الجمعة، 24 مايو، 2013

(3) الإسلام رسالة الرسل والحكماء: إنما أنت منذر ولكل قوم هاد

نحن ننطلق من قواعد ترتفع شيئا فشيئا لتكون بناء متكاملا، والقاعدة الرئيسية التي نرسخها أن هناك "دينا واحدا" تم التعبير عنه في أشكال مختلفة تبعا للمكان والزمان. من هذه القاعدة نأمل أن نبني أواصر محبة وسلام مع العالم شرقه وغربه، شماله وجنوبه، دون فرض رؤية أو رأي وإنما بإكتشاف وحدتنا والاعتراف باختلافنا في التعبير عنها.


الإشكالية بين المسلمين بين غير المسلمين، أن كل فريق يتحدث عن "دينه" أنه "الدين الواحد"، يريد أن يفرضه، وأن يرسخ به أفضليته على البشر أجمعين.

تقديمنا للدين الواحد يقفز فوق الأسماء والمسميات، ويتعدى نظم الشرائع والعبادات، ويتخطي الحواجز والتصنيفات. ومدخلنا أن نقدم "الإسلام" منهجا يرشد إلى الصراط المستقيم، وإلى النور الهادي. إنه الدين الحنيف .. دين القيمة.

نحن نستخدم هذه العبارات القرآنية لأن مدخلنا ينطلق من انتمائنا إلى رسالة سيدنا محمد (صلعم). ولأن حديثنا في هذا المقام نوجهه إلى المسلمين، آملين أن نتعلم معا كيف نرى أن هذه الرسالة السمحاء قد جاءت لتفتح للعالم كله باب الرحمة والرجاء، دون عصبية أو تفاضل أو غلبة أو قهر.
لنفتح معا القرآن لنري ما جاء عن "الإسلام" .. نجد أن كلمة "الإسلام" جاءت أربع مرات فقط في الكتاب العزيز.
) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗوَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (آل عمران: 19)
)وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( آل عمران: 85)
)حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَ‌ٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (الأنعام: 3)
) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (الصف:7)
السؤال هنا: هل في هذه الآيات دليل على أن "الإسلام" هو الدين الذي تنزل على سيدنا محمد ولم يتنزل على غيره؟
سنجد أن كل الآيات ما عدا الآية الثالثة في صورة الأنعام، تتحدث عن الإسلام بشكل عام، وليس هناك تعريف خاص. والآية الثالثة هي آية فيها تشريع بما ينبغي على من اتبعوا دعوة سيدنا محمد (صلعم) أن يتناولونه من طعام وشراب. فهذه الآية تتحدث عن الشرائع بإعتباره جزء من الرسالة الأعم.
اختزال رسالة الإسلام إلى التنزيل على رسول الله يسيء إلى الرسالة الجامعة الشاملة التي بدأت منذ آدم.
منهجيا رسالة الإسلام مفطورة في القلب البشري، وفي التكوين النفسي للإنسان، حيث فطرة الإنسان تحثه على أن يبحث عن معنى لحياته، وهو ما جعل الإنسان مختلفا عن الحيوان. إذا عكسنا البصر داخلنا لوجدنا ذلك اليقين أننا نشترك في "إنسانية واحدة" وأن هناك علم لدني مشترك يجمعنا. حتي لو كانت هناك اختلافات بين البشر فيما وصلوا إليه من رؤى، إلا أنه في داخل كل منا يقين أننا نتجه نحو هدف مشترك.
من أين ييدأ الصراع؟
فكرة "الدين الواحد" فكرة داخلية إنسانية، ولكنها قد تسبب صراعا، عندما تتحول إلى أيديولوجية وأفكار محددة، وتخرج من إطارها النفسي إلى إطار ذهني في ظل نظام فكري مغلق. ولهذا فإن كل جماعة بشرية تفترض أن ما تعتقده يعبر عن "الدين الحق" و"الدين الواحد" الذي على البشر جميعا أن يؤمنوا به.
إذا كان هذا ينطبق على اليهود الذي يعتقدون أنهم "شعب الله المختار" ومازالوا ينتظرون المخلص، وينطبق على المسيحيين الذين يرون أن من لم يؤمن بالمسيح فإنه لن يدخل الملكوت الإلهي، فإن هذا ينطبق أيضا على المسلمين اليوم الذين يعتقدون أن من لم يؤمن بأن محمدا بن عبد الله رسولا، فلن يكون له شفاعة عند الله يوم القيامة، ويكون من الهالكين.
وماذا عن الديانات التي لم تجيء عن طريق الوحي المباشر؟ بعض من معقتقيها يرون أيضا أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، وبعضهم يؤكد فقط الجانب الروحي للتدريبات التي يقدمونها دون أن يفرضوا رؤية أو عقيدة بعينها. ولقد انتشرت اليوجا في العالم من منظور أنها رياضة تصلح النفس والبدن، ودون أن تتعرض للعقيدة. وأما أصحاب العهد الجديد New Age فإنهم يطلبون من العالم أن يترك الديانات القديمة التي فرقته ولم تجمعه، ويبدأون عهدا جديدا، متخلصين من التراث الذي سبب ومازال يسبب صراعا بين البشر.
يتفق أصحاب الأديان المنزلة وغير المنزلة على أن دين كل منهم أفضل من الأديان الأخرى، وأنه الدين الواحد الذي على البشر جميعا أن يعتنقوه. وهذا يقود إلى الصراع والشقاق بدلا من السلام والمحبة الذي دعت إليها جميع الأديان.
أين المخرج؟ ما معنى الدين الواحد الذي يجمعنا؟
وإذا استقبلنا القرآن ونحن نبحث عن وحدتنا، سيتحدث إلينا القرآن شارحا لنا كيف يحدث الصراع، وأين توجد مناطق الاتفاق.
سنأخذ كل آية أخرى تحدثت عن "الإسلام" على حدة، ليتبين لنا أن كل آية من هذه الآيات تتحدث عن رسالة "الإسلام" القديمة قدم الإنسان والتي أكدها وشرحها وبينها الوحي إلى رسول الله، وأن من يطلق عليهم القرآن "الذين أوتوا الكتاب"، هم كل من تنزلت عليهم الرسالات السماوية (بما فيهم المسلمون أنفسهم).
ولأن القرآن يفسر بعضه بعضا، سنجد أن هناك خصائص أو صفات للإسلام، ذكرت في القرآن لتشرح وتوضح وتبين لنا أن "الإسلام" أوسع كثيرا من أن يكون عبادات محددة، أو شرائع مقننة، فهو بالتعبير القرآني "الصراط المستقيم"، "النور الهادي"، "الدين الحنيف"، "دين القيمة"، إلى آخر هذه الصفات.
لماذا إذن عندما نقرأ "إن الدين عند الله الإسلام" ينصرف ذهننا إلى الشريعة والعبادات التي تنزلت على سيدنا محمد (صلعم)؟
بدلا من هذا يمكننا القول أن التنزيل على الرسول (صلعم) أوضح لأهل الكتاب دينهم، وأن رفضهم لما بينه لهم الرسول قد جعلهم يتفرقون بينهم، فكل منهم يتخذ موقفا مختلفا عن الآخر، ليس من منطلق القناعة أو الحكمة أو التعقل، ولكن من منطلق الكبر والبغي والتعنت.
لنقرأ إذن الآية الأولى:

)
إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗوَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (آل عمران: 19)
لا أقول جديدا عندما أؤكد أن قوله تعالي "إن الدين عند الله الإسلام"، فإن الإسلام في هذا السياق لا يقتصر على ما تنزل على رسول الله، وإنما يؤكد أنه دين الأنبياء والرسل جميعا. ويصبح من المنطقي أن من لا يتبع تلك الرسالة فإنه يكون قد خرج عن الهدي السماوي، ولذا جاءت الآية الآتية لتؤكد هذا المعنى:
)وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( آل عمران: 85)
وعندما يطرح الرسول (صلعم) هذا الدين القيم، ويرفضه من يرفضه، لا يكون رفضه إنطلاقا من منطق أو حكمة، وإنما من كبر وعنت، لأنه لا ينشد الحق، وإنما يبتغي العدوان والظلم. فما قدمه الرسول يتناسب مع الفطرة السليمة، ولا يتعارض مع الحكمة القديمة، ويقدم للإنسان معنى لحياته ورسالته، ويتم كل هذا بالموعظة الحسنة. ولذا فإن من يرفض هذا الطرح الواضح الصريح الهادي، يصبح ظالما لنفسه، لأنه يقلب الحق باطلا والباطل حقا، ولهذا تجيء هذا الآيات لتشرح هذا المعنى:
)وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (الصف:7)
من هنا ننطلق لنتساءل ما هي خصائص تلك الرسالة التي دعا إليها رسول الله، موضحا ومبينا ومكملا ما جاء به الرسل من قبله؟
هذا هو موضوع المدونة القادمة.
 

هناك تعليق واحد:

  1. فكرة "الدين الواحد" فكرة داخلية إنسانية، ولكنها قد تسبب صراعا، عندما تتحول إلى أيديولوجية وأفكار محددة، وتخرج من إطارها النفسي إلى إطار ذهني في ظل نظام فكري مغلق. ولهذا فإن كل جماعة بشرية تفترض أن ما تعتقده يعبر عن "الدين الحق" و"الدين الواحد" الذي على البشر جميعا أن يؤمنوا به.

    هذا المعني يضعني امام تسأل هام جدا ، هو ما دام ان فكرة الدين حتما سوف تخرج من اطارها ، فكيف نضبط هذا الخروج ويجعل هذا الخروج انفتاح علي الرؤي الاخري بدلا من التحول الي عصبية

    ردحذف