الجمعة، 3 مايو، 2013

ما هو هدفه الحقيقيّ؟

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: يا من ترجون لقاء الله، ويا من تجتمعون على ذكر الله، حديث الحق مُوجَّهٌ إليكم، يرشدكم، ويوجهكم، ويساعدكم، في طريقكم على هذه الأرض ـ لتكسبوا كرتكم، ولتحيوا حياةً دائمةً، في دنياكم، وفي أخراكم.
فالحياة على هذه الأرض، ليست فقط في أن تقوم عليها، وتتحرك، وتعمل، وتُرزَق ـ إنما الحياة الحقة، هي أن يحيا قلبك، وأن ينير عقلك، وأن تشعر بمعية الله معك، في كل أحوالك ومعاملاتك، في كل حركةٍ وسكنة، في كل تعاملٍ ومعاملة، وأن تكون حياً عند ربك تُرزَق، ليس فقط بعد أن تفارق هذه الحياة، وإنما وأنت قائمٌ عليها، تكون حياً عند ربك ترزق، في هذه الارض وفي هذه الدنيا، وما بعدها.
دين الحق، يُوجِّهنا لذلك، ويرشدنا لذلك. فكان التوجيه الرئيسيّ، هو للإنسان. فالإنسان، هو اللبنة الأساسية في المجتمع. تعليم الإنسان وتربيته، ليكون إنساناً صالحاً حياً، كما ذكرنا. وأول توجيهٍ للإنسان، عَبَّر عنه الحق، يوم خاطب رسوله، فقال له: إقرأ،
"اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ"[العلق 5:1].
فهذا التوجيه الأول، الذي يبدأ منه الإنسان، أن يقرأ. أن يقرأ رسائل الحياة، وأن يقرأ آيات الله، وأن يقرأ كل ما يحدث حوله. أن يقرأ قراءةً مستنيرة، ليعرف هدفه، وليعرف مقصوده. على كل إنسانٍ، أن يحاول بقراءته، أن يصل إلى هدفه ومقصوده في الحياة. ماذا يريد، من قيامه على هذه الأرض؟
إننا، حين ننظر إلى حالنا، ونعكس البصر إلى داخلنا، سوف نجد أن كثيراً من أهدافنا، هي أهدافٌ عاجلة، لها علاقةٌ بوجودنا الأرضيّ.
وتتراوح هذه الأهداف، ما بين أن يكون كل هدف الإنسان، أن يحافظ على حياته على هذه الأرض، بأن يُوفِّر لها الحد الأدنى مما يحتاجه جسده، من احتياجاتٍ مادية ـ إلى أناسٍ، أهدافهم ماديةٌ أيضاً، ولكنها تتعلق بالنعم، التي ينعمون بها على هذه الأرض، وكيف يُكَبِّرونها ويُوَسِّعونها ويزيدون منها، كيف يزيدون أموالهم، وأملاكهم، ونفوذهم، وسلطانهم.
ولكن، أين الهدف الحقيقي؟ أين الهدف الحقيّ؟ أين هدف الحياة؟ إن كل إنسانٍ على هذه الأرض؟ يعلم أنه مهما حصل على مالٍ، وجاهٍ، وسلطان، ومادةٍ أياً كانت ـ فهي زائلة، وهو زائلٌ من هذه الأرض، فما هو هدفه الحقيقيّ؟
لذلك، كان التوجيه الربانيّ، بأن: "اقْرَأْ..."، إقرأ، لتتعلم ما هو هدفك الحقيّ. إن كل ما تملكه على هذه الأرض، هي وسائلٌ، لتحقيق هدفك الحقيّ، وليست أهدافاً في حد ذاتها. فعليك، ألا تكون هذه الاهداف المادية، حجاباً عن هدفك الحقيّ، ومانعاً وعائقاً، عن هدفك الحقيّ.
إقرأ آيات الله في الآفاق، وفي نفسك، لتتبين هدفك الحقيّ، أن تكون حياً، أن تكون إنساناً، أن تكون عبداً لله، أن تكون متعاملاً مع الله، أن تكون مدركاً، أن كل شيءٍ تقوم فيه، وبه، وعليه في هذه الأرض ـ هو لتكون حياً، أن تكون إنساناً، لتكون عبداً، لتكون على الصراط المستقيم، لتكون في الطريق القويم.
والطريق القويم، والصراط المستقيم، هو ما تراه أنت كذلك، يوم تقرأ، وتُكَوِّن لنفسك مفهوماً، عن معنى الحياة، وعن معنى وجودك. وقد يكون هذا المفهوم، في كيفية تعاملك مع الله على هذه الأرض، بل هو ما يجب أن يكون كذلك.
إنك تريد أن تكون مستقيماً، في معاملتك مع خلق الله، ومع أسباب الحياة. إنك تريد أن تكون عادلاً،
 "وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ"[الرحمن 9].
 أن تكون معطياً، "...
مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"[البقرة 3].
 أن تكون محباً، "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"(1). أن تكون خادماً، فالدين، خدمةٌ لإخوانك في الحياة. أن تكون محسناً، بـ  "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"(2). أن تكون متعاملاً مع الله.
ليس الهدف، أن تتصور أن كسبك في الله، أن تكون من ذوي الكرامات، أو أن يُكشَف عنك الحجاب، أو أن تكون منطلقاً في السماء، أو أن تكون فاعلاً على هذه الأرض بما تريد. ولكن الهدف، يجب ان يكون ـ كما ذكرنا ـ أن تكون متعاملاً مع الله، في كل أحوالك، وفي كل ما تقوم به، أن تشعر بمعية الله معك وبمعية رسوله، فيما تفعله، وفيما تقدمه. وحين عَبَّر القوم عن هذا الحال، قالوا: [لو غاب عني رسول الله طرفة عين، ما عددت نفسي من المسلمين](3).
الهدف، ليس أن تشعر ببرد الرضا والتسليم، ولا أن تكون من الواصلين. ولكن الهدف، أن تشعر بمسئوليتك على هذه الأرض، تجاه الآخرين، وكيف تكون أداة خيرٍ لهم، وكيف لا تكون متثاقلاً إلى الأرض، إنما تُعِد نفسك ليوم الرحيل، فلا تنسى هذا اليوم.
إقرأ، لتعرف هدفك. فمهما قِيل لك، ومهما سمعت، فلن تستطيع أن تخطو خطوةً إلى الأمام، إلا إذا أدركت أنت هذا الهدف، واقتنعت به اقتناعاً كاملاً، ورسخ في أعماقك، وفي وجدانك، وفي عقلك، وفي قلبك.
وأصبحت الدنيا، لا تلهيك عن هذا الهدف. إنما أنت تبحث فيها، عما يُقَرِّبك إلى هذا الهدف، وما يجعلك تحقق هذا الهدف، بمراقبة نفسك، فيما تريد، وفيما ترغب، فيما يسعدك، وفيما يحزنك، فيما تبذل الجهد من أجله، وفيمن تقصد، وفيمن إليه تتجه، وفيمن ترجو منه العطاء، فيمن تسأله أن يعطيك، [يا بني إذا سألت فاسأل الله، وإذا توكلت فتوكل على الله](4)،
"...إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ..."[لقمان 16].
عباد الله: إن أول خطوةٍ في طريق الحياة، أن تقرأ آيات الله، وتحدد هدفك في الحياة، وتنظر هل حققته أم لا، أن تحاول دائماً، أن تحقق هذا الهدف في نفسك، وفي وجودك، وفي سلوكك، وفي رغباتك، وفي مشاعرك، وفي أفكارك ـ حتى تكون حقاً في طريق الله.
نسأل الله: أن يحقق لنا ذلك، وأن يجعلنا كذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
________________________
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن علينا، أن نتعلم من أول آيةٍ نزلت، "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ". نتعلم بقراءتنا، هدفنا في هذه الحياة، ومعتقدنا عن وجودنا على هذه الأرض. لماذا نحن موجودون عليها؟ وما هي علاقتنا بربنا؟ وماذا نريد أن نكون عليه في وجودنا؟ ما هو الخُلُق الأمثلُ، الذي نريد أن نرى أنفسنا عليه؟
أنريد أن نرى أنفسناُ لاهثةً وراء أمورٍ ماديةٍ زائلة؟ أم نريد أن نرى وجودنا، يسير في طريق الحياة الحقة؟ نريد أن نرانا، وقد جعلنا لوجودنا على هذه الأرض، هدفاً روحياً معنوياً، أن نكون في معنى الإنسان، الذي يعطي من حوله، الذي يخدم من حوله، الذي يبذل طاقاته لخدمة مجتمعه، الذي لا يضمر سوءً لأحد، ولا حقداً لأحد، ولا كراهيةً لأحد، أن يرى أن كل ما يقوم به هو تعاملٌ مع الله، وأن كل ما يرجوه أن يحيا في الله، وأن كل ما يهدف إليه أن يكون عبداً لله؟
أترى أن هذا هدفك؟ أم أنك ترى أن أهدافك، يجب أن تكون ماديةً؟ كل هدفك، أن تحصل على مالٍ، أو جاهٍ، أو سلطان. كل هدفك، أن تعيش لحظتك، وأن تكون منغمساً فيما يُمَتِّعك على هذه الأرض، لذاته.
فمن الناس، من يرى، أنه حين يكون هدفه هو الله، فإن هذا ضعف. يريد أن يكون هدفه، تمكيناً على الأرض، وملكاً على الأرض، ومالاً على الأرض، وسلطاناً وجاهاً على الأرض. أما أن يكون إنساناً متعاملاً مع الله، فهذا أمرٌ لا يفكر فيه، ولا يطلبه، ولا يرجوه.
إن الذي يجعل هدفه، هو وجه الله، ومقصوده هو وجه الله، وطريقه هو طريق الله، يريد أن يكون إنساناً في الله، وعبداً في الله. يوم يُمَكَّن في الأرض، يقيم الصلاح، ويقيم الفلاح، متعاملاً مع الله، لا يرى تمكينه، هدفاً في حد ذاته، و
" الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ..."[الحج 41].
والمعنى هنا، هو أن يكون هدفهم، هو الصلاة، وأن يكون هدفهم، هو الزكاة، بمعناهما العميق، أن يجعلوا مما مَكَّنَهم الله فيه، وسيلةً لأن يكونوا في صلةٍ بالله، ووسيلةً لأن يزكوا أنفسهم، بأن يبذلوا جهدهم، لخدمة الضعفاء، والفقراء، والمرضى، والمساكين ـ لكل إنسانٍ يحتاج إلى مساعدة، لأنهم يرون أنهم مسئولون، بما مَكَّنهم الله فيه. فلا ينامون الليل من خشية الله، فيما هم فاعلون، وفيما هم فيه مُقدِّرون، وفيما هم يملكون.
إنهم لا يرون أمامهم، إلا التعامل مع الله، لا رياءً، ولا نفاقاً، وإنما ينعكس ذلك، على نتيجة أعمالهم، على ما يقومون به، وما يقدمونه. إن ذلك، يَصلُح لكل إنسانٍ على هذه الأرض، فيما مَكَّنه الله فيه، للحاكم والمحكوم، للغني وللفقير، للصحيح وللمريض، لكل إنسانٍ بقدره، فيما مَكَّنه الله فيه، وما أَمَّره عليه.
عباد الله: نسأل الله: أن نقرأ آيات الله لنا، لنقوم في هدفٍ يُصلِحنا ويُغَيِّرنا، ويجعلنا أحياءً. ولا يكون ذلك، إلا بأن نبذل جهداً، في قراءة آيات الله لنا، ليقوم هذا الهدف في وجداننا، لا فرضاً، ولا مجرد كلامٍ نسمعه، وإنما يصبح هذا حالنا وقيامنا، في كل أمور حياتنا.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
"رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ"[آل عمران 8].


_________________________

(1)    حديث شريف الراوي: أنس بن مالك المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري.

(2)    بينما نحن عند رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم ذاتَ يومٍ، إذ طلع علينا رجلٌ شديدُ بياضِ الثيابِ شديدُ سوادِ الشعرِ، لا نرَى عليه أثرَ السفرِ ولا نعرفُه، حتَّى جلس إلى رسولِ اللهِ ــ صلَّى اللهُ عليه وسلم ــ فأسند ركبتَه إلى ركبتِه ووضع كفَّيهِ على فخذِه ثمَّ قال: يا محمدُ أخبرْني عن الإسلامِ، ما الإسلامُ؟ قال: أنْ تشهدَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهَ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، وتقيمَ الصلاةِ، وتؤتيَ الزكاةَ، وتصومَ رمضانَ، وتحجَّ البيتَ إنِ استطعتَ إليه سبيلًا. قال: صدقتَ: قال عمرُ: فعجِبنا له يسألهُ ويصدقُه. فقال: يا محمدُ أخبرني عن الإيمانِ ما الإيمانُ؟ قال: الإيمانُ أنْ تؤمنَ باللهِ، وملائكتِه وكتبِه ورسلِه واليومِ الآخرِ، والقدرِ كلِّه خيرِه وشرِّه. قال: صدقتَ. قال : فأخبرني عن الإحسانِ ما الإحسانُ؟ قال: أنْ تعبدَ اللهَ كأنك تراهُ فإن لم تكنْ تراهُ فإنه يراكَ. فقال: أخبرني عن الساعةِ متى الساعةُ؟ قال : ما المسئولُ عنها بأعلمَ من السائلِ. فقال: أخبرني عن أماراتِها. قال: أنْ تلدَ الأمةُ ربَّتها وأنْ ترَى الحفاةَ العراةَ العالةَ رعاءَ الشَّاءِ يتطاولونَ في البناءِ، قال: ثمَّ انطلقَ الرجلُ، قال عمرُ: فلبثتُ ثلاثًا ثمَّ قال رسولُ اللهِ ــ صلَّى اللهُ عليه وسلم ــ : يا عمرُ أتدري من السائلُ؟ قلتُ : اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: فإنه جبريلُ عليه السلامُ أتاكم يعلِّمَكم دينَكم.

(3)              مقولة للسيد أبي الحسن الشاذلي.

(4)    "يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ, احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ". [أخرجه الترمذي].

 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق