الاثنين، 19 يناير، 2015

الغفلة الكبرى: أن يتقوقع الإنسان داخل نفسه

حديث الجمعة
25 ربيع الأول 1436هـ الموافق 16 يناير 2015م
السيد/ علي رافع

حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من الشيطان الرجيم، نعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
نسأله هدايةً، نسأله أن نكون فيمن هداهم، "...مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا"[الكهف 17]. نسأله أن نكون فيمن يحاسبون أنفسهم، [حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا](1). أن نكون من الذين لا يتقوقعون داخل ذواتهم، وإنما ينطلقون خارجها، ناقدين أنفسهم، لا يغترون بما هم فيه، وإنما يسمعون كل قول، "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ..."[الزمر 18].
إن الغفلة الكبرى، أن يتقوقع الإنسان داخل نفسه، فلا يرى إلا ما يفهمه هو، ولا يسمع إلا ما يقوله هو، ولا يرى إلا ما يريد أن يرى هو. فإذا نظرنا حولنا في مجتمعاتنا، في كل مجتمعات الأرض، نجد كل جماعةٍ "...بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ"[المؤمنون 53].
فهناك، من يرى الدين فيما يعتقده هو، أن معتقده في الإسلام هو دين الإيمان، وكل إنسانٍ لا يؤمن بما يؤمن هو به لا يستحق الوجود، لأن وجوده كفرٌ ويجب التخلص منه، وهو لا يرى الآخرين الذين يقولون عكس ما يقول، فهو يعيش في عالمه الذي خلقه، والذي لا يريد أن يخرج عنه.
وهناك، من يعيشون في ظن علمٍ توارثوه وقدسوه. فكل كتابٍ يقرأونه لسابقٍ لا يجدون مخرجاً منه، وإنما يقيدهم. فظنوا العلم في كل ما كتب السابقون، وأصبح هذا هو العلم لديهم، لا يريدون أن يخرجوا من هذا العلم، لا يريدون أن ينقدوا أي سابقٍ، مع أن كل ما كُتِب من إنسانٍ ومن بشرٍ، فهو قابلٌ أن يُرَد عليه، بل هو واجبٌ على كل إنسانٍ أن ينقده إذا وجد لذلك محلاً.
وهناك، الذين ظنوا أيضاً أن التصوف هو فقط في خلوةٍ وفي زهدٍ، وظنوا أن هذا هو كل شيءٍ. الذين يتلمسون هذا الطريق، وأخذوا يرددون أيضاً ما قام به السابقون في هذا المجال، فإذا قرأت كتاباً عن المتصوفة، سوف تجد أن الذين يُصنَّفون في هذا المسلك، أو الذي يتعرف الناس عليهم، ويقولون ويشيرون إليهم بأنهم مثال التصوف، هم من تركوا الدنيا وزهدوا فيها.
وهذا، أمرٌ قد يكون جيداً من إنسانٍ ما، في وقتٍ ما، ولكنه ليس المقياس الوحيد، بل أنا لا نستطيع أن نحكم على أحدٍ بالخير أو بالشر باتخاذ هذه المقاييس فقط، بل باتخاذ أي مقياس، فالله أعلم بما في داخل كل إنسان. إنا نستطيع أن نحكم على عمل إنسان، ولكن لا نحكم على الإنسان، فنقول هذا العمل هو عملٌ صالح، بمقاييسنا وبمعاييرنا.
فكل ما ينفع الناس هو عملٌ صالح. كل ما ينفع كائنات الله هو عملٌ صالح. كل من يُكبِر العدل هو إنسانٌ صالح في هذا العمل، وفي هذا الحال، الذي أكبر فيه العدل ـ عمله صالح. قد نشهد له بالإيمان ـ في ظاهر حياتنا ـ بما أداه من عملٍ صالحٍ، ولكننا لا نستطيع أن نفعل أكثر من ذلك، بأن نقدسه أو أن نُكبِره أو أن نقول أنه أحسن خلق الله، فهذا خارجٌ عن حكمنا وعن طاقتنا.
 وكل إنسانٍ، عليه ألا ينخدع بشهادة الناس له. فالحديث الذي يقول ـ بما معناه ـ: [إذا رأيتم الرجل يدخل المسجد، فاشهدوا له بالإيمان](2)، لا يعني أن يشهد الإنسان لنفسه بالإيمان، فهو يعلم ما هي نيته من دخول المسجد.
فكم من الرجال، يدخلون المساجد لمجرد أن يخدعوا الناس، وهم يعلمون جيداً أنهم ليسوا على شيء، وأن الإيمان لم يمس قلوبهم، فهم منغمسون في الدنيا حتى أذنيهم، ولا يدركون معنى الإيمان الحق، فيخدعون أنفسهم بحديث الناس عنهم، ويظنون أنهم في إيمانٍ، وهم في قرارة نفوسهم، إذا أرجعوا البصر قليلاً إلى داخلهم، لعلموا أنهم ليسوا كذلك.
إن الطريق الذي يمكن أن يساعد الإنسان على ألا يكون كذلك، هو أن يكون محاسباً نفسه دائماً، وأن يكون مستمعاً لغيره دائماً، وأن يراجع مفاهيمه دائماً، وألا يظن أنه على الحق المطلق، وإنما يقول: هذا ما رأيت، وهذا ما فهمت. وهذا، هو المنهج الذي أُرشِدنا إليه في ديننا، أن نتواصى بالحق ونتواصى بالصبر، فيستمع كلٌّ منا إلى الآخر.
نجتمع جميعاً بكل مفاهيمنا، وبكل آرائنا، وبكل تصوراتنا، ونجلس معاً، متواصين بالحق ومتواصين بالصبر، يقول كلٌّ منا ما يرى أنه الحق، والحق له زوايا كثيرة، وكلٌّ يرى الحق من زاويته.
يوم نجتمع على ذكر الله، وعلى التواصي بالحق والتواصي بالصبر، فإن كلًّا منا ينظر من زاويةٍ، فتتكامل رؤيتنا من خلال تواصينا بالحق وتواصينا بالصبر، فلا نَمَلُّ من التواصي ومن مراجعة بعضنا بعضا، حتى تكتمل الصورة لدينا في لحظةٍ ما، فنفعل ما رأيناه جميعاً، مستعدين في وقتٍ لاحقٍ أن نغير ما ارتأيناه، إذا وجدنا ما هو أفضل، فالرجوع إلى الحق فضيلة.
عباد الله: نسأل الله: أن نكون أداة خيرٍ وسلامٍ ورحمة لنا ولمن حولنا، وأن نكون من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ..."، وأن نطلب الحق دائماً، وألا نتكبر بمفهومٍ أو بفكرةٍ أو بظنٍ، وإنما نسأل الله دائماً أن يوفقنا لما فيه خيرنا ولما فيه صلاحنا.
فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله .
عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن لكل جماعةٍ تفكيرها وفهمها فيما تقرأه من آيات الله، والذي يؤدي بها إلى الظن بأنها هي التي تعرف الحقيقة.
ولا مخرج لنا من ذلك التَحزُّب والتشرزُم، إلا بأن نعتبر ما يفهمه الآخرون، حتى لا نقع في حالٍ لا نرى فيه إلا أنفسنا، ولا نعبد فيه إلا مفاهيمنا، وإلا عالماً خلقناه من أفكارنا ومن ظنوننا. وهذا، أمرٌ قد لا يكون مفرٌ منه، فيما يخص كل إنسانٍ على مستوى نفسه.
وإنما على كل إنسانٍ أن يراجع علاقته بالآخرين في ظل كل المفاهيم الموجودة، فيخشى الله أن يكون أداة سوءٍ لأخ له في البشرية، بظن الحق وبظن الحقيقة، عليه في ذلك أن يراجع نفسه كثيراً.
فالإنسان فيما يخصه هو كفردٍ، إذا كانت نيته أنه يريد صلاح نفسه، بأي صورةٍ من الصور، واعتقد أن عملاً ما سوف يؤدي به إلى ذلك، فهذا هو الطريق الذي ارتآه. وكما نقول دائماً، أن إذا اعتقد الإنسان أمراً، وصدق في اعتقاده، فهو يكون بذلك في طريقٍ يؤدي به إلى حالٍ أفضل، لأنه متناغمٌ مع نفسه ومع فهمه ومع عقيدته.
إنما هو لا يملك هذا الأمر فيما يخص الآخرين، عليه أن يراجع نفسه كثيراً، في كل ما يصدر عنه تجاه أي إنسانٍ أو كائنٍ آخر.
عباد الله: إن الطريق الذي يمكن أن يجمعنا جميعاً، هو أن نتواصى بالحق وأن نتواصى بالصبر، حتى مع اختلافنا. وفي كل أمرٍ يخص مجتمعنا، فإننا علينا أن نتواصى فيه بالحق والصبر بيننا، وما نخرج به من تواصينا يكون، مستعدين دائماً أن نراجع أنفسنا، وأن نرجع إلى الحق متى وجدنا أنه أفضل مما كنا نراه في سابق.
وهذا أمرٌ نسبيّ، سوف نظل دائماً نبحث عنه، وهذه قيمة الإنسانية والبشرية، أنها دائماً تبحث عن الحقيقة، إذا كانت في طريق الصلاح والفلاح، بل أن هدايتها هي أن تظل تبحث دائماً، ولا تقول أبداً أنها وصلت إلى الحق المطلق.
عباد الله: نسأل الله: أن يوفقنا لذلك، وأن يجعلنا أهلاً لذلك.
      اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.  
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
      اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.
      اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
      اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
      اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
      اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.            
"رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ"[آل عمران 193].  
                        
_______________________________

(1)      مقولة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نصها : " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ، فإنه أخف عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم وتزينوا للعرض الأكبر ، كذا الأكبر { يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية }".

(2)      حديث شريف نصه: " إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد ، فاشهدوا له بالإيمان، فإن الله يقول: ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة )" الراوي: أبو سعيد الخدري، المحدث: الترمذي.   

 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق