الثلاثاء، 25 يونيو، 2013

(11) الهداية والضلال: وما تشاءون إلا أن يشاء الله

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون
لا توجد مشيئة خارجة عن إرادتك، فمشيئتك هى التي تجعلك تضل وهى ليست منفصلة عن المشيئة الكلية التي فيها من يضل ومن يهتدي
من زاوية الإطلاق تتجمع المتضادات في تناغم كلي ومن زاوية التقييد نتحمل مسئولية التمييز لأننا قد وهبنا القدرة على الاختيار وهي هبة من الله وأمانة أودعها في الإنسان
أدركنا في المدونة السابقة أن الله هو الهادي، وأن رحمته غلبت عذابه، وأن تأييده ودعمه لمن يبحث ويسعى إلى الهداية لا حدود له، ولكننا دائما ما نقف عاجزين أمام سؤال كبير ماذا عمن يضلون طريقهم؟ ولماذا نقرأ في آيات كثيرة فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (ابراهيم: 4) ونقرآ " وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ" (الرعد:33) ، "من يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ ۚ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (الأعراف:186). إن كل هذه الآيات تقذف في قلوبنا الرعب، وتثير عندنا الألم حزنا وأسفا على من يضلل، وقد نكون نحن منهم، فأين الأمان؟ هل يمكن أن يضلنا الله؟
قد يكون مخرجنا من هذا المأزق النفسي والفكري، أن نرسخ الإيمان بأن من زاوية الإطلاق، فإن المتضادات تتجمع في إطار كلي شامل ومتكامل ومتناغم بعضه مع البعض، النور والظلام، الليل والنهار،"وخلقناكم أزواجا، وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا، وجعلنا النهار معاشا" (النبأ:8-11) . "وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ" (الليل: 1-3) "سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ" (يس:36).
لا ينبغي أن نأخذ ما يبدو أنه تضاد تجزيئيا، مثلا هو المنتقم ولكنه الغفور في نفس الوقت، وهو الجبار ولكنه الرحمن الرحيم، وهو النافع ولكنه أيضا "الضار"، وهو الهادي ولكنه المضل إن أسماءه الحسنى هي صفات لقوانين فاعلة في الكون في صورة متكاملة كلية، يعجز عقلنا عن إدراكها.
نقرآ في القرآن "إن بطش ربك لشديد، إنه هو يبديء ويعيد، وهو الغفور الودود، ذي العرش المجيد، فعال لما يريد". (سورة البروج: 12-15 ) في هذه الآيات الثلاث، اجتمعت صفات متضادة ومتنوعة، وهو ما يقذف في قلوبنا أن التناقض الذي نراه، أو التضاد الذي نلمحه تضاد وتناقض ظاهري، ولكنه متكامل في إطار الغيب الذي لا نعلمه.
ولهذا عندما يتحدث الذكر الحكيم يهدي به من يشاء ويضل به من يشاء، لا ينبغي علينا أن نفسر هذا الفعل أنه دلالة على إرادة خبيثة ماكرة تريد أن توقع الإنسان في شر أعماله. وإنما علينا أن نرى فعل الإنسان الذي يملك الإرادة بإذن من خالقه، فيختار هذا الاتجاه أو ذاك. وفي نفس الوقت فإننا نكون على يقين أن تلك الإرادة لا تخرج عن قانون أكبر ينظمها، ولكننا لا ندركه، لأننا ننظر من زاوية الجزئي المحدود وليس من منظور الكلي غير المحدود.
ولذا عندما نقرأ "إن الله يهدي إليه من يشاء"، علينا أن نترجمها من الواقع المحدود، ثم ننسبها إلى اللامحدود. بمعنى أن الواقع المحدود يخبرني أن هذا الإنسان يطلب المعرفة ويسعى إليها، ويستجيب الله له. لقد تواءمت إرادته المحدودة مع إرادة الخالق الذي خلقه لهدف يعلمه ويهيء الإنسان له. "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، "خلقتك لنفسي ولتصنع على عيني". يسير الإنسان الذي نقول أن الله قد هداه نحو تحقيق القانون الذي من أجله تواجد. ونستخدم عبارة أخرى في هذا السياق بمدلول مختلف بعض الشيء عن الاستخدام الشائع لها، فنقول أن هذا الإنسان قد "أطاع" الله. وهي طاعة لها مدلول خاص، فهي ليست تعبيرا عن أمر يجيء من الخارج من قوة ما إلى الإنسان، فيستجيب ويطيع، ولكنها تحقيق لإرادة إلهية، يكتشفها الإنسان من داخله عندما يتناغم مع قانون خلقه، فيكتشف البرنامج الذي وضعه الله في صميم وجوده، والذي ينطوي على تلك المعرفة القادمة من لدن الله، والتي تحدثنا عنها في المدونات السابقة. ولهذا نجد عباد الله الصالحين ينسبون كل خير يصلون إليه من الله وبالله. "قْلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ" (سبأ: 50)
وهذه الآية توضح أن من يضل فإنه يضع مسئوليه هذا على نفسه، هذه هي الزاوية التي يرى منها الضلال. أي أن الإنسان لا يجوز أن يقول أن الله أضله، فهو ليس فقط خروج عن الأدب، ولكن خروج عن الفهم المستقيم. ذلك لأنها خلط بين اختيار خاص به أوصله إلى الضلال، وبين إرادة كلية، لا يخرج شيء عن قانونها. من زاوية عبوديته وإدراكه وقدراته المعروفة له لا يمكن أن يقول أن "الله أضله"، ولا أن يلقي بهذه التهمة على أي قوى شريرة خارج وجوده.
لايمكن أن نتصور أن الله يريد أن يخدع خلقه ويضله، كما يضل البشر بعضهم بعضا. وإنما عندما يختار الإنسان ألا يستجيب لدعوة الحق فيه، فإنها إذن إرادته التي تجعله يغلق قلبه، فيصبح أعمي البصيرة، فيفقد قدرته على الاستماع إلى نداء الحق. والآيات القرآنية تقول " لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ "(يس:7) "وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ"(يس:10) "إنا جَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ" (يس:9) . هم الذين لا يؤمنون والنتيجة هي أنهم لا يبصرون. ويتأكد المعنى مرة أخرى في هذه الآيات: . "إن الذين كفروا سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون" "ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم" (البقرة: 6-7) . "جعلنا"، "أغشينا" في سورة يس، و"ختم الله" في سورة البقرة، نلاحظ أن كل الأفعال تنسب لمن بيده كل شيء، ولكن على المستوى المنظور يكونوا هم الذين وضعوا أنفسهم في سجن من صنعهم، كما نقرآ في الآية الآتية وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ (ابراهيم:27).
ونستكمل الفهم ويظهر ويتضح المعنى في آيات أخرى .
إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَـٰنَ بِالْغَيْبِ ۖفَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (سورة يس: 11)
نجد الخطاب قد توجه إلى البشر وأسند الفعل إليهم "هم الذين يتبعون الذكر ويخشون الرحمن بالغيب". وفي هذا السياق، تأكيد على قدرة الإنسان على الاختيار.
وأما بالنسبة "من اتبع الذكر"، فإن هذ الكلمة تجيء لتشير إلى دلالات كثيرة، منها اتباع التنزيل والرسالة، والقرآن، والعلم.
"وخشي الرحمن بالغيب". ونجد أن إدراك الإنسان للقوي العزيز يعبر عن إيمان بغيب لا يحاط به. "ذَ‌ٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (البقرة: 2-3) وهذا الإيمان يفتح قلب الإنسان ويملأه خشية وتقوى، فيدرك حدوده وقدراته الضعيفة أمام القوى الكبرى، فيعي أنه لا يعلم إلا القليل وأن الله قد وسع كل شيء علما "وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا " (الأنعام: 80)

أسباب الضلال
إذا استقبلنا ما يقوله القرآن، نجد كثيرا من الآيات تشير إلى ما يؤدي بالبشر إلى الضلال، منها "أنهم كفروا بآيات ربهم ولقائه" (سورة الكهف:105)، إنهم "غافلون" ، إنهم منكرون للرسل وما يأتون به من علم فنجدهم كثيرا ما يقولون "ما أنزل الله من شيء"، إن عقلهم وفكرهم مادي فيظنون أن البعث هو بعث للعظام والرفات "من يحيي العظام وهي رميم" ، "إئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون، أو أباؤنا الأولون"، ويتناسون أن الخلق والبعث سر الخالق، ويتناسون أن هناك قوانين نعلمها تشير إلى ما لانعلمه. أو أنهم ممن بخل واستغني وكذب بالحسنى، وغير هذا من الصفات غير الأخلاقية التي يؤتيها الإنسان فتزيد من عماء بصيرته.

ولماذا يخلق الله أناسا غافلين وآخرين ذاكرين؟
لأن معجزة الخلق أنه جعل للإنسان إرادة ظاهرة ليكون ذلك آية لمن يتفكرون ويتذكرون، وليكون هناك دفع بين الناس على الأرض من أجل ما هو أفضل وأحسن إلى ما شاء الله بلا حدود. عند هذا الإدراك تتفتح طاقات الرؤية والمعرفة. "وكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ". (الأنعام: 70).
سنجد أن مرجعيتنا سيدنا إبراهيم لنفهم كيف تكون الهداية وكيف يكون الضلال، فهذه الرؤية التي أراها الله لسيدنا إبراهيم، هي فضل منه، ولكنها تحققت لأنه سعي طالبا. وهذه الرؤية لملكوت السموات والأرض رؤية قلبية، وليست رؤية عينية ظاهرية. فكم من العيون تنظر إلى السماء والأرض ولكن لا ترى ملكوت الله. هناك كشف من نوع ما " نُرِي"، فرأي وشهد وقال "وجهت وجهي للذي فطر السموات الأرض حنيفا وما أنا من المشركين".

خلاصة: الله من وراء كل شيء بمشيئته وإرادته هذا هو أساس الإيمان عند من عاش تجربة الإيمان. ولهذا فإن كل شيء من عند الله، لا يعني إلغاء قدرة البشر على الاختيار. بل إن هذه القدرة معجزة لكل من يتأمل ويتدبر. لأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي نعرفه القادر على أن يعيد صياغة ما حوله من طبيعة، ويعيد اكتشاف نفسه ليكون عبدا لله، ولديه القدرة ليحطم نفسه كذلك. ومن فضل الله أن خلق هذا التناقض بين سلوك العاصي والذاكر، وفتح باب الرحمة والمغفرة.
ولهذا فإن المؤمن يوقن إن كلٌ إلا من عند الله، وليس عليه أن يزين لنفسه الشر خيرا أو الضلال هدىَ فهو كائن تتقيد رؤيته بقدراته، وعليه أن يكون صادقا مع نفسه.
إن الله يتفاعل مع ما بداخلنا من استقامة وصدق، ويتفاعل مع ما بداخلنا من عوج وهوى.
والفضل منه وإليه إذا اهتدينا، فهذا لأنه أعطانا قدرة على معرفته، وهي قدرة كما قلنا من قبل في برنامج خلقنا. وإذا ضللنا فهي مسئوليتنا لأننا نختار طريقا يبعدنا عن الحق، ويعيش في الجزئيات وينسى القانون الإلهي.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (الأنفال:2)

لقد تعلمنا من تجربة سيدنا إبراهيم (عليه السلام) طريق الفطرة والهداية والطلب، وبهذا المنهج نسير لنهتدي ونتجنب الضلال، واتباعنا لإبراهيم يتوافق مع إرشاد القرآن " قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ۗ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (أل عمران: 95)
والقرآن يعلمنا كيف نسلم في قصص الأنبياء. كل رسول من رسل الله آتانا بما نتعلمه في طريق التسليم والاستقامة والفطرة، وهذا ما سنناقشه في المدونة التالية
.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق