الجمعة، 28 يونيو، 2013

التطبيق الذي فيه خير الناس هو الدين

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
"...الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ ..."[الأعراف 43]. "... مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً"[الكهف 17]. إرادة الله، وراء كل شيء، وفوق كل شيء، وباطن كل شيء، هي أكبر من أن ندركها أو أن نحيط بها، فهي التي تحيط ولا يُحاط بها، بل نحن لا نعرف من هدى الله ومن أضل، بصورةٍ مطلقة. لذلك، فإن الإيمان بالله، هو أمرٌ غيبيّ، "ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ..."[البقرة 2،3].
أما في الشهادة، في ظاهرنا وفي واقعنا، وقد أُمِرنا أن نتعامل بالظاهر، بظاهر الحق لنا، وبظاهر الصلاح لنا، وبدون هذا، لا نستطيع أن نتحرك خطوةً إلى الأمام، ولا أن نقول كلمةً، أو نأتي فعلاً، أو نحرك ساكناً. وهذا، معنى الأمانة التي حملها الإنسان، "...وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً"[الكهف 54]، الإنسان الباحث، الإنسان الطالب، الإنسان المجرب، الإنسان الذي يخطيء ويصيب، الذي يتصور أشياءً ثم يكتشف خطأه فيها.
"فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ"[الفجر 15،16]، هكذا يتصور، في حالٍ من أحواله، حين لا يفرق بين عطاء الله له، وبين ما يجب عليه أن يفعله في هذا العطاء. هذه لحظةٌ من لحظات الإنسان، التي يعيشها، يربط الخير الظاهري، بكرم الله له، ويربط بين تقطير الله عليه في رزقه الماديّ، بإهانة الله له. هذا فهمه في مرحلةٍ ما، وفي حالٍ ما. والآيات، تصف حال الإنسان في أحواله المختلفة، وتنبهه إلى هذا الحال.
بل أن الآيات، بلهجتها وبلغتها وبكلامها، تنبه الإنسان أن يعرف الحقيقة، وهي تصف حاله، وتعطيه الإحساس والفهم بأنه لا يجب أن يكون كذلك، وعليه أن يراجع نفسه في ذلك، فهي تجيب في نفس الوقت الذي تصف فيه الحالة. فحين تقرأ الآية، سوف تتعلم درساً منها، أنك لا  يجب أن تكون كذلك، وأن العلاقة ليست بهذه الصورة، وإنما العلاقة هي في أن تقرأ رسالة الله، في كرمه عليك أو ـ في ظنك ـ في إهانته لك، فهو لا يُكرِمك ولا يهينك، إنما يعلمك، إنما يهذبك، إنما يكشف لك عن قانونه.
عليك أن تعرف، أن القضية ليست في نعمةٍ مادية ينعم الله بها عليك، أو في مشكلةٍ تتعرض لها على هذه الحياة، بأي صورةٍ وفي أي شكل. القضية هي أن تتعلم مما يحدث لك على هذه الحياة أو في هذه الحياة، تتعلم كيف تكون عبداً لله في كل حالٍ تتعرض له، وأن يكون شاغلك الأكبر، كيف تتصرف فيما أعطاك الله أو فيما منع عنك الله. وهذا، هو الأساس الذي يجب أن تفكر فيه.
بل أن هذا، يمتد إلى كل شيءٍ في حياتك، إلى كل ظرفٍ تتعرض له، وإلى كل حالٍ يمر به مجتمعك، ما هو الحال الذي يجب أن تكون عليه؟ وما هو التصرف الذي يجب أن تتصرفه؟ معيارك في هذا، هو ما تراه خيراً وما تراه صالحاً وما تراه حقاً، وهذا ظاهر الحق لك، إنك لا تعرف الحق المطلق، ولكنك تعرف ظاهر الحق لك، "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ..."[البقرة 286].
لذلك، فإن الذي يتعمق في فهم آيات الله، سوف يجد أن عليه أن يقرأ كل آيات الله في كونه، الظاهرة له، حتى يتعمق في فهم كتاب الله، وآيات الله في الحاضر والسابق، في كل الرسالات التي جاءت، وفي كل الفلسفات التي ظهرت، وفي كل الأحداث التي حدثت، في كل شيءٍ ظهر على هذه الأرض.
فتاريخ الإنسانية، هو كتاب الله، وظواهر الطبيعة هي كتاب الله، "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ..."[فصلت 53]، آيات الله في الآفاق، في كل شيء، في الماضي والحاضر والمستقبل، وفي وجود الإنسان وقدراته وإمكاناته وطاقاته.
على الإنسان أن يدرك ذلك، فينطلق في مفهومه بما أمر الله، طبقاً للمقاصد، ولما هو أفضل وأحسن للإنسان في وجوده على هذه الأرض، بمعايير هذه الأرض، ويدرك أن هذا هو الدين الحق، وأن يتعلم أن ارتباط الدنيا بالدين، هو أمرٌ طبيعي.
فالإنسان، حياته واحدة، في الحاضر والمستقبل، في الدنيا وفي الآخرة، لقد كان قبل هذه الأرض، وهو كائنٌ على هذه الأرض، وسيكون بعد هذه الأرض. وقد أشهد الله كل الخلائق على أنفسهم، وعَرَّفهم ربوبيته عليهم، "...أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ"[الأعراف 172]، "يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ"]الإنفطار 8:6 [. فحياتك اليوم، مرتبطةٌ بحياتك غداً، هذا أمرٌ طبيعيّ، وهذا هو الرابط بين هذه الدنيا وما بعد هذه الدنيا.
لذلك، فالدين هو هذه الدنيا وما بعد هذه الدنيا، لأنه قانون الحياة. آيات الدين، تطلعك على ما يصلحك على هذه الأرض، وتطلعك على ما ستكون عليه بعد هذه الأرض، تطلعك بلغتك التي تفهمها، ولكن المعاني المحملة على هذه الكلمات، هي أكبر بكثير من أن تُجَسَّد في مفهومٍ ماديٍّ لهذه الكلمات.
لذلك، فإن الفهم الصحيح للآيات، إن الفهم الصحيح للآيات هو أن تعرف كيف تتلقاها بقلبك، وأن تجردها، وتصبح هذه الآيات مفاهيماً مجردة، تُخرِجها من الصور، وتصبح الجنة هي الجمال المجرد، وهي الخير المجرد، وهي النور المجرد، وهي الحياة المجردة، التي لا تعرف لها صورة، "وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ"[آل عمران 169]. كيف يكونوا أحياءً، وما هي صورتهم وهم أحياءٌ عند ربهم، إنه أمرٌ مجرد، إنه الحياة في تجريدها. هكذا، نتأدب مع الله، فلا نرسم صوراً لأشياءٍ، هي أكبر من تصورنا ومن قدرتنا. "...نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ..."[التحريم 6]، شرٌ مجرد، لا نعرف صورتها، ولا نعرف شكلها.
فإذا كان الأمر، وإذا كانت الآية، لحالٍ ولأمرٍ على هذه الأرض، فنحن أيضاً نفهمها كخيرٍ، إذا كانت تأمر بأمرٍ، فإن المقصود منه هو الخير الذي نعلمه، هو خيرٌ مقيد في هذه الحالة، خيرٌ مقيدٌ بمفاهيمنا، لما يجب أن يكون عليه الخير على أرضنا، نفهمها من هذا المنطلق، وفي هذه الحالة سوف يكون لها صوراً كثيرة، سوف يكون لتطبيق الآية صوراً كثيرة. فعلينا أن نجتهد لنجد ما هو أفضل لنا ولمجتمعنا ولأرضنا، كخيرٍ مقيد، وأن نبتعد عن أي نهيٍ نهانا الله عنه، بالمفهوم الذي ندركه على أرضنا، كشرٍ مقيد ندركه، وندرك آثاره على مجتمعنا، وللابتعاد عن هذا الشر المقيد، هناك صورٌ كثيرة، تطبيقٌ للآيات، علينا أن نجتهد حتى نصل إلى صورةٍ مقيدةٍ، تُبعِد عنا هذا الشر المقيد.
إنا في حاجةٍ في هذا العصر، إلى علماءٍ مجتهدين مجدين متقين، وفي حاجةٍ أيضاً إلى أناسٍ مخلصين في كل مجالات الحياة، يقولون كلمة الحق، ويدفعون في طريق الحق الذي يرون، ويقبلون أن يغيروا آراءهم إذا وجدوا ما هو أحق، وهذا هو الطريق المستقيم، طريق المراجعة الدائمة، إلى ما هو أفضل وأحسن وأقوم.
نسأل الله: أن يجعلنا في الطريق القويم، وعلى الصراط المستقيم، وأن يجعلنا عباداً له صالحين.                  
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
___________________
                         
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن أي أمرٍ نسبه الله إلى نفسه وإلى ذاته، هو أمرٌ أكبر من أن نحيط به "... مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً"، أكبر من أن نحدد نحن، من هو المهتد ومن هو الذي أضل.
لذلك، فنحن لا نضع أنفسنا أن نحكم على هذا الفعل المطلق، إنما نحن ننظر في عالمنا، إلى الأمور المقيدة، التي نستطيع أن نحكم عليها، وما نستطيع أن نحكم عليه، هي الأمور التي لها أثرٌ على مجتمعنا إيجاباً وسلباً، فما يؤثر بالإيجاب فهو خيرٌ مقيد، نستطيع أن نتفق عليه، وأن نجتمع عليه، وأي آيةٍ تتحدث عنه، يجب علينا أن نفهمها من خلال مفهومنا عن الخير المقيد، وأي تطبيقٍ نطبقه، يجب علينا أن يكون من خلال مفهومنا للأثر الحسن، الذي سوف تحدثه في مجتمعنا.
لو أدركنا ذلك، وعرفنا أن معنى أن الدين هو الدنيا والآخرة، لا يعني أن هناك شيءٌ اسمه الدين الذي يجب أن نطبقه، بل أن التطبيق الذي فيه خير الناس هو الدين، لأنه يُصلِح حالهم، وأن يصاحب ذلك، مفهومٌ في معنى حياة الإنسان على هذه الأرض وامتدادها، بحيث لا يؤثر إيمان الإنسان باليوم الآخر، عن تطبيق الحق المقيد على هذه الأرض، فنأتي بفعلٍ لا نرى فيه حقاً بعقولنا، بظن أن هذا هو الحق المطلق، الذي يجب أن يُطبَّق على هذه الأرض. إن كل تطبيقٍ على هذه الأرض، هو حقٌ مقيد وليس حقاً مطلقاً.
مفهوم أن الدين هو حياة الإنسان على هذه الأرض وما بعدها، هو أمرٌ طبيعيّ، لأن حياة الإنسان متصلة، وليست منفصلة، "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ"[الزلزلة 8،7]. لذلك، فهو أمرٌ متصل وليس منفصلاً، واتصاله لا يتعارض مع ما يراه الإنسان من خيرٍ على هذه الأرض، بمقاييسه ومعاييره، إنما هو مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بهذه الرؤية.
لو أدركنا ذلك، لكان بحثنا الدائم، هو ما يُصلِح هذه الأمة، وما يغير حالها إلى الأفضل، وأن نستلهم هذه المعاني من آيات الله بمقاصدها الحقيقية، فهي مصدر إلهامٍ، حتى لا ننجرف وراء شهواتنا ورغباتنا، وهي مصدر قوة، تعيننا على أن نرى الحق حقاً ونرى الباطل باطلاً على أرضنا، فلا نخلط بين الحق والباطل، إنها مصدر روحيّ ومعنويّ للإنسان الذي يرى في النهاية، والذي يقدر في النهاية، وليست لإنسانٍ واحد، وإنما للأمة التي تجتمع، وتتواصى بالحق وتتواصى بالصبر.           
عباد الله: نسأل الله: أن يوفقنا لما فيه خير أمتنا، ولما فيه صلاح مجتمعنا وصلاح أمرنا.  
اللهم وهذا حالنا وهذا قيامنا، نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم ألف بين قلوبنا.       اللهم ألف بين أرواحنا.
اللهم طهر قلوبنا.           اللهم طهر أرواحنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا          فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.

يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا. 

خطبة الجمعة
5 ربيع أول 1433هـ
الموافق27 يناير 2012م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق