الجمعة، 4 أكتوبر، 2013

الشعائر والمناسك رسالات عميقة


        حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشكر دائماً لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: تدبروا آيات الله، وشعائر الله، وما كشف الله لنا من قوانينه، من خلال رسائله، ورسالاته، وأنبيائه، ورسله، وعباده الصالحين. ما كشف لنا عنه في قديم، وما يكشفه اليوم لنا في حاضر، في رسالته التي أنزلها على نبيه محمدٍ ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ أمرنا بما يعلمنا، وبما يساعدنا أن نتلقَّى نفحاته ورحماته.
وكان كل أمرٍ، هو رسالةٌ دائمة، علينا أن نقرأها، مجددين فهمنا لها، بأن نُوسِّع مداركنا. وأن نقرأ رسالته الدائمة، فيما يحدث حولنا، من أحداثٍ، ومن آياتٍ، ومن كشوفاتٍ، من كل جديد يظهر على أرضنا. وإحدى هذه الرسائل التي يتضمنها: منسك الحج، بما فيه من شعائر مختلفة.

وكثيراً ما تحدثنا عن معنى البيت، "إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا ..."[آل عمران 96]، وعن معنى القبلة، التي هي البيت الذي نتجه إليه في صلواتنا، وكيف أن الطواف حول هذا البيت، إنما هو رمزٌ، على أن تكون في حياتك، في علاقةٍ دائمةٍ ثابتةٍ مع هذا البيت.
فإنك، وأنت تطوف حول البيت، فإنك تتحرك من نقطةٍ إلى نقطة، ومن موضعٍ إلى موضع، ومن حالٍ إلى حال، وعليك أن تكون محافظاًعلى بعدك من البيت، فتكون على مسافةٍ ثابتةٍ منه، وهذه هي الحياة التي نعيشها.
فنحن في يومنا، نتحرك من نقطةٍ إلى نقطة، ومن حالٍ إلى حال. من عملٍ إلى عبادةٍ، إلى طعامٍ، إلى بحثٍ عن الرزق، إلى معاملاتٍ مختلفة. علينا، أن نتذكر دائماً، أن نكون في كل حالٍ نعيشه، على صلةٍ بالبيت، وأن نعلم، أن كل عملٍ نقوم به، يُمكِن أن يكون عملاً نكسب به في الله.
فإذا انتقلنا إلى السعي بين  الصفا والمروة ، فإن هذا المنسك أو هذه الشعيرة، إنما ترمز إلى قانونٍ من قوانين الله، "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ..."[البقرة 286]، وأن كل إنسانٍ، عليه أن يُعِدَّ نفسه لتلقِّي نفحات الله ورحماته، [إن في أيام دهركم لنفحات، فتعرَّضوا لها](1)، وأن كل إنسانٍ، يتلقَّى بما هو له أهل.
فإذا أردنا أن نرتوي، من رحمات الله، ونفحاته، وعلمه، ونوره ـ فعلينا أن نصفو، علينا أن نكون أهلاً لذلك. والصفاء، هو أن تكون في حالةٍ متزنةٍ، مستعدةٍ لتلقِّي أنوار الله ونفحاته. وهذه الحالة، لا تكون إلا بالمجاهدة الدائمة، حتى تصل إلى اتزانٍ في داخلك، بين ما فيك من أضداد.
فإذا أخذنا مثلاً في دنيانا، حينما نقول: صفاء الذهن ـ حين تبحث في قضيةٍ ما، وتختلط الأمور عليك، فتصبح مشتتاً، تصبح فيك "... شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ..."[الزمر 30]. مضطرب، لا تعرف أين الحقيقة، سواء كان ذلك، في حالةٍ سياسيةٍ يعيشها المجتمع، أو في حالةٍ اقتصادية، أو في حالةٍ اجتماعية، أو في حالةٍ علمية.
إذا كنت لا تعرف الأساسيات، التي تحكم علاقات الأشياء بعضها ببعض، وحين تنظر أمامك، تجد الدنيا ملتبسة، تجد مشاهداتك لِمَا تقوم به من تجارب، غامضة، لا تعرف لماذا يحدث هذا، ولماذا ينتج هذا؟ حين تنظر إلى المجتمع، فتجد هذا يضرب ذاك، وهذا يسب ذاك، وهذا يقول هذا هو الدين، وذلك يقول هذا ليس بدين، وأنت لا تعرف شيئاً، وحائرٌ بين الأضداد، كيف ستتلقَّى علماً، وأنت حالك كذلك؟
عليك، أن تُصفِّي ذهنك، بأن تبحث أكثر، وتتعلم أكثر، وتُرجِع الأمور إلى أصولها، حتى تكون لك أرضٌ تقف عليها، وسماءٌ تستظل بها، وعلمٌ يرشدك ويوجهك. إنك إذا وصلت إلى هذا الحال، فإنك تكون أهلاً لأن تعرف أكثر، ولأن تتعلم أكثر، ولأن يهديك الله أكثر، ولأن تتضح الأمور أمامك أكثر ـ فترتوي.
وهكذا، وأنت تقوم بمنسك السعي بين الصفا والمروة ، تفكر في ذلك، وتسأل الله أن يجعلك كذلك، أن يجعلك من الذين يلجأون إليه، ويتوكلون عليه، ويسلمون وجوههم إليه، ويقصدون وجهه في كل حالٍ وقيام، لتصفو فترتوي، وترتوي فتصفو، وتصفو فترتوي.
حالٌ بعد حال، ومقامٌ بعد مقام، إلى ما لا نهاية، [ويطول بنا إسناد عنعنة حتى إلى الذات](2)، ويطول بنا أن نصف حال المُنتهَى، فلا نهاية لحالٍ، وإنما نحن في معراجٍ دائمٍ في الله، إذا وصلنا إلى نقطة بدايةٍ، ننطلق منها في معراجنا.
لو نظرنا، لوجدنا أموراً كثيرة، تتحدث في نفس الحال. فالإسراء والمعراج، هو حالٌ ورسالةٌ في هذا الاتجاه أيضاً ــ كما نتأملها دائماً ــ فأنت في إسرائك، ترجو أن تصل إلى حال بداية، بدءٍ صالح، إلى بدء صفاء، فتعرج في سماوات العلا، معراجاً بعد معراج.
وإذا نظرنا أيضاً، إلى رمزٍ آخر، في ليلة القدر، أشار هذا الرمز أيضاً إلى هذا الحال، "لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ"[القدر 3،4]، لأنك حين تصفو، تكون أهلاً لمعرفةٍ كبيرةٍ، "...خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ".
إنك حين تصفو، حين تتعلم ـ ترى. فإذا رأيت، وجدت أموراً كثيرة، كانت تمر أمامك مَرَّ الكرام، ولكن لا يراها إلا ذو بصر وبصيرة، ولا يسمعها إلا الذي قام في: "أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ..."[مريم 38]، فسمع وبصر وأدرك.
فلنحاول أن نكون كذلك، ولنحاول أن نسعى في ذلك، وأن نقرأ دائماً رسائل الله لنا، حتى نكسب حياتنا، ونكسب كَرَّتنا، ونخرج من هذه الأرض، وقد أضفنا إلى رصيدنا الروحيّ والمعنويّ والأخرويّ.
اللهم وهذا حالنا، وهذا قيامنا، نتجه إليك دائماً، ونسألك اللهم دائماً: أن تفتح علينا بفضلك ونعمتك، وأن تجعلنا أهلاً لرحماتك وفيوضاتك، وأن ترحمنا رحمةً واسعة.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
_______________________

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: ونحن نقرأ شعائر الحج، أن علينا أن نتعلم ما فيها من حكمةٍ، ومن رسالةٍ عميقةٍ، بدأت من قديم، يوم وضع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت، ويوم سعت السيدة هاجر بين الصفا والمروة ـ بدأت الرسالة، وهي موجودة من القدم.
ولكنها ظهرت على سطح الأرض، بلاغاً وتعليماً للبشر الذين سيتواجدون ويتواجدون على هذه الأرض، "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ..."[الحج 27]، ليتعلموا هذه المعاني،  "...يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ"[الحج 27].
يجيئون ليقرأوا وليتعلموا، لا فقط لأن يعتقدوا، أنهم بتأديتهم لهذه المشاعر بأجسادهم، يكونون قد حجوا ـ فالحج حال، يقوم في الإنسان، يوم يقرأ رسائله، ويكون لها واقعٌ في وجوده، في قلبه، في وجدانه، يصاحبه هذا الحال في حياته وفي معاملاته. وكل إنسان في أي مكان على هذه الأرض، وهو في مكانه، إذا قرأ هذه الرسائل، فإنه سيستفيد بها، ويقوم في هذا الحال.
عباد الله: علينا، أن نتعلم كيف نصفو، كيف ننظر إلى الأمور من خلال الأصول، ومن خلال المبادئ الأساسية، التي تحكم علاقات الأشياء بعضها ببعض. علينا، أن نتعلم ذلك، وأن نقوم في ذلك، حتى نُعرِّض وجودنا دائماً لنفحات الله ورحماته، لنصفو أكثر، ولنرتوي أكثر، لنكون أهلاً لرحمة الله، ولفضل الله.
اللهم وهذا حالنا، وهذا قيامنا، نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلاغفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
"رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ"[آل عمران 193].

خطبة الجمعة 29 ذو القعدة 1434هـ الموافق 4 أكتوبر 2013م 


______________________________

(1) " إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها ". الراوي: أبو هريرة، المحدث: العراقي – إسناده مختلف فيه.

(2) مقولة للسيد محي الدين بن عربي.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق