الجمعة، 21 يونيو، 2013

الإنسان، هو القيام والكائن والمخلوق الوحيد على هذه الأرض، الذي يلتقي فيه الغيب بالشهادة، والذي يلتقي فيه المقدس مع المادي، والذي يتفاعل فيه الروحي مع الأرضي، وأن هذا التفاعل، هو الدين

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشكر دائماً لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: خلق الله الإنسان، ليكون خليفته على هذه الأرض، "...إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..."[البقرة 30]، فكان الإنسان، هو المخلوق الوحيد، الذي له صفاتٌ تمكنه من هذه الخلافة، فأوجد الله فيه القدرة على التواصل مع الغيب، والقدرة على تغيير الواقع، فكان الإنسان أمراً وسطاً، بين الغيب والشهادة، يلتقي فيه الغيب مع الشهادة، ويتفاعل فيه المقدس مع الواقع المحسوس، ويُخرِج هذا التفاعل، ما يجب أن يكون الإنسان على هذه الأرض فيه.
وقد جاء دين الفطرة، دين الإسلام، ليعلمنا ذلك، فعلمنا كيف نتجه إلى الغيب، وكيف نتواصل مع الغيب، بما أوجد لنا من أدواتٍ لهذا التواصل، فكان الدعاء، هو أساس هذا التواصل، الدعاء الذي انعكس في كل العبادات التي أمرنا بها، فالصلاة دعاء، والصوم دعاء، والحج دعاء، والزكاة دعاء.
الصلاة تتوجه فيها، وتستقبل القِبلة، وتخاطب ربك، بما علمك أن تخاطبه به من آياته التي أنزل لك، في كل كلمةٍ تتلوها، فيها دعاء، وفي كل حركةٍ تؤديها، فيها دعاء.
والصوم دعاء، دعاءٌ بِكُلك، بالتواجد في حضرته، بالتخلي عن ذاتيتك، بمجاهدتك لنفسك، فأنت بفعلك هذا، تدعو الله.
وفي زكاتك دعاء، "...قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ ..."[المائدة 27]، فلمن تقدم القربان؟ تقدمه إلى خلق الله، الذي [ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره فيهم](1)، والقربان دعاء، فأنت تدعو بالقرب، وتدعو بالوصلة، وتدعو بالتوفيق، وتدعو بأن تكون أهلاً للقبول.
والحج دعاء، وأنت تعيش أياماً، ترجع فيها إلى فطرتك، وتقترب فيها من مصدر الحق على هذه الأرض، من رمز هذا المصدر، لتكون أكثر وصلةً، ولتكون أكثر قرباً.
فكل العبادات دعاء، ترجو بها، أن تكون قادراً، أن تستقبل كلمات الله، وأن تكون مدركاً لمقاصد هذه الكلمات وهذه الآيات.
وعلى الجانب الآخر، أنت تأخذ مما هو مشهودٌ لك، كل ما تستطيع، تُعمِل كل قدراتك، التي وهبك الله إياها، لتتعلم من أسباب الحياة وقوانينها، "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ..."[آل عمران 191]، "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ..."[العنكبوت 20].
فأنت تأخذ من الأرض، كل ما يمكنك أن تعلمه، مُعمِلاً عقلك وقدرته على التحليل والتفكير والوصول إلى نتائج، تتأمل في كل ما تستطيع من علوم، وتأخذ كل ذلك إلى داخلك، ليلتقي ما حصلت عليه من الأرض، مع ما حصلت عليه من السماء.
"مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ"[الرحمن 19]، هذا هو الإنسان الذي يلتقي فيه البحران، الذي يلتقي فيه الأمران، الذي تلتقي فيه الحضرتان، حضرة الغيب وحضرة الشهادة. بهذا التفاعل في داخل الإنسان، يُخرِج الإنسان أحسن ما فيه.
لذلك، فآيات الله، إن لم تجد في الإنسان بيئةً صالحة، تستطيع أن تلتقي في هذه البيئة مع ما هو أحسن على الأرض، بقانونها وأسبابها ـ إن لم تجد الآيات هذه البيئة، فإنها تصبح كبذورٍ لا تجد أرضاً صالحة، لا يمكن أن تنمو وهي بعيدةٌ عن الإنسان الصالح.
لذلك، فنحن في حاجةٍ إلى فهم، كيف نتعامل مع آيات الله وكلماته، ومع أحكام الله وشريعته، التي تحتاج منا أن نهيئ أنفسنا لنستقبلها، ولنأخذ من أرضنا أسبابها وقوانينها، لتلتقي مع هذه الآيات فينا، متجهين إلى الله أن يوفقنا، بالدعاء والرجاء.
يفعل كلٌ منا ذلك، وسوف يُخرِج كل إنسانٍ ما هو له أهل، فلا يستبد بما أخرجه، وإنما يتواصى بالحق والصبر مع إخوانه في الله، ومع إخوانه في البشرية، ومع إخوانه في الإنسانية، "...تَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ"[لعصر 3].
بهذا التواصي، يكون الدعاء جماعياً، يكون الدعاء أممياً، يكون الدعاء مجتمعياً، لأن الكل يُخرج ما يرى أنه الحق، وفي نفس الوقت، يسمع للحق من أخيه، "...تَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ". لا تتعجلوا الأمر، وإنما ابدأوا بما تروا أنه الحق، وسيروا على المنهج، ولا تتعجلوا أمركم، فتواصوا بالصبر.
المهم، أن تبدأوا طريقاً صحيحاً، وأن تضعوا البذرة في بيئتها الصالحة، ولكل أمرٍ على هذه الأرض وقت. فالمهم المتابعة، والمهم المراقبة، والمهم التعلم في النجاح وفي الفشل، واعلموا أن الله أكبر دائماً، فالله ما يريد إلا ما تريدون، "وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ ..."[الإنسان 30]. واعلموا، أن الله أكبر عما تتصورون وترسمون، "...سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ"[الأنعام 100].
إعملوا ما تروا أنه الحق على أرضكم. هذا، ما علمنا ديننا إياه، ولكن الناس ينظرون إلى الآيات، بعيدةً عن وجودهم، وعن واقعهم، فلا تنبت نبتاً صالحاً في وجودهم، ولا تصبح أشجاراً ثابتةً في وجودهم، "...كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء"[إبراهيم 24]، "وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ"[إبراهيم 26].
عباد الله: تعلموا كيف تقرأوا آيات الله، وكيف تتجهوا بالدعاء إلى الله، وكيف تتعلمون من أرضكم، وكيف يلتقي كل ذلك في وجودكم، فتعملوا عملاً صالحاً، يُخرِجكم من الظلمات إلى النور.
نسأل الله: أن يجعلنا في ذلك، وأن يوفقنا أن نكون أداة سلامٍ ورحمة، لنا، ولبلدنا، ولأرضنا.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن الإنسان، هو القيام والكائن والمخلوق الوحيد على هذه الأرض، الذي يلتقي فيه الغيب بالشهادة، والذي يلتقي فيه المقدس مع المادي، والذي يتفاعل فيه الروحي مع الأرضي، وأن هذا التفاعل، هو الدين، هو المنهج الذي جاء به الإسلام، كما نقرؤه وكما نتعلمه.
فهو يوجهنا، أن نتجه إلى الغيب، "ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ..."[البقرة 2،3]. وفي نفس الوقت، يأمرنا بأن نأخذ من هذه الأرض، وأن نتفاعل على هذه الأرض، "...يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"[البقرة 3]. "...يُقِيمُونَ الصَّلاةَ..."، وصلةً بالغيب. "...وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"، هو عملٌ على هذه الأرض. "..يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ..."، هو وصلةٌ بالغيب، "...وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ..."،هو عملٌ في هذا الكون.
نجد هذا المعنى، معنى التواصل بين الغيب والشهادة في الإنسان، في مواضع كثيرة، وفي أوامر كثيرة، لنتعلم أن آيات الله، تحتاج إلى بيئةٍ صالحة لتنمو فيها، وهذه البيئة الصالحة، هي الإنسان الذي يُعد نفسه، بتدريبها بالذكر وبالتأمل والتفكر والتدبر، وبأن ينهل من العلوم التي تحيط به، "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ...".
لو أدرك الناس ذلك، لعلموا أن آيات الله، ومقاصد هذه الآيات، لا يمكن فهمها فهما جيداً، إلا إذا تفاعلت مع واقعهم ومع حاضرهم ومع أرضهم، وأن المطلوب من كل ما بُلغنا إياه، أن نعكسه إلى داخلنا، وأن نجعله في قلوبنا، وأن نربطه بواقعنا، "وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ"[الذاريات 6]، حتى يمكن أن نكون في استقامةٍ على أرضنا، وما بعد هذه الأرض. هكذا، نذاكر أنفسنا دائماً، لعلنا نتذكر، ولعلنا نكون أهلاً للذكرى، و"...الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ"[الذاريات 55].
نسأل الله: أن يوفقنا لنكون عباداً له صالحين، بالغيب مُتصلين، وفي الشهادة قائمين، وبالدعاء مستعينين.
اللهم وقد جعلت لكل شيءٍ سببا، وجعلت لنا من دعائك سببا، اللهم ونحن نتبع سببا.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم ولي أمورنا خيارنا، ولا تولي أمورنا شرارنا.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
"رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ"[آل عمران 193].



___________________

(1)             "ما ظهر الله في شيءٍ مثل ظهوره في الإنسان" مقولة صوفية.

 خطبة الجمعة 29 جمادى الأول 1433 هـ

الموافق20 أبريل 2012م

   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق