الخميس، 10 يوليو، 2014

ما جاء به ديننا، هو نصٌ روحيّ تفاعليّ، يتفاعل مع الإنسان ومع واقع الإنسان




حديث الجمعة
 6 رمضان 1435هـ الموافق 4 يوليو 2014م
السيد/ علي رافع



      حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.

      نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من الشيطان الرجيم. نتجه إليه، ونتوكل عليه. نسأله رحمةً، ومغفرةً، وتوفيقاً في كل أمور حياتنا. نسأله علماً، وحكمةً نستطيع بها أن نسلك طريقنا، وأن نكسب حياتنا، وأن نكون أكثر صلاحاً وفلاحا. مدركين ما نحن عليه، قائمين فيما بُلِّغنا به، متوافقين مع قانون الحياة، متآلفين متحابين في طريق الله.

      عباد الله: إننا حين ننظر إلى ما صارت إليه مجتمعاتنا وما أصبحت عليه من حال، في فهمها لدينها ولرسالة نبيها، نتساءل: كيف يكون الحال هكذا؟ ولكننا نرجع إلى أن كل إنسانٍ يفهم بما هو له أهل، وأن القضية ليست فيما بُلِّغ، ولكن القضية في حال الإنسان، في قدرات الإنسان، فيما توارثه الإنسان.

      إن الذي حدث في تاريخ المسلمين، من توقفٍ فكريّ فتراتٍ طويلة، جعل الناس يرثون فكراً جاء به البعض في لحظاتٍ معينة لمواقف معينة، وظن الناس الذين حملوا هذا الفكر، أنه المعنى المطلق للدين. فإذا جاء إنسانٌ ونظر إلى الدين من مصادره الأصلية، في ضوء واقعٍ يعيشه، إتهمه البعض بأنه قد خرج عن الدين.

      إن النص الذي بُلِّغ في كل الرسالات السماوية، هو نصٌّ حيّ، يتفاعل مع الإنسان وواقعه، يقرؤه الإنسان في سياق وجوده، وهذه هي عظمته، وهذا هو معنى استمراريته. فإذا توقف الفهم عند لحظةٍ معينة وعلى واقعٍ معين، فإننا حين ننتقل إلى واقعٍ آخر، علينا أن نفهم فهماً يتناسب مع هذا الواقع الجديد.

      بل أننا حين ننظر إلى اختلاف الأئمة في السابق، نجد أنه حتى مع ثبات الواقع نسبياً، إلا أن هناك من فهم فهماً مختلفاً عن الآخر. وهذا، هو البعد الإنسانيّ الذي يرى الأمور من زوايا مختلفة. وهذا، ما دعا الكثيرين أن يفرقوا بين النص وبين ما تفهمه من النص.

      لذلك، كان التوجيه الإلهيّ "...وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ"[العصر 3]، وكان التوجيه الإلهيّ "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ..."[آل عمران 104]*، ويؤمنون بالله.

      بل أن العبادات نفسها، التي هي في الأصل في شكلها وفي مناسكها أمورٌ توقيفية، فنحن نصوم بشكلٍ توقيفيّ تعلمناه من رسول الله ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ ولكننا نعلم أن للصوم صوراً كثيرة، "...كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ..."[البقرة 183]، ونحن نجد صوم الذين من قبلنا، في صورةٍ أو في صورٍ أخرى.

      فالقضية الأكبر إذاً، هي مفهوم الصوم. وقيامنا بالصوم في صورةٍ معينة، هو أن هذه الصورة تحمل رسالةً لنا، والصور الأخرى للصوم تحمل نفس الرسالة، نفس المضمون، بشكلٍ آخر وبتعبيرٍ آخر. وهذا، ما نذاكر به دائماً، من أن ـ في الأصل ـ هناك مفهومٌ واحد لكل عبادةٍ ولكل أمرٍ إلهيّ، والتعبير عن هذا المفهوم يتعدد بصورٍ كثيرة.

      ومفهوم الصوم ـ كما نتأمله ونتدبره ـ هو مفهومٌ أساسيّ في حياتنا، يرتبط بمجاهدة النفس، وهو الجهاد الأكبر، لأن الإنسان لو سار وراء نفسه الأمارة بالسوء، فسوف ينحدر إلى أسفل سافلين.

      "..خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"[التين 6:4]، "وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ"[العصر 3:1]. فهنا، التعبير القرآنيّ، يوضح لنا ما سيكون عليه الإنسان، إذا لم يتجه الاتجاه الذي يُعلِي فيه من معناه ومما فيه من قيمٍ روحية ومعنوية.

      فالصوم إذاً، هو تذكيرٌ للإنسان بأن يجاهد نفسه، وأن يستعين بالله، وأن يعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن يجعل لحياته هدفاً أسمى من مجرد معيشةٍ ماديةٍ لتلبية حاجاته الدنيوية، إنما يجعل من سعيه لتلبية هذه الحاجات، سبباً للتعامل مع الله. وهذا، هو الدرس الذي نُوَجَّه إليه دائماً.

      فالصوم هو حالةٌ يعيش فيها الإنسان بروحه ومعناه، ليأخذ مدداً روحياً يساعده يوم يرجع إلى طبيعته، في أن يتعامل مع الله في كل أمرٍ وفي كل حال. وهو يصوم من الفجر، رمزاً لإشراق المعرفة في قلبه عن معنى حياته، وأن هدفه أسمى من مجرد حياةٍ دنيوية، إنما الحياة الدنيوية هي لتحقيق وجوده الروحيّ.

      فحين تبدأ هذه اللحظة التي يشعر فيها بذلك، يدخل في صومٍ، حتى إذا جاءت لحظةٌ أخرى، هي لحظة غياب هذا النور، ليس غياباً مطلقاً، وإنما غيابٌ نسبيّ، لأنه إذا ظل في هذا الحال النورانيّ، فإنه لن يستطيع أن يمارس حياته الطبيعية التي عليه أن يعود إليها، ليُبقِي على هذه الذات ـ في هذه الأرض ـ التي تحمل معناه، والتي تُمَكِّنه من ممارسة حياته الأرضية.

      حين يحدث هذا، يعود إلى ممارسة حياته الطبيعية، ولكنه يكون قد أخذ نفحةً روحية ونورانية تُمَكِّنه من أن يمارس هذه الحياة بصورةٍ أفضل، متعاملاً مع الله. وهكذا، في دورةٍ تلو دورة، من ظهورٍ ومغيب، من صومٍ وإفطار، من حالٍ إلى حال، من نهارٍ وليل، يعيش حياته على هذه الأرض، وهو مطالبٌ بذلك في كل وقتٍ وفي كل حين.

      فإذا كان الصيام ـ بظاهره ومنسكه ـ شهراً في العام، فإنه يفعل ذلك في صلاته خمس مراتٍ في اليوم. في كل صلاةٍ يتجه إلى الله ليأخذ قوةً، ليعود إلى حياته الطبيعية بعد أن امتلأ بهذه القوة، ثم يعود مرةً أخرى، في صلاةٍ أخرى وفي وقتٍ آخر. وهكذا، فإنه في حاجةٍ إلى هذا المدد المستمر، والتَعرُّض لنفحات الله باستمرار، حتى يستطيع أن يواصل حياته وهو يكسب في الله ويرتقي في الله.

      هكذا، نفهم مناسكنا، وقد يفهم آخرون أمراً آخر، ولا يرون في هذه المناسك إلا شكلها وإلا القيام بأركانها، دون أن يتدبروا معانيها ورسائلها. هكذا، يختلف الناس في قدرتهم على فهم ما أُمِروا به، وكلٌّ ميسرٌ لما خُلِق له، و"لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا..."[البقرة 286]. وعلى كل إنسانٍ أن يبذل كل ما في طاقته، ليفهم أكثر ما أُمِر به، وليقوم أكثر فيما فهمه من آيات الله له.

      نسأل الله: أن نكون كذلك، وأن يساعدنا على ذلك.

      فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.

­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­__________________________

     

      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

      عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن ما جاء به ديننا، جاء بنصٍّ روحيّ تفاعليّ، يتفاعل مع الإنسان ومع واقع الإنسان. وأن كل إنسانٍ مخاطبٌ لذاته ولنفسه، بما جاء به النص.

      وعلى كل إنسان أن يحاول أن يفهم الرسالة المُوَجَّهة إليه، وأن يستعين بالآخرين الذين يتأملون ويتدبرون، في أن يفهم منهم المعاني المختلفة التي تحملها الكلمات، هو"...الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا"[الفرقان 59]، "...فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ"[النحل 43].

      ولكن هذا لا يعني أن تفهم فهماً واحداً من إنسانٍ واحد، وإنما تسأل أهل الذكر، فهناك كثيرون. وفي النهاية هي مسئوليتك أن تفهم الفهم الذي تريد، أو الذي يستريح قلبك له ويستريح عقلك له. فأنت مسئولٌ، وأنت غير مطالبٍ بأن تتبع، بل مطالبٌ بأنك تختار ما ترى أنت أنه الحق وأنه الخير.

      والحق يحدثنا عن الذين اتبعوا دون فهمٍ ودون وعي، "إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ..."[البقرة 166]، ويوم يقول الشيطان لمن اتبعوه: "...مَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم..."[إبراهيم 22].    

      فكل إنسانٍ مسئول، وعليه أن يختار، واختياره القائم على صدق، وعلى وعي، وعلى فهم ـ بقدره ـ هو الحق بالنسبة له. والاتباع لأي صورةٍ ولأي شكلٍ دون وعيٍ منه، هو الباطل أياً كان.

      هذا، هو ما نتعلمه في ديننا، لأننا بذلك نُكبِر ما أعطانا الله من قدراتٍ وإمكانات، يوم خلقنا وحَمَّلنا الأمانة. وبهذا، لا نكون من المُفَرِّطين في أمرنا، "...وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا"[الكهف 28].

      فذكر الله، أن تأخذ كل علمٍ من أيّ مكان ومن أيّ إنسان، ثم تُرجِعه إلى قلبك وعقلك، فتصل إلى الطريق الذي تريده، والذي ترى أنت فيه الخير، فيكون هو الخير لك، [كن كيف شئت، فإني كيفما تكون أكون](1).

      عباد الله: هكذا، يكون حالنا في كل ما أُمِرنا به، سواء كان ذلك في عباداتنا، أو في معاملاتنا، يجب أن يكون لنا فهمٌ فيما نقوم به، وأن نقرأ دائماً الرسائل المُوَجَّهة في كل معاملةٍ وفي كل عبادةٍ.

      اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.

اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.

      اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.

      اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.

      اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.

      اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.

      اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.

      اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.

      يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.





  

_______________________________


*"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ..."[آل عمران 110].


(1) هذه العبارة تتوافق مع الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن خيراً فله، وإن ظن شراً فله". أخرجه أحمد بن حنبل الجامع الصغير للسيوطي.   


 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق