الخميس، 19 فبراير، 2015

مدخل الهداية إلى الإنسان هو من خلال تعلُّم منهجية يقتنع بها إنسانٌ فينفذها




حديث الجمعة
 24 ربيع الثاني 1436ه الموافق  13 فبراير 2015م

السيد/ علي رافع


      حمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
      نستعين بالله ونستنصره، ونعوذ به من الشيطان الرجيم، نعوذ به من شرور أنفسنا ومن شرور الأشرار حولنا، نسأله توفيقاً، وهدايةً، ورحمةً، ومغفرةً، وفضلاً، وكرماً. "...مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا"[الكهف 17]، "...أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى"[طه 50]، "وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ"[البلد 10]، "فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا"[الشمس 10:8].
      أوجد الله الإنسان على هذه الأرض، وأودع فيه قدرةً، وجعل له حواساً، جعل له بصراً، وجعل له سمعاً، وأعطاه قدرةً أن يغير، وأن يسعى في الأرض، وجعله بذلك خليفةً على الأرض، وعلمه الأسماء كلها، بما أودع فيه من فطرة، ثم أرسل له الرسل لتذكره، لتذكره بما فيه من فطرة، وبما فيه من قدرة.
      فأصبح الإنسان بذلك قياماً كائناً بذاته، عالماً فيه كل شيء، [وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر](1). وأصبح كسب الإنسان على هذه الأرض، مرتبطاً بتفعيل الإنسان لهذه الإمكانيات فيه، بأن يرى، ويسمع، ويقرأ، ويتدبر ـ فيغير ويعمل. فإن كان فعله فيه خيرٌ للناس، فإنه ينعكس عليه بطاقةٍ إيجابيةٍ روحية، وإذا كان فعله فيه إساءةٌ للناس إنعكس هذا الفعل عليه بطاقةٍ سلبيةٍ ماديةٍ مظلمة.
      علاقته بالغيب، مرتبطةٌ بإخلاصه وإحسانه في الشهادة، "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"[البقرة 3]. علاقتك بالغيب، هي علاقةٌ إيمانية مجردة، ليس لها شكل، وليس لها صورة، إنها أعلى عن أي صورة، إنها في إكبارك لله عن أي شكلٍ أو صورة.
      تعرف أن علاقتك به الإيمانية، هي علاقةٌ أساسها الرحمة، وأساسها الحب، وأساسها المغفرة، وأساسها العطاء، وأساسها الكرم والجود والعطاء. وأن ما تفعله على هذه الأرض، يعبر عن هذه العلاقة بصورةٍ تستطيع أن تلمسها.
      فإذا أحسنت، إنعكس هذا الفعل عليك، فشعرت بتوفيق الله وعطائه. وإن أسأت، شعرت بتنبيه الله لك، في انعكاس هذا الفعل عليك، بما يجعلك تتذكر وتتفكر فيما أنت فيه قائم.
      ولكنك لا تستطيع بأي صورةٍ من الصور، أن تتكلم نيابةً عن الله، وأن تحدد ما يريد الله وما لا يريد، إنما يكون ذلك بممارستك أنت على هذه الأرض، وبتجربتك على هذه الأرض، فيما تفعله وفيما تقوم به، تُعلِي الله دائماً عن أي صورةٍ وعن أي تصور، وتعلم أنه قد أودع فيك، ما يجعلك تقيس ما يُعلِيك وما يُدنِيك، "بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ"[القيامة 14].
      وأصبحت رؤيتك لوجودك، هي تعبيرٌ عن رؤية الله لك، "...كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا"[الإسراء 14]. لذلك، فإن العلاقة مع الله تبدأ من الإنسان، [من تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً ومن جاءني مشياً جئته هرولةً](2)، "...ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..."[غافر 60]، "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ"[فاطر 15]، "لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ، لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ، أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا، أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ،أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ"[البلد 8:1]، فهو الذي يرى نفسه.
      ورؤيته لنفسه، هي رؤية الله له. "أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ"[البلد 10:8]، "..هَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ". إنه عنده القدرة أن يرى، ويسمع، وأن يتكلم، ويتحرك، وأن يميز بين الخبيث والطيب، وبين الخير والشر، وبين النور والظلام، وبين الحق والباطل، وهو سوف يختار، [كن كيف شئت فإني كيفما تكون أكون](3).
      ونحن نرى اليوم، أناساً يختارون عاجل الحياة، يختارون الدنيا، وتصبح الدنيا كل همهم وبالغ علمهم، ينظرون للدنيا للدنيا، وللمادة للمادة. ونرى أناساً إختاروا الدنيا للآخرة، إختاروا أن يعملوا عملاً صالحاً، لا ينتظرون جزاءاً ولا شكوراً، "إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ..."[الإنسان 9]، "...يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ..."[الحشر 9]. كلٌّ إختار.
      إنا نرى كثيرين، كلٌّ يفكر بطريقةٍ ما، وسوف تجد أن تفكيره هو الذي يؤدي به إلى هذا الطريق أو ذلك الطريق، وكلٌّ يعتقد في عقله ويؤمن به.
      رحمة الله بالإنسان، أن يهدي الإنسان إلى طريق أو إلى إنسانٍ يعلمه، والإنسان الآخر لن يفعل له شيء، إلا من خلال عقله هو، من خلال أن يعلمه كيف يفكر ويتأمل. فمدخل الهداية إلى الإنسان، هو من خلال تعلُّم منهجية يقتنع بها إنسانٌ فينفذها، إنما لا يستطيع إنسانٌ أن يهدي إنساناً بمجرد أن يقول له إفعل أو لا تفعل، أو ما هو الذي يجب فعله وما الذي لا يجب فعله.
      لذلك، كان الدين منهجٌ في الأساس، يعلم الإنسان كيف يخطو في هذه الحياة، بأن يتفكر ويتأمل ويتدبر.
      عباد الله: نسأل الله: أن نكون من عباد الله الذين يتفكرون ويتدبرون، "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"[آل عمران 191].
      نسأل الله: أن نكون من "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ..."[الزمر 18].
      فحمداً لله، وشكراً لله، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
      عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن الإنسان عالمٌ قائمٌ بذاته. هذا العالم، فيه كل شيء، فيه القدرة على السمع والبصر، وعلى التكلم والحركة، وعلى تدبر ما يحيط به، وعلى تغيير ما هو حوله، وفيه قدرة التفكير والتفكر والتدبر، فيه قدرة التحليل والفهم لما يحدث حوله، ولتوقع ما يمكن أن ينتج عن أن يفعل فعلاً معيناً.
      هذه الطاقة الموجودة في الإنسان، تختلف من إنسانٍ لإنسان، وهذا الذي يفرق بين إنسانٍ وإنسان. ولذلك، لا يمكن لأي إنسانٍ أن يقول أن ما يفهمه هو، وما حلله هو، وما فعله هو، هو فعل الله. لأني لي فعل، ولك فعل، ولكل إنسانٍ فعل، أنا أفكر، وأنت تفكر، وكل إنسانٍ يفكر، ويصل إلى نتائج مختلفة، وإلى قراراتٍ مختلفة. علينا أن نُكبِر الله عن أي صورةٍ، أو عن أي شكلٍ يصل إليه إنسان.
      بينما يحاول كل إنسانٍ أن يقدم أحسن ما عنده، فقد يكون بتقديمه، أداة خيرٍ لإنسان آخر، "فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى، سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى، وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى"[الأعلى 11:9]. ولن يستفيد الآخر إلا بقدرته على التَقبُّل والتحليل، فإن قَبِل، فهذا نتيجة ما عنده من قدرة. وإن رفض، فهذا نتيجة ما عنده من قدرةٍ أيضاً. "..وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى..."[الأنعام 164]، "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ"[الزلزلة 8،7]. فالمسئولية، هي مسئولية كل إنسان.
      لذلك عُلِّمنا ذلك في كتاب الحق، حين يخاطب الحق رسوله، "...أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ"[يونس 99]، هذا لنتعلم القانون. هكذا نتعلم ديننا، نُذكِّر بما نرى أنه الخير، ونقبل تذكير الآخر لنا بما يرى أنه الخير، وكلٌّ منا عليه أن يُعمِل ما أعطاه الله من قدرات، ليتفكر فيما يُقال له، وفيما يدركه هو، وفيما يراه هو. عليه أن يتخذ قراره بنفسه لنفسه، وهذا القرار هو مسئوليته، ولا يستطيع غير ذلك في واقع الأمر. فخيار أن يسلم نفسه لآخرٍ يحركه، هو أيضاً قراره.
      لذلك، يعلمنا الحق ذلك يوم يقول لنا: "إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ..."[البقرة 166]، ويوم يتبرأ الشيطان من الذين اتبعوه، ويقول لهم: "...وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم..."[إبراهيم 22].
      ومن هذا، نتعلم أن كل إنسانٍ مسئول، حتى يوم يُسلم نفسه، فإنه مسئولٌ عن هذا التسليم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
      عباد الله: نسأل الله: أن يجعل منا أداة خيرٍ وسلامٍ ورحمة لنا، ولبلدنا، ولأرضنا.
      اللهم وهذا حالنا لا يخفى عليك، تعلم ما بنا، وتعلم ما عليه الناس حولنا.
اللهم ونحن نتجه إليك، ونتوكل عليك، ونوكل ظهورنا إليك، ونسلم وجوهنا إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
      اللهم فاكشف الغمة عنا، وعن بلدنا، وعن أرضنا.     
      اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من حولنا.
      اللهم اجعلنا لك خالصين، لوجهك قاصدين، معك متعاملين، عندك محتسبين.
      اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجةً لنا فيها رضاك إلا قضيتها.
      اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واعف عنا.
      يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا.





_______________________________

(1)   مقولة للإمام علي كرم الله وجهه.

(2) حديث قدسي أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة :" أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعاً وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ".

(3)   هذه العبارة تتوافق مع الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن خيراً فله، وإن ظن شراً فله ". أخرجه أحمد بن حنبل الجامع الصغير للسيوطي .   

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق