الجمعة، 22 نوفمبر، 2013

السلام مع النفس والعالم وسيلة وغاية


        حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، الذي جمعنا على ذكره، وعلى طلبه، وعلى مقصود وجهه.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشكر دائماً لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: إن الحق يدعونا جميعاً، أن ندخل "...فِي السِّلْمِ كَآفَّةً..."[البقرة 208]، يدعونا أن تكون تحيتنا سلام، وأن يكون مقصدنا سلام، سلامٌ مع أنفسنا، وسلامٌ مع عالمنا.
وهكذا، يسلك الإنسان، يسلك وعنده هدفٌ، وهو أن يكون في سلام، أن يكون مسلماً، أن يسلم الناس جميعاً من لسانه ويده. فالمسلم الحق، هو الذي يحقق السلام في داخله، فتكون دعوته إلى الله، أن يساعده على ذلك. إن كل العبادات، تساعد الإنسان على ذلك، لو أدركها.
حين ينظر إلى أمرٍ ما، يتجرد من كل مشاعر الغضب، ومن أي ظلامٍ في قلبه، من حقدٍ أو كراهية، يتخلص من كل هذه المعاني، حتى إذا عكس البصر إلى داخله، استطاع أن يرى ما أودع الله في أعماقه، فلا يجد نفساً مضطربة، ولا نفساً منتقمة، ولا نفساً حاقدة، ولا نفساً كارهة، إنما يجد محبةً، ويجد تسامحاً، ويجد تواضعاً.
وكما قال القوم: [أدين بدين الحب أنى توجهت.. ركائبه، فالحب ديني وإيماني](1)، كما أشاروا وقالوا، كيف أصبحت قلوبهم متسعةً لكل إنسان ـ لكل إنسانٍ على هذه الأرض، أياً كان دينه، وأياً كان حاله.
وعيسى ــ عليه السلام ــ يقول: [أحبوا أعداءكم، وباركوا لاعنيكم](2)، ليس مجرد قول، ولا أن يُمثِّل الإنسان ذلك، وإنما هو حالٌ يقوم فيه الإنسان، ورسول الله ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ وهو يعلمنا ذلك، وقد قتل رجل في إحدى الغزوات، وسأل أصحابه: ما ظنكم بهذا الرجل؟ فقالوا: أنه في جهنم وبئس القرار، فعلمهم هذا المعنى يوم قال لهم: بل هو في الجنة، لأن من قتلته فكانت عليّ ديته، ومن كانت علي ديته فأنا ديته ومن كنت أنا ديته فهو في الجنة(3)، القضية هنا ليعلمهم الرسول، حتى وهو يحارب ويقتل، فهو لا يكره الذي يقاتله، "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ..."[البقرة 216].
فقد يقاتل الإنسان مضطراً، لهدفٍ، أو لوضعٍ قائمٍ فُرِض عليه، ولكنه لا يحمل كرهاً لمن يقاتله. هذه، هي التربية والدعوة التي دعانا الإسلام لها، وعلمنا، ألا نلجأ إلى أي عنفٍ من أي صورةٍ، إلا في أضيق أضيق الحدود، وبعد استنفاذ كل الوسائل، وفي كل الأحوال، أن نحرص على ألا نمس أي إنسانٍ بسوء، إلا في أضيق الحدود، "وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا..."[الأنفال 61].
فالسلام الداخليّ، هو هذا الحال المستقر في الإنسان، والذي وصفناه بكل الصفات التي نرى أنها الخير بفطرتنا، من حبٍ، وتسامحٍ، وتقبُّلٍ، وكل نيةٍ سليمةٍ تجاه الآخرين.
أما السلام مع العالم حولك، والذي ينعكس في سلوكك، وبداية سلوكك تجاه الآخر، يبدأ بما تعتقده فيه، وبما تعتقده في نفسك تجاهه، هل أنت الحق كل الحق، وهو الباطل كل الباطل؟ إنك بالنسبة لما ترى ـ إن كنت قد قمت فيما ترى ـ فإنك بالطبع، سوف ترى أنك على حق، ولكن السؤال: هل ما ترى أنه الحق، هو حقٌ مطلق؟ أم أن الآخر من حقه ـ أيضاً ـ أن يرى أنه على حق؟.
وهنا، ندخل في تجربةٍ واختبارٍ شديد، لأنك عليك أن تضبط الميزان، فقد يجعلك اعتقادك أنك على حق، أن ترى أنه الحق المطلق، ومن ثَمَّ يكون كل آخرٍ هو على خطأٍ مطلق، على باطلٍ مطلق. وهذا، ما نراه في حياتنا وفي مجتمعنا، يوم يرى البعض أن الآخرين على باطلٍ مطلق، مما يُسمى في أدبياتنا وفي حديثنا ولغتنا وتعاملنا، بالتكفير.
وهذا، موجودٌ في كل المجتمعات، بل في لغةٍ مستخدمةٍ في مجالاتٍ أخرى، بأن من ليس معنا فهو عدونا، وما لا يعتقد معتقدنا فهو كافرٌ بمعتقدنا، الذي هو الحق المطلق، وبين اتزانٍ آخر في الفكر، يوم يتعلم الإنسان أنه يوم يطبق الحق الذي يراه على نفسه، وهذا، في حد ذاته إنجازٌ كبير، إلا أن ذلك لا يعطيه الحق في أن يتهم الآخر بأنه على باطل، فربما الآخر ـ أيضاً ـ على حقٍ في رؤيته ومن وجهة نظره.
وهذا مما دعا الفقهاء، أن يقولوا مقولتهم الشهيرة: [رأينا صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأٌ ــ بالنسبة لهم ــ يحتمل الصواب](4)، فمما لا شك فيه، أنك حين ترى غيرك يرى وجهة نظرٍ أخرى، فهي بالنسبة لك خطأ، لأن هذا لا تعتقده أنت فيما تراه، ولكن لا يعني هذا أنه خطأٌ مطلق.
ولذلك، فالتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، والمجادلة بالتي هي أحسن ـ هو أمرٌ مطلوب. مطلوبٌ أن تعتقد ما ترى أنه الحق، بل يجب أن تكون عندك عقيدة في معنى الحق بالنسبة لك، وأن تقوم في هذا الحق الذي تراه، ولكن في نفس الوقت، تقبل الآخر، لأنك ربما تتعلم شيئاً، يجعلك أكثر حقاً، وأكثر صدقاً، وأكثر رقياً.
فما يعتقده الإنسان في لحظةٍ ما، ليس حقاً مطلقاً لا يقبل التصحيح، والتصويب، والتعديل، والتهذيب، والارتقاء، من كل النواحي. فخطأ الذين يُجمِّدون الدين في أشكالٍ وصور، وفي مرحلةٍ تاريخيةٍ، وفي فهمٍ لسلف، وما إلى ذلك، ليس هذا هو الخطأ، لأن هذه رؤيتهم، وهذا ما يعتقدون أنه الحق.
ولكن الخطأ، هو أن يعتقدوا أن كل ما سواهم كافرٌ، أو أنه رأيه لا يُقبل، ولا يُسمح به، ويجب أن يُحظر، هذا هو الخطأ، ولكن لهم الحق أن يعتقدوا ما شاءوا، وكيف شاءوا، وفيما شاءوا، ولكن عليهم أن يسمعوا، فربما يكونون على خطأ.
هذا الإحساس، بأنهم ربما يكونون على خطأ، هو الذي نطلبه من الناس جميعاً، أن يقبلوا الرأي الآخر، ويسمعوه، ويُقلِّبوه، وألا يتجمدوا عند نقطة، وإنما إذا وجدوا ما هو أحق يتبعونه، وما هو أفضل يقبلونه، وإن لم يقبلوه لا يحاربونه، وإنما يستمعون ويستمعون ويردون على الحجة بالحجة، "...بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ..."[النحل 125].
إنا لا نريد أناساً لهم نفس الأفكار، فهذا لن يكون، فسيظل الناس مختلفين، وسيظل الناس متشابكين متجادلين مختلفين، وهذا أمرٌ من سمة هذه الحياة وقوانينها، ولكن ما نريد أن نصل إليه هو أن يقبل كلٌّ الآخر، وأن يعذر كلٌّ الآخر.
فإذا كان الأمر كذلك، وظن الإنسان في أخيه، أنه ربما يكون على حق، فلن يستطيع أن يقتله، أو أن يؤذيه بظن دينٍ، أو بظن أنه يعمل الصالحات. فكل الذي يحدث حولنا من تفجيراتٍ وقتل، هو لأن البعض بسوء عقلٍ وسوء فهم، ظنوا أن الآخرين كلهم كافرون، وإذا قتلوهم يُثابون، وإذا قُتِلوا وهم يقاتلونهم فهم مجاهدون، وإلى الجنة ذاهبون.
وهذا، ما يهدد السلم والسلام في المجتمع، ويجعل الإنسان في صراعٍ مع عالمه، مع كائنات الله حوله، مع إخوةٍ له في الوطن وفي الدين. كيف يعيش هذا الإنسان، وهو يحمل كل هذه الكراهية تجاه الآخرين، ويعتقد فيهم كل سوء؟ كيف سيكون فعله؟ وكيف سيكون عمله؟ سيكون صراعاً، سيكون قتلاً، سيكون تفجيراً.
إن كان هذا يظهر في بعض الفئات، بصورةٍ واضحةٍ جلية، إلا أنه موجودٌ في كل إنسان، قد يكون بقدرٍ أقل، وهذا ما يجب أن يتخلص الإنسان منه، بدعاء الله، وبذكر الله، وبجهاده لنفسه، وبإقامته لعباداته، وبدعائه المستمر، وبتسبيحه المتصل، وبذكره في كل وقتٍ وحين.
يدعو الله ألا يكون في قلبه ذرةٌ من كبر، ولا ذرةٌ من حقد، ولا ذرةٌ من كراهية، ولا ذرةٌ من اعتقادٍ بأنه الأحسن والأفضل والأقوم، وإنما يخشى الله، "...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء..."[فاطر 28]، هذه خشية الله الحقة، التي يتهم الإنسان نفسه دائماً، "وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ..."[يوسف 53]، "...فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى"[النجم 32].
نسأل الله: أن يوفقنا أن نكون سالمين، مسالمين، مسلمين، متحابين متآلفين، ليست في قلوبنا ذرةٌ من كبر، ولا ذرةٌ حقد، ولا ذرةٌ من كراهية.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
____________________
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن علينا، أن نجاهد أنفسنا، حتى لا نعتقد أننا نملك الحق المطلق، وألا نعتقد أن غيرنا يملك الباطل المطلق، ربما تكون عنده وجهة نظرٍ هو يراها كذلك حق، وإنما علينا جميعاً أن نتهم أنفسنا، وأن نحسن الظن في الآخرين، وعلى الآخرين أن يفعلوا كذلك أيضاً.
وهذا، هو الخير الذي يجب أن ندعو إليه جميعاً، "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ..."[آل عمران 104]، يدعون جميعاً إلى الخير، الذي هو في عدم التنابذ، والتكبر، والصراع، وإنما في المحبة، والوئام، والتآلف، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. يأمرون جميعاً بالمعروف أنه الحق، دون التمسك بمعتقداتهم الشخصية، وإنما الحق الذي يراه كل إنسانٍ بفطرته. فما فيه مصلحة المجتمع، هو الخير، وهو المعروف.
ما يعتقده الإنسان، هو خاصٌ به، في نظرته للحياة، وفي رؤيته لها، في رسالته عليها. أما ما يخص المجتمع ويخص الآخرين، فإذا تجادلنا حوله، فليكن الحَكَم بيننا، هو ما فيه صالح المجتمع، بمعاييرنا الأرضية التي نراها جميعنا، من توفير حياةٍ أفضل، وتعلمٍ أفضل، وطبٍ للجميع أفضل، ومسكنٍ لائقٍ لكل إنسان ـ هذا ما يهمنا على أرضنا.
كل إنسانٍ، له اعتقاده في علاقته بالله، وإنما لا يجعل من هذا الاعتقاد، سبباً في أن يسبب أذىً لإنسان، أو يؤدي فكره الذي هو قد يكون على خطأ، في عدم قيام مصلحةٍ للناس في مجتمعهم، فهو بذلك، يخاطر بحياته كلها، لأن [من سن سنةً سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها](5)، خشيته لله، لا تجعله يفرض فكرةً، لمجرد أنه يعتقد أنها الدين، فهناك آخرٌ لا يعتقد كذلك، وربما الآخر يكون على حق.
فالحصافة هنا، والتقوى هنا، أن يتقابل مع الآخر، ليتفقوا على ما فيه خير البشرية، وخير الإنسانية، ويراجع نفسه في هذا المعتقد الذي يراه، ويرى نظرة الآخر له، ويعلم أن الصادق حقاً، هو من يتغير إلى الأفضل، وأن الجمود لا يعني إيمان، وأن التشبث بفكرةٍ لا يعني إيمان.
وإنما الإيمان، هو في أن تتبع ما هو أصلح، وألا تتكبر أن تغير ما ترى أنه أسوأ بما هو أفضل، فالرجوع إلى الحق فضيلة. هكذا، نتعلم في ديننا. فهل تعلم الناس دينهم، ليتقابلوا مع بعضهم البعض، وليتواصوا بالحق، وليتواصوا بالصبر؟
نسأل الله: أن يجعلهم كذلك، وأن يجعلنا كذلك.
اللهم وهذا حالنا، وهذا قيامنا، نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها، ولا مريضاً إلا شفيته.
اللهم فاجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
"رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ"[آل عمران 8].
"...رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"[البقرة 201].       
______________________________

(1)   من أشعار محيي الدين بن عربي.

(2)   إنجيل متي 5: 44 .

(3)   لم يستدل على القصة في سير رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن جاءت عبارة "من قتلته فعلي ديته ومن كان علي ديته فأنا ديته" في إطار حديث قدسي ذكرته بعض كتب الشيعة مثل كتاب اللمعة البيضاء ، لتبريزي الأنصاري ، في شرح خطبه الزهرا، والكافي وغيرها، بنص: (( من طلبني وجدني ومن وجدني عرفني ومن عرفني أحبني ومن أحبني عشقني ومن عشقني عشقته ومن عشقته قتلته ومن قتلته فعلي ديته ومن كانت علي ديته فأنا ديته ومن كنت أنا ديته كنت مناصبا بين عينيه لايسهو إذا سها الناس )). وإذا كانت هذه القصة غير موثقة تاريخيا بشكل ثابت، إلا أن محتواها إن دل على شيء فهو يدل على معنى الرسول صلى الله عليه وسلم كرحمة مهداة، معصوم من كل مشاعر كراهية لأي إنسان، وهو ما يتوافق مع خلقه الكريم حين قال له ربه أنه لن يغفر للكفار حتى إذا استغفر لهم سبعين مرة، فما كان منه إلا أن قال: الحمد لله أنه سبحانه وتعالى حدها في سبعين، سأزيد (الاستغفار).

  (4) "رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب، ومن جاءنا بأفضل منه قبلناه".

 مقولة للإمام الشافعي.

(5)   حديث شريف نصه: "من سن سنة حسنة فعمل بها كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئا، ومن سن سنة سيئة فعمل بها كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص من أوزارهم شيئا." الراوي: جرير المحدث: الألباني- المصدر: صحيح ابن ماجه.





 خطبة الجمعة 18 محرم 1434هـ الموافق 22 نوفمبر 2013م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق