الجمعة، 26 يوليو، 2013

ديننا أعطانا الحرية وحمَّللنا المسئولية

حديث الجمعة 18 رمضان 1434هـ الموافق  26يوليو 2013م

        حمدا لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشكر دائماً لله، والصلاة والسلام دائماً على رسول الله.
عباد الله: إن ديننا، قد كشف لنا قانون هذه الأرض، وكيف نكون رابحين كرتنا، وما هي الصلة بين حياتنا الأرضية، وبين حياتنا الأخروية، وكيف نسلك طريقنا على هذه الأرض المادية، لنكسب حياتنا، دنيوية وأخروية
"...رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"[البقرة 201].
وعلمنا أن حياتنا على هذه الدنيا، مرتبطةٌ بواقعنا، ومرتبطةٌ بما هو مشهودٌ لنا من صلاحٍ وفلاح، أو من فشلٍ وخيبة. وأوجد في كلٍّ منا، أوجد الله في كلٍّ منا، ما يميز به بين الطيب والخبيث
[إستفت قلبك وإن أفتاك الناس](1)،
"الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ..."[الزمر 18].
فكان الأمر الدينيّ ــ في واقع الأمر ــ هو الواقعية، والحكم على الأمور، بما يراه الإنسان ويعقله.

في كل أمورنا الدنيوية، علينا، أن ننظر إلى ما هو أصلح لنا ولمجتمعنا، وألا نتصور أن هناك أمراً إلهياً، بإتيان أفعالٍ على هذه الأرض، تتنافى مع المنطق والمصلحة الأرضية. فكل ما أمر به الله، أمر به لأنه الأحسن، والأمر ليس أحسن لأن الله أمر به. لذلك، كان التوجيه الإلهيّ بالتفكر والتدبر، وبالذكر الذي يؤدي إلى تفكرٍ وتدبر:
"الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ..."[آل عمران 191].
وهذه، هي العلاقة الحقيقية، بين الدين وسياسة هذه الأرض. هي أن الدين، قد حرر الإنسان من أي خرافةٍ، أو من أي وهمٍ، أو من أن يعبد إنساناً آخر، "...لاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ..."[آل عمران 64].
فإذا كان الأمر كذلك، فيما أمر به ديننا، من إكبارٍ للمصلحة، ومن خير العباد، ومن حفظ النفس والمال والعقل والدين، فكيف يكون تعاملنا مع نصوصٍ أرضية، وتشريعات وضعية؟ هل نقدسها لذاتها، أم لمقاصدها؟ هل نلغي عقولنا؟ هل نُسلِّم أمرنا لمن لا يعرف؟ أم أن علينا أن نبحث عن المصلحة الكلية التي ننشدها جميعاً، وأن نحاول في اتجاهها، وإذا أخطأنا نصحح ونصوب؟
علينا، أن نتفَهَّم أن ديننا، أمرنا أن نُفَعِّل ما أعطانا من نعمة الحياة، من نعمة الاختيار، من مسئولية الاختيار. فإذا اجتهدنا وجاهدنا واخترنا طريقاً، ووجدناه خطأً، علينا أن نُصوِّبه، وإذا أخطأنا مرةً أخرى، علينا أن نُصوِّبها، وهكذا، كأفرادٍ وجماعات. فكل فردٍ، مطالبٌ بأن يصحح خطأه، وأن يستغفر عن ذنبه:
"إن لم تذنبوا وتستغفروا لأتى بقوم آخرين يذنبون ويستغفرون فيغفر الله لهم"(2).
إن ما نراه حولنا من أحداث، هو درسٌ لنا جميعاً ــ كما نقول دائماً ــ أن أحداث الحياة، في القديم وفي الحاضر وفي المستقبل، هي دروسٌ للإنسان الذي يقرأ. يقرأ فيتعلم، يقرأ ويختار، يقرأ ويقرر، يقرأ ويدعو بما يرى أنه الخير، ويفعل ما يرى أنه الخير. وها نحن نتعلم ونُختَبَر، في كيف يكون الاختيار، "أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ"[العنكبوت 2].
علينا، أن نحدد هدفنا، وأن نبحث عن كيفية تحقيق هذا الهدف. ماذا نريد من وجودنا على هذه الأرض، ماذا نريد لمجتمعنا على هذه الأرض؟ نريد أن نكون عباداً لله خالصين، أم نريد أن نكون عباداً لهدفٍ ماديّ، لحكمٍ، أو لسلطانٍ، بظن دينٍ، وبظن دفاعٍ عن دينٍ، أو بهدفٍ ماديّ لذاته؟
إذا كنا نقرأ ديننا حقاً، لوجدنا هدفنا في آيات الله لنا،
"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"[الذاريات 56].
وكما نتأمل دائماً، في معنى يعبدون، هي أنها تعني: أن يبحث الإنسان فيما تَجَلَّى به الله على هذه الأرض، وهي قوانينه:
"قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..."[العنكبوت 20]،
أنظر "...مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ..."[الملك 3].
الأمر بالمعرفة والبحث عنها، هو أمرٌ دائمٌ، متكررٌ، متواترٌ، في آيات القرآن، وفي سنة رسول الله ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ.
عبادة الله بمفهومها الشامل، هي في كل ما تفعله على هذه الأرض، هي في بحثك عن رزقك على هذه الأرض بجميع أشكال الرزق، تريد مأكلاً، وملبساً، ومسكناً، تريد أن تتحرك وتنتقل من مكانٍ إلى مكان.
ومن أجل ذلك، عليك أن تتعلم، حتى تزرع هذه الأرض، وحتى تنسج ثوبك، وحتى تبني مسكنك، وحتى تطور وسيلة انتقالٍ تجعلك تتحرك من مكانٍ إلى مكان، وفي كل محاولاتك هذه، أنت تكسب في الله. فهذه المحاولة، في أن تُفَعِّل ما أعطاك الله من إمكانات، هو تدريبٌ لك لحياتك الأخروية.
هذه القدرة التي منحك الله إياها، أمانة الحياة، هي قدرتك على التغيير، فأنت الكائن الوحيد على هذه الأرض، الذي يغير على هذه الأرض. حَمْلك لهذه الأمانة، هو لأنك في تفيعلك لها، تكسب كَرَّتك، وتكسب حياتك الدنيوية، لتكون في حياةٍ ممتدة في الآخرة.
وبجانب كل هذه الأفعال الدنيوية، هناك الجانب المعنويّ والروحيّ، الذي يساعدك أن تستقيم في طريقك، وهو أن تتجه إلى الله، أن يوجهك، وأن تكون قادراً على أن تقبل الحق أياً كانت صورته، وألا تُصِر على الباطل أياً كان النفع الذي سيعود عليك منه. وهذه، قضية سلوك واختبار.
والإنسان في حاجةٍ دائمة، أن يكون في علاقةٍ مع الله، حتى يُمَكِّنه من أن يتخذ الطريق القويم، والاختيار السليم. لذلك، فإن الإنسان يحتاج دائماً، أن يتجه إلى الله في صلاته، في صومه، في حجه، في زكاته، في كل أفعاله، طالباً منه توفيقاً، وطالباً منه قوةً تساعده أن يختار الطريق القويم.
لذلك، فنحن ندعو دائماً بذلك، في فاتحة الكتاب، في كل صلاة، "اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ"[الفاتحة 6،7].
عباد الله: نسأل الله: أن نفيق جميعاً إلى معاني الحق، وأن يكون اختيارنا اختياراً موفقاً، وأن لا نتمسك باختيارٍ خاطئٍ يؤدي بنا إلى طريق الندامة والضلال، وإنما يكون اختيارنا اختياراً موفقاً، يقودنا إلى طريق السلامة والهداية، والطريق الحق "..الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ".
نسأل الله: أن نكون كذلك، وأن يوفقنا لذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
_________________________

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن ديننا ـ على ما نفهم، وعلى ما نتأمل ـ قد أعطانا حرية الحياة، بشهادة أن لا إله إلا الله، وحَمَّلنا المسئولية، وأعطانا قدرةً على التمييز، وجعل كل إنسانٍ مسئول:
"...كلكم راعٍ، وكلكم مسئولٌ عن رعيته..."(3)،
ولم يجعل لأحدٍ على أحدٍ سلطاناً.
"وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي..."[إبراهيم 22].
هكذا، يخاطب الشيطان أتباعه، "إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ..."[البقرة 166]، الذين اتُّبعوا سيقولون: ما كان لنا عليكم من سلطان.
فالذين يجعلون من الناس سلاطين عليهم ــ سواء كانوا سابقين أو معاصرين ــ فإنهم بذلك، يتخلون عن الإرادة والنعمة التي أعطاها الله لهم، وهم يفعلون أيضاً هذا باختيارهم، فلم يجبرهم أحدٌ على ذلك، وإنهم يريدون أن يكونوا مقلدين تابعين، لا يريدون أن يكونوا مُفكرين باحثين عن الحق والحقيقة، لا يريدون أن يأخذوا شرف الخطأ، ليكسبوا في الله، وشرف الاستغفار يوم يعترفون بخطئهم ويصححونه.
ديننا يعلمنا، أن نكون مسئولين، مفكرين، متدبرين، وقبل كل ذلك، ذاكرين، طالبين قوةً من الله، مُقَلِّبين الأمور على وجوهها، باحثين عن مصلحتنا على أرضنا، ومصلحة مجتمعنا، لا نعبد إلا الله ـ الله الذي أعطانا هذه الحرية، وهذه الإرادة، وهذه القدرة، وهذه الإمكانية، والذي علمنا، يوم
".. وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا..."[البقرة 31]،
الذي "خَلَقَ الْإِنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ"[الرحمن 3،4].
إيماننا بعطاء الله لنا، وبأمانة الحياة لنا، وبنعم الله علينا، هو الإيمان الحقيقي بالله، إيماننا أن الله تَجَلَّى علينا بقوانينه، وتَجَلَّى علينا بخلقنا
"..خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ"[التين 4]،
".. كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ..."[الإسراء 70].
إيماننا بذلك، يجعلنا نحاول ونجتهد ونبحث، نخطئ ونصيب، نذنب ونستغفر. ويوم لا نكون كذلك، نكفر بهذه النعم:
"...أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ"[آل عمران 106].
والكفر هنا، يعني عدم الاعتراف بما أعطى الله الإنسان. فأي إنسانٍ لا يعترف بأمرٍ ما، هو كافرٌ به، وأنت يوم تكفر بباطل، تكون مؤمناً بالحق.
عباد الله: نسأل الله: أن يرفع عنا هذه الغمة، وأن يولي أمورنا خيارنا، ولا يولي أمورنا شرارنا.
اللهم وهذا حالنا، وهذا دعاؤنا، نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها، ولا ظالماً إلا كسرته، ولا غمةً إلا رفعتها.
اللهم فاجعلنا في طريقك سالكين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم اجعل بلدنا بلداً آمناً، وبلداً سالماً.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
"رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ"[آل عمران 8].



_______________________

(1)  حديث شريف جاء نصه: "استفت قلبك واستفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك" قالها الرسول ثلاث مرات . أخرجه أحمد و الدرامي .  

(2)  "إن لم تذنبوا وتستغفروا لأتى الله بقوم آخرين يذنبون ويستغفرون فيغفر الله لهم" حديث شريف أخرجه مسلم.

(3) جاء بسنن الترمذي: ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم أنه‏ ‏قال ‏" ‏ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه ، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"‏.

                                         

 

 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق