الاثنين، 10 مارس، 2014

طاقات الإنسان وإمكاناته، مظهرٌ لسر الله فيه -الذي لا يدركه- يُفَعِّلهما بإرادته، ليكون في أعلى عليين أو أسفل سافلين




حديث الجمعة 
6 جمادى الأول 1435هـ الموافق 7 مارس 2014م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشكر دائماً لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: [ما ظهر الله في شيءٍ مثل ظهوره في الإنسان](1)، "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا"[الأحزاب 72]، "..كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ..."[الإسراء 70]. كل هذه الآيات، تُظهر وتُوضح ما للإنسان من مكانةٍ على هذه الأرض.
فالإنسان، مخلوقٌ ليحيا، وليكون في معراجٍ دائمٍ في الله. مخلوقٌ وعنده الأهلية ليكون في معنى العبودية لله، التي تعني حياةً دائمةً. هو مؤهَّلٌ لذلك، هو مشروع حياة، إما أن يتحقق هذا المشروع، وإما أن يفشل هذا المشروع، "..خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ..."[التين 6:4].
هذا الإنسان، وصفته أيضاً الآيات بما سيكون عليه على هذه الأرض، وما سيتعرض له، "إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ"[العاديات 8:6]، "إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلَّا الْمُصَلِّينَ"[المعارج 22:19]،  "...وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا"[الكهف 54]، "فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ"[الفجر 16،15].
فالإنسان، قائمٌ في حالٍ بين اليقظة والغفلة، قائمٌ في حالٍ بين الحياة والموت. "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا"[الشمس 10:7]،  فهو قائمٌ أيضاً، في حالٍ بين الفجور والتقوى.
حين تتحدث الآيات، عن مستقبل الإنسان وما سيكون عليه، فإنها تتحدث عن تكريم الإنسان، وعن أهليته، وعن مستقبله الذي يمكن أن يصبح عليه. وحين تتحدث عن الإنسان إذا غفل عن معنى الحياة فيه، فإنها تتحدث عن كيف سَيُرد إلى أسفل سافلين، وكيف سيفقد معنى الحياة فيه.
يرتبط حديث الآيات، بما يمكن للإنسان أن يفعله على هذه الأرض. فالإنسان طاقةٌ مُفَعَّلة. لا نعرف عن وجودنا، إلا ما هو ظاهرٌ لنا من تفعيل وجودنا، نعرف أننا نستطيع أن نفكر، وأن نتعلم، وأن نتدبر، أن نستوعب ما يحدث حولنا بحواسنا، فنرى ونسمع ونلمس. ونعلم أننا أيضاً، يمكننا أن نؤثر في بيئتنا، وفيما يحيط بنا، بأن نغير، وأن نُشكِّل، وأن نصنع، وأن نزرع، وأن نفلح، وأن نبني، وأن نهدم، وأن نُصلِح، وأن نفسد.
نعلم إمكانياتنا، وطاقاتنا، وقدراتنا، كما هو الحال مع كل طاقةٍ في هذا الكون. فنحن نعلم أن الكهرباء تخلق مجالاً مغناطيسياً، يمكننا أن نستغله في أن نولد حركةً، وأنها تنتج طاقةً حرارية، مما يمكننا أن نستغله في أن نتدفأ، وأنها يمكن أيضاً أن تنتج ضوءاً، ينير لنا بيوتنا وطرقنا. نعلم كل هذه الاستخدامات والتأثيرات عن الكهرباء، ولكننا لا نعلم كنهها، نعلم ما يمكن أن تحدثه من ظواهر بمرورها في أسلاكٍ وفي موصلاتٍ، تنتج آثاراً نشهدها.
وكذلك، نعلم عن أن هناك موجاتٍ كهرومغناطيسية، يمكنها أن تُحَمَّل بأصواتنا وبصورنا، في صورٍ مقروءةٍ، أو مسموعةٍ ومرئية، تنتقل عبر الأثير، ويمكن أن نلتقطها، وأن نُحوِّل ما فيها من صورٍ ومن صوتٍ، لنراه ونسمعه. نعلم كيف نستخدمها في حياتنا، ولكننا لا نحيط بكنهها.
وهكذا كل شيء. نعلم عن الحيوان وتصرفاته التي نشهدها، ولكننا لا نعلم هذه الطاقة الموجودة في حيوانٍ مفترس، أو في حيوانٍ أليف، ولماذا يكون هو كذلك.
إننا نعرف قشور الحياة، ولكن لا نعرف جوهرها. وإذا استطعنا بعلومنا، أن نعرف قدراً تحت هذه القشور، فأننا كلما عرفنا ما هو أعمق، مما لا نستطيع أن نعرفه في وقتنا، قد نعرف أكثر في قادمنا، ولكننا سنظل كذلك،"...لاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء..."[البقرة 255].
نحن لا نقول: أننا لن نعلم أكثر مما علمنا. بل نقول: أننا سوف نعلم أكثر كل يوم. ولا مانع من أن نقول: أننا سوف نعلم ما لم نكن نعلم، ربما يجيئ وقتٌ نعلم الكثير والكثير، "...إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ"[الرحمن 33]، فنحن لا نضع حداً للمعرفة، وإنما فلنعرف، ولنعرف، ولنعرف. ولكننا اليوم، ونحن قائمون في هذه اللحظة، نعلم أن هناك الكثير الذي لا نعرفه.
نقول هذا، لنُدلِّل أن أول شيءٍ لا نعرفه، هو من نحن، ما فينا من طاقة، ما فينا من أنا، ما فينا من سر الله، ما فينا من روح الله. نحن بهذا السر نرى، ولكن لا نرى هذا السر، "لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ"[الأنعام 103].
لذلك، علينا أن نعرف ذلك، وأن نعرف أن علينا أن نتعامل بقدراتنا التي نراها، والتي نعرفها، وأن نستغل هذه الطاقات، التي هي مظهرٌ لما فينا من سر الله، والتي ـ أعطانا هذا السر قوةً، في أننا يمكننا أن نُفَعِّل هذه الطاقات، بإرادةٍ موجودةٍ فينا.
وهذا، ما يميز الإنسان عن أي كائنٍ آخر، أن الله قد أودع فيه هذه الإرادة أيضاً، التي تُمَكِّنه من أن يُفَّعِّل قدراته، بينما الكائنات الأخرى، تحتاج للإنسان لأن يُفَعِّل قدراتها. فالكهرباء، لا تفَعِّل نفسها بنفسها، وإنما تحتاج للإنسان لأن يُفَعِّلها، وأن يُدخِلها في البيئة المناسبة، التي تتجلى فيها ما بها من إمكاناتٍ، ومن آثارٍ يمكن أن تنتجها. ولكن الإنسان، يمكنه أن يُفَعِّل ما فيه من طاقات، بإرادته، وبعقله، وبتفكيره، بهذه القدرة المُمَيَّزة، التي تُمَكِّنه من أن يُفَعِّل ما فيه من إمكاناتٍ وقدرات.
لذلك، وجب علينا أن نعرف حدودنا، وبمعرفتنا لحدودنا، نكون في معنى العبودية لله. وهذا، ما علمنا رسول الله ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ أن نكون عليه، وضرب لنا مثلاً بوجوده، "قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ"[الزخرف 81]، أنا عبد الله، وكل رسل الله شرفوا بأن قالوا: نحن عبيد الله.
نحن نريد أن نتعلم في سلوكنا، معنى العبودية لله. فيكون سلوكنا، تطبيقاً لمفهوم العبودية لله، فنُخلِص في حياتنا، وفي أعمالنا، ونُتقِن أعمالنا، ونفكر فيما يمكن أن نقدمه لإخواننا في الله، وإخواننا في البشرية، وإخواننا في الإنسانية، بكل طاقاتنا، وكل إمكاناتنا.
نسأل الله: أن يوفقنا لذلك، وأن يجعلنا أهلاً لذلك.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
_______________________

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن الإنسان بما أوجده الله، وجعل فيه طاقاتٍ وقدراتٍ كبيرة بالنسبة للكائنات الأخرى، أنه مُكلَّفٌ بأن يُفعِّل هذه الطاقات، بما وهبه الله من نعمة الإرادة، ومن نعمة العقل، الذي يستطيع به أن يقيس، وأن يُقدِّر، وأن يُفَعِّل، وأن يُغَيِّر، وأن يُكَوِّن، وأن يُحلِّل.
قدراتٌ كثيرة، أوجدها الله في الإنسان ظاهرةً له، وجعل فيه الإرادة التي تجعله قادراً ـ إن أراد ـ أن يُفَعِّل ما فيه من طاقات. وهذا، هو تَمَيُّزه عن كل الكائنات الأخرى، التي لا تستطيع أن تُفَعِّل ما فيها من طاقات، أو بمعنى آخر، أن ليس لديها هذه الطاقات التي يملكها الإنسان، في قدرة التفعيل، والفهم، والإدراك.
ولذلك، علمتنا الآيات، ما أودع الله في الإنسان من أمانة الحياة، وكيف أنه [ما ظهر في شيء مثل ظهوره في الإنسان]. بهذه الإرادة، يمكن أن يعلو الإنسان في عليين، أو أن يتدنى إلى أسفل سافلين، "..خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ...".
فحين نسمع في الآيات: "ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ"، فإن هذا، تفعيله هو في واقع الإنسان. أن الإنسان هو الذي يرتد إلى أسفل سافلين، فهو يملك هذه الطاقة، التي تجعله أيضاً يرتد إلى أسفل سافلين، "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا".
لذلك، علينا أن نفكر فيما أعطانا الله من طاقاتٍ وقدراتٍ، إذا أردنا، فلنعلو بهذه الطاقات إلى عليين، وإذا أردنا، فلنهبط بهذه الطاقات إلى أسفل سافلين، أن نكون من "...الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ..."[الكهف 28]، أو أن نكون فيمن "...أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا"[الكهف 28].
سوف نكون ما نريد، وسوف نفعل من الأفعال، ما تؤدي بنا إلى هذا الطريق الذي نعلو فيه، أو إلى ذلك الطريق الذي ندنو فيه. هذا اختيارنا، وهذه مسئوليتنا، "...فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ..."[الكهف 29].
عباد الله: نسأل الله: أن يوفقنا لما فيه صلاحنا، ولما فيه خيرنا.
نسأل الله: أن يوفقنا لذلك، وأن يجعلنا أهلاً لكل توفيقٍ، ورفعةٍ، وعلوٍ، بجاه رسول الله، وبالدعاء والرجاء.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا فيه هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
"رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ"[آل عمران 8].   
    

____________________

(1)        مقولة صوفية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق