السبت، 29 مارس، 2014

حكم الله، هو ما تصل إليه الجماعة في تشاورها، وفي مصلحة مجتمعها، وفي مصلحة وجودها، واستمرار حياتها، وتعامل أفرادها، أياً كان ما يصلون إليه



حديث الجمعة
 27 جمادى الأول 1435هـ الموافق 28 مارس 2014م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
الحمد لله، والحمد دائماً لله، والشكر دائماً لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: تدبروا آيات الله في الآفاق وفي أنفسكم، واذكروا الله كثيراً، وسبحوه بكرةً وأصيلا، يكشف لكم ما غم عليكم، ويفتح لكم أبواباً كانت مغلقةً عليكم، فتعرفون ما كنتم تجهلون، وتكونون أكثر قدرةً على رؤية الأحداث حولكم، وعلى فهم آيات الله لكم.
إن الإنسان، في حاجةٍ لمرجعيةٍ منهجيةٍ واقعية، يستطيع بها أن يميز بين الآراء المختلفة، وبين المفاهيم المتعددة، التي يمكن أن يستنتجها إنسان، من نصٍ مقدسٍ في أي رسالةٍ سماوية. لأن النص يوم وُضِع في لغةٍ ماديةٍ دنيوية، أصبح له دلالاتٌ كثيرة، أصبح له وجودٌ بشري، وجودٌ دنيوي، وسوف يفهمه الناس من خلال وجودهم الماديّ الدنيويّ أيضاً.
وطبيعة اللغة المادية الدنيوية، أن كل مفردٍ فيها له دلالاتٌ مختلفة. ولعلماء اللغة في ذلك الكثير. بل أن تركيب الجملة، يؤدي إلى مفاهيم متعددة، والسياق التي ذكرت فيه أيضاً، يمكن أن يؤدي إلى هذا التعدد.
وهذا ليس شيئاً جديداً، وإنما هو معروفٌ منذ القدم، فقد عرف الأولون في طريق الدعوة الإسلامية المحمدية، أن [القرآن حَمَّال أوجه](1). ونعرف في تاريخنا، من الأحداث التي استُخدمت فيها الآيات، لتحقيق مآرب معينة.
وكل المذاهب التي تواجدت في تاريخ مجتمعنا، جاءت نتيجة الاختلاف في مفهوم النص، وفي تغليب معنىً على معنى، وكلٌّ له حججه، وله مرجعيته. ولذلك، نجد المذاهب المختلفة، وهي تتراوح من مذاهب شديدة الغُلُوِّ، إلى مذاهب شديدة التساهل والمرونة، ويحتار الناس بين كل هؤلاء.
ودين الحق، علمنا كيف نتعامل مع ذلك. فعلمنا أن نستفتي قلوبنا، وأن كل إنسانٍ مكلف، "...كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته..."(2)، وأن عليك أن تتحمل مسئوليتك، ولا تقول أننا اتبعنا هذا أو ذاك، "إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ..."[البقرة 166]، ويوم يتبرأ الشيطان من الذين اتبعوه، "...مَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم..."[إبراهيم 22].
فعلى مستوى الفرد، فإن على الفرد أن يتبع ما يستريح له قلبه، وما يفهمه عقله، لأنه حتى لو أخطأ مع ذلك، فهو خطأٌ قيل فيه: [من اجتهد فأخطأ فله أجر](3)، لأنه مارس ما أعطاه الله، من قدرةٍ على الاختيار وترجيح الأمور، بناءاً على فطرته وقلبه وعقله.
أما أن يعتقد البعض أن مفهومه هو الحق المطلق، فهذه مسئوليةٌ كبيرة، وهي خطأٌ منهجيّ، لأن كل المفاهيم الموجودة على الساحة، هي مفاهيم تتحدث بآيات الله وبحديث رسول الله ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ.
فالذين جاءوا بأكثر المفاهيم غُلُوَّاً، لهم تفسيراتهم ولهم آراؤهم، في الآية وفي الحديث ـ هم لم يأتوا بهذه الأفكار من فراغ، إنما أتوا بها من مصادر. والذين جاءوا بالآراء المعارضة لهم ـ لهؤلاء الغلاة ـ ما جاءوا بها أيضاً من بنات أفكارهم، وإنما جاءوا بها من آيةٍ ومن حديث.
فمنهج أن نفسر الآية والحديث، فنصل إلى مفهومٍ، هو منهجٌ لا يمكن أن يحسم قضية. وإنما هو سوف يؤدي إلى أن يعتز كلٌّ بمفهومه وتفسيره، ولا يتقابل مع الآخر. إذا كان هذا الأمر قد حُلَّ على مستوى الفرد، بأن يأخذ من كل مذهبٍ، ويتفكر هو، ويصل إلى قناعاته هو، فإن على مستوى المجتمع لا يمكن أن يُحَل الأمر كذلك.
والحل ـ كما نراه وكما نقرؤه ـ في آيات الله ـ بمفهومنا أيضاً في هذا ـ "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ..."[آل عمران 104]، ويؤمنون بالله(4)،  إذا أردنا أن نتعايش في سلام، فإن علينا أن نُفَعِّل هذا الأمر الإلهيّ الذي هو نابعٌ من الواقع، إنه ليس أمراً إلهياً لا سند له في الواقع، وإنما هو أمرٌ يكشف لنا واقع حياتنا.
لذلك، فنحن نقول في كثيرٍ من الأحيان: أن الآيات تكشف لنا واقعنا، وواقع وجودنا، والقانون الحاكم لنا الذي إذا تأمل فيه الفرد سوف يجد أن له أصولاً في داخله. إننا لو نظرنا ـ دون أي أمرٍ إلهيّ ـ في جماعةٍ موجودةٍ في مكانٍ ما، في زمنٍ ما، وهذه المجموعة لها آراءٌ متعددة في قضايا الحياة، وفي قضية التعامل مع كل حدثٍ وكل مسألةٍ ـ كيف سوف يتعايشون، لو أن كل فردٍ منهم أصر على رأيه، كيف سيتعاملون؟
إذا كان لكلٍ منهم رأيٌ في عقاب من أخطأ واقترف جُرماً ما ـ فإذا قام فردٌ في المجتمع بهذا الجُرم، كيف يعاقبونه؟ لن تستقيم الحياة، ولن يستطيعوا أن يتعايشوا، أو أن يتواجدوا أصلاً، لأنهم سوف يتناحرون ويتقاتلون حتى يفنوا بعضهم بعضا.
لا مجال إلا أن يتوافقوا، وإلا أن يتواصوا، وإلا أن يجتمعوا، وما يصلون إليه، هو ما يطبقون. ولا يقول أحدهم: أننا يجب أن نطبق ذلك، لأن هذا حكم الله. فكما أسلفنا الذكر، أن هذه المفاهيم مختلفة. فحكم الله، هو ما تصل إليه الجماعة في تشاورها، وفي مصلحة مجتمعها، وفي مصلحة وجودها، واستمرار حياتها، وتعامل أفرادها، أياً كان ما يصلون إليه.
فإذا أدركنا، أن في داخل كل إنسانٍ مُضغة صالحة، فإن التجمع على شيءٍ، سوف يغلب عليه المقاصد الموجودة في كل قلب إنسان، والتي كشف عنها الحق، يوم أشار لذلك في قوله: "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ "[النحل 90].
هكذا، يمكن أن نتعايش جميعاً، يوم نعلم أن ما سنجتمع عليه، هو ما سوف يقودنا إلى الحياة وإلى الأفضل والأحسن والأقوم. "...يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ..."، المعروف، الذي هو أفضل، "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..."[العنكبوت 46].
هو الكلمة السواء، "...تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ..."[آل عمران 64]، ماذا يُصلِح المجتمع، ماذا يغير الناس، بواقعٍ عمليّ، بأمورٍ مادية. ماذا يُفرِّق الناس، وماذا يجعلهم يتناحرون ويتقاتلون، فلنبتعد عنه، "...يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ..." ويؤمنون بالله، لأن الله أكبر، فلا يقول أحد: إني أعلم من الآخرين بما يريد الله.
"...لاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ..."[آل عمران 64]، وإنما نرى ما هو الأصلح لنا في حياتنا وفي وجودنا، هذه هي المرجعية، التي يمكن للمجتمع أن يرجع إليها، وأن يجتمع عليها. ولتكن رؤيته لآيات الله، ومفهومه في آيات الله، يرجع إلى ما هو صالحٌ للمجتمع ولواقعه.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون أكثر قرباً من منهجٍ يقربنا ويوحدنا، ولا يفرقنا ويباعدنا، وأن يجعلنا في طريق الخير، وفي طريق الصلاح، وفي طريق الفلاح.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
_______________________

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن ما نراه من مذاهب مختلفة، ومن آراء متعددة، ومن مفاهيم متباينة، في الدين وتطبيقه، ما جاء من فراغ، ولكن جاء من قراءاتٍ متعددة للنص الواحد.
ولا يستطيع فريقٌ، مهما ظن العقلانية، أن يُقنع فريقاً آخر بما يعتقده بناءاً على منطقٍ عقلي، أو على تفسيرٍ معين لآيةٍ أو آياتٍ محددة. فكلٌّ له رؤيته، وله قراءته، وله تفسيره، وله منطقه. إنما الحكم بين كل هؤلاء، هو المبدأ العام، مصلحة المجتمع، [لا ضرر ولا ضرار](5)، "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا..."[البقرة 286].
قدرة الإنسان على القيام بأمرٍ، يحتاج منه في المقام الأول، أن يكون مقتنعاً به داخلياً، وإذا لم يكن كذلك فهو لن يستطيع أن يقوم به. فإذا أراد فردٌ أو جماعةٌ أن تفرض على الآخرين فهماً معيناً، فلن يستطيع الآخرون المفروض عليهم هذا الرأي، أن يقوموا بصدق في تنفيذ هذا الأمر، وإنما سوف ينافقون، لضعفهم ولقلة حيلتهم، ولن يستقيم حال المجتمع.
لذلك، فإن واجب أي مسئولٍ عن مجتمعٍ، أن يُعطِي وأن يُشعر كل فردٍ بحريته، حتى يستطيع أن يُعطِي أكثر، وأن يتفاعل مع مجتمعه أكثر. واجبه أيضاً، أن يجمع الناس جميعاً على كلمةٍ سواء، وهي ما فيه خير المجتمع وصلاحه، وأن يُبعد ما فيه شر المجتمع وطلاحه. وأن ينشر مفهوم وشهادة لا إله إلا الله، بمعناها الحقيقي الذي يُعطِي للإنسان الحرية فيما يرى أنه الخير على أرضه وفي مجتمعه، ويعلم أن الله أكبر عن أن نحده في صورة، أو في رأيٍ، أو في شكلٍ، أو في تعبيرٍ أياً كان.
وأن يكون هذا، مرجعنا فيما نختلف فيه، نرجع إلى الواقع، وإلى قياس مدى صحة ما نطبقه على أرض واقعنا، ما نجد فيه أفضل نستمر في تطبيقه، وما نجد له أثراً سيئاً نكف عن تطبيقه. وهكذا، نكون في حالةٍ دائمةٍ من التفاعل مع واقع حياتنا، وأثر أعمالنا، ونتائج قراراتنا، فنصحح في دوام، ونصوب طريقنا، ونصوب منهجنا، حتى نكون في حياةٍ أفضل، وفي حالٍ نستطيع فيه أن نتعلم أكثر، وأن نذكر الله أكثر، وأن نكون أكثر قرباً من الحق في وجودنا وفي حياتنا.
اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
اللهم ادفع عنا شرور نفوسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
اللهم ارحمنا فيمن رحمت، واعف عنا فيمن عفوت، واغفر لنا فيمن غفرت.
"رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ"[آل عمران 193].


____________________

(1) مقولة للإمام علي كرم الله وجهه.

(2) جاء بسنن الترمذي: ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم أنه‏ ‏قال ‏" ‏ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه ، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"‏.

(3) حديث شريف نصه :" إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" المحدث: ابن تيمية.

(4)  "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ..."[آل عمران 110].

(5) حديث شريف، المحدث: الألباني،  المصدر: إصلاح المساجد، خلاصة حكم المحدث: صحيح بمجموع طرقه.






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق