الجمعة، 6 ديسمبر، 2013

الحياة داخل الإنسان تحتاج مناخا من الحرية والاحترام لكيانه وكرامته


       حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
عباد الله: نتجه إلى الله، ونتوكل عليه، ونُلجِئ ظهورنا إليه، ونسلم وجوهنا إليه، لا ملجأ لنا منه إلا إليه.
خلقنا وأوجدنا، وأعطانا ما يُمَكِّننا أن نسير على هذه الأرض. أوجد لنا إرادةً وقدرةً تُمَكِّننا من تغيير أنفسنا، ومن تغيير الحياة حولنا، فعلمنا يوم "...عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا..."[البقرة 31]، وأعطانا قدرةً على التفكر، والتأمل، والتدبر، يوم أمرنا أن نسير في الأرض فننظر "...كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..."[العنكبوت 20].
هذه الحياة التي وهبنا إياها، هي كل شيءٍ لنا على هذه الأرض، وما بعد هذه الأرض. الحق يعلمنا ذلك، يعلمنا أن نطلب الحياة، وأن نستجيب لداعي الحياة، "...اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ..."[الأنفال 24]، "وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ"[آل عمران 169]، "...وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ"[العنكبوت/64].

هذه الحياة، التي تجعلنا قادرين، متفكرين، متدبرين. هذه الحياة، التي تدفعنا إلى الحركة على هذه الأرض، وإلى أن نُخرِج ما نستطيع إلى هذا العالم، كلٌّ بِقدْره، وكلٌّ بإمكاناته. لذلك نجد هذا الدافع عند الناس، عند كل إنسانٍ بِقدْره، أنه يريد أن يُسهِم بعطائه، في خدمة إخوانه في البشرية.
هذا الدافع الداخليّ، للبقاء على هذه الأرض بصورٍ مختلفة، هذه الفطرة، التي تدفع الإنسان إلى أن يكون له ولدٌ على هذه الأرض، أن يكون له عملٌ على هذه الأرض، أن يكون له عِلمٌ على هذه الأرض، أن تكون له صدقة على هذه الأرض، صدقةٌ جارية باقية، أن تكون له ذكرى عطرة على هذه الأرض ـ كل هذه الدوافع في هذا البقاء، إما أن يكون لها جانبٌ إيجابيّ، أو أن تنقلب إلى جانبٍ سلبيّ.
إذا كان الإنسان يفعل ذلك، وهو يدرك أنه يريد بذلك، أن تمتد جذوره على هذه الأرض، ليرتفع في عنان السماء، وأن هذه الأرض مزرعة الآخرة، وأنه بسعيه عليها، وبعمله عليها، وبإخراج أحسن ما لديه إلى من على هذا الكوكب، فإنه بذلك، يدفع وجوده الروحي إلى أعلى. في هذه الحالة، فهو قد حول هذه الدوافع كلها، إلى قوةٍ كبرى تدفعه إلى أعلى.
وأما إذا كانت هذه الدوافع، تجعله يتثاقل إلى الأرض، لأنه رأى فيها لذاتها، صنماً جديداً يعبده، وأملاً يطلبه، لعاجلةٍ يرجوها، ولمادةٍ يُكبِرها، ولحياةٍ زائفةٍ يعيشها ـ فإن كل هذه الدوافع، تصبح قوةً تدفعه إلى أدنى، [كن كيف شئت فإني كيفما تكون أكون](1).
إذا كان هذا هو ظنه في قانون الحياة، فقانون الحياة، سوف يتعامل معه كما يظن، سوف يتحول إلى قيامٍ أرضيّ ماديّ، يتحلل إلى ما هو أرضيّ، كما تتحلل البذرة التي لا تُخرِج شجرةً، إلى مُكوِّناتها الأولية، مادةٌ في مادة، من التراب وإلى التراب.
وكما نذاكر دائماً، أن كل الصفات وكل الرغبات، يمكن أن تكون قوةً دافعةً إلى أعلى، ويمكن أن تكون قوةً دافعةً إلى أدنى، وكذلك حب الحياة، وحب البقاء، وحب التعبير، وحب إخراج ما في داخل الإنسان في صورٍ مختلفة. والإنسان في كل ذلك، وليتمكن من ممارسة هذا الحق وهذا الحال الذي خُلِق وفُطِر عليه، فإنه يحتاج إلى مناخٍ، يستطيع أن يمارس فيه كل ما يريد أن يقوم به. وهذا، هو مناخ الحرية.
فلا حياة ـ بهذا المعنى الذي أشرنا إليه ـ إلا بحريةٍ يعيش ويستظل بها. فهو يريد إن أراد أن يُعبِّر عن مفهومٍ قام فيه، ألا يقهره أحد ألا يُعبِّر عنه، وإذا أراد أن يقوم بعملٍ ليُعبِّر عما هو فيه، لا يريد لأحدٍ أن يقهره حتى لا يقوم به. إنه يريد أن ينطلق، يريد أن يُخرِج ما في داخله.
ولذلك، نجد أن ديننا أكبر هذه الحرية، "...فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ..."[الكهف 29]، "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ"[الكافرون 6:1].
لذلك، نجد أن الإسلام لا يُجبِر أحداً على شيء، "فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى، سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى، وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى"[الأعلى 11:9]، "...أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ"[يونس 99]، سؤالٌ للتعبير أنه لا يفعل ذلك، وما كان له أن يفعل ذلك.
فحتى إذا فرضنا أن هناك من يستخدم حريته لأنه يريد وجوداً مادياً، فأنت لا تستطيع أن تمنعه من ذلك، ببساطةٍ، لأنك لا تعرف نيته، ولم يُطلع الله أحداً على نية الآخرين، ولم يُوَلِّ أحداً ليحكم على نيات الآخرين.
لذلك، فإن الحرية مكفولةٌ لكل إنسانٍ في أن يُعبِّر، وفي أن يفعل ما يعتقده، دون أن يجور على حق الآخرين، في أن يفعلوا ذلك أيضاً. فإذا اعتدى إنسانٌ على حق الآخر في أن يُعبِّر عما يريد أن يقوله، أوعما يريد أن يفعله، في سلامٍ وفي أمان ـ فإن المجتمع عليه أن يحافظ على حرية كل فردٍ فيه، وأن يتوافق المجتمع على القانون الذي يحكم الكلَّ، في مثل هذه الأمور، التي يتخطى فيها إنسانٌ حدوده.
وهذا، هو القانون. فحياة الإنسان، لا يمكن أن تتفاعل مع واقع الحياة، إلا إذا كانت هناك حريةٌ، يستطيع فيها الإنسان أن يُعبِّر عما في داخله، وأن يفعل ما يرتئيه، دون أن يتخطى حدوده، ويجور على حق الآخرين.
عباد الله: نسأل الله: أن يجعلنا ممن يتعاملون معه، ونحن نحاول أن نُخرِج ما في داخلنا، تعاملاً مع الله، وتأدباً مع الله، ومراعاةً لحقوق إخواننا في مجتمعنا، وفي وطننا، وفي بشريتنا، وفي عالمنا، أن نكون من الذين يرجون لقاء الله، ومن الذين يعملون في الدنيا، قاصدين وجه الله، راجين معراجاً في الله، وحياةً ممتدةً بعد هذه الأرض، أن نكون أحياءاً عند ربنا نُرزق.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
______________________
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن الحياة، هي القوة الدافعة لحركة الإنسان على هذه الأرض، هي القوة التي تريده أن يُخرِج ما في داخله، هي التي تجعله يتأمل فيما حوله، هي التي تجعله يتفكر في خلق السماوات والأرض، هي التي تجعله يريد أن يترك بصمةً لوجوده على هذه الأرض، هي التي تجعله يتفكر في معنى وجوده على هذه الأرض.
فإما أن يصل إلى أن وجوده، هو مرحلةٌ من مراحل حياته المتصلة، أو أن يصل بفكره أيضاً، وتأمله أيضاً، وتدبره أيضاً، إلى أن نهايته على هذه الأرض. "...فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ..."[الكهف 29]. والكفر بأي شيءٍ، هو عكس الإيمان به.
لذلك، نجد المصطلح في آيات الله، أن الإيمان هو "...مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ..."[البقرة 62]. ويصبح عكس الإيمان هنا، في هذا المضمون، وفي هذا الإطار، وفي هذا السياق ـ هو ألا تؤمن بالله واليوم الآخر. فيكون إيمانك، بهذا الوجود للوجود، وهذه الأرض للأرض. وهذا، ممكن أن يصل إليه البعض. وهذا، ليس تخميناً ولا تصوراً، وإنما هو واقعٌ على أرضنا.
فهناك، من وصل فعلاً بفكره، إلى أن الطبيعة على هذه الأرض لذاتها وبذاتها، هي كل ما يؤمن به، وأن وجوده راجعٌ إلى هذه الطبيعة، ولا امتداد له ـ هذا واردٌ. لذلك، فالآية القرآنية، "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ"[الكافرون 6]، لقد أصبح دينه ذلك، دينه هو ما يعتقده، ما يتصوره عن معنى الحياة وعن معنى الوجود.
بل أننا نستطيع أن نقول: أن في كل معسكرٍ من هذين المعسكرين، لا يوجد مفهومٌ واحد، وإنما هناك مفاهيمٌ كثيرةٌ ومتعددة. بل أننا نستطيع أن نقول: أن كل إنسانٍ على هذه الأرض ـ  ببلايين البشر الموجودين عليها ـ له مفهومه، وله عقيدته، وأن كل إنسانٍ يريد أن يُعبِّر عن هذا المفهوم، وهذه العقيدة، وأن ليس من حق أي إنسانٍ آخر، أن يحرمه ذلك.
وأن كل ذلك يجب أن يتم، في إطارٍ من احترام الكل للآخرين، من احترام الكل للكل، لأن هذا من حق الإنسان، حق الإنسان في أن يُعبِّر، وفي أن يعمل، وفي أن يقدم ما يريد أن يقدمه إلى بشريته، وإلى عالمه، لأنه بذلك يمارس حياته.
وهو يحتاج إلى مناخٍ ملائمٍ لممارسة هذه الحياة، في حريةٍ، واحترامٍ لحقوقه، ولوجوده، ولكيانه، ولإنسانيته، ولكرامته، بما أودع الله فيه من قدرةٍ، ومن صفاتٍ، [ما ظهر الله في شيءٍ، مثل ظهوره في الإنسان](2)، [خلقتك لنفسي، ولتصنع على عيني](3).

اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
"رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ"[آل عمران 193].



   
________________________

(1) هذه العبارة تتوافق مع الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي ، إن ظن خيراً فله ، وإن ظن شراً فله " . أخرجه أحمد بن حنبل الجامع الصغير للسيوطي.

(2) مقولة صوفية.

(3)    روى في الخبر عن موسى عليه السلام أن الله انزل في التوراة " يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك وخلقتك من أجلي فلا تهلك ما خلقت من أجلي فيما خلقت من أجلك " أخرجه الحكيم الترمذي، كتاب ختم الأولياء للحكيم الترمذي صـ212. وفي القرآن الكريم يخاطب الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام قائلاً: "وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني"( طه 20: 39) ، ويقول أيضا "واصطنعتك لنفسي"( طه 20: 41).   

خطبة الجمعة 3 صفر 1434هـ الموافق 6 ديسمبر 2013م

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق