة الحق مستمرةٌ دائماً، جاءت في قديم، وتتابع الرسل والأنبياء، ليكشفوا قوانين الحياة، وهدف وجود الإنسان على هذه الأرض، إلى أن جاءت الرسالة المحمدية، فأرست هذه الرسالة على هذه الأرض، وأكملت البنيان، وجعلت الرسالة في قلوب العلماء والأولياء، [جعل الأرض مسجداً وطهوراً](1).
فأصبحت الأرض مُحمَّلةً برسالة الحياة، تجيب كل طالبٍ، وتتفاعل مع كل متدبرٍ، وتَظهر لكل مُبصِرٍ، وتخاطب كل سامعٍ. رسالةٌ متجددة، رسالةٌ متفاعلة، رسالةٌ مُغَيِّرة، تُغَيِّر الإنسان من داخله، وتُغَيِّر بالإنسان كل ما يحيط به. رسالةٌ حية، والحياة، هي أن تتفاعل مع مُتَغَيِّرات هذه الأرض، وتُخرِج أحسن ما يمكن التعامل به مع هذه المُتَغَيِّرات.
لذلك، فقد عَرَّف الصوفية الفقيه، بأنه الذي يتأمل في النصوص والأصول، ويتفاعل معها، لا أن يكون مردداً أو مقلداً. بل أننا نقول: أن هذا ما يجب أن يكون عليه حال الإنسان، كلٌّ بقدره، وفيما يخص نفسه.
فكل إنسانٍ، عليه أن يتعرض لنفحات الله، ولرسالة الحياة. وبتعرضه لهذه النفحات من السماء، وللآيات في الآفاق وفي نفسه، في تعرضه للغيب، وتعرضه للشهادة ـ سوف يجد طريقه، وسوف يجد هدفه.
لذلك، فإن تَأمُّلنا في الدين، يختلف عن البعض، الذين يرون الدين شيئاً جامداً، كان في قديمٍ في صورةٍ، وعلينا، أن نكرر هذه الصورة، بثباتٍ، وبجمودٍ. إنا نرى، أن علينا، أن نستلهم من القديم، المقاصد، والأهداف، والحكمة، والعِلَّة، وأن ننظر إلى كل أمرٍ، في إطار الواقع المُعاش.
فإذا فهمنا ما قاله القدماء، فإننا نفهمه في إطار واقعهم الذي كانوا عليه، وإذا أردنا أن نفهم مقاصد الدين اليوم، فعلينا، أن نفهمها في إطار واقعنا، وما يُصلِح حالنا، وما يغيرنا إلى الأفضل والأحسن والأقوم.
فإذا كانت الرسالات السماوية في قديمٍ، جاءت تُصحِّح ما أُسِيئ فهمه، من الرسالات السابقة عليها، فإن الرسالة المحمدية، وضعت المنهج، الذي يستطيع به البشر، أن يُصحِّحوا مفاهيمهم في استمرارٍ، وفي دوام.
وما كان قول رسول الله ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ: [يبعث الله على رأس كل قرنٍ من يجدد لأمتي أمور دينها](2)، ما كان هذا القول، يعني فترةً زمنيةً محددة، ولكن كل يومٍ هو بداية لقرن، وكل يومٍ هو نهاية لقرن، والناس متجددون دائماً. وهناك في كل يومٍ، من يُولَد على هذه الأرض، من فيه بذرة حياةٍ حقة، ينمو على هذه الأرض، ليساعد الناس على فهم دينهم، وعلى تَفَهُّمِه بصورةٍ عميقةٍ مناسبةٍ، لواقعهم ولحالهم.
لذلك، فإنا نرى الذين يتكلمون عن القديم فقط، يفقدون صلتهم بالواقع، ويفقدون صلتهم بالحياة. نحن ـ كما قلنا ـ لا نريد أن نقطع الصلة بالقديم، ولكن أن تكون صلتنا بالقديم، هي مُعِينٌ لنا على فهم واقعنا، لا أن تكون سبباً في عُزلتنا عنه، وأن نفهم أن سُنَّة الحياة هي التغيير، بل أننا مطالبون بالتغيير،
 "...إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ..."[الرعد 11].
فنحن نريد تغييراً دائماً، إلى الأفضل والأحسن والأقوم، فيما يخص حال دنيانا، وفيما يخص حال آخرتنا. نريد تغييراً إلى الأفضل على هذه الأرض، بمقاييس هذه الأرض. ونريد تغييراً إلى الأفضل في معانينا وأرواحنا، بما سنكون عليه بعد مغادرتنا لهذه الأرض ـ فلن يبقى منا، إلا هذه المعاني السارية في وجودنا، وإلا هذه الأفكار التي عرفناها بعقولنا، وإلا هذه المشاعر الحقة، التي شعرنا بها بقلوبنا.
هذه الأمور، سوف تبقى بعد خروجنا عن أرضنا، فعلينا، أن نعيش هذه الأمور، وأن نتغير، لنكون أكثر إحساساً بمعنى الحياة، كمعنىً مستمر، وبمعنى العلاقة بربنا، كعلاقةٍ مستمرة، وأن ندرك أن عملنا على هذه الأرض، إن كنا نتعامل فيه مع الله، أصبح زاداً لنا في حياتنا الأخرى، فنشعر بذلك حقاً، ونعيش هذا الإحساس.
فإذا كنا لا نشعر بذلك، فإن التغيير المرجو، هو أن نتجه إلى داخلنا، ونسأل أنفسنا، ونسأل قلوبنا، ونسأل عقولنا: هل نريد هذا الإحساس، الذي نشعر فيه باستمرار الحياة؟ أم أننا لا نريده، لا نريد إلا الأرض وما عليها، ولا يهمنا أي شيءٍ غير ذلك في حياتنا؟
علينا، أن نسأل أنفسنا بصدق: هل نستطيع أن نعيش على هذه الأرض، ولا هدف لنا إلا الوجود عليها؟ أم أننا بداخلنا، وبفطرتنا، وبقلوبنا، وبعقولنا، نرى أن لنا حياةً ممتدةً، علينا أن نعمل على أن نعيشها، بما هو أفضل وأحسن وأقوم؟
لا يكون ذلك، بعبادة وهم، أو بمجرد حركات جسد، أو ترديد كلماتٍ، وإنما يكون ذلك، بالفهم المستقيم، وبالمعاملة الصادقة، وبالتعامل مع الله في كل أعمالنا، [أعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك](3).
نسأل الله: أن يجعلنا كذلك، وأن يحقق لنا ذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
________________________
 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن رسالة الإسلام، رسالةٌ مستمرة،
 "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ..."[آل عمران 19]،
 الإسلام بمعناه الحقيقي،
"مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا..."[آل عمران 67]،
 وكل الأنبياء، وُصِفُوا في القرآن، بأنهم مسلمون، بالمعنى الحقيقيّ للإسلام.
هذه الرسالة، على مر تاريخنا المعروف، كانت تتجدد في كل رسالةٍ سماوية، إلى أن اكتملت بالرسالة المحمدية، فقال رسول الله ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ: [زويت لي الأرض مسجداً وطهورا](4). زويت له، برسالته المتُمِّمَة، المُكَمِّلة، المُصَحِّحَة، التي تحمل منهجاً للتصحيح الدائم، لتقويم الأفكار، ولتقويم السلوك.
فلا تكون الأمة مثل الأمم السابقة، التي يوم غاب عنها نبيها أو رسولها، تشددت، وأخذت بالشكل وبالحرف، كما كان اليهود قبل بعثة المسيح ــ عليه الصلاة والسلام ــ فجاء المسيح، ليُصحِّح لبني إسرائيل تشددهم وحرفيتهم.
وجاء رسول الله ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ ليكشف أموراً كثيرة، كانت غير واضحة في الرسالات السابقة، مُصحِّحاً أيضاً، مفهوم العلاقة بالله، ومعنى العبودية لله، وكيف يكون الإنسان حاملاً لإنجيله في صدره، [قومٌ أناجيلهم صدورهم](5)، فقال: [يبعث الله على رأس كل قرنٍ من يجدد لأمتي أمور دينها]، فهؤلاء، ليسوا فرداً كل قرنٍ، وإنما هم العلماء والأولياء الصالحين، الذين يتواجدون في كل عصرٍ. فكل قرنٍ، هو كل يومٍ لما سبقه. وبذلك، كان المجددون أمةً،
 "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا..."[النحل 120].
ولذلك، كان رسول الله ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ الرسول الخاتم، لأنه أوجد على هذه الأرض، ما يجعل أتباعه الصادقين، يجددون دائماً طريقهم، ويُصلِحون أحوالهم. إلا أننا، عشنا ونعيش، في مجتمعاتٍ لازالت فيها الغفلة عن الرسالة المتجددة، ولازالت فيها ممارسة الدين بالتشدد والحرفية، التي قد تُبعِد الإنسان عن المفهوم الصحيح للمقصد.
وهذا، واقعٌ لا ننكره، إلا أننا أيضاً لا ننكر، أن على مدى القرون العديدة، منذ أن انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى، كان هناك أناسٌ يجددون، ويعظون، ويعلمون، ويرشدون. وإن كان هؤلاء، من اتبعوهم قليلون، إلا أنهم مارسوا حكمة الدين، ورسالة الإسلام، بظهور محمدٍ ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ الذي أودع قوةً على هذه الأرض، لكل طالبٍ يريد أن يتعلم، وأن يكون إنجيله في صدره. وبهؤلاء، عاشت هذه الأمة، واستمرت. وهذا، فضلٌ من الله عظيم،
 "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"[الحجر 9].
عباد الله: نسأل الله: أن نكون أداة خيرٍ وسلامٍ ورحمة، لنا ولمن حولنا، ونستغفر الله إن نسينا أو أخطأنا، ونعود إليه، ونتوب إليه، ونرجع إليه، فالرجوع إلى الحق فضيلة.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم اصلح أحوالنا حكاماً ومحكومين، رواداً ومرودين.
اللهم وَلِّ أمورنا خيارنا، ولا تُوَلِّ أمورنا شرارنا.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.
_________________________

(1)   قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي‏:‏ أرسلت إلى الأبيض والأسود والأحمر، وجعلت الأرض لي مسجدا وطهورا، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت جوامع الكلم‏.‏)( ‏العسكري في الأمثال - عن علي‏).

(2)   قال صلى الله عليه وسلم " أن الله يبعث لهذه الأمه على رأس كل مائه سنة من يجدد لها دينها". أخـرجه أبو داود والحاكم والبيهقى ـ الجامع الصغير للسيوطى ( جـ1 ص 74 ) ومستدرك الحاكم (جـ 4 ص 522 ) – صحيح.  

(3)أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يومًا بارزًا للناسِ، إذْ أتاهُ رجلٌ يمشِي، فقالَ: يا رسولَ اللهِ ما الإيمانُ ؟ قالَ: (الإيمانُ: أنْ تؤمِنَ باللهِ وملائكتهِ ورسُلِهِ ولقائِهِ ، وتؤمنَ بالبعثِ الآخرِ) . قالَ: يا رسولَ اللهِ ما الإسلامُ ؟ قالَ: (الإسلامُ: أنْ تعبدَ اللهَ ولا تشركَ به شيئًا، وتقيمَ الصلاةَ، وتؤتِيَ الزكاةَ المفروضَةَ، وتصومَ رمضانَ). قال: يا رسولَ اللهِ ما الإحسانُ؟ قالَ: (الإحسانُ: أنْ تعبدَ اللهَ كأنكَ تراهُ، فإنْ لم تكنْ تراهُ فإنَّهُ يراكَ). قالَ: يا رسولَ اللهِ متى الساعةُ؟ قالَ: (ما المسؤولُ عنها بأعلمَ من السائلِ، ولكن سأُحدِّثُكَ عن أشراطِهَا: إذَا ولَدتْ المرأةُ ربَّتَهَا، فذاكَ من أشراطِهَا، وإذا كان الحفاةُ العرَاةُ رؤوسَ الناسِ، فذاكَ من أشراطِهَا، في خمسٍ لا يعْلَمُهُن إلا اللهُ: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنْزِلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ}). ثم انصَرَفَ الرجلُ، فقالَ: ( ردُّوا عليَّ ) . فأخَذُوا ليَردُّوا فلمْ يرَوْا شيئًا، فقالَ: (هذا جبريلُ ، جاءَ ليُعَلِّمَ الناس دينَهُم). الراوي: أبو هريرة، المحدث: البخاري.

(4)   - "زويت لي الأرضُ مشارقُها ومغاربُها وسيبلغُ ملكُ أمتي ما زُوِيَ لي منها" المحدث: ابن تيمية، المصدر: مجموع الفتاوى، خلاصة حكم المحدث: صحيح.

-   قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي‏:‏ أرسلت إلى الأبيض والأسود والأحمر، وجعلت الأرض لي مسجدا وطهورا، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت جوامع الكلم‏.‏)( ‏العسكري في الأمثال - عن علي‏).

(5)   "صِفَتي أحمدُ المتوكِّلُ ، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ ، يجزي بالحسنةِ الحسنةَ، ولا يكافئُ بالسيئةِ، مولدُه بمكةَ، ومُهاجرُه طَيبةُ، وأُمَّتُه الحمَّادون، يأتزِرون على أنصافِهم، ويوُضِّؤون أطرافَهم، أناجيلُهم في صدورِهم، يَصفّون للصلاةِ كما يصفُّون للقتالِ، قربانُهم الذي يتقرَّبون به إليَّ دعاؤُهم، رُهبانٌ باللَّيلِ لُيوثٌ بالنَّهارِ". الراوي: عبدالله بن مسعود-  المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الضعيفة - خلاصة حكم المحدث: ضعيف.


 

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق